مجلة الرسالة/العدد 937/الأدب والفن في أسبوع

مجلة الرسالة/العدد 937/الأدب والفن في أسبُوع

مجلة الرسالة - العدد 937
الأدب والفن في أسبُوع
ملاحظات: بتاريخ: 18 - 06 - 1951



للأستاذ عباس خضر

ويل للأدب إذا أحتاج إنتاجه الرفيع إلى التشجيع، واذكر كبار الأدباء في الشرق والغرب فإنهم قد منحوا الإنسانية هذا التراث العميق الضخم دون أن يشجعوا إلا نادراً، وتستطيع أن تقول أنهم اشتقوه من آلام نفوسهم وقلوبهم ومن استمتاعهم بلذة البؤس والحرمان، وإنها للذة حلوة لشدة قسوتها!

طه حسين

ساعة من العميد:

لم يخدعني الحرس الواقف بباب معالي الدكتور طه حسين باشا عما كان يدور بخلدي وأنا في الطريق أليه. كنت نشطاً إلى لقاء معاليه في الموعد المضروب، وأنا أعرف عن نفسي - فما أعرف عنها - التثاقل بل العزوف عن مقابلة الوزراء وأمثالهم من الكبراء، ولكني كنت موقناً أني ذاهب إلى رجل ليس من هؤلاء، أو هو منهم شكلاً ورسماً، ولكن فيه ما أقصد غير ذلك، فيه الأديب الأستاذ الذي وطالما ألقي إلى وطالما وعيت عنه، وطالما تحدث إلى وتحدثت إليه وإن لم ألقه قبل ذلك إلا لقاء عابراً، طالما أصغيت إليه في السطور وعشت معه فيما بين السطور، وطالما أنس به خيالي وأنا أسوق إليه الحديث في بعض ما أكتب.

كان ذلك ما يدور بخلدي حين أقبلت على دار العميد أستأذن في الدخول. وأذن لي، واستقبلني معاليه في غرفة المكتبة، وقد لقيت منه الأنس أول ما لقيت، وشاء أدبه أن يعتذر لوقوفي دقائق بالباب. وأخذت مجلسي بجواره، وأنا أشعر - على انقباض في - بأن التعارف بيننا قديم العهد. وأخذنا في الحديث، تنتقل من الخاص إلى العام، ومن عام إلى خاص، وكان يجيبني عما وجهت إليه من أسئلة في شؤون الأدب والفن بطلاقته المعروفة، ويمزج ذلك بمرح ودعابة في بعض المواطن، ويمسك عن الحديث العام حيناً فيسبغ على أنسه وإلطافه. . . فكان يفكر ويعبر ويلطف ويؤنس في آن. . قضيت معه ساعة ما أعظمها! وما أقصرها! وخرجت من لدنه، وقد قبست لقراء الرسالة أقباساً من أدب العميد، وتزودت لنفسي بما لن تنساه نفسي.

كدت أنسى:

كان أول سؤال وجهته إلى معالي الدكتور طه حسين باشا ما يلي:

أنت وزير المعارف، وأنت - قبل هذا ومع هذا وبعد هذا - عميد الأدب والأدباء. وقد رأت البلاد أعمالكم المجيدة في نشر التعليم، والأمل أن يظفر الأدب والثقافة العامة من الدولة على يديكم بمثل ذلك، فماذا أعددتم في هذا السبيل؟

قال معاليه: الواقع أن تيسير التعليم ونشره وما فيهما من مصاعب يجب قهرها ومن عقبات يحب تذليلها - كل ذلك قد استغرق وقتي وجهدي وتفكيري، حتى نسيت أو كدت أنسى أن بيني وبين الأدب صلة، ونسيت أو كدت أنسى أن للأدب على حقوقا يجب أن تؤدي. ولا أرى إلا أن سؤالك هذا سيضطرني إلى أن أحاسب نفسي وإلى أن أجعل الحساب عسيراً. وأنا الآن والآن فقط أسأل نفسي ماذا يجب على أن أفعل للأدب والأدباء، وأحسبني أؤدي لهم خدمة خطيرة مادمت أنشر التعليم فأعد للأدب والأدباء قراء قد يكون لهم أثر في نشر الأدب أولاً، وفي توجيهه ثانياً، وفي إشعار الأدباء بأنهم لا يكتبون لأنفسهم وحدها ولا يكتبون لنظرائهم من الأدباء والمتأدبين فحسب، وإنما يكتبون لشعب يقرأ قراءة مباشرة، وأظن أن هذا ليس قليلاً. ودعني الآن أسألك أنت: ماذا تحب أن أصنع للأدب والأدباء أثناء نهوضي بأعباء الوزارة؟

مظاهر النشاط الأدبي:

قلت: يمكن القول - على وجه الإجمال - بأن النشاط الأدبي الذي تتطلبه البلاد يتمثل في ثلاثة أمور: (1) خدمة التراث بإحيائه وتنميته (2) والأخذ من الآداب الأجنبية (3) ثم الإضافة الذاتية. فالأمران الأولان يحتاجان إلى الإدارات الحكومة القادرة على العمل المنتج. ويتطلب الأمر الثالث، وهو الإضافة الذاتية، تشجيع الأدباء وإثابة جهودهم إثابة لا يحققها لهم الجمهور الحالي.

إحياء التراث:

قال معاليه: أما إحياء التراث القديم فإن جهودا كثيرة تبذل فيه، فإدارة الثقافة العامة مستعدة لنشر الآثار الأدبية القديمة، وتشجيع الذين يعدونها للنشر ويقومون عليه تشجيعاً حسناً. ولست أشكو من تقصير المحققين الذين لا أكاد أحس منهم جهداً، وربما انتهى بي الأمر إلى أن أختار أنا طائفة من الكتب القديمة وأكلف بعض الباحثين بدرسها وتحقيقها، وأدعو بالقياس إلى بعضها الآخر أدباءنا إلى أن يستبقوا في درسها وتحقيقها، ولكن كنت أتمنى ألا يحتاج الأدباء إلى هذا التوجيه الإداري. وفي دار الكتب لجنة لإحياء الأدب العربي القديم برأسها الأستاذ أحمد أمين بك وأنا بعض أعضائها، ولكنها لم تكد تبدأ عملها بعد، وأرجو أن تكون جهودنا منتجة فيضاف عملها إلى عمل المكتبات الخاصة. وما أظنك تطلب أكثر من هذا.

الترجمة:

ثم قال معاليه: وأما النقل عن الآداب الأجنبية فقد ترجم في الأعوام الأخيرة عدد صالح من الكتب، نشر بعضه وبعضه ينتظر النشر؛ وإدارة الثقافة هي المشرقة على ذلك، وربما كان اختيار هذه الكتب موضع شئ من الجدل، ولكنها حركة على أي حال. وقد قررت في هذا العام نقل آثار شكسبير كلها إلى اللغة العربية، ونقل آثار راسين إليها كذلك. ولولا الصعوبات التي تثار دائماً في وزارة المالية لأخذنا في تنفيذ هذين العملين الخطيرين، ولكني واثق من أن هذه الصعوبات ستنتهي، ولن تصدر الميزانية الجديدة إلا وفيها الاعتماد الذي نحتاج إليه. وعسى أن يتصل هذا الجهد فتنقل إلى اللغة العربية آثار كبار الكتاب والشعراء في الغرب شيئاً.

تشجيع الأدباء:

وقال: أما الإضافة الذاتية فلست واثقاً بأنها تحتاج إلى التشجيع وحده، وأخشى أن تكون في حاجة إلى شئ آخر غير التشجيع، هو خصب القرائح وإيثار الأناة والتجويد على العجلة وابتغاء الكسب، وفي كل عام تعطى جائزة فؤاد الأول للآداب، وتعطى جوائز المجتمع اللغوي، ولعلك توافقني على أن الذين ظفروا بهذه الجوائز لم يعملوا لها ولم يسعوا إليها، وإنما اضطرهم الأدب إلى أن يكتبوا فكتبوا، وعرفت لهم الدولة قدرهم فإجازتهم. روبل للأدب إذا احتاج إنتاجه الرفيع إلى التشجيع، واذكر كبار الأدباء في الشرق والغرب، لأنهم قد منحوا الإنسانية هذا التراث الرفيع الضخم دون أن يشجعوا إلا نادرا، وتستطيع أن تقول إنهم اشتقوه من آلام نفوسهم وقلوبهم ومن استمتاعهم بلذة البؤس والحرمان، وإنها للذة لشدة قسوتها!

جماعة الأدباء:

ثم قلت لمعاليه: كنتم تدعون الأدباء إلى تكوين جماعة تمثلهم وترعي حقوقهم، ولعل مكانكم الآن في الوزارة مما بعين على إنشاء هذه الجماعة ورعاية الدولة إياها، فما رأيكم في ذلك؟

قال: لو أنشأ الأدباء جماعتهم هذه إنشاء جد لا عبث فيه لكنت أول من يسعى إلى الاشتراك فيها ولكنت سفيرها في مجلس الوزراء في البرلمان، ولكن جماعات الأدباء لا تنشأ بالمراسيم ولا بالقرارات الوزارية، وإنما تنشأ أولاً ثم تعترف بها الدولة بعد ذلك. ومع ذلك فبين يدي مشروع قانون أرجو أن أقدمه إلى البرلمان في أول دورته المقبلة إن شاء الله، وهو ينشئ معهد فاروق الأول للعلوم والفنون والآداب، وسيكون هذا المعهد مؤلفاً من شعب خمس: شعبة الطب. وشعبة الأدب والحديث، وشعبة الفنون الجملة. وليس هذا المشروع جديداً، وإنما حاولت استصداره مع السنهوري باشا حين كان وكيلاً لوزارة المعارف وكنت أنا مراقباً للثقافة العامة، وحاولت استصداره حين كان نجيب الهلالي باشا وزيرا للمعارف، ولم أوفق، وأرجو أن يكتب لي التوفيق في هذه المحاولة الثالثة. ولن يغني هذا المعهد عن إنشاء جماعة الأدباء الحرة، ولن يمنعني أن أكون من السابقين إلى الاشتراك فيها.

المسرح والمجلات الأدبية:

وقلت: الحكومة تمد المسرح بالإعانات المالية ليقوم إلى جانب السينما التي تجتذب إليها الجماهير، فلماذا لا تعين المجلات الأدبية لتسير إلى جانب المجلات الأخرى؟

قال: ليست وزارة المعارف هي التي تعين المسرح، لأنه كما هو الآن لا يكاد يخدم الأدب العربي، وإنما هو لون من الترفيه وإضاعة الوقت. ولن تقصر وزارة المعارف عن إعانة المجلات الأدبية الخالصة إذا جدت ووقفت نفسها على الأدب الرفيع والثقافة الممتازة، وسبيلها إلى هذه الإعانة هو الاشتراك في أعداد ضخمة منها لمدارسها الكثيرة التي تزداد كثرة من يوم إلى يوم.

وقلت: بما للمسرح من أثر في التثقيف وتذوق الأدب المسرحي، ألا ترون أنه يجدر بوزارة المعارف أن تعين على النهوض بهذا الفن أكثر مما تفعل؟

قال: جئني بالأعوان الذين يمكن أن أعتقد عليهم في ذلك، ثم لمني إن قصرت بعد هذا.

كتابان:

قلت: أراني قد فرغت من معالي الوزير، وأريد أن أتوجه إلى طه حسين الكاتب الأديب بهذا السؤال: هل في برنامجه الحالي أن ينتهز بعض الفرص فينتج جديداً في عالم الأدب والفن؟

قال: في رأسي كتابان لن أستريح حتى أكتبهما إن مد لي في أسباب الحياة، أحدهما يسير لا احتاج فيه إلا إلى الوقت لأمليه، وهو رسائل إنسانية؛ والآخر يحتاج إلى الوقت والجهد، وهو تاريخ الشعر العربي إلى عصر أبي العلاء. ولكن الوقت يمضي والصحة تضعف وأنا أتعزى بمداعبة الأمل، والله المستعان.

روائع وإسفاف:

ثم سألت معاليه السؤال الأخير: ما رأيكم في أدب الجيل الذي يلي طبقتكم؟

قال: فيه روائع عن الشك، ولكن فيه إسفافاً كثيراً. ولا تدخل في التفصيل فلن تنال مني شيئاً

عباس خضر