مجلة الرسالة/العدد 94/روح المدرسة الإنجليزي

مجلة الرسالة/العدد 94/روح المدرسة الإنجليزي

ملاحظات: بتاريخ: 22 - 04 - 1935



الحديثة

للأستاذ محمد عطية الأبراشي

المفتش بوزارة المعارف

إن الزائر الغريب لمدرسة إنجليزية حديثه لأول مرة يلاحظ على الأطفال شيئين:

أولا: النشاط والاستعداد للعمل

ثانيا: السعادة

فالتلاميذ مملوءون نشاطا، وحياتهم كلها بهجة وهناءة؛ وجوه ضاحكة مستبشرة، تملأ المدرسة بشرا وسرورا؛ والجو المدرسي كله حياة ويقظة وانتباه، وحب للعمل واستعداد لأداء الواجب، يتمثل فيه روح الوفاء والإخلاص والعناية والدقة في العمل، والتعاون بين النظار والمدرسين والتلاميذ. هناك لا تجد تلاميذ يتظاهرون بالعمل وهم لا يعلمون، أو يصغون وهم يتثاءبون، لا ترى من يحل مسائل حسابية بطريقة آلية من غير ما تفكير، أو من ينقل قطعا إنشائية، أو كلمات إملائية لا يدرك لها معنى

هناك ينشغل الطفل بعقله ويده؛ فلا يكتفي بتعلم النظريات، بل يشتغل أيضا بكثير من الأعمال اليدوية، ويعطي مقدارا من الحرية في العمل، يعمل على حساب قواه العقلية، وله رأي خاص به. هناك يعتمد الطفل على نفسه في كل عمل مع الاستعانة بمدرسه وإرشاداته عند الحاجة. قد يحل المسألة خطأ، ولكن المهم أنه حاول أن يعمل، وعمل برغبة، وتركت له الفرصة في التفكير، وفي رسم الخطط وتدبير الوسائل

ولقد حدث، في إحدى المدارس الحديثة للبنات أن معلمة من المعلمات اضطرت إلى الذهاب إلى المستشفى يوما ما، فرأت رصيفة لها أن الواجب يقضي بمصاحبتها؛ وكانت ناظرة المدرسة على فراش المرض، ولسوء الحظ قد حدث لرابعتهن وهي في طريقها إلى المدرسة ما أوجب تأخرها نصف ساعة عن الميعاد؛ وعلى هذا بقيت المدرسة ولا ناظرة فيها ولا مدرسة. فلما دخلت الأخيرة المدرسة وجدت كل البنات في أمكنهن، يعلمن بنظام، فلقد نظر بعضهن في جدول أوقات الدروس، واخترن من التلميذات من يستطعن التعليم ف السنين الأولى من المدرسة، وأخذت البقية تعمل بنفسها. فكان كل فصل يسير في عمله بنشاط كالعادة، ولم يحدث من إحداهن ونية أو تقصير في العمل، وكان النظام مستتبا. فمثل هذه الحادثة تبرهن على أن روح المدرسة الحديثة هي: روح التعاون، والاعتماد على النفس، وحب العمل، والفخر بالمدرسة، والإخلاص لها؛ وهذه الروح وتلك المبادئ وحدها تكفل نجاح أي مدرسة من المدارس، وتغني عن استعمال الثواب والعقاب، والمنافسة في المدرسة

فالتلاميذ بالمدرسة الإنجليزية مغتبطون بمدرستهم، يستنفذون جهدهم، ويبذلون كل ما في وسعهم في سبيل تقدمها. محال أن يتمنوا الرفعة على أكتاف غيرهم، يعمل الكل لمصلحة الكل وينسى نفسه. ومن أظهر مقدرة ومهارة في أمر ما فمكافأته أن يسمح له بمعاونة غيره من الضعفاء أحيانا

مثل من المدارس الريفية التي الابتدائية بإنجلترا

من المدارس التي رأيتها مدرسة ريفية ابتدائية داخلية تقبل التلاميذ بعد الانتهاء من قسم الأطفال. فيها يستيقظ التلاميذ مبكرين، فيرتب كل منهم سريره، وينظفون معا حجر النوم.

وبعد ارتداء الملابس يقوم بعضهم بمساعدة الطاهية في إعداد الطعام، أو في إعداد المائدة وتنظيمها. وبعد تناول طعام الإفطار يساعدون في تنظيف الآنية وتنشيفها

ومدة الدراسة النظرية في الصباح أربع ساعات. وبعد الظهر يشتغل التلاميذ بالزراعة في حديقة المدرسة، أو بالنجارة في حجرة النجارة التي يقوم بالتعليم فيها أحد النجارين وفي هذه المدرسة تظهر روح التعاون بأجلى معانيها: فمن التلاميذ من يقوم بإصلاح ما يحدث في بناء المدرسة من خلل، ومنهم من يكوى الملابس، ومنهم من يخيط ما تحتاج إليه من رتق، وهكذا

وتتصل بالمدرسة حديقة كبيرة، تبلغ مساحتها ثلاثة أفدنة، بها قسم لتربية الطيور والحيوانات الداجنة، ويتولى بعض التلاميذ إطعامها والعناية بها. ويقوم التلاميذ أنفسهم بزرع ما أمكن من أنواع الخضر والفواكه والأزهار في تلك الحديقة، وبهذه الوسيلة تستطيع المدرسة أن تستغني عن شراء كثير من المواد الغذائية وغيرها. وتجمع بين التعليم النظري والعملي أو الصناعي فتفتح كثيرا من السبل أمام كل تلميذ حتى تنتفع بميول، وتعرف ما يرغب فيه من الأعمال، فتوجهه حيث يحب، ويختار له من سبل الحياة ومن المهن والصناعات ما يتفق مع ميوله الطبيعية. فالمدرسة تعطيه الفرصة في أن يعرف شيئا عن النجارة، والزراعة، والحياكة، والكي، والبناء، والرسم، والتصوير، والموسيقى، بجانب المواد المدرسية الأخرى. وهذه هي التربية

ولا يسمح لأحد من التلاميذ بأكل شيء فواكه الحديقة في غير مواعيد الأكل. ومن يخالف ذلك يحرم هذه الفاكهة حتى ينتهي فصلها. وهذا عقاب طبيعي؛ لهذا لا يجرؤ أحد أن يقطف شيئا من الحديقة. ولكل تلميذ صوان خاص به، يضع فيه أدواته. وللناظر وحده الحق في الاطلاع على ما به

وبعد تناول الشاي يسمع التلاميذ اللاسلكي، أو يتعلم بعضهم العزف على المعزف (البيانو)، ويلعبون ألعابا رياضية ككرة المضرب

وفي يوم الأحد صباحا يذهبون إلى الكنيسة مع أستاذتهم، ثم يخرجون للرياضة في جهات خاصة. فأوقاتهم منظمة، موزعة بين العمل واللعب؛ يلعبون حيث يجب اللعب، ويعملون حيث يجب العمل. ويجتهد ناظر المدرسة في ألا يترك لأي تلميذ الفرصة في أن يفكر في أعمال شيطانية، فيدعه يشتغل بأي عمل من الأعمال، حتى لا يفكر في أي عثو أو إفساد في المدرسة

إن الشباب والفراغ والجِدَة ... مفسدة للمرء أي مفسدة

وإن دروس مشاهدات الطبيعية، والجغرافيا، والتاريخ كثيرا ما تكون في الخارج على شاطئ نهر أو في الحديقة، أو زيارة لدار آثار، أو حصن، أو كنيسة قديمة. وفي كل أسبوع يختار بعض تلاميذ المدرسة لزيارة مدرسة أخرى، لتكثر تجاربهم ويروا أشياء ربما لم يروها قبل في مدارسهم. وبذلك تتبادل المدارس الزيارات في يوم من أيام الأسبوع

وكثيرا ما يقف ناظر المدرسة ليباشر التلاميذ وهم يشتغلون في حديقة المدرسة، ولا يعزب عنه شيء في مدرسته؛ فهو خبير بكل تلميذ، وبالظروف المحيطة به، وبنقط الضعف فيه، وبوسائل العلاج. فيمكنه أن يقول إن (جاك) قوى لأن أمه كثيرة العناية به. أما (جان) فضعيف لأنه لا يجد ما يكفيه من الغذاء، وهذا جيد في التاريخ، وذلك يحتاج إلى العناية بالحساب، وهكذا والمدرسون يعتبرون تلاميذهم أبناء يفكرون فيهم كما يفكرون في أبنائهم. ففي تلك المدرسة وفي معظم المدارس الإنجليزية تجد التلميذ محبا الألعاب الرياضية، كثير المعلومات، ناضج الرأي، مرتب الفكر، بعيد النظر، قوي الملاحظة، يستطيع التعبير عما في نفسه، يحب النظام، والدقة في العمل. يعرف معنى الطبيعة، ويقدر ما فيها من حياة وجمال، ويمكنه القيام بكثير من الأعمال؛ وهذه نتائج العناية بالطفل في المنزل والمدرسة والبيئة، نتيجة العناية بالتربية العملية لإعداد كل فرد للحياة الكاملة

محمد عطية الأبراشي