مجلة الرسالة/العدد 942/مصر

مجلة الرسالة/العدد 942/مصر

ملاحظات: بتاريخ: 23 - 07 - 1951



للأستاذ أبو الفتوح عطيفة

مصر جنة عالية قطوفها دانية، وصحراء جدباء لا زرع فيها ولا ماء

وهي بلد العجائب والمفارقات: بل إني أعتقد أن الطبيعة الهي قسمت مصر إلى واد أخضر يانع ضيق، وإلى صحراء واسعة، قد قسمت مصر بنفس النسبة إلى عجائب ومتناقضات.

فمصر دولة غنية فقيرة، قوية ضعيفة، متعلمة جاهلة، مؤمنة متحررة، ناهضة متأخرة، راضية ساخطة، مستقلة محتلة، حرة مستعبدة، وهي دولة شرقية توشك أن تصبح دولة غربية!

نعم يا أخي! مصر دولة غنية: فيها الثراء الفاحش والغنى البالغ والترف الزائد. فيها قوم ينعمون بالضياع الكبيرة والعمارات الشاهقة وأسهم الشركات الرابحة والسيارات الفخمة. يسكنون القصور والدور الواسعة. لهم الخدم والحشم والأتباع والأنصار. يقضون شتاءهم في القاهرة وإن قضوا جانباً منه في مشاتي الأقصر وأسوان، ويقضون صيفهم في الإسكندرية. وربما دفع الكثيرين منهم الترف إلى السفر إلى أوربا لقضاء الجانب الأكبر من أشهر الصيف القائظ. وهؤلاء القوم مسرفون في ترفهم. ولقد بلغت قيمة ما أهدى إلى أحدهم - بمناسبة زفافه - من ورود سبعة آلاف جنيه!

وفي مصر فقر مدقع: فيها أقوام يعيشون على الكفاف، أجور مبخوسة وأرباح ضئيلة، حياتهم بؤس ومنازلهم أكواخ. بل إن بعضهم لا يجد المأوى فيقضي ليله في العراء يتخذ من الأرض مضجعا ومن السماء والهواء غطاء ولا يجد ماء ولا غذاء ولا كساء! ومن العجيب أن نسبة المترفين من الأغنياء إلى الفقراء تشبه إلى حد كبير النسبة بين الوادي وبين الصحراء! قلة مترفة وأغلبية بائسة

ومصر دولة قوية: يؤمن أبناؤها جميعاً بأن من حقها - وقد كانت فيما مضى مرموقة المكانة مرفوعة الرأس شامخة العز والمجد - أن تسترد ذلك الماضي الزاهر، وأن تحتل مكانها اللائق بها بين الأمم شرقية وغربية. وقد ضرب أبناؤها من متطوعين ومن جند ومن ضباط في حرب فلسطين الأخيرة أمثلة عليا في الشجاعة والبطولة، وقدموا أرواحهم فداء للوطن!! (العربي والمصري) ولكن مصر مع هذا دولة ضعيفة، فجيشها برغم قوة روحه المعنوية وبرغم شجاعة ضباطه وجنوده؛ ما يزال بعيداً عن مكانه المرموق. ولا تقع تبعة ذلك على مصر أو على المصريين. وإنما يرجع ذلك إلى موقف إنجلترا من مصر. ذلك أنه بمقتضى معاهدة الصداقة والتحالف بين مصر وإنجلترا سنة 1936 تعهدت إنجلترا بإمداد مصر بما تحتاج إليه من أسلحة وذخائر. ولمن إنجلترا - رغبة منها في بقاء مصر ضعيفة - ما تزال حتى الآن تماطل في إمداد مصر بما تحتاج إليه من أسلحة وذخائر. وربما كانت مصر الصديقة القوية خيراً لإنجلترا من مصر الضعيفة، ولكن (الثعبان) البريطاني لا يؤمن بذلك

ومصر دولة متعلمة: فيها جامعات أربع ومعاهد متعددة ومئات من المدارس الثانوية وآلاف من المدارس الابتدائية والأولية. فيها تعليم مدني وفيها تعليم ديني يشرف عليه الأزهر الشريف، ومع هذا فما تزال الكثرة في مصر جاهلة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نرى أن الحياة العلمية في مصر ما تزال دونها في أوربا وأمريكا. ولقد حلق أدباؤنا في آفاق الأدب وبلغ بعضهم مكانة ينافس بها أعظم الأدباء العالميين. أما علماؤنا فما يزالون في حاجة إلى أن ينهضوا وإلى أن ينشطوا حتى يلحقوا بزملائهم من علماء الغرب

ومصر دولة مؤمنة: فيها أقوام يؤمنون بربهم أشد الإيمان وزادهم ربهم هدى. يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة. ويخلصون لله فيما بينهم وبين أنفسهم، ويعملون الصالحات ويخشون ربهم ويسعون لمرضاته

ومع هذا فإننا نرى قوماً قد تخلوا عن آداب دينهم وعن تقاليد مواطنيهم وعاداتهم، فإذا أقبل الصيف هرع القوم إلى موانئ البحر: الإسكندرية، وبور سعيد، ودمياط ورأس البر والسويس. وهناك ينزل النساء إلى البحر كاسيات عاريات كأنهن على شواطئ كاليفورنيا أو دوفيل، فإذا خرجن من الماء استلقين على الرمال وقد برزت منهن النهود وتعرت السواعد والسيقان والأفخاذ، وتناثرت الشعور ونسوا تماماً قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيما)

ومع هذا أيضاً ففي مصر عائلات محافظة وبيوت ما تزال تحافظ على تقاليد الإسلام أشد المحافظة. بل أنه ما يزال هناك قوم في صعيد مصر لا يسمحون للمرأة أن تخرج بتاتا، وتغادر البنت دار أبيها يوم زفافها ولا تعود إليها إلا في الضرورة القصوى، وإذا خرجت فإنما يكون ذلك إذا انتصف الليل وخلت الطرقات، وتؤدى الزيارة وتعود بنفس الحال. وأما ملابسها فتغطي كافة الجسم من أعلى الرأس إلى أخمص القدم

وهكذا ترى في مصر ورعا وتقوى، وتبرجاً وخلاعة، ورجعية وتعصباً!

ومصر أمة ناهضة: تحاول جاهدة أن ترتقي بجميع مرافقها ومواردها زراعية وتجارية وصناعية، ومع هذا لم تستطيع مصر أن تبلغ غايتها من التقدم

ومصر أمة زراعية: وما تزال الطرق البدائية هي الطرق المتبعة في الزراعة، ولم تستخدم الآلات الحديثة إلا لدى كبار الملاك والزراع والشركات. على أن أرض مصر خصبة وتربتها جيدة وفلاحها صابر مثابر. كل أولئك ضمن لمصر محصولاً وافراً وخيراً عميماً

أما الصناعة المصرية فقد خطت خطوات كبيرة نحو التقدم، واستطاعت مصانع الغزل والنسيج أن تمد مصر بما تحتاج إليه من أقمشة. ونحن نرجو للصناعة في مصر مستقبلاً زاهراً؛ فهي الأمل الوحيد لحل مشكلات مصر خاصة الناتجة عن تزايد عدد السكان المستمر وهناك مرافق مصريه تفيض بالذهب على الشركات الأجنبية، أهمها قنال السويس وموارد البترول على شواطئ البحر الأحمر. فهل تؤممها مصر؟

وأهل مصر فريقان: قلة مترفة لاهية، وكثرة ساخطة تعاني من ويلات الحياة الكثيرة. وأنت تسمع بين أن وأن عن تذمر مختلف الطوائف وشكواها، وليس من شك إن مصدر الشكوى يرجع أولاً وقبل كل شيء إلى الغلاء الذي استشرى حتى شقت على الناس الحياة. أني أرجو أن يقلل السادة المترفون من ترفهم، وان يوجهوا بعض أموالهم وجهودهم نحو إنقاذ الطبقات الفقيرة فإن ذلك خير لهم وللوطن أجدى

ومصر أمة مستقلة وعضو في هيئة الأمم المتحدة: ومع ذلك فإن الجنود البريطانيين يحتلون منطقة قنال السويس من أرض مصر، ومصر وأبناؤها لن يرتضوا هذا الوضع، ولا بد أن ينتهي الاحتلال إن عاجلاً أو آجلاً سواء رضيت إنجلترا أو لم ترض

أما بعد

فهذه مصر. وأنا أرجو أن يحدثنا أدباء الأقطار الشقيقة كل عن قطره حتى يتم بيننا التعارف أني لهم من الشاكرين أبو الفتوح عطيفة

المدرس الأول للعلوم الاجتماعية بسمنود الثانوية