مجلة الرسالة/العدد 949/الكتلة الإسلامية

مجلة الرسالة/العدد 949/الكتلة الإسلامية

ملاحظات: بتاريخ: 10 - 09 - 1951


في الميزان الدولي

للأستاذ سيد قطب

هذه الكتلة المتصلة الحدود من شواطئ الأطلنطي إلى شواطئ الباسيفيكي؛ والتي تضم مراكش وتونس والجزائر وليبيا، ومملكة وادي النيل وسوريا ولبنان والعراق والأردن والمملكة العربية واليمن، وتركيا وإيران وأفغانستان وباكستان وإندونيسيا.

هذه الكتلة التي يربى عددها على مائتين وخمسين مليونا من السكان؛ والتي تملك أغنى منابع البترول والمواد الخامة؛ والتي تتحكم بمواقعها الاستراتيجية في مواصلات العالم.

هذه الكتلة تملك أن يكون لها وزن، حتى ولو كانت مجردة من السلاح؛ وتملك أن تجعل كل كتلة من الكتلتين المتنازعتين تفكر مرتين قبل الإقدام على حرب، تجتاح فيها هذه المناطق الشاسعة، التي تقوم حاجزا بين الكتلتين لا تلتقيان إلا باجتياحه.

هذه الكتلة تملك هذا كله إذا وصلت درجة اليقظة فيها إلى الحد الذي تقف به في وجه الدعايات المزيفة التي يقوم بها دعاة كل من الكتلتين فيها. . . إذا هي عرفت كيف تجبر حكامها والمستغلين فيها على انتهاج سياسة قومية خالصة. . . إذا هي نظمت اقتصادياتها وإمكانياتها وخلصتها من الاستعمار الاقتصادي الذي يمكن له فيها حكامها أو أصحاب رؤوس الأموال المستغلين الذين لا يهمهم وطن ولا قومية ولا دين.

وأنا أكتب هذا للشعوب لا للحكومات: أكتبه للجماهير لا للمستغلين، وأنا مؤمن بالشعوب والجماهير في تلك الرقعة العريضة من الأرض، وأياما كانت عوامل الضعف والفرقة، وعوامل الضغط والكبت، فإن واجب الدعاة ألا يفقدوا إيمانهم بالشعوب، فالشعوب تملك متى تريد تملك أن تسبب المتاعب للأقوياء ولحلفائهم من أهل البلاد. تملك أن تكلف هؤلاء وهؤلاء عنتا دائما لا يأمنون معه الاندفاع، ولا يحمون ظهورهم معه من الاضطراب والانتقاض.

ولقد آن للشعوب أن تضع حدا لذلك العبث الآثم الذي يزاوله حكامهما والمستغلون فيها، وأن تقرر مصائرها بأيديها، وتقطع كل يد تعبث بهذه المصائر لغاية خاصة لا تعنى هذه الشعوب. . لقد ضاعت فلسطين على مذبح المنافسات بين عدة بيوت حاكمة، لا لأن قوى الأمة العربية - أيا كانت ضعيفة - عجزت عن الوقوف أمام حفنة من اليهود، مهما جاءتهم النجدة من الكتلة الشيوعية، والكتلة الرأسمالية. ولو كان في مجموعة الشعب العربي من الحيوية إذ ذاك ما تحطم به أطماع الطامعين، وتضرب على أيديهم العابثة، ما وقعت الكارثة.

إنني أهتف بالجماهير في تلك الكتلة المترامية الأطراف أن تفتح أعينها فلا تسمح مرة أخرى بتمثيل المأساة، ولا تستجيب للمستنفعين فيها، حين يريدون أن يقودوها كالذبيحة لتقف مع هذه الكتلة أو تلك، بينما هي تملك أن تسبب الربطة والاضطراب للكتلة التي تدوس أرضها، وتدوس كرامتها؛ وبذلك تملك أن يتمتع العالم بفترة سلام أخرى، تنشأ من تردد كل من الكتلتين في أن تكون البادئة، وأن تكسب بذلك عداء الكتلة الثالثة.

وليس هذه الدعوة التي ادعوها هنا مستحيل. وما يراها مستحيلة إلا الذين يختانون أنفسهم، ويحتقرون ذواتهم، وييئسون من الشعوب التي تملك كل شئ حين تريد. . . إنني يائس من الزعماء، يائس منالحكومات، يائس من مئات أو ألوف خدعتهم الدعاية الرأسمالية أو الداعية الشيوعية - ولكنني لست بائسا من الشعوب - على ما يجثم عليها من جهل ومن ضغط اقتصادي، ومن قنوط في بعض الأحيان. إن هذا كله إلا غاشية سطحية تزول. وستقف هذه الشعوب على قدميها يوما، وستحطم كل من يعترض طريقها من المستعمرين والمستغلين. . . ونحن في الطريق.

غير أنه يبقى سؤال عام: على أي أساس تقوم هذه الكتلة الثالثة؟ وما هي مقوماتها الأصلية؟

إن أول ما يخطر على البال أن تقوم هذه الكتلة على أساس من وحدتها الجغرافية والاقتصادية، وعلى أساس من مصلحتها المشتركة في اتقاء الحرب الثالثة التي ستدمرها تدميراً.

ولكن هنالك أساسا آخر أشمل وأوفى؛ يتضمن هذه المقومات السابقة، ويزيد عليها عنصر آخر له أثر العميق في النفس البشرية، ذلك هو الفكرة المشتركة عن الحياة، تلك التي تنبع منها كل مقومات الحياة الأخرى.

لقد قال (ماك أرثر) قائد الحلمة الرأسمالية السابق في كورية: إن الحرب في كورية حرب مذهبية؛ وهو يعني أنها حرب بين فكرتين: فكرة الشيوعية وفكرة الرأسمالية. وهذا يقتضي أن تقوم الكتلة الثالثة حين تقوم على أساس فكرة مستقلة عن الشيوعية وعن الرأسمالية جميعا، كي تستطيع أن تمسك بيدها الميزان، وأن يكون لها هدف مستقل عن هؤلاء وهؤلاء، وفكرة ثالثة تدعو إليها الفريقين، ولا تضيع هي في غمار إحدى الكتلتين.

ودعاة الشيوعية كدعاة الرأسمالية، يحاولون أن يقنعونا بشدة: أن ليس في هذا الكون إلا فكرتان ونظامان، وأنه لا يمكن تصور فكرة ثالثة ونظام ثالث. فألا تكن شيوعيا فأنت رأسمالي، وإلا تكن رأسماليا فأنت شيوعي، وهو تفكير متحجر مضحك، تفكير الذين لا يرون بعيونهم ولا يسمعون بآذانهم إنما يتلقون ما يقوله لهم هؤلاء أو هؤلاء تلقى الحاكي أو الببغاء، ونحن لسنا بملزمين أن نستحيل جميعا آلات ولا ببغاوات!

إننا نعلم - الآن على الأقل بعد ما صدرت عدة مؤلفات حديثة تكشف لنا عن النظام الاجتماعي الإسلامي، وتشرح لنا فكرة الإسلام الأصيلة عن الحياة - أن هذا النظام ليس هو النظام الرأسمالي كما تعرفه الكتلة الغربية، وليس هو النظام الشيوعي كما تعرفه الكتلة الشرقية؛ إنما هو نظام اجتماعي مستقل، يقوم على أساس فكرة عن الحياة مستقلة. وقد تتشابه بعض جزئياته أحيانا مع النظام الرأسمالي، كما تتشابه بعض جزئياته أحيانا مع النظام الشيوعي، ولكنه ليس أحدهما بكل تأكيد فهو نظام آخر ذو مقومات أخرى. ميزته أنه يحقق مزايا النظامين ويتقي عيوبهما في الوقت ذاته.

ولكنني أكتفي بالإشارة إلى مسألة واحدة تثبت كيف يجمع النظام الإسلامي بين مزايا الرأسمالية والشيوعية، وكيف يتقي عيوبهما جميعا. . . تلك هي مسألة الملكية الفردية.

إن الرأسمالية لتطلق حق الملكية الفردية، وتدع رؤوس الأموال تتضخم، فلا تتدخل حين تتدخل إلا بفرض الضرائب على الأرباح، بنسب عالية كما اضطرت إلى ذلك أخيرا. . وميزة هذا النظام أنه لا يقاوم الحوافر البشرية الطبيعية للتملك، ولا يضعف الرغبة في العمل إلى أقصى حد وبذل الطاقة إلى أقصى حد، ما دام الفرد يحس أن جهده له وعاقبه إليه. وعيبه أنه يدع الرغبة الجامحة في الكسب تطغى على المصالح الجماعية وتدوس على حقوق المنتجين الحقيقيين وهم العمال، كما تدفع بالدولة إلى الحرب لضمان الأسواق للتصريف، وضمان الخامات بسعر رخيص. . . إلى آخر عيوب الرأسمالية التي تشنع بها الشيوعية.

وإن الشيوعية لتصادر حق الملكية الفردية، وتضع كل الموارد ومرافق العلم في يد الدولة. . وميزة هذا النظام أنه يمنع كل عيوب الرأسمالية التي أسلفنا. ولكن عيبه أنه يقاوم الحوافز البشرية الطبيعية؛ ولا يحفز الفرد إلى بذلك أقصى طاقة ما دام الحد الأعلى لما يحصل عليه هو مجرد كفاية. . وقد اضطر ستالين أن يخرج على قاعدة رئيسية من قواعد الماركسية فيبيح التفاوت بين الأفراد بحسب تفاوت الكفايات، ويبيح نوعا من الملكية الفردية الشخصية، وبدأت الشيوعية بذلك تكذب نفسها في هذا وهي في أيامها الأولى! - كما أن عيب هذا النظام هو مقاومته لحرية الفرد في العمل، وحريته في الاعتقاد، وحريته في السلوك. وهي حريات قد يصبر جيل أو جيلان أو عدة أجيال على فقدها، لأنهم في معركة مع النظم الأخر، ولكن البشرية بطبيعتها لا تصبر على فقدان هذه الحريات طويلا، وإذا ماتت فيها رغبة الحرية فقد مسخت فطرتها مسخا؛ وخسرت كيانها الإنساني في سبيل لقمة الخبز كالماشية والحيوان!

فأما الإسلام فيبيح الملكية الفردية، محققا كل المزايا التي تحققها هذه الإباحة. وفي ذات الوقت يحرم وسائل الكسب التي تضخم رؤوس الأموال على حساب الطبقات العاملة أو على حساب المجتمع كله. فهو يحرم الربا، والاحتكار، ويقضي بتأميم المرافق العامة التي يشترك في الانتفاع بها الناس جميعا؛ ويجعل للعمال حقهم في نصف الربح الناتج من العمل (استنادا إلى تصرف النبي مع أهل خيبر). . ثم هو يأخذ - اثنين ونصفا فيالمائة من رأس المال - لا من الأرباح - كل عام في صورة زكاة. . ثم - وهذا هو الأهم - يبيح للدولة الممثلة للجماعة أن تأخذ من رؤوس الأموال - لا من أرباحها وحدها - ما تستلزمه الحاجة بلا قيد ولا شرط تحقيقا لمبدأ (المصالح المرسلة) أي التي لم يرد فيها نص، ولمبدأ (سد الذرائع) أي اتقاء النتائج السيئة المحتملة - وهما مبدآن مقرران في الإسلام. وإلى المبدأ الأول يستند الإمام مالك في منح الحاكم حق الأخذ من أموال الأغنياء بقدر حاجة الجند إذا لم يسكن في بيت المال الكفاية. . ومثل حاجة الجند للدفاع سائر الحاجات الاجتماعية التي تبرز على توالي الأزمان.

وبذلك يتقي الإسلام كل عيوب الملكية الفردية ويبقي مزاياها جميعا ويحقق كما قلت مزايا النظامين: الرأسمالي والشيوعي ويتقي عيوبهما جميعا.

وهو بهذا نظام مستقل، تشبهه الرأسمالية أحيانا وتشبهه الشيوعية أحيانا، ولكنه ليس واحد منها بكل تأكيد، ونحن لا نكذب عقولنا، ولا نكذب حقائق النظام الإسلامي الواضحة لنقول مع دعاة الشيوعية: إن الإسلام رأسمالي، أو أنه لا يمكن أن يكون نظام ما إلا نظاما رأسماليا، أو نظاما شيوعيا، ولا ثالث لهما في الواقع ولا في التفكير، كما يقولون في تحجر، ثم ينتظرون منا أن نسلم لهما بما يقولون!

هنالك إذن فكرة ثالثة لنظام اجتماعي ثالث، يمكن أن تقوم على أساسها الكتلة الثالثة، فتكون لها كل مقومات الكتلة المستقلة، وليست هي بحاجة إذن إلى الاندماج أو الفناء في إحدى الكتلتين، أو في إحدى الفكرتين.

هذه الفكرة الثالثة ليست مجرد عقيدة دينية - كما يريد بعضهم أن يتصور - إنما هي نظام اجتماعي كامل يقوم على هذه العقيدة؛ بل نظام إنساني شامل يحدد العلاقات بين الأفراد والجماعات، وبين الشعوب والحكام، وبين الدولة والدول في المجتمع الدولي، والمحيط الإنساني. . وهذه مزيتها الكبرى. ميزتها أن توحد بين عقيدة الفرد ونظام المجتمع، وشكل الدولة، وعلاقات البشرية. فإذا نفذ الفرد عقيدته، فهو في الوقت ذاته يؤدي واجبه - بهذا التنفيذ - كفرد في جماعة، وفرد في دولة، وفرد في إنسانية. بلا تعارض بين نشاطه في هذه المجالات جميعا.

والنظام الذي يقوم على أساس عقيدة، ويستمد منها وجوده وحدوده، هو نظام أقوى وأعمق وأقدر على المقاومة، لأنه يستمد قوته من داخل النفس ومن أعماق الضمير، ومن سلطان لا يعلوه في النفس سلطان.

سيد قطب