مجلة الرسالة/العدد 968/فدوى طوقان

مجلة الرسالة/العدد 968/فدوى طوقان

ملاحظات: بتاريخ: 21 - 01 - 1952



شاعرة الوجد والحنين

للسيدة وداد سكاكيني

عند كلامي على شاعرتنا المعاصرات تطوف بالخواطر ترانيم شاعرة الإغريق سافوا التي أنبتها لسيبوس بلدة الفن والأدب. ولقد كانت حياتها وآثارها نغما شرودا ولحنا غريبا. ويقتحم الفكر بعدها اسم الخنساء الذي شاع في دنيا العرب قديما، فقد ظهرت هذه النابغة الكريمة شاعرة عز مثلها في الرجال. ولما فجمها الموت في أخيها صخر، وكان يؤثرها بحنانه وإحساسه سكبت دمعها رثاء له وحزنا عليه حتى تركت ديوانها مثل عين فياضة بالدموع.

ولست أدري حين أقرأ الشاعرة المعاصرة فدوى طوقان كيف آخذ لها الوصف من هاتين الشاعرتين المختلفتين طبيعة ومزاجا، ففي شعرها من الأولى ألحان وتناغيم، ومن الثانية صور اللوعة والفجيعة، فأعجب لتشابه النصيب والمصيبة.

لقد فجر بالحزن قريحة الخنساء وحسها فبكت أخاها بشعر يموج فيه النوح والعويل، وطال وجدها وأساها، فهي تبكي أخاها وترثيه لطلوع الشمس وغروبها. وكأنما تحرق شعورها واستبدت بها الحرقة فراحت تنفس عنها هذه المراثي الندبة التي طبعت شعرها بطابع عرفت به ودل عليها.

أما فدوى طوقان الفتاة الحضرية الأصيلة التي تثقفت في بيت عريق المجد والجاه في مدينة نابلس بفلسطين حيث يشرف جبل النار على هذا الحمى المنكوب فقد تعهد أدبها وثقافتها أخوها (إبراهيم) وإبراهيم كان حلما من أحلام عبقر، وعلما من أعلام الشباب الوطني رف طيفه وطاف شعره منذ عشرين عاما في آفاق الشام والعراق، وكان بشرى التجدد والإبداع في الشعر العربي المعاصر، ولكن سرعان ما غيب الموت هذا الشاعر فأسف أشد الأسف شقيقته فدوى، وكانت قد أوتيت مثل أخيها موهبة الشعر فراحت تبكيه وترثيه بقصد أعاد إلى الخواطر ذكرى الخنساء. وما أكثر ما قالت فدوى في وجدها ولوعتها وكأنما كان فيه عندليب يبكي عندليبا، فمنه قولها:

واشقيقاه ما أجل مصابي ... كيف أودى الردى بزين الشباب واشقيقاه مات في عمر الورد ... غضير الصبي نضير الإهاب

أين منى أخي؟ فلي الله ما ... خلاه عني ما عاقه عن جوابي

حر قلبي (لجعفر وغريب) ... وهما يرقبان يوم الإياب

كلما استشعروا إليك حنينا ... هاج في الصدر من طويل الغياب

هتفا باسمك الحبيب وباتا ... رهن هم ووحشة واغتراب

ويدعوا الشاعرة فقد أخيها إلى أن تسأل القدر عما وراء الغيب وعن عالم صار إليه أخوها. وقد سأل قبلها الشعراء عن هذا المصير فما أجابهم إلا صدى يرن في ظلمات العدم فتقول:

ليت شعري ما عالم صرت فيه ... عن عيون الأحياء خلف حجاب

أهو شط الأمان للنفس بعد الخوض ... في مزيدات طامى العباب

ويمر عام تزداد فيه هواجس الشاعرة وتستبد فيها شجونها فتقول:

لا كان عام ظللت يا سكني ... فيه وراء الحياة والزمن

مستوحشا في الضريح منفردا ... مرتهنا بالتراب والكفن

لو أنني قمت بالوفاء أخي ... ما ظل روحي يجول في بدني

لقد بكر الحزن في فدوى وطغى، فقالت فيه أكثر شعرها قبل أن يكون منها شعر من ضرب آخر، بل كان هذا الحزن مثيرا لآلامها وهمومها التي لونت حسها وخيالها بتلاوين الوحشة والكآبة وجعلتها تقول الشعر عن نفسها وتصويرا لهواجسها، فكانت مراثيها شجوا ودمعا، ثم ظهرت قصيدتها (خريف ومساء) مواجة بالحيرة والزهادة.

ويمسح الزمن بعد حين بيده السحرية على وجوم فدوى ووجدها وتتصدى لها رسالة الشعر فتناغيها وتناجيها، وتهدد مواجها بالرجاء والعزاء، وتستجيب لها الشاعرة فتحاول الخروج من هيكلها القائم الذي طال وقوفها فيه بين الحسرات والزفرات.

كان صنع الشاعرة الطوقانية وهي تنفلت من شجوها كصنع الناسك القديس الذي يترك محرابه للتطوف في حديقة أو رحبة ناسيا ركعاته الطوال أمام المذبح، أو كما فعل الناسك الذي صوره اندريه جيد في السمفونية الرعائية. والشاعرة السادرة في تفلتها حينا بعد حين من حزنها تتخفف من السواد الذي كان عالقا بألفاظها ومعانيها، فتؤثر التأمل وتلتمس الفلسفة في الشعر الذي سارت به على غرار الأوائل. وكنت أتمنى لو انفردت فدوى بلمعات خاصة كالتي ظهرت في شعرها الأخير حين رمت بطرفها على شاطئ الوجود.

أما أنوثة الشاعرة فأمر لا ينبغي أن يغيب في دراسة الأدب المعاصر، وفي هذه المرحلة من التحليل النفسي الحديث، الذي يتناوله نقاد الأدب في الغرب على نحو من التصريح لا التلميح، ولم يتهيب الكلام نقادنا القدامى حين حللوا شعر النساء وأولوا لفظه ومعناه. فكأي من شاعرة أو مغنية في العصرين العباسي والأندلسي كانت تعرب عن شكواها وجواها ولا ترى حرجا في أن تتدله أو تتغزل. ولا أدري ما يحول بين ناقد الأدب المعاصر وبين تحليله شعر المرأة والمضي وراء مراميها إلى حيث ترف أجنحتها الشعرية في آفاقها البعيدة؟

على أن السائد من تقاليدنا ما يزال يجعلنا متحفظين متحرزين في التعبير عن حقيقة إحساسنا ومنازعنا، فلا الشاعرة ولا الأدبية تستطيع مع هذا التحرج أن تصور هواجسها وخلجات قلبها، ولا الناقد يستطيع النفوذ إلى ما وراء الكلام، ولهذا فإني حين نظرت إلى طائفة من شعر فدوى قالت أكثره في التعبير العاطفي والشوق المقيد والقلق المستمد عزوته إلى هذا التحفظ النسوي. غير أن فدوى إذا قيست بشاعراتنا المعاصرات كانت أصدقهن تمثيلا للعاطفة الصحيحة والشعور الذي يخامر الأنثى. وليس معنى هذا أن شعرها مقصور على الوجد والحنين فإن لها تأملات روحية وصورا حسية منوعة دلت على تتبعها وتعمقها في فهم الكون والحياة والمضي مع تيارات الفكر الحديث. والشعر عند فدوى فن يرفده حس مرهف وقريحة مثقفة لم تقنع من الفطرة بالوحي والإلهام. وقارئ قصيدتها آية كانت يشعر أن وراء هذا الشعر من تقوله وقد ملكت مواهبه وأسبابه.

ولعل الشاعرة الطوقانية قد تأثرت بتعاليم المعري والخيام، فتوقانها إلى الانعتاق من الحياة ولا سيما انطلاق الروح من الجسم فكرة علائية أكثر المعري من ذكرها في لزومياته، وحنينها إلى الينبوع الإلهي نزعة صوفية. أما أملها في أن تبعث من ترتبها زيتونة مثمرة فهذه لمعة خيامية تلوح في قولها:

يا رب إما حان حين الردى ... وانعتقت روحي من هيكلي

وأعنقت نحوك مشتاقة ... تهفو إلى ينبوعها الأول

وبات هذا الجسم رهن الثرى ... لقى على أيدي البلى الجائره فلتبعث القدرة من تربتي ... زيتونة ملهمة شاعرة

حتى إذا يا خالقي أفعمت ... عناصري أعصابها والجذور

انتفضت نهتز أوراقها ... من وقدة الحس ووهج الشعور

ويطغي على فدوى حس مبهم مجنح يعاود مثله الشعراء الذين ينطلقون وراء المثل العليا أو يلوبون على حقائق يتوهونها وينشدونها، إنهم في عالمهم الخاص يبدعون شخوصا وأشياء ثم يضفون عليها من ألوان الوجود، فإذا هم يناجون ويهتفون وليس بين أيديهم إلا هذه المثل الهائمة المدومة في آفاقها البعيدة. وهذا سر تفوقهم في متع الخيال وتهاويل الباطن! والشاعرة الطوقانية لم تنحرف عن سنة هؤلاء؛ ففي شعرها الذي قالته بعد الرثاء لمحات ظمأ وحنين، ونفحات فن وإحساس عنيف، فيها حمل لها على الانفلات من قيود عزلتها ووحشتها، وقد عبرت عنها بالشوق إلى المجهول.

ولا يحسبن بعض الملمين بشعر فدوى أن هذا المجهول الذي تمضي وراءه متلهفة حيرى هو المحبوب أو الزوج أو الولد، إن هذا لمن أتفه ما يصبو إليه الشعر. وإنما تغذ الشاعرة تأملاتها وشحطات شوقها وراء الغيوب، في السديم المثالي لعالم الشعر الذي لا يفنى. وقد أحس هذا الإحساس كثير من الشعراء والشاعرات وكانوا متزوجين ولهم أولاد وحفدة، وما نسينا تحليق شيخ الشعراء بفرنسا (فيكتور هوغو) حين نشر جناحيه في سموات هذا المجهول الشارد بأكثر قصائده التي وضعها بديوانه المسمى (كيف يصير المرء جدا) ومرد ذلك عندي إلى الألم العميق، فإن هوغو فقد بنته وزوجها غرقاً فبقى محزوناً عليهما، وقال ذلك الشعر الذي يهفو إلى المجهول بسائق من هذا الأسى المقيم. وكذلك أرد شعر فدوى في هذا الصدد، فلولا أخيها الذي ضعضعها، وهذه الهواجس التي ألمت بنفسها لما سمت روحها نحو هذه المثل البعيدة.

وإذا كان لقولي هذا ختام على إيجازه في الشاعرة الطوقانية فأجمل ما ينبغي أن يكون الكلام فيه على شعرها الوطني. وهل ذهب ذاهب إلى أن فدوى التي هزها الأسى على أخيها إبراهيم لم تكن ذات شعر وطني؟ هيهات هيهات! فإن جبل النار الذي يغلى حمية وحرية هو الذي تحدرت من قمة فدوى، وطبعها على هذا الشعر الذي رددته وكأنه أغاريد بطولة وجرس سلاح.

إن لفدوى طوقان في فلسطين المنكوبة المغصوبة شعراً لم يقل مثله الرجال. وسيظهر هذا الشعر في ديوانها ملتهباً بالدم مشبوباً بالشمم، فمن قولها فيه:

يا هذه الأقدار لا ترحمي ... فرائس الضعف بقايا الرمم

ستنجلي الغمرة يا موطني ... ويمسح الفجر غواشي الظلم

لن يقعد الأحرار عن ثأرهم ... وفي دم الأحرار تغلى النقم

وإذا كانت تلوح اليوم في الآفاق العربية بشائر الشعر النسوي الحديث كما كانت تلوح في هبات التألق الأدبي الذي كان في العصريين الأموي والعباسي، وفي الأندلس، فإن طائفا من الإلهام الإلهي والفن المطبوع قد تخير فدوى لتحمل رسالة هذا الشعر في جيلنا المعاصر؛ يمكنها من ذلك تضلعها من الفصحى وتمرسها بالبيان. وإنها لتجود بالشعر من نفسها وحسها غير منسحبة على التكلف والتقليد، ولا مرددة لشعر مصنوع تفوح منه الترجمة والاقتباس، وإن لها لأمداً بعيداً هي منطلقة نحوه وقد انشق أمامها الطريق.

القاهرة

وداد سكاكيني