مجلة الرسالة/العدد 969/الأدب والفن في أسبوع

مجلة الرسالة/العدد 969/الأدب والفن في أسبوع

مجلة الرسالة - العدد 969
الأدب والفن في أسبوع
ملاحظات: بتاريخ: 28 - 01 - 1952



للأستاذ عباس خضر

حول اللغة الأجنبية الأولى:

أجبت الأستاذ اليماني أحمد السكري الذي سألني في العدد الأسبق من (الرسالة) عن قرار معالي الدكتور طه حسين باشا الخاص بتعليم اللغات الأجنبية في المدارس المصرية والذي ينص على أن تختار اللغة الأولى من اثنين: الفرنسية والإنجليزية: هل يكفل للشعب الحرية المطلقة في اختيار اللغة الأجنبية الأولى التي يريد أن يتعلمها؟. . أجبت عن ذلك بأننا نجني من هذا القرار زحزحة اللغة الإنجليزية عن مكانها الذي اتخذته لدينا بقوة أهلها الاستعمارية، وهذا كسب كبير لأنه تحرر من أثر استعماري من هذه الآثار التي يكافح الشعب في هذه الآونة للتخلص منها.

ولم يخف على أن السؤال يلف في طياته أمراً آخر أو سؤالاً آخر وجه إلى فعلا من آخرين، وهو لماذا قصر اختيار اللغة الأجنبية الأولى على الفرنسية والإنجليزية ولم يشمل اللغتين الأخريين اللتين تقرر تعليمهما وهما الألمانية والإيطالية؟

ويراعي إلى جانب ذلك أن رأي معالي الدكتور طه حسين باشا في تعليم اللغات الأجنبية يتلخص في عدم التقيد بلغة أو لغتين ووجوب التنويع في ذلك بين المثقفين لتستمد ثقافتنا العربية الحديثة من المنابع المختلفة، وقد بسط ذلك في كتابه (مستقبل الثقافة).

إذن لماذا قصر معاليه أمر اختيار اللغة الأجنبية الأولى على لغتين فقط؟

الجواب عن ذلك أن وزارة المعارف ليس لديها الآن مدرسون مصريون تستطيع أن تواجه بهم الحاجة إلى تدريس الألمانية أو الإيطالية أو غيرهما من اللغات الجديدة على التعليم المصري إذا ما اتخذت لغة أصلية، فلابد من التدرج ومراعاة الإمكان حتى بلغ الأمر الذي تتوافر وسائله.

وقد أعد معالي الوزير للأمر عدته فبعث مشروع (مدرسة الألسن) الذي يهدف إلى إعداد مدرسين مصريين لتدريس اللغات الأجنبية، وقد افتتحت المدرسة فعلا هذا العام وبدأت تستقبل الطلبة الذين تقدموا إليها من قسم اللغة الإنجليزية وقسم اللغة الفرنسية بكلية الآداب. وعندما يوجد طلبة يعرفون لغات أخرى تفتح لهم المدرسة أبواب التعليم فيها، حتى تستكم ما يهيئها لتأدية رسالتها على الوجه الأكمل.

فالوزير يبدأ بإنشاء مجالات جديدة، ويعمل على سد نقص ناشئ من التقصير في الماضي. ولاشك أن الغايات تحتاج إلى وسائل لابد من توافرها. ولو أخذ برأيه من وقت أن نادى به لأصبح لدينا الآن متعلمون يعرفون مختلف اللغات الحية ولأمكن الآن مواجهة التوسع المطلوب وإتاحة الحرية الكاملة المنشودة.

رسالة الشعر في الكفاح الشعبي

هذا عنوان المحاضرة التي ألقاها الأستاذ عزيز أباظة باشا يوم السبت الماضي بجمعية الشبان المسلمين بدأها بمقدمة عن كفاح الشعوب قائلاً إن هذا الكفاح يهدف إلى أمرين، الأول الحضارة وهي الرقي الفكري والعلمي والاجتماعي، والثاني الحرية ومقاومة المعتدين عليها من أبناء الشعب نفسه أو من المقتحمين المحتلين. ثم قال إن أهم وسائل الكفاح ما يبعث الشعور ويتصل بالعاطفة، وهو الفنون عامة والشعر خاصة. وقال إن شعر الحماسة هو أقوى أبواب الشعر، ولذلك غلبه أبو تمام على سائر الأبواب إذ سمى كتابه (الحماسة) وساق عدة أمثلة من الشعر العربي مبيناً أثرها في بعث الهمم وإثارة المشاعر.

ثم انتقل الأستاذ بعد ذلك إلى التفات بارع إذ قال إن الشعر أخلد حينا إلى الأرستقراطية واعتزل الشعوب والجماعات، ولكن لم يكن كذلك الشعر وحده، بل كان الناس أيضاً متخلفين عن أهدافهم ضالين في حياتهم، فكما ساروا في ركاب الملوك والأمراء سار الشعر مثلهم وتخلف تخلفهم. ثم أحس الشعراء بحاجتهم إلى التعبير الصادق فاستحدثوا الابتداعية (الرومانسية) ولكن هذه كان عيبها أنها تعبر عن الفرد ولا تهتم بالجماعة. ثم اهتدى الشعراء إلى الابتداعية الحديثة وهي مشاركة الشعر للناس في حياتهم والتعبير عن آلامهم وآمالهم، ووصف الأستاذ المحاضر هذه الابتداعية الحديثة بأنها هي الفن الصحيح.

ومما قاله عزيز باشا في هذه المحاضرة القيمة أن الشعر اكتملت أداته الوطنية في العصر الحديث، فكان الشعراء هم الداعين إلى كل إصلاح والسابقين إلى كل دعوة، فقد مهدوا لثورات الشعوب في فرنسا وروسيا وبولندا، ولم يقصر شعراء العرب في هذا المضمار، فكان في العراق الزهاوي والرصافي لم يزل فيه الجواهري والشبيبي. وجال شعراء الشام في ميادين أوسع لغربتهم في المهجر فاكتسب شعرهم ألواناً جديدة وسرى فيه روح القوى.

وكان في المغرب أبو القاسم الشابي شاعر الحرية الخالد، أما في مصر فقد ابتدأ كفاح الشعر بالبارودي في الثورة العرابية ثم زكا بشوقي وصاحبيه حافظ ومطران.

ولما وصل باشا إلى الحال الحاضرة ارتفع جرسه وحمى صوته وراح يتحدث عن عدوان جيش الاحتلال على المواطنين وعن كفاح الشباب المجاهد في سبيل الحرية. وكان رفيقاً بالشعراء بل محابيا لهم حين ذكر أنهم يبعثون حركة الكفاح الوطني الراهن ويذكون أوارها بأشعارهم، فالواقع أن الشعر يحاول اللحاق بالركب في وناء وإعياء ولم يكن له أي فضل في إشعال قشة. . .

وقد ألقى الأستاذ محمود جبر قصيدة وطنية تناول فيها بعض الأحداث الجارية تناولاً أثار الحماسة والإعجاب، فكانت هذه القصيدة بمثابة تطبيق للمحاضرة.

ثم وقف الأستاذ محمد سعيد العريان وعقب على المحاضرة فوصف عزيز باشا بأنه شاعر نزل إلى المعركة ليقود للشعراء وسماه (قائد الشعراء) وقال إننا نتطلع بعد ذلك إلى أن يخرج الشعراء من مرحلة (التسجيل) إلى طور القوة الدافعة. نريد أن يدعوا (كان وكان) ويقولوا افعلوا واعملوا. . . وخلص من ذلك إلى دعوة الشعراء إلى التطبيق العلمي، وأعرب عن انتظار الجامعة الشعبية التي تنظم هذه المحاضرة، ما يقول الشعراء ليقدمه إلى الناس في القريب إنتاجاً عملياً. وأذكر بهذه المناسبة أن الأستاذ العريان يتولى الآن منصب المدير العام المساعد للجامعة الشعبية.

شعر المناسبات الشعبية الحديثة:

كدت أنسى القسم الثاني من رسالة الشاعر العراقي الأستاذ عبد القادر رشيد الناصري التي نشرت قسمها الأول وعلقت عليه تحت عنوان (الشعر الغنائي) في عدد مضى من (الرسالة) وقد ذكرتنيه محاضرة الأستاذ عزيز أباظة باشا التي سبقت خلاصتها. يقول الأستاذ الناصري في رسالته إلى:

(. . . ثم تقول إن الشعبية هي أن تجاري المجتمع في آلامه كما فعل على طه حين نزل إلى الشعب وتغنى بإحساسه في أروع قصائده كالقصيدة التي خلد بها أبطال الفلوجة وقصيدة (أخي أيُها العرب) التي غناها عبد الوهاب. وأنا أقول لك: هذا شعر يسمى شعر المناسبات فإذا كان المرحوم نظم في مأساة فلسطين قصيدة أو قصيدتين فأنا - ولا فخر - قد ألهمتني تلك المأساة المؤلمة ديوانا أسمتيه (صوت فلسطين) ورغم ذلك فأنا لا أعتبر هذا الشعر فنا خالدا لأنه مناسبات وأنا من ألد أعداء المناسبات مهما كان نوع المناسبة، لأنني أعرف أن الحياة عندنا تمر وأن التاريخ عندنا يطوي صفحاته يأتي ما قبل في المناسبات السياسية بمؤخرة القول، لذا أن شعر الوجدان والعاطفة يخلد أكثر من خلود باقي الشعر، بديل أن حوادث كثيرة مرت بإنجلترا وفرنسا وألمانيا ولكن لم يخلد ما قيل فيها يقدر ما خلد شعر بيرون وشلي وكينس ولامرتين وهوجر ودي موسيه. ولو فتشنا في تاريخ العرب الأدبي لوجدنا أن كثيرا من الأحداث السياسية قد مرت ومر ما قيل فيها ولم يخلد إلا شعر أمثال الأعشى والأخطل وابن أبي ربيعة وأبي نؤاس وابن الأجنف والبحتري وابن الرومي وصريع الغواني، وحتى في العصر الحديث نجد جل الشعراء كشوقي وحافظ والبارودي ومطران لم يعرفوا بشعر السياسة والمناسبة بقدر ما عرفوا بشعر الوجدان. فهل بعد هذا تقيم وزنا لشعر المناسبات الذي لا يصدر إلا عن دافع رسمي أو واجب ولي بدافع عاطفي صرف؟)

وأنا حقاً لا أقيم وزناً لشعر المناسبات الذي يصدر عن دافع من خارج النفس، ولكن ليس هذا الشعر هو الذي ندعو أليه، وما أظن ما قاله الناصري في (صوت فلسطين) من هذا القبيل وأعتقد أن قصائد المرحوم علي طه ليست منه أيضاً. فإذا كان المقصود بشعر المناسبات ما يقال للمجاملة أو الملق وما يتخذ أحبولة لصيد المنافع أو للاستجداء فإننا لا نعد هذا من الأدب (المحترم) في شيء. أما ما تنفعل به نفس الشاعر إزاء أحداث الجماعة ومسائلها ويفيض به خاطره شعرا أو نثرا فهو أدب خالد ما في ذلك شك. وهو لا يخرج عن نطاق العاطفة والوجدان بل أن العاطفة هنا أرقى من العاطفة الفردية. وليس الخلود مقصورا على العواطف الفردية، بل إن التعبير الصادق عن عواطف الجماعة أحق بالخلود وأجدر بالاعتبار لما فيه من اندماج الشاعر أو الكاتب في بيئته وإحساسه بها. وليس ما قاله الأستاذ الناصري عن الشعراء الذين سماهم مسلما به، وليس ما قاله الأستاذ الناصري عن الشعراء الذين سماهم مسلما به، فكثير منهم قال في أحداث الجماعة أروع شعره وأخلده. على أنني أعتقد أن مدار الأمر على صدق الانفعال، فل الأدب الصادق لا ينظر هل هذا اللون من القول خالد فيقول فيه وهذا غير خالد فيتجنيه، وإنما هو يقول ما يمليه خاطره، وليسلكه من شاء فيما يشاء.

على أن الأدب الصادق الأصيل الذي يصور روح العصر. وعصرنا الحالي هو الشعوب والجماعات التي تكافح الطغيان الفردي لتأخذ حقها في الحياة، والأدب من أسلحة هذه المكافحة أو هو أهمها، ولست أوافق الأستاذ الناصري على ما ختم به رسالته إلى من ازدراء الشعب، أي شعب، لأنه ذليل خانع، وقد ضربت صفحا عن العبارات إبقاء على ما بين الشاعر ومواطنيه.

إن الشعوب التي ران عليها الظلم والاستعباد والإهمال أحقابا طوالا فتركت بها آثارها أفسدتها - هذه الشعوب أحق بخدمات الأدباء من أبنائها للدعوة إلى تنظيفها وترقيتها، وإلى هذا المجال يدعي الأدب الجديد.

عباس خضر