مجلة الرسالة/العدد 977/البريد الأدبي

مجلة الرسالة/العدد 977/البريد الأدبي

ملاحظات: بتاريخ: 24 - 03 - 1952



إلى أخي الأستاذ رجب البيومي

السلام عليكم ورحمة الله وبعد، فإنني لم أرد أن ادخل بينك وبين الأستاذ شاكر فيما شجر بينكما من خلاف، حتى ينتهي إلى غايته كما ينتهي. . ذلك إنني كنت حريصاً على ان ادعك ورأيك، وإلا أبدأ تعافي بك في زحمة الجدل. وان أظن أخونا شاكر إن بيننا صحبة وثيقة هي التي تدفعك إلى رد تهجمه أو تقحمه، حتى لقد أنذرنا معاً عداوة يوم القيامة: (الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو)، لان مألوف الناس قد جرى في هذا الزمن الصغير، على إن الحق وحده، أو الرأي وحده، لا يكفي لان يدفع كاتباً فيكتب، دون هوى من صداقة أو علاقة!

ولو كانت معرفة بيننا سابقة، ولو استشرتني قبل أن تدخل مع صاحبنا في جدل؛ حول ما أثاره من صخب، وما نفضه من غبار، لأشرت عليك إلا تدخل، ولآثرت لك ما آثرته لنفسي من إغفال وإغضاء. . ذلك إنني لم استثمر في هذا الضخب الصاخب أثراً منصفاء نية ولا رغبة في تجلية حقيقية. ولو استثمرت شيئاً من هذا ما تركت صاحبي دون أن أجيبه - على الأقل من باب الأدب واللياقة - ولكنني اطلعت على أشياء، ما كان يسرني والله أن اطلع عليها في نفس رجل ربطتني به مودة أصفيتها له في نفسي، بعد ما كان بيننا من جدل قديم يعرفه قراء الرسالة عام 1938، وما أزال أرجو أن أكون مخطئاً فيما أحسست به، وان تبقى لي عقيدتي في ضمائر الناس، وفي الخير الذي تحتويه فطرتهم.

ولو كانت الحقائق هي المقصودة، لما احتاج الكاتب الفاضل إلى استطاع مثل هذا الأسلوب الصاخب المقرقع؛ ولما لجأ منذ مقاله الأول في (المسلمون) إلى الشتم والسب والاتهام بسوء النية وسوء الخلق والنفاق والافتراء والسفاهة والرهونة. . إلى آخر ما خاضه - ويغفر الله له فيه - فدون هذا وتعالج أمور النقد العلمي، وبغير هذا الأسلوب يمكن تمحيص الحقائق.

إنه لا معاوية، ولا يزيد، ولا أحد من ملوك بني أمية قد اغتصب مال آبي أو جدي، أو قدم إلى شخصي مساءة ولا إلى أحد من عشيرتي الأقربين أو الأبعدين. . فإذا أنا سلكت في بيان خطة معاوية في سياسة الحكم وسياسة المال، وخطة الملوك من بعده (فيما عدا الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه) مسلكاً غير الذي سلكته ف بيان خطة أبي بكر وعمر وعلي رضوان الله عليهم جميعاً - فليس أول ما يتبادر إلى الذهن المستقيم، والنية السليمة، ان ما بي هو سب صحابة الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - لا عن خطأ ولكن عن رغبة قاصدة في إفساد الإسلام، وسوء نية في تدنيس المسلمين!!!

وكتاب العدالة الاجتماعية مطبوع متداول منذ أربع سنوات، وطبعته الثالثة في المطبعة، والصخب حوله الآن فقط، قد يشي بشيء لا إرضاء للصديق. وقد قراه الناس في إنحاء العالم الاسلامي، فلم يستشر من موضوعه ولا من سياقة، إن النية السيئة المبيتة لهذا الإسلام وأهله هي التي تعمر سطوره!

إنما أحس الألوف الذين قرءوه - أو على الأقل المئات الذين ابدوا رأيهم فيه - ان كل ما كان يعنيني هو إن أبرئ الإسلام من تهمة يلصقها به أعداؤه، وشبه في الحكم وسياستهم في المال، تحسب على الإسلام، والإسلام برئ من هذا الاتهام.

روى سعيد بن جمهان عن سفينة - مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الخلفة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك. ثم قال سفينة: امسك خلافة أبى بكر وعمر وعثمان وعلي. . فوجدناها ثلاثين سنة. . قال سعيد: قلت له: إن بني أمية يزعمون ان الخلافة فيهم. قال: كذبوا بني الزرقاء! بل هم ملوك من شر الملوك - رواه أصحاب السنن بسند حسن.

وأحسب لقد كان بنفسي - وأنا اعرض النظام الاجتماعي في الإسلام - أن أقول شيئاً كالذي قاله مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - لا عداء شخصياً لبني امية، ولكن تبرئة للإسلام من أن تحسب عليه سياسة لا يعرفها، لا في الحكم ولا في المال. والإسلام منها بريء، فيجب أن يعرف الناس براءته، وأن يعرض عليهم في صورته التي عرفتها الخلافة السمحة، وان ينفي عنه ما لحقه في عهود الظلام والاستبداد.

وما كان لي بعد هذا، وأنا مالك زمام اعصابي، مطمئن إلى الحق الذي أحاوله، أن القي بالاً إلى صخب مفتعل، وتشنج مصطنع. . وما كان لي إلا أن ادعوا الله لصديقنا شاكر بالشفاء والعافية، والراحة مما يعاني، والله لطيف بعباده الأشقياء.

أما أنا فما احب أن يكون لي مع قوم خرجوا على خليفة رسول الله، وقتلوا ابن بنت رسول الله، ورموا وحرقوا بيت الله، وساءوا في سياسة الحكم وفي سياسة المال على غير هدي الله. . أدب ارفع من أدب مولى رسول الله، الذي أدبه ورباه!!!

سيد قطب

كمال الدين جودت

نعت الصحف منذ أيام المغفور له الأستاذ كمال الدين جودت المهندس، والد صديقنا الأستاذ الشاعر صالح جودت، وشقيق الأستاذ القانوني صالح جودت بك المحامي، والذي يعني (الرسالة) الكشف عنه ناحية أدبيةفي حياة الفقيد لا نحسب أن أحداً يقف عليها أو يذكرها اليوم.

فقد كان المرحوم كمال الدين جودت مهندساً بحكم تعليمه وثقافته، ولكنه كلن إلى جانب هذا أديباً فناناً بدافع طبيعته ومواهبه، فقد عني في مطلع حياته بالكتابة على أسلوب المقامات، ثم انصرف عن ذلك إلى الزجل أو الشعر العصري كما كان يسميه، وكانت له في هذا السبيل محاولة طيبة، إذ أراد أن يستخدم الزجل في تقريب العلم وتحبيبه إلى النفوس بين الناشئين والعامة، فمن ذلك إنه نظم جغرافية القطر المصري بالزجل في كتاب سماه (قلائد الدر في جغرافية مصر) طبعه عام 1903م وهو بهذا الصنيع يقابل صنيع العلماء في نظم العلوم شعراً كما صنعوا في النحو والقراءات والفلسفة والمنطق والحساب وتقويم البلدان، ولا شك أن أسلوب الزجل في هذا يكون اقرب وأحب إلى نفوس الناشئة والعامة لقرب مأخذه وقلة المعانات في فهمه.

وأسلوب المرحوم كمال جودت في الزجل لطيف خفيف، فهو يفتتح كتابه في جغرافية مصر قائلاً:

باسم الكريم افتح زجلي ... في علم تقويم البلدان

إياك على الله أبلغ أملي ... وانفع به أبناء الأوطان

العلم ده اسمه جغرافية ... كمان وتقويم البلدان

كله فوائد عال كافية ... طبعاً لتثقيف الأذهان

وهو بهذا الأسلوب يأخذ بالحديث عن هذا العلم وتقسيماته ووصف هيئة الأرض وأقسامها، ثم يأخذ في وصف القطر المصري ومدنه وأقاليمه، فنجده يتحدث مثلاً عن مديرية الشرقية وتقسيمها الإداري فيقول:

عندي مديرية سنية ... بحثت عنها بالتدقيق

حلوة تسمى الشرقية ... خصبة وبندرها الزقازيق

عدد مراكز الشرقية ... ستة بدت بالبنجبات

ناقوس وبلبيس مع ههيسا ... وكفر صقر مع القنيات

وكماني مركز منيا القمح ... مركز لطيف خالص وجميل

وفي وصفهم يحتاجون شرح ... وقصدنا عدم التطويل

أما وقد وصف - رضوان الله عليه - بلدتي منيا القمح بأنها (مركز لطيف خالص وجميل) ليقتضيني وقد انتقل إلى جوار ربه أن أراد له هذا الجميل.

محمد فهمي عبد اللطيف

تحقيق لغوي

يذهب بعض الباحثين إلى وجوب تجريد الفعل الماضي التالي للنفي والاستثناء من الواو، ولست معهم فيما ذهبوا إليه، والسماع خير شاهد، واليك الأدلة:

1 - قال الأصمعي: (يستحب من المهاوي أن نقصر أذنابها، وقل ما ترى مهرباً إلا - ورأيت - ذنبه المصل كأنه أفعى) أوهام شعراء العرب لأحمد تيمور باشا ص43 نقلاً عن التبريزي في شرح المعلقات.

2 - قال دعبل: (مضى علي ستون عاماً ما تصرم منها يوم إلا - وقلت فيه شعراً -) عن مجلة الرسالة الغراء السنة الخامسة ص1587، وفي الصفحة التالية من المرجع نفسه يقول لأحد أصدقائه. (ما كانت لامرئ عندي من منة إلا - وتمنيت موته -).

3 - وقال البديع في المقامة الناجمية: (وما سكنت حرب إلا - وكنت فيها سفيراً -)

4 - ومن أبيات الشواهد:

نعم امرأ هرم لم تعر نائبه ... إلا - وكان - لمرتاع بها زورا

5 - وقال عنترة: أنا الشجاع الذي ما رمت منزلة ... إلا - وأدركها - سعدي وإقبالي

6 - وقال أبو فراس:

وما اشتورت إلا - واصبح - شيخها ... ولا احتربت إلا - وكان - فتاها

7 - وقال المبرد يشرح بيت الفرزدق:

بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت

وهذا البيت طريف عند أصحاب المعاني، وتأويله لم يشيموا لم يغمدوا ولم تكثر القتلى: أي لم يغمدوا سيوفهم إلا - وقد كثرت - القتلى حين سلت. اهـ بلفظه نقلاً عن تهذيب الكامل للأستاذ السباعي جـ 1 ص312.

فقد أني مع الواو بقد وورد مثل هذا شعراً ونثراً.

أقول: والذي هداني إليه البحث وتنبع الأساليب العربية، إن تجريد الفعل من الواو في مثل هذا اكثر، وهو مع كثرته لغة القرآن الكريم، ودخول الواو على الفعل وحدها أو مع قد مسموع في الفصيح شعراً ونثراُ؛ ولسنا في حاجة إلى صرف هذه الشواهد إلى الضرورة أو الشذوذ أو لأن بعضها لا يحتج بقائله، وليسع أدباؤنا المعاصرون الذين يشيع على ألسنتهم، وفي كتاباتهم هذا التعبير ما وسع هؤلاء الأفاضل، فليس من الخطأ على كل حال، وان كان التجرد اكثر على ما يظهر.

رياض عباس