مجلة الرسالة/العدد 980/المسرح والسينما

مجلة الرسالة/العدد 980/المسرح والسينما

مجلة الرسالة - العدد 980
المسرح والسينما
ملاحظات: بتاريخ: 14 - 04 - 1952



كدب في كدب

مسرحية جديدة للأستاذ محمود تيمور بك

للأستاذ علي متولي صلاح

للأسرة التيمورية فضل على الأدب عريق، فهم منذ أزمان بعيدة سدنة الأدب في هذه البلاد، يتوارثون ذلك كابراً عن كابر، ولا يفتئون يضيفون إلى المكتبة العربية الذخائر والكنوز، ويقدمون لها الآثار الجليلة النافعة. . . ونحن اليوم بصدد الحديث عن أثر من هذه الآثار التي تغمر الأدب العربي الحديث، وهو تمثيلية (كدب في كدب) التي تعرض الآن بدار الأوبرا الملكية، وتنهض بها فرقة المسرح المصري الحديث.

والذي يبدو من وراء سطور هذه المسرحية، أن الأستاذ الجليل محمود تيمور بك ألفها من جراء أزمة قامت بنفسه بفعل قوم أنكروا ما أسدى إليهم من أياد بيضاء، وجزوه عليها جزاء ستمار!! وأغلب الظن أنه لم يكن يعني بشخصية (فواز بك) في هذه المسرحية سوى نفسه، وإن تعمد إخفاء بعض الملامح وتغيير بعض السمات! فإن (فواز بك) رجل سمح طيب الخلق، وتلك خلال نعرفها ويعرفها الناس جميعاً على الأستاذ محمود تيمور بك، نهض بما توجبه المروءة وما يقتضيه الخلق القويم الكريم، فكان جزاؤه العقوق والجحود والنكران، ولكن الأستاذ محمود تيمور بك - خشي فيما بينه وبين نفسه - أن يحس الناس ذلك، وغلبه حياؤه المعروف، فأسرع إلى طمس بعض المعالم لكي ينصرف الناس عنه! ولهذا فإن الفطن اللبيب يستشعر شيئاً من التناقض في شخصية (فواز بك)، ولكن إذا ظهر السبب بطل العجب!

ولا تقوم فكرة المسرحية على هذا المعنى، ولكنها تقوم على فكرة أن الكذب قد ينتهي إلى الصدق، ورب جد ساقه اللعب! فهما شاب وشابة تعرف كل منهما إلى صاحبه في صورة لا تمثل حقيقته، فالشاب فقير يظهر لها الغنى الطائل والثروة العريضة، وهي كذلك تماماً! واستمرت العلاقة بينهما على أساس هاتين الصورتين الزائفتين، ولكن كل خاف سيعلم! وحبل الكذب قصير! وإذا بالحقيقة تنكشف لهما، ولكن الحب كان قد سبق هذه الحقيقة إلى قلبهما، وصار هو الحقيقة الواقعة! فلم يضعف هذا التكاشف شيئاً منه ولم يطفئ سعيره، بل أستمر الشابان على ما بهما من حب قام أول ما قام على الكذب والبهتان!!

هذه هي فكرة المسرحية، وهي فكرة كما يرى القارئ حسنة ذات قيمة كبرى عند علماء النفس، ولكنها عند رجال المسرح لا تفي للنهوض بتمثيلية كبرى تعرض على الناس في نحو ثلاث ساعات، ولهذا كثرت من حولها الحوادث التي لا تكاد تتصل بها، وازدحم فيها الأشخاص الذين تستغني هذه الفكرة عنهم، ولا تريد منهم عوناً أو مساعدة! وانطلقت الألسن بكلام لا تراه هذه الفكرة لها ولا عليها، ولكنها ترى بينها وبين (كمال الانقطاع) كما يقول علماء البلاغة!

والمسرحية مكتوبة باللغة العامية، وقد أخبرنا الأستاذ الكبير مؤلفها أنها ستطبع بالعامية وبالفصحى، ولكننا نسارع فنشير على الأستاذ الكبير أن يكتفي بالفصحى. . . إننا نريد من الأستاذ محمود تيمور بك العضو في المجمع اللغوي أن يؤدي إلى المسرح المصري خدمة طالما تمنيناها له، وهي تطويع اللغة العربية وتقريبها إلى العامية، مع المحافظة على سلامتها وصحتها، ومع عدم الانحدار بها إلى هذه العامية الكريهة البغيضة الشائهة. . . هذا مطلب نرجو أن يحمل مئونته الأستاذ محمود تيمور بك، ولقد تحقق الكثير منه على يدي صديقنا الأديب الكبير الأستاذ علي أحمد باكثير فلانت لغته كثيراً في مسرحياته الأخيرة، وصارت سهلة رقراقة بريئة من التفاصح، بريئة كذلك من الإسفاف إلى مستوى العامية. . . نرجو جاهدين أن يتم الأستاذ الكبير محمود تيمور بك تحقيق هذا المطلب العزيز، ونرجو جاهدين أن ينأى بجانبه عن استعمال اللغة العامية، وليس ذلك عليه بعزيز.

وكنت أود ألا يكون في المسرحية مثل هذا الشذوذ الذي وقع فيه الزوج (كريم بك) مع ابنة زوجته (كريمة) فإنه شيء ليس في طباع الناس إلا من ابتلاهم اللهبالشذوذ والانحراف، إذ ليس مألوفاً أن نرى الرجل يهم بابنة زوجته كما فعل كريم بك إلا إذا كانت به لوثة أو كان به انحراف عارم، ومثل هذا الانحراف العارم لا يجوز عرضه على المسرح على أنه شيء طبيعي عادي!!

وكان يجمل أن يلقي كثير من الضوء على علاقة (فواز بك) بمن يحيطون به، فإن هذه العلاقة غامضة كثيراً. . .

أما عن التمثيل والإخراج فالحق أن أعضاء هذه الفرقة قد شبوا عن الطرق كثيراً، وثبتوا على خشبة المسرح ثباتاً حميداً، فأذكر منهم - على سبيل المثال - الأستاذ عبد الرحيم الزرقاني إذ يقوم بدور (فواز بك) في دقة وإلمام تام وتؤدة، وإن كان يبدو أصغر مما ينبغي، والأستاذ عدلي كاسب فقد أتسع بيانه النفسي حتى استطاع أن يلعب أدواراً عديدة يبلغ في كل منها شأواً بعيداً، فقد رأيناه في (مريض الوهم) ورأيناه في (مسمار جحا) ثم رأيناه اليوم في دور (العمدة) عمدة حقاً ولكني أرجو ألا يسرف في المبالغة! وأن يحد قليلاً من حركاته الجسمية، وأن يمضي إلى التلفزيون سريعاً بل واثباً عندما يدعوه لحادثة قتل، وألا يبطئ ويتثاقل كما رأيناه!!

ولست أستطيع أن أذكر الممثلين واحدا واحداً وهم ثمانية عشر ممثلاً وممثلة وإلا ضاقت صفحات الرسالة دون هذا الغرض! ولكني أنوه بصفة خاصة بالآنسات زهرة العلى بكير، وسناء جميل، وبالأساتذة نور الدمرداش وأحمد الجزيري.

أما الإخراج فلي عليه ملاحظة أرجو أن يشفي الأستاذ الكبير زكي طليمات ما بنفسي منها، وإني لأتوجه إليه متسائلاً مستفيداً:

كيف يتفق أن يقع في (البار) - وهو محل عام يغشاه الناس جميعاً - أقول كيف يتفق أن يقع فيه العناق والقبلات أمام الخدم وفي عرضة للداخلين والخارجين؟ ولماذا لا يكون هذا (البار) جانبياً ليمكن أن تقع هذه الأشياء بعيدة عنه؟؟ وهل عجزت الحيل المسرحية عن إيراد ما يصح معه هذا العمل؟؟ هذا - ومما يقتضيه الحق أن أذكر أن الأستاذ ينفخ في مسرحياته حياة زاخرة فياضة، ويملؤها بالصور والحركات والإشارات التي تجعلها تموج بالحياة النابضة، وعندي أنه يتمم أعمال المؤلفين بهذا الذي يفعله، وليس المخرج الحق من ينقل التأليف نقلاً آلياً فوتوغرافياً، ولكنه من يضيف إليه ثروة فوق ثروته، ويمده بقوة فوق قوته، وهذا ما يفعله مخلصاً الأستاذ زكي طليمات.

علي متولي صلاح