مجلة الرسالة/العدد 985/الأدب والفن في أسبوع

مجلة الرسالة/العدد 985/الأدب والفنّ في أسبُوع

مجلة الرسالة - العدد 985
الأدب والفنّ في أسبُوع
ملاحظات: بتاريخ: 19 - 05 - 1952



للأستاذ عباس خضر

جوائز فؤاد الأول الأدبية:

احتفل يوم 28 إبريل الماضي بتوزيع جوائز فؤاد الأول على الفائزين بها في هذا العام، وقد فاز بجائزة الأدب الأستاذان عزيز أباظة وفريد أبو حديد بك، على نحو ما أشرنا إليه في العدد الأسبق من (الرسالة)

وقد أجيز عزيز باشا على مسرحيته الشعرية (العباسة) وهي رواية إنسانية حلل فيها الشاعر موقف العباسة أخت الرشيد في زواجها السري بجعفر بن يحيى البرمكي، كسيدة من البيت المالك خفق قلبها بحب الزوج وحب الولد، وصور الصراع بين هذه العاطفة وبين الاعتبارات الأخرى التي جعلت الرشيد يعقد زواج وزيره بأخته سرا. وفي رأيي أن هذه المسرحية أحسن مسرحيات عزيز باشا كلها، وهي من الأعمال الأدبية الخالدة.

أما الأستاذ أبو حديد بك فقد أجيز على قصته (الوعاء المرمري) ولم يتح لي بعد قراءة هذه القصة، على أنني أعرف الأستاذ كما يعرفه الكثير قصاصا بارعا ظفرت ثروتنا الأدبية منه بطائفة من المؤلفات والقصص القيمة.

وبعد فلي ملاحظتان: إحداهما خاصة بتقسيم جائزة هذا العام، وتتعلق الأخرى بتكوين لجنة الجوائز الأدبية.

أعتقد أن الغرض من هذه الجوائز الملكية الكريمة - وهو تتويج عمل أدبي بارز - لا يتحقق كاملا إلا بمنح الجائزة كاملة لمؤلف واحد، وهي تماثل جائزة (نوبل) والذي نعرفه أن هذه الجائزة لم تمنح مجزأة للغرض السالف، لذلك لم يكن لجائزتنا هذا العام وقعها المأمول، إذ قسمت بين الفائزين الكبيرين.

تلك هي الملاحظة الأولى، أما الثانية فقد أثارها في خاطري أن الأستاذ فريد أبو حديد بك كان عضوا في لجنة الجوائز، فاعتذر عن عدم الاشتراك فيها هذا العام، فكان هذا فرصة طيبة لتقدير إنتاجه. ترى هل ننتظر اعتذارات أعضاء آخرين حتى يمكن تقدير آدابهم!

الرأي عندي أن يعاد تكوين اللجنة بحيث تشمل الأدباء الذين فازوا، حتى الآن، بالجائزة، وهم الدكتور طه حسين باشا والأستاذ عباس محمود العقاد والدكتور أحمد أمين بك والدكتور محمد حسين هيكل باشا ومحمود تيمور بك وتوفيق الحكيم بك وعزيز أباظة باشا وفريد أبو حديد بك. ويتنحى عن عضوية اللجنة كل من له إنتاج تنطبق عليه الشروط.

احتفال الجامعة الشعبية بالربيع:

أعلنت الجامعة الشعبية أنها ستقيم (مهرجان الأدب والفن في عيد الربيع) ووصلتني دعوتها في يوم لا ربيع فيه. . فقد كان مغبرا حامي الأنفاس كأن هواءه ينبعث من أتون. . فشعرت بشيء من الغيظ لطفته المفارقة بين دعوة الجامعة والحال الواقعة، ثم داخل نفسي شيء من الخبث، إذ رجوت أن يأتي يوم المهرجان من هذه الأيام النكراء التي يتعاقب فيها الحر والبرد فيؤذي تقلبها الجسم ويقذي العين ويزكم الأنف ويسقم النفس، فأشمت بمن سيتغنون بالربيع وبهجته واعتدال جوه. . ولكن خاب رجائي، فقد كان ذلك اليوم الذي ذهبنا فيه إلى نادي الصحفيين لمشاهدة المهرجان، من الأيام النادرة الخاطفة التي يطل فيها الربيع على بلادنا ثم لا يلبث أن يعدو.

فلنغض هنا عن أعاصير الربيع و (خماسينه) ولنستمع إلى خطباء المهرجان وشعرائه، فقد نجد في ربيع الأدب ما يعوضنا عن ربيع الطبيعة.

افتتح الحفل بكلمة للأستاذ الشاعر الكبير عزيز أباظة باشا أثنى فيها على جهود الجامعة الشعبية في خدمة الفن والأدب، ثم قال إن العرب شغفوا بكل ما تزخر به الطبيعة من مباهج وفنون، وكان للربيع في الأدب العربي لمحات وإن كانت باهتة الأضواء إلا أنها تومئ إلى مدى تعلق النفس العربية بالجمال الكوني في شتى ألوانه ومرائيه، ومما يعجبني من وصف العرب للربيع قول ابن الرومي:

حبتك عنا شمال طاف طائفها ... بجنة فجرت روحا وريحانا

هبت سحيراً فناجى الغصن صاحبه ... سرا بها وتداعى الطير إعلانا

ورق تغنى على خصر مهدلة ... تسمو بها وتمس الأرض أحيانا

تخال طائرها نشوان من طرب ... والغصن من هزه عطفيه نشوانا

ثم قال الأستاذ عزيز باشا: إن رأيي في الذي كتبه العرب عن الربيع أنه بصفة عامة بعيد عن الروح الشعرية التي نأمل أن نجدها في أدبنا الحديث، فأغلب الذين تحدثوا عن الربيع لم يتجاوزوا حدود الملموسات والمرئيات حتى كأن الحياة، وهي العنصر الجياش في تكوين الربيع، لا تمت إليه بصلة من الصلات.

وأنا لا أستريح إلى مثل هذه الأحكام المطلقة، فلا شك أن كل أدب يشتمل على الصادق والمزور والرائع والتافه. وأعلم أنه لا جدوى من المناقشة في هذه القضية، فلو استدل أحد الطرفين بأمثلة تتوافر فيها الروح الشعرية الصادقة، الطرف الثاني إنها من القليل، وإن أتى الثاني بما لا يصور الحياة الجياشة. . . فلن يعجز الأول عن أن ينسبه أيضاً إلى القلة. . . ومن لا يقتنع فليحص. . .

وألقى الأستاذ علي عزت الأنصاري كلمة عنوانها (الربيع في الأدب العربي) أشار إلى مثل ما قال به عزيز باشا. وقد أحسن بعرضه طائفة من الشعر العربي الذي قيل في الربيع مع شيء من التحليل لا بأس به.

وكانت كلمة الأستاذ محمد مصطفى حمام ظريفة كدأبه، وكان موضوعها (الربيع في الأدب الشعبي) وقد استرعى التفاتي قوله: أشهر أنواع الأدب الشعبي الزجل والشعر السهل الذي لا يعسر فهمه على العامة. فقد جعل الشعر السهل من الأدب الشعبي، ولست أدري هل فعل ذلك توطئة لقصيدته في الربيع التي أولها:

لي وللناس في الربيع معاني ... ولنا في الربيع أحلى الأماني

فربيع الحياة عصر صبانا ... وشباب الأرواح والأبدان

وربيع القلوب حب وقربى ... وتواصي برحمة وحنان

إلى أن تدفعه روح المرح والدعابة التي جبل عليها فيقول

وربيع الجيوب إحراز مال ... وامتلاء بالأصفر الرنان

وربيع الموظفين علاوات ... ورزق يأتي بغير أوان

وقد نال الإعجاب واشتد التصفيق له إذ قال:

وربيع المصري يوم خلاص ... وجلاء عن مصر والسودان

ولم ألتفت إلى ذلك لأخالفه في اعتبار الشعر السهل من الأدب الشعبي بل لأوافقه. . فالأدب ينسب إلى الشعب لأنه يعبر عنه ولأنه يفهمه، فإن كان جاهلا باللغة العربية لا يفهم ما يصاغ بها، فالأدب الشعبي هو العامي فقط، وإن تقدم في فهمها - كالواقع الآن - فكل ما يستسيغه من الأدب شعبي ولو كان بالفصحى.

ومن طريف الزجل الذي أورده الأستاذ حمام للأستاذ محمود بيرم التونسي - وهو نسيج وحده في هذا الميدان - قوله:

يا ورد أستنظرك ... قبل الربيع بربيع=وأوهب لك العمر

وأجعل لأهل الملامة ... في هوا شفيع=أوراقك الحمر

أنت اللي خليتني ... وحدك عبد لك ومطيع=للبيض والسمر

وأوهب لك العمر ... ياللي عمرك أنت قصير=ويقصر الهم

أوراقك الحمر ... تشرب دم قلبي عصير=يا أغلى من الدم

للبيض والسمر ... تهدي وأنت حر أسير=تنباس وتنضم

عباس خضر