مجلة الرسالة/العدد 986/حسن البنا الرجل القرآني

مجلة الرسالة/العدد 986/حسن البنا الرجل القرآني

ملاحظات: بتاريخ: 26 - 05 - 1952


5 - حسن البنا الرجل القرآني

بقلم روبير جاكسون

للأستاذ أنور الجندي

(. . . في هذا الفصل، والفصل الذي يليه، والذي تنشره الرسالة في العدد القادم، يتحدث (روبير جاكسون) عن الشهيد (حسن البنا)، حديث ما سمعه وما عرفه منه، وقد أطلق عليه عنوان (مولد العملاق). وتبقى بعد هذا خطوط (عريضة) لفصل مطول مسهب بعنوان (الإسلام عند حسن البنا). . . وقد بعث في طلبه من صاحبي صديق الكاتب الأمريكي وقد عولت على أن أجمع هذه الفصول مضافاً إليها فصل (الإسلام) في كتاب خاص. . أرجو أن يتاح له أن يرى النور قريباً. .

الجندي

كان لابد أن يموت هذا الرجل الذي صنع التاريخ وحول مجرى الطريق شهيداً. . كما مات عمر وعلي والحسين، فقد كان الرجل يقتفي خطواتهم.

مات في عمر الزهر النضير، وفي نفس السن التي مات فيها كثير من العباقرة ورجال الفكر والفن. . وقضى وهو يسطع ويتألق.

وعاش الرجل كل لحظة من حياته، بعد أن عجزت كل وسائل الإغراء في تحويله عن (نقاء) الفكرة وسلامة الهدف. لم يحن رأسه ولم يتراجع ولم يتردد، أمام المثبطات ولا المهددات. . وكان الرجل قذى في عيون بعض الناس، وحاول الكثيرون أن يفيدوا من القوة التي يسيطر عليها، فقال لهم إن أنصاره ليسوا عصا في يد أحد، وإنهم لله وحده.

وحاول البعض أن يضموه إليهم أو يطووه، فكان أصلب عوداً من أن يخدع أو ينطوي. .

وكان على بساطته التي تظهر للمتحدث إليه، بعيد الغور إلى الدرجة التي لا تفلت متصلاً به أو متحدثاً إليه من أن يقع في شركه. . ويؤمن بالفكرة التي يدعو إليها. وكان لا يواجه إلا من يعترض طريق دعوته، وكان يستر من لم يكشف خصومته. .

وكان لا يهاجم عهداً مادام هذا العهد لا يحول دون الامتداد الطبيعي لدعوته. . وكان يدخر قوته للوطن، ويكبر نفسه ودعوته من أن يكونا أداة صراع داخلي. . وظن بعض الناس أ هذا ضعف ولين ومسايرة، وما كان كذلك، فالرجل بطبيعته لم يكن يحب الصراع في معركة جانبية، ولا يقبل توزيع قواه. . وإنما يؤمن بالتطور والانتقال من مرحلة إلى مرحلة ومن دور إلى دور على أساس النضوج والتكامل، وكان هذا يزعج خصوم الوطن الذي لم يعهد سياسته تعلو على المطامع الفردية، وتتعالى على المطامع الفردية، وتعالى على الأغراض الذاتية، وتنقي جوها من الدوافع الشخصية الخاصة.

وكان الرجل على قدرته الفائقة في ضبط أعصابه، كيساً في مواجهة الأمور، لبقاً في استقبال الأحداث والأزمات.

وإلى هذا كله كان غاية الاعتدال، فكان يعيش براتب لا يزيد على راتبه المدرسي المحدود، وبين يديه الأموال الضخمة المعروضة من أتباعه وحوله من العاملين معه، ما يصل إلى ضعف أو أضعاف ما يحصل عليه.

وكان في بيته مثال الزهادة، وفي ملبسه مثال البساطة، وكنت تلقاه في تلك الحجرة المتواضعة الفراش، ذات السجادة العتيقة والمكتبة الضخمة، فلا تراه يختلف عن أي لإنسان عادي، إلا ذلك الإشعاع القوي والبريق اللامع الذي تبعثه عيناه، والذي لا يقوى الكثيرون على مواجهته، فإذا تحدث سمعت من الكلمات القليلة المعدودة موجزاً واضحاً للقضايا المطولة التي تحتويها المجلدات، وكان إلى هذه الثقافة الواسعة الضخمة، قديراً على فهم الأشخاص، لا يفاجئك بالرأي المعارض، ولا يصدمك بما يخالف مذهبك، وإنما يحتال عليك حتى يصل إلى قلبك ويتصل بك فيما يتفق معك عليه. . . ويعذرك فيما تختلفان فيه.

وهو واسع الأفق إلى أبعد حد، يفتح النوافذ للهواء الطلق، فلا يكره حرية الرأي، ولا يضيق بالرأي المعارض، وقد استطاع أن يحمل الرأي الجديد إلى الجماهير دون أن يصطدم بهم. . هذا الجديد الذي لو عرض بغير لباقة لوقفوا ضده وحاربوه. .

لقد نقلهم من وراثياتهم، وغير فهمهم للدين، وحول اتجاههم في الحياة، وأعطاهم الهدف، وملأ صدورهم بالأمل في الحرية والقوة. وكان له من صفات الزعماء، صوته الذي تتمثل فيه القوة والعاطفة، وبيانه الذي يصل إلى نفوس الجماهير، ولا تنبو عنه أذواق المثقفين. وتلك اللباقة والحنكة والمهارة في إدارة الحديث والإقناع.

وبهذه الصفات جميعها استطاع كسب هذه الطائفة الضخمة من الأنصار في هذا الوقت القصير من الزمن، فحول وجهات نظرها، ونقلها نقلة واسعة. . دون ارتطام أو صراع.

كان سمته البسيط ولحيته الخفيفة، وذلك المظهر الذي لا تجد فيه تكلف بعض العلماء، ولا عنجهية المتمسكين بالسنة، ولا سذاجة الصوفية. . قد أكسبه الوقار.

ولقد كانت شخصية حسن البنا جديدة على الناس. . عجب لها كل من رآها واتصل بها. .

كان فيه من الساسة دهاؤهم، ومن القادة قوتهم، ومن العلماء حججهم، ومن الصوفية إيمانهم، ومن الرياضيين حماسهم، ومن الفلاسفة مقاييسهم، ومن الخطباء لباقتهم، ومن الكتاب رصانتهم.

وكان كل جانب من هذه الجوانب يبرز كطابع خاص في الوقت المناسب، ولكل هذه الصفات التي نقرأها في كتب شمائل الصحابة والتابعين، لم يكن مقدراً أن يعيش طويلاً في الشرق. . وكان لابد أن يموت باكراً، فقد كان غريباً عن طبيعة المجتمع، يبدو كأنه الكلمة التي قد سبق وقتها، أو لم يأت بعد.

ولم يكن الغرب ليقف مكتوف اليدين، أمام مثل هذا الرجل. . الذي أعلى كلمة الإسلام على نحو جديد. . وكشف لرجل الشارع حقيقة وجوده ومصيره، وجمع الناس على كلمة الله. . وخفت بدعوته ريح التغريب والجنس، ونزعات القومية الضيقة، واعتدلت لهجات الكتاب، وبدأ بعضهم يجري في ركب (الريح الإسلامية. .).

للكلام صلة

أنور الجندي