مجلة الرسالة/العدد 996/الولاة والعمال في التاريخ الإسلامي

مجلة الرسالة/العدد 996/الولاة والعمال في التاريخ الإسلامي

مجلة الرسالة - العدد 996
الولاة والعمال في التاريخ الإسلامي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 04 - 08 - 1952


للأستاذ عواد مجيد الأعظمي

إن موضوع الولاة والعمال، موضوع فريد في بابه، يستوجب البحث والعناية، لأهميته في تبيان بعض الأسس المهمة في النظم الإدارية عند الإسلام. . وقد لعب الولاة، والعمال دوراً فعالا في إدارة الممتلكات الإسلامية في مختلف عصور التاريخ الإسلامي، وحاولت جهدي بيان سياستهم تجاه الأمور المالية، والسياسية، والإدارية، والعمرانية، والثقافية، والقضائية، وسياستهم نحو الرعية. . . وقبل البحث في سياسة الولاة من الناحية العملية، والواقعية، أرى لزاماً توضيح معنى الولاية، والإمارة، وتطور مفهومها، وملاحظة أسسها من الناحيتين النظرية والفقهية.

معنى الولاية (الإمارة) وتطور مفهومها

ليست الإمارة أو الولاية إلا شكلاً من أشكال الإدارة المحلية خاضعة بصورة مباشرة أو غير مباشرة للسلطة المركزية المتمثلة في السلطان أو الملك أو الخليفة. . ومنشأها يرجع إلى حاجة الأمة في إدارة البلدان التابعة لها؛ وبعبارة أخرى أن توسع الدولة وتعقد شؤونها المختلفة أدى إلى وجوب إنشاء الإمارة أو الولاية (ويراد بالولاية - الإمارة على البلاد، فيولى السلطان، أو الملك، أو الخليفة من يقوم مقامه في حكومة الولايات، وهي الأعمال في إصلاحهم. . وهذا النوع من الحكم قديم). . (وكان لكل إقليم حاكم أو عامل، والغالب أن يكون بطريقاً) (وكان أمراء الأقاليم يسمون (عمالا) ومعنى عامل يفيد أن صاحبه ليس مطلق السلطة - على أنه فيما بعد استعملت كلمة والى وهذا يشعر بالنفوذ والسلطان)

ويقولون (متز): (وبهذا الاسم كان يسمى - ولاة البلاد. . وكذلك أبناء بيت الخلافة) ومن كل هذا نرى، أن جميع المؤرخين المحدثين، يتفقون على مفهوم الولاية أو الإمارة في أنها - نيابة - (وال) عن الخليفة، أو الملك أو السلطان في إدارة شؤون الولايات التابعة له.

وقد تطور مفهوم هذه الكلمة - (فأطلقت كلمة (أمير) على يزيد بن عبد الملك كما أصبحت كلمة (عامل) في عهد بني أمية تطلق على رئيس الناحية الإدارية كالمدير الآن. .) وقد امتنع كافور بمصر من التسمي (بالإمارة) ورأى أن يجرى على رسمه في المخاطبة (بالأستاذية). . . على أنه في العصور السياسية المتأخرة اتخذت الإمارة شكل أ الأمراء:) فلقد لقب ابن رائق (أمير الأمراء) وصار بيده رئاسة الجيش وامتدت سلطته بصورة مباشرة على جباية الضرائب وعلى إدارة الحكومة المركزية، وغدا أسمه يذكر مع اسم الخليفة في خطبة الجمعة) والواضح أن لقب (الأستاذية) و (أمير الأمراء) كان نتيجة لضعف مركز الخلافة العباسية وزيادة النفوذ الأجنبي وتوسع حركة انفصال الولايات عن جسم الدولة العباسية.

الولاية فقهيا ونظريا

وقد صاغ الفقهاء نظرية الإمارة أو الولاية على النحو الآتي:

(1) إمارة عامة

(2) إمارة خاصة

والإمارة العامة على نوعين

(1) إمارة استكفاء بعقد اختيار

(2) إمارة استيلاء بعقد اضطرار

والإمارة عن اختيار تشمل سبعة أمور أوردها الماوردي وهي: -

(1) النظر في تدبير الجيوش. . . وترتيبهم في النواحي وتقدير أرزاقهم

(2) - النظر في الأحكام - وتقليد القضاء والحكام

(3) - جباية الخراج - وقبض الصدقات وتقليد العمال

(4) - حماية الدين - والذب عن الحريم - ومراعاة الدين من تغيير أو تبديل

(5) - إقامة الحدود في حق الله وحقوق الآدميين

(6) - الإمامة في الجمع والجماعات - حتى يؤم بها أو يستخلف عنها

(7) - تسيير الجميع من عمله ومن سلكه ومن غير أهله حتى يتوجهون معانين عليه

وأما الإمارة عن اضطرار فهي التي يأخذها الوالي ويقررها الخليفة، وفيها يكون الوالي مستبداً بالسياسة أو التدبير، ولكن في المسائل المتعلقة بالدين تكون من اختصاص الخليفة فلا يمكن أن يغض النظر عن بدعة أو إهمال. . ومن ذلك يقول الماوردي: (وأما إمارة الاستيلاء التي تعقد عن اضطرار فهي أن يستولي الأمير بالقوة على بلاد يقلده الخليفة إمارتها ويفوض إليه تدبيرها وسياستها فيكون الأمير باستيلائه مستبداً بالسياسية والتدبير، والخليفة بإذنه منفذا لأحكام الدين، وهذا وإن خرج من عرف التقليد المطلق في شروطه وأحكامه ففيه من حفظ القوانين الشرعية وحراسة الأحكام الدينية ما لا يجوز أن يترك مختلاً مدخولا ولا فاسدا معلولا، فجاز فيه مع الاستيلاء والاضطرار ما امتنع في تقليد الاستكفاء والاختيار لوقوع الفرق بين شروط المكنة والعجز.

وأما عن الإمارة الخاصة. . . فيول الماوردي (يكون الأمير مقصور الإمارة على تدبير الجيش وسياسة الرعية وحماية البيضة، وتشمل المجتمع وموضع السكان ومستقر الدعوة - والذب عن الحريم - وليس له أن يتعرض للقضاء، والأحكام والجباية، والخراج والصدقات)

ونختم قولنا عن وظيفة العامل كما جاء في كتاب قوانين الدواوين (أن العامل هو المتولي، ويلزمه عمل الحسابات ورفعها، والكتابة على ما يرفعه من معاملته منها بالصحة والموافقة، وكل من الناظر والمشارف، إنما هو لضبطه، والشد منه، ويلزمه تحقيق الباقي إذا انصرف عن الخدمة)

هذه هي مصيغة الفقهية. . . لشكل الولاية، وأقسامها ووظيفة الوالي والعامل وسنبحث في الفصول الأخرى - الناحية العملية في سياسة الولاة والعمال في مختلف عصور التاريخ الإسلامي وعلى القارئ ملاحظة مدى المطابقة والمقارنة بين الناحيتين الفقهية العملية في سياسة الولاة والعمال في مختلف شؤون الحياة.

بغداد - العراق

عواد مجيد الأعظمي

-