مجلة المقتبس/العدد 16/مطبوعات ومخطوطات

مجلة المقتبس/العدد 16/مطبوعات ومخطوطات

مجلة المقتبس - العدد 16
مطبوعات ومخطوطات
ملاحظات: بتاريخ: 15 - 5 - 1907



شرح ديوان المتنبي

ما رزق أحد من الشعراء حظوة كحظوة المتنبي في شعره وما خدم ديوانه. ولعل ذلك والله أعلم من أجل تلك الحكم الرائعة التي تخللت شعره. وما يخيل لي أن المتنبي بقي اسمه يردد على الأفواه كل يوم ألوفاً من المرات إلا بفضل حكمه وإلا فالمديح والنسيب الذي فيه يوجد مثله في دواوين غيره من الشعراء. اطلعت بالاتفاق على شرح لهذا الديوان لأبي الحسن علي بن أحمد الو احدي المتوفى سنة 468 قال صاحب كشف الظنون فيه وهو أجمل ما وجدنا عليه من الشروح وأكثرها فائدة ليس في شروحه مثله.

قال فيه الشارح بعد البسملة والحمدلة والصلاة: أما بعد فإن الشعر أنقى كلام. وأعلى نظام. وأبعد مرقى في درجة البلاغة. وأحسنه ذكراً عند الرواية والخطابة. وأعلقه بالحفظ مسموعاً. وأدله على الفضيلة الغريزية مصنوعاً. وحقاً لو كان الشعر جوهراً لكان عقياناً. أو من نبات لكان ريحاناً. ولو أمسى نجوماً لزاد ضياؤها. أو عيوناً لما غار ماؤها فهو ألطف من در الطل. في أعين الزهر إذا انفتحت الرياض غب المطر. وأرق من دمع المستهام. ومن رقرق بماء الغمام. وهذا وصف أشعار المحدثين الذين تأخروا عن الجاهلية. وعن نأنأة الإسلام إلى أيام ظهور الدولة العباسية. فإنهم الذين أصبح بهم الشعر عذباً فراتاً بعد ما كان ملحاً أجاجاً. وأبدعوا في المعاني غرائب أوضحوا بها لمن بعدهم طرقا فجاجاً. حتى أصبحت روضة الشعر. مفتحة الأنوار يانعة الثمار. مفتقة الأزهار. متسلسلة الأنهار. فثمرات العقول منها تجتبى. وذخائر الكتابة عن غرائبها تقتني. وكواكب الآداب منها تطلع. ومسلك العلم من جوانبها يسطع وإليها تميل الطباع. وعليها تقف الخواطر والأسماع. وإليها ينشط الكسلان وعند سماعها يطرب الثكلان. لما لها من المزاين والتدبيج. وسطوع روائح المسك الأريج.

وبعد أن أورد حديث أن من الشعر لحكمة وقول عائشة الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح فخذ الحسن ودع القبيح قال: ولقد رويت أشعاراً منها القصيدة أربعون ودون ذلك وأن الناس منذ عصر قديم قد أولوا جميع الأشعار صفحة الأعراض مقتصرين منها على شعر أبي الطيب المتنبي نائين عما يروى لسواه. وأن فاته وجاوز في الإحسان مداه. وليس ذلك إلا البحث اتفق لها فعلاً وبلغ المدى وقد قال:

هو الجد حتى تفضل العين أختها ... وحتى يكون اليوم لليوم سيدا

وجاء في آخر الشرح. هذا آخر ما اشتمل عليه ديوانه الذي رتبه بنفسه وهو خمسة آلاف وأربعمائة وأربع وتسعون من الفراغ من نسخ هذا التفسير والشرح السادس عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وأربعمائة قال الشيخ الأمام رحمه الله: إنما دعاني إلى تصنيف هذا الكتاب مع خمول الأدب وانقراض زمانه اجتماع أهل الكتاب أهل العصر قاطبة على هذا الديوان وشغفهم بحفظه وروايته والوقوف على معانيه وانقطاعهم عن جميع أشعار العرب جأهليها وإسلاميها إلى هذا الشعر واقتصارهم عليه في تمثلهم ومحاضرتهم وخطبهم ومقاماتهم حتى كان الأشعار كلها فقدت وليس ذلك إلا لتراجع الهمم وخلو الزمان وتقاصر الرغبات وقلة العلم بجوهر الكلام ومعرفة جيده من رديه ومطبوعه من متكلفه ومع ولوع الناس بهذا الديوان لا ترى أحداً يرجع في معرفته إلى محصول أو يعي ببيان عن مودعاته وغوامض معانيه ومشكلاته. . . .

وهاك نموذجاً صغيراً من شرحه قال:

أبي خلق الدنيا تديمه ... فما طلبي منها حبيباً ترده

قوله تديمه من فعل الدنيا وكذلك ترده أي تدفعه ويجوز أن يريد ترده إلى الوصل يقول حبيب تديمه الدنيا قد أبت ذلك أي تأبى أن تديم حبيباً على الوصال فكيف أطلب منها حبيباً تمنعه عن وصالنا وكيف أطلب منها أن ترده إلى الوصال بعد أن أعرض وهجر.

وأسرع مفعول فعلت تغيراً ... تكلف شيء في طباعك ضده

يقول أن الدنيا لو ساعدتنا بقرب أحبتنا لما دام ذلك لأن الدنيا بنيت على التغير والتنقل فإذا فعلت غير ذلك كانت كمن تكلف شيئاً هو ضد طبعه كما قال حاتم

ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه ... يدعه وترجعه إليه الرواجع

ومثله قول الأعشى السني

ومن يقترف خلقا سوى خلق نفسه ... يدعه وتغلبه عليه الطبائع

وأدوم أخلاق الفتى ما تشابه ... وأقصر أفعال الرجال البدائع

وقول إبرأهيمبن المهدي من تحلى شيمة ليست له ... فارقته وأقامت شيمه

وقال في شرح

وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده

هو مثل ضربه لنفسه كان يقول أنا أتعب خلق الله لزيادة همتي وقصور طاقتي من الغنى عن مبلغ ما أهم به وهذا مأخوذ مما في الحديث أن بعض العقلاء سئل عن أسوء الناس حالاً فقال من قويت شهوته وبعدت همته واتسعت معرفته وضاقت مقدرته. وقال الخليل ابن أحمد

رزقت لباً ولم أرزق مروته ... وما المروءة إلا كثرة المال

إذا أردت مسامات تقاعدني ... عما ينوه باسمي رقة الحال

فلا ينحل في المجد مالك كله ... فينحل مجد كان بالمال عقده

هذا نهي عن تبذير المال والإسراف في إنفاقه يقول لا تذهب مالك كله طلب المجد لأن المجد كله لا ينعقد إلا بالمال فإذا ذهب مالك كله انحل ذلك المجد الذي كان يعقد بالمال ألا ترى إلى قول عبد الله بن معاوية

أرى نفسي تتوق إلى أمور ... يقصر دون مبلغهن مالي

فلا نفسي تطاوعني ببخل ... ولا مالي يبلغني فعالي

وقد كتب الأصل بالحمرة والشرح بالحبر الأسود على عادة الكتب القديمة ولولا نقص كراس منه لكان جديراً بالطبع وقد روى بعضهم أن هذا الكتاب مطبوع في أوروبا والنسخة التي تكلمت عليها كتبت في شهر رمضأن سنة 1075 وعدد أوراقها 525 من الحجم الوسط

الإدراك للسأن الأتراك

نشر مسيو لوسين بوفا من مشاهير علماء المشرقيات عند الفرنسيس هذه الرسالة النافعة لمؤلفها أبي حيان الأندلسي المولود في غرناطة سنة 654 والمتوفى في مصر سنة 754 وكان أبو حيان كثير التصنيف ذكر له مترجموه زهاء سنين مصنفاً وهو العلم المفرد في النحو وله خمس رسائل في نحو اللغة التركية وصرفها وقد قال عن هذه الرسالة أنها لم ينسخ على منوالها كتبها عقيب مقامه في مصر واختلاطه بالترك الذين كانوا ملوك عصره وهذه الرسالة تنقسم كما قال ناشرها إلى كتاب مفردات اللغة التركية مترجمة إلى العربية وفيها نحو ألفين لفظة والقسم الثاني في التلفظ والتصريف والقسم الثالث في النحو فنشكر للناشر عنايته أكثر الله في خدمة العلم أمثاله

الفنون السبعة

أهدنا مسيو هرمان كيز من علماء المشرقيات من الألمان نسخة واحدة من هذه الرسالة وعني بالفنون السبعة الشعر القريض والموشح والزجل والمواليات والكان وكان والقوما وشرحها كلها بالألمانية مع إيراد بعض الفقرات باللغة العربية. والقوما والكان وكان لا يعرفها سوى أهل العراق. وحبذا لو عاد هذه الآونة إلى ما كان كتبه في هذا الموضوع وأشبعه مع ترجمة جميع ما يكتبه لتعم فائدته الجميع

مناقضاة العلماء

اطلعنا على رسالة للأمير شكيب أرسلأن في رثاء فقيد اللغة الشيخ إبرأهيماليازجي فما قاله فيها

لم يبرح الدهر فتاك المضارب عن ... أيامه البيض أو ليلاته السمر

إذا لها غافل عن رعي طارقه ... فللشدائد منه بالغ النذر

كفى برب المنايا واعظاً وجزاً ... رشداً لمن كان من دنيا على غرور

تخالف الناس في الأهواء حين حيوا ... وجمع الموت منهم كل منتثر

وقد يلج ببعض كيد شانئه ... ولو درى لصفا صفواً بلا كدر

وقد يحاول في أعدائه ظفراً ... وأنه بين ناب الموت والظفر

كم وترت قوس ضغن كف ذي ترة ... فأذهب الموت عزم الوتر والوتر

والدمع يغسل ما بالقلب من وضر ... كما يزول غبار الأرض بالمطر

إلى أن يقول بعد أن وفاه حقه من الرثاء

إليك حقك لا ظلم ولا سرف ... لاينكر الشمس إلا فاقد البصر

وأن يؤأخذك نقاد بباردة ... فليس يرجم إلا مثمر الشجر

وقد يعاب الذي في البدر من كلف ... وليس يسلب معنى الحسن في القمر

الإسلام في أفريقية الشرقية مسيو لشاتليه من كبار علماء المشرقيات المنصرفين في فرنسا إلى دراسة أحوال الشرق ولاسيما أهل الإسلام وبلادهم قضى في ذلك السنين الطويلة وهو اليوم رئيس مجلة العالم الإسلامي الفرنسوية وله في الأبحاث المشار إليها عدة مصنفات ممتعة ومنها هذا الكتاب الذي أتحفنا بنسخة منه قرأنا فيها أدلة على فضله وتحقيقه فقد تكلم فيه على مسلمي غربي أفريقية كلام من رحل إليهم وخالطهم وعرف عجرهم ونجرهم وشفع كلامه بنصوص تاريخية ووصف أحوالهم الاجتماعية والدينية والمعاشية والسياسية في سفر ضخم وقع في زهاء 370 صفحة وشفعة بمصورات تفيد القارئ إذا أراد أن يتصور تلك البلاد. ومما استنتجته أن الإسلام عريق في تلك البلاد يرد عهده إلى زمن عمرو بن العاص لما فتح مصر وجاءه ستة من البربر ودانوا بالإسلام وراحوا ينشرونه بين أهلهم وعشيرتهم وأن الويز دي كاداموستو قال سنة 1455 أن الإسلام يزداد انتشاره بين قبائل الزنوج في أفريقية الغربية. ومن رأي المؤلف أن الدين المحمدي يعم الزنوج في أفريقية إذا لم يستخدم المرسلون الكاثوليك والبروتستانت لتنصير من بقي منهم من بلا دين. وعلى الجملة فقد وصف بلاد السودانيين والصحراء والبربر والعرب بما لم يبق بعده مجال لقائل شأن العارفين المحققين الذين يؤلفون ويحسنون فجاء هذا الكتاب مرجعاً يستفتيه كل من تهمة دراسة أحوال أولئك الزنوج.

منهل الوراد

قسطاكي بك من أعيان حلب مشهور بأدبه وفضله ألف بعد بحث ستة عشر عاماً كتاباً في علم الانتقاد أصدر الجزء الأول منه في نحو ثلاثمائة صفحة تكلم فيه على علم النقد عند العرب وقال أنه لم يكن معروفاً عندهم أيام استبحار العلم والحضارة في أقطارهم وأن ما عرف عنهم لا يصح في الأكثر أن يسمى نقداً وتكلم على تاريخ النقد عند سائر الأمم وفي القرون الوسطى والقرون الحديثة وعلى أساليب الإنشاء ورتب الشعر وطبقاته وأفاض في ذلك فهذا الجزء الأول هو في تاريخ النقد وموضوعه استوفى تاريخه عند الإفرنج أكثر مما استوفاه عند العرب والجزء الثاني وهو تحت الطبع في قواعد هذا الفن وفروعه. وقد أهدى المؤلف كتابه لطلاب العلم وتلاميذ المدارس عسأهم يقعون على فائدة في تضاعيف سطور صرف المصنف على تدوينها شطراً من العمر قائلا أنه خالف بذلك عادة متقدمي العلماء والكتاب في هذا اللسأن العربي المبين من إهداء تآليفهم لبعض أمراء عصرهم وحكام زمانهم كما فعل أبو منصور الثعالبي بإهداء كتابه نثر النظم وحل العقد إلى الملك المؤيد أبي العباس خوارزم شاه وكتأبيه المشهورين فقه اللغة ويتيمة الدهر إلى الأمير عبيد الله أبي الفضل الميكالي وحذا حذوه الفتح بن خاقان بإهداء كتاب قلائد العقيأن إلى أمير المؤمنين أبي اسحق بن يوسف ين تاشفين والفيروزابادي بإهداء القاموس لمجلس الملك الأشرف إسماعيل صاحب اليمن وأهدى الفيلسوف ابن خلدون تاريخه إلى أمير المؤمنين أبي عبد الله المريني.

بارك الله لقسطا كي بك بهمته التي ساقته إلى أفراد هذا الفن بالتأليف. والنقد كما هو معلوم يرتقي بارتقاء الأمة فعسى أن يكون من الكتب النافعة ما ينتج منه ارتقاؤه في هذا العصر بين الأمة العربية.

نجعة الرائد

أتحفنا الشيخ حبيب اليازجي بنسخة من هذا الكتاب النفيس في المترادف والمتوارد تأليف عمه فقيد اللغة الشيخ إبرأهيماليازجي وفي هذا الكتاب أبواب مهمة لا يستغني كاتب معرب عن ألفاظها وجملها التي اختارها الشيخ من أرق الألفاظ ومنسجم التراكيب للعرب وهذا الجزء في العلم والأدب وما إليهما وفي سياقه أحوال وأفعال شتى مما يعرض في الألفة والمجتمع والمعاش وفي معالجة الأمور وذكر أشياء من صفاتها وأحوالها وهو ما يقع في 225 صفحة جيدة الطبع تدل على غور كاتبها وتدقيقه فحبذا لو اعتمدت عليه المدارس المصرية في التدريس والمراجعة فإنه من خير ما ألف في موضوعه وهو يطلب من مطبعة المعارف بالفجالة بمصر.

كتاب الأخلاق

طبع محمد أفندي هاشم الكتبي هذه الرسالة المفيدة للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي كتبها إلى بعض أخوانه سنة إحدى وتسعين وخمسمائة هجرية بقلم بليغ يذكرنا بنمط الأندلسيين في الإنشاء. وهذه الرسالة مما يعلي مقام الشيخ الأكبر في صدر المنكرين عليه دع عنك المعتقدين به لأنه لم يذكر فيها ما لا يقع تحت الحس بل ذكر فاضل الأخلاق وسفسافها ومما قاله فيها: وملاك الأمر في تهذيب الأخلاق وضبط النفس الشهوانية والنفس الغضبية هي تقوية النفس الناطقة فإن بهذه تكون جميع السياسات وهذه النفس إذا قويت (وأصبحت) متمكنة من صاحبها أمكنه أن يسوس بها قوتيه الباقيتين ويكف نفسه عن جميع القبائح ويتبع أبداً مكارم الأخلاق وإذا لم تكن هذه النفس قوية في صاحبها وكانت مقهورة خافتة فلول ما ينبغي أن يعتمده في سياسة أخلاقه أن يروض هذه النفس ويقويها وتقوية هذه النفس إنما يكون بالعلوم العقلية فإنه إذا نظر في العلوم العقلية ودقق النظر فيها ودرس كتب الأخلاق والسياسة وداوم عليها تيقظت نفسه وتنبهت وانتعشت من خمولها وأحست بفضائلها وأنفت من رذائلها وذلك أن هذه إنما تضعف وتخفت إذا عدمت الفضائل والمناقب واستولت عليها فإذا اقتبست الفضائل واكتسبت الآداب تيقظت وتنبهت من غشيتها وثارت من سكرتها وقويت بعد ضعفها وفضائل هذه النفس هي العلوم العقلية وخاصة ما دق منها والرسالة كلها من هذا النمط في الانسجام والمرامي السامية في تهذيب النفس واشرابها حب الفضيلة.

غريب القرآن

طبع محمد أمين أفندي الخانجي وشركاؤه هذا الكتاب المسمى بنزهة القلوب للأمام أبي بكر محمد عزيز السجستاني من أهل المئة الرابعة وهو على حروف المعجم مشروح ألطف شرح وأسهله متيسر معاني مفردات الكتاب العزيز أن يرجع إليها في أسرع ما يمكن من الحجم الصغير وبطلب من طابعه بثلاثة قروش.

أمالي السيد المرتضى

السيد المرتضى المتوفى في سنة 436 هو شقيق الشريف الرضي الأول عالم والثاني أديب وقد طبع هذه الآونة محمد أمين الخانجي وشركاؤه أماليهوهي أربعة أجزاء صدر الجزء الأول منها وقد جعل اشتراكه 15 قرشاً أميرياً بالاشتراك إذا اشترك المشترك قبل صدور الجزء الثاني وما بعد ذلك يباع بخمسة وعشرين قرشاً. وهذا الكتاب هو أحد مأخذ الإتقأن في علوم القرآن للسيوطي وفيه نبذ كثيرة في الأدب والتاريخ قد لا نجد أكثرها في الكتب المتدأولة وقد جعله المؤلف مجالس فكان هذا الجزء اثنين وعشرين مجلساً كل مجلس فيه ما رق وراق من الأخبار والأثار مثل تراجم بعض الدهرين والزنادقة والمعمرين وبعض رؤساء المعتزلة ومما رواه لابن المفقع من الحكم قوله: قيل أن يحيى بن زياد الحارثي كتب إليه يلتمس معاقدة الإخاء والاجتماع على المودة والصفاء فأخر جوابه فكتب إليه كتاباً آخر يسترثيه فكتب إليه عبد الله: أن الإخاء رق فكرهت أن أملكك رقي قبل أن أعرف كهنك. وكان يقول ذلل نفسك بالصبر على الجار السوء والعشير السوء والجليس السوء فأن ذلك من لا يكاد يخطئك. وكان يقول إذا نزل بك أمر مهم فإنظر فإن كان مما له حيلة فلا تعجز وإن كان مما لا حيلة فيه فلا تجزع وقال لبعض الكتاب: إياك والتبغ لوحشي الكلام طمعاً في نيل البلاغة فأن ذلك هو العي الأكبر. وقال لآخر عليك بما سهل من الألفاظ مع التجنب لألفاظ السفلة. وقيل له ما البلاغة فقال التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها. ومن كلام الجاحظ: ينبغي للكاتب أن يكون رقيق حواشي الكلام عذب ينأبيعه إذا حاور سدد سهم الصواب إلى غرض المعنى. وقال لا تكلم العامة بكلام الخاصة ولا الخاصة بكلام العامة.

وروى من أخبار المعمرين أن عبد المسيح بن بقيلة الغساني ذكر الكلبي وأبو مخنف وغيرهما أنه عاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة وأدرك الإسلام ولم يسلم وكان نصرانياً وروي أن خالد بن الوليد لما نزل على الحيرة وتحصن منه أهلها أرسل أبعثوا إلي رجلاً من عقلائكم وذوي أنسابكم فبعثوا إليه بعبد المسيح بن بقيلة فأقبل يمشي حتى دنا من خالد فقال: أنعم صباحاً أيها الملك قال: قد أغنانا الله عن تحيتك فمن أين أقصي أثرك أيها الشيخ قال: من ظهر أبي. قال: من أين خرجت قال: من بطن أمي. قال: فعلام أنت قال: على على الأرض قال: ففيم أنت قال: في ثيأبي. قال: أتعقل لا عقلت. قال: أي والله وأقيد. قال: ابن كم أنت. قال: ابن رجل واحد. قال خالد: مل رأيت كاليوم قط أني أسأله عن الشيء وينحو في غيره. قال: ما أجبتك إلا عما سألت فأسأل عما بذلك. قال: أعرب أنتم أم نبط قال: عرب استنبطنا ونبط استعربنا. قال: فحرب أنتم أم سلم. قال: بل سلم. قال: فما هذي الحصون. قال: بنيناها للسفينة نحذر منه حتى يجيء الحليم فينهاه. قال: كم آتي لك. قال: خمسون وثلاثمائة سنة. قال: فما أدركت سفن البحر في السماوة في هذا الجرف ورأيت المرأة تخرج من الحيرة وتضع مكتلها على رأسها لا تزود إلا رغيفاً حتى تأتي الشام ثم قد أصبحت خراباً يباباً وذلك دأب الله في العباد والبلاد قال: ومعه سم ساعة يقلبه في كفه. فقال له خالد: ما هذا في كفك. قال: هذا السم. قال: ما تصنع به. قال أن كان عندك ما يوأفق قومي وأهل بلدي حمدت الله وقبلته وإن كأنت الأخرى لم أكن أول ساق إليهم ذلاً وبلاءً أشربه فأستريح من الدنيا فإنما بقي من عمري اليسير. قال خالد: هاته فأخذه ثم قال بسم الله وبالله رب الأرض والسماء الذي لا يضر مع اسمه شيء فشربه فتجللته غشية ثم ضرب بذقنه في صدره طويلاً ثم غرق فأفاق كانما نشط من عقال فرجع ابن بقيلة إلى قومه فقال جئتكم من عند شيطان أكل سم ساعة فلم يضربه صانعوا القوم وأخرجوهم عنكم فإن هذا أنر مصنوع لهم على مائة ألف درهم يقول:

أبعد المنذرين أرى سواماً ... يروح بالخور نق والسد ير

أبعد فوارس النعمان أرعى ... مراعي نهر مرة فالحقير

تحاماه فوارس كل قوم ... مخافة ضيعم عالي الزئير

فصرنا بعد هلك أبي قبيس ... كمثل الشاء في اليوم المطير

تقسمنا القبائل من معد ... علانية كأيسار الجزور

نودي الخرج بعد خراج كسرى ... وخرج بني قريظة والنضير

كذاك الدهر دولته سجال ... فيوم من مساة أو سرور

وبالجملة فالكتاب رخيص الثمن ثمين القيمة والنفع جداً وقد عني السيد محمد بدر النعساني

الحلبي بتصحيحه وضبط ألفاظه وتعليق بعض حواش هذا الجزء في 330 صفحة مطبوع الطبع المتوسط مشكول محل الأشكال من ألفاظه.