مجلة المقتبس/العدد 35/سيرة العلم والاجتماع

مجلة المقتبس/العدد 35/سيرة العلم والاجتماع

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 12 - 1908



تربية الحواس

لم يعن علماء التربية حتى الآن بأن يجعلوا من جملة تربية الحواس ولايعلمون الولد في المدارس الابتدائية كيف يبصر ويسمع ويلمس ويشم ويميز الطعوم فيأتي الطفل من ذلك ما يروقه ويكون الجهل من هذا القبيل عاماً. فقد يبصر المبصرون بدون مبصر فسيعيشون البصر وليس غير العادة من قاعدة للمشمومات والمطعومات ولا يعرف الناس استعمال أصابعهم لتمييز الأشياء بمجرد لمسهم. وقد عني الأستاذ المرغاتس من أعضاء المجمع العلمي السميثوني في أميركا منذ بضع سنين بتلاقي هذا النقص في تربية الحواس فوضع طريقة جربها في أولاده البنين منهم والبنات فجمع إلى تمرين الحواس تهذيب العقل وهو مقر الحواس بل المركز العام لكل باصرة وسامعة ولامة وأخذ يعلم الأطفال على التفكر بسرعة وأن يستخدموا كل حاسة بسرعة فرلي خلايا الدماغ وأول ماكان يعلم الطفل التمييز بين الألوان فإنه استعمل لذلك أطر لذلك منوعة الألوان واطراً من ألوان واحدة تختلف بعض الشيء ويكرر من هذه الأُطر نحو ثلاثين ألف لون على نظر الطفل يعلمه التمييز بين ألوانها بأعيانها بحيث تتربى فيه ملكة النظر فلا يرتكب خطأ بعد في التمييز بينها.

ويبدأ بتعليم الطفل تمييز الألوان وهو في الثانية أو الثالثة عند ما يأخذ يتكلم وينتهي من التعلم في السابعة أو الثامنة وفي الرابعة من عمره تربى فيه ملكة السمع بواسطة آلة الاستماع التي تحقق الأصوات وتقيها الارتجاجات ولتقوية العقل يضعون بين أيدي الطفل ألعاباً عملية من نحو خشبة مثقوبة ثقوباً كثيرة يدخل فيها مسامير مختلفة الحجم على أسرع ما يكون فيتربى بصره على التمييز في الحال بين المسار الصالح للثقب الذي يريده وأن تتناوله يده بسرعة وتدخله في محله. وهناك لعبة الخاتم وهي عبارة عن هدف تجعل فيه كلابات فيقضى على الولد أن يرمي بالخواتم بحيث تعلق في الكلابة الخاصة بها. وقد ذكر الأستاذ غرائس بأن قوة العضلات يمكن إنقاصها وزيادتها بزيادة الحرارة والبرودة في الأعضاء بل بواسطة المنبهات كالشاي والقهوة وذكر أن الصباح خير الأوقات للرياضة العضلية بعد أن يكون الإنسان استوفى حظه من نوم الليل وأنه لابد من أن يعقب تلك الرياضة بعد أن يكون الإنسان استوفى حظه من نوم الليل وأنه لابد من أن يعقب تلك الرياضة شيءٌ من الراحة. وقد أخذت هذه الطريقة تسري في الولايات المتحدة وأخذوا هناك يزهدون في أنواع الرياضيات القليلة الجدوى ليستعيضوا عنها بتربية الحواس والقوة فكانت النتيجة باهرة.

الاستقامة في الخط

تألفت في باريز جمعية من كبار العلماء والأطباء تدعو الناس إلى تعليم أولادهم الخط وهم على وضعه مستقيمة في أجسامهم لأن اعوجاج الجسم وانحناء مضران بصحة الكاتبين وهم يرون أن يلاحظ الولد الذي يكتب وهو منحن مستنداً على طرف واحد وذراعه اليسرى بعيدة وذراعه اليمنى قريبة ملصوقة بالجسد ورجله اليسرى موضوعة أمام اليمنى فبدلاً من أن يحمل ثقل الجسد على طرفي الإنسان ينزل على الذراع وحق الفخذ الأيسر وإذ كانت سلسلة الظهر سريعة العطب في الطفل لا تلبث أن تخرج عن اتجاهها الأفقي فتلوى وتنحني ويصيب الفقرات التواء ويقع اليسار من الصدر على طرف المنضدة فيضغط على الرئتين فيتولد من ذلك تشويه في الأعضاء وقص الصدر. وبهذا الوضع المائل يضطر الرأس إلى الانحناء إلى اليسار وإلى الأمام وتقترب العينان من الورق فيضعف البصر فأخط باحناء الجسم يورث انحراف سلسلة الفقار والحسر (ضعف البصر). أما الخط يجعل الجسم مستقيماً والورق أمام الكاتب مستقيماً فتستقيم به بالطبع وضعة الجسم والرأس وسلسلة الفقار ولاينشأ عن ذلك ضيق ولا انحراف ولاعائق يضر بالصدر وقد كاد هذا الرأي يعم الأساتذة والتجار والصناع ولذلك قامت هذه الجمعية تدعو إلى تعليم الكتابة والأجسام مستقيمة والاستقامة شرط في كل شيء لا في الكتابة فقط.

فائدة الدموع

ادعى أحد الأطباء أن إرسال العبرات مفيد لصحة الباكي فكتب أحد مشاهيرهم مقالة في تأييد رأي صاحبه قال فيها: أن الدموع تجري في حالتين متناقضتين الحزن الشديد والفرح العظيم ففي الحزن يصحبها صراخ وعويل وفي السرور يشفعها ضحك وقهقهة وإذا نظرنا في طبيعة الإنسان الضاحك وطبيعة الباكي يتجلى لنا كيف يضحك ويبكي من خد واحد.

ليس الضحك الشديد من حيث النظر الفسيولوجي إلا تأثيراً وجهداً ففي حالتي الجهد والضحك تنقبض الأعصاب فتطبق فتحة الحنجرة ثم تخفض الحجاب الحاجز وتقف حركة الأعصاب التي يكون من تحركها تحريك الترقوة ثم يزيد الضحك فنستعين بتحريك أعصاب أخرى فتنثني سوفنا وأفخاذنا وننكث بأرجلنا الأرض.

ويتخلل التنفس شيء من الوقوف ولكنه لايزيل حالة الإغماء التي تحدث في الضاحك ويكفيك أن تنظر إلى عروق جبهته كيف تنتفخ وإلى شفتيه كيف تكلح وإلى وجهه كيف يحمر لتدرك الانقباض الشديد الذي يصيب دماغه وعندما تنقبض الأوداج الخارجة بكثرة الضحك وينقلب الدم من الودج الأصلي إلى الودج الداخلي ويتراكم على الدماغ فيطفح هذا بالدم الذي لايجري بما يحول دونه ودون التنفس وينفجر بما يدفق الدم الشرياني الواصل إليه بواسطة عصب البصر الواقع بين الودجين يتجه الدم نحو الدماغ من جهة العيون ويحقن الملتحمات والغدد الدمعية وعندها تفيض الدموع بتواتر الدم على تلك الصورة بمعنى أن الغدد الدمعية تحيل الدم الذي ينهال عليها إلى دموع لأن تركيب الدموع كتركيب الجزء السائل من الدمع. وفي تلك الحال يؤثر جريان الدمع في الدماغ المحتقن على صورة فصد أبيض يفصل دماغ الضاحك الذي يوشك أن يغمى عليه بما يتواتر إليه من الدم.

والدموع نافعة في حالة الحزن ولكن عملها في تلك الحالة مخالف لعملها في حالة السرور فإن كان الدماغ يحتقن في حالة الضحك فإنه يقل دمه في حالة الحزن فجريان الدموع على صورة فصد لايزيد الدم إلا فقراً في المراكز العصبية ولكن هذا الفقر في الدم ينتج ضرباً من ضروب السبات في الدماغ ونوعاً من الكسل الطبيعي وقلة المبالاة والإحساس في الدماغ فيقل بذلك التأثر من المصاب أو الألم. وقلة الإحساس هذه في تخفيف ما أصاب المرء أشبه بمخدر صناعي كالكلوروفورم والإثير والكحوا فيضيع الحزن في العبرات كما يضيع في الكحول. ومن العجيب أن التقطيب الذي نقطبه عندما نبكي يحدث من انقباض الأعصاب الذي تفعل فعلها في الغدد الدمعية والشرايين البصرية وجميع أعصاب الجفون والأهداب وغيرها إذا انقبضت تؤثر في الغدد الدمعية وهكذا كانت الدموع فرجاً للمحزون كما هي فرج للطفل وسلامة دماغه فهو لها نعم المخدر وأحسن مداوٍ من الاضطرابات كما يرى في النساء أيضاً وهن لا يقللن عن الأطفال بتأثراتهن.