مجلة المقتبس/العدد 36/سير العلم والاجتماع

مجلة المقتبس/العدد 36/سير العلم والاجتماع

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 1 - 1909



آثار خوزستان

إقليم خوزستان في فارس من الأقاليم التي رخصت حكومتها لفرنسا أن تأخذ منها جميع ما تعثر عليه من الآثار كما عقدت معها عقداً سنة 1900 يكون بموجبه لفرنسا حق استخراج العاديات من فارس كلها دون غيرها وقد حفر المسيو مورغان العالم الأثري في سوس عاصمة ذاك الإقليم فظفر بآثار مهمة حملها في ثمانين صندوقاً وراح يعرضها في متحف اللوفر بباريز وقد كتب عنها بعضهم في جريدة الآنال فصلاً إضافياً قائلاً أن الحفر ما زال في سوس قائماً على ساق وقدم منذ بضع سنين برئاسة هذا العالم الأثري وسوس هي المدينة الغريبة التي خربت مراث وأعيد بناؤها فأنشأ بالآجر المستخرج من أنقاض الأسوار في تلك المدينة قصراً حصيناً أشبه بقلعة ليكون في مأمن للقيام بمهمته وقد نجز بناءُ هذا الحصن وكانت هذه البعثة الأثرية من قبل عرضة لنهب الناهبين من سكان البوادي. واكتشف في الحفريات الحديثة بقايا المدينة الأولى التي كانت قبل المسيح بخمسة آلاف سنة واكتشفوا كمية من الخزف والأواني المنقوشة التي رسمت على مثال الصناعة اليونانية مما استدل منه على أن الصناعة الكلدانية أساس الصناعة اليونانية فإن ملوك خوزستان بعد أن خربوا بلاد الكلدان أخذوا إلى عاصمتهم سوس كل ما كان عند المغلوبين من الأعلاق والنفائس وزينوا به قصورهم. وأنك لتجد هذه الأعلاق المذكرة بتلك الحضارة في سوس أكثر مما تجد منها في بابل نفسها. وقد جمعت تلك البعثة ما طالت إليه يدها من الخزف المنقوش الذي كانت جعلت منه جدران قصر ملوك الإخمانيين ومتى جمعت كلها يكون منها صورة تامة يتأتى الوقوف بها على واجهات ذاك القصر وكيف كانت. قال ولقد دهشنا بما شاهدناه من تلك الأواني والأكواب والصحاف المنقوشة بالمشجر اللطيف وبصور الحيوانات التي جُعلت على نسق دلَّ على ذوق أكيد وذكاءٍ حقيقي وتحققنا أن هذا الخزف صنع بحذق يوازي حذق صناعنا في صنع الصيني وقد جعلوا منه أشكالاً كثيرة فمنه تماثيل دينية أو ألعاب للأولاد أو عجلات صغيرة أو غير ذلك من التحف والطرائف. وفي هذه المجموعة النفيسة تماثيل لمشاهير منها بعض رجال معروفين مثل تمثال الملك مونيشتوزو الذي أتى المسيو مورغان بقانونه الذي كتبه منذ أربعين قرناً قبل المسيح وقد كتبت على التمثال كتابة تؤكد أن ملك سوس بعينه.

الانتحار

أثبت الأستاذ قيصر لومبروز الفيلسوف الطلياني أن الحب هو أول باعث على الانتحار وإذ أن الرجال في العادة أكثر إقداماً على الانتحار من النساء في الغالب فقد بلغ عدد المنتحرين في إيطاليا في سنة 1875 و77 و78 ـ 2516 مقابل 569 منتحرة وإن عدد المنتحرات بعوامل الحب هو من 70 إلى 75 في المئة. وعدد الرجال من 20 إلى 40 في المئة وكذلك الحال في فرنسا فإن عدد المنتحرين 17000 مقابل 6000 من النساء فينتحر بدواعي الغرام 28 في المئة من النساء وسبعة في المئة من الرجال فقط وبهذا صدق المثل الإفرنجي القائل (فتش عن المرأة) إشارة إلى أنها السبب في كل بلية.

مساوئ الملح

ثبت بالتجارب الكيماوية والفسيولوجية مؤخراً أن الملح المستعمل في المطابخ لأجل تحضير الأطعمة يأتي في بعض الأحوال بأضرار شبيهة بالتسمم. ويكفي أن الكلى لا تفرز الفضلات من كلور الصوديوم بكمية كافية وتبقى في الجسم فتحدث فيه اضطرابات. وكان الأطباء يصفون لمن يصاب بهذا التسمم الاقتصار على اللبن لأن فيه راحة للكلى ولا ينشأُ من تناوله أقل تأثير في إخراج الفضلات. فيقل بالتدريج معد الألبومين الذي يخرج في البول بواسطة استعمال اللبن ويزول التورم والاستسقاء. إلا أن الناس لا يروقهم تناول اللبن ويريدون إبدال غيره به ويسوغ لهم استعمال اللحوم والخبز والسكر والأرز والمعجنات على شرط أن لا يكون فيها ملح قبل الطبخ ولا بعده. وقد قال الدكتور فندال القائل بحذف الملح من الطعام أن أحدهم أصيب بانتفاخ في كعبه ثم سرى إلى ساقه فكان يألم كثيراً فوصف له استعمال الخبز واللحم والبطاطا والزبدة ولكن بدون ملح فأسرع شفاؤه أكثر من اللبن ولكن ما أضافوا إلى الطعام شيئاً من الملح عاود المرض المريض. فمن ثم يرى الطبيب المشار إليه أن يمتنع تماماً عن أخذ الملح في بعض الأمراض.

الكنس

رأت بعض المجلات العلمية أن خير واسطة لدفع مضار الغبار من الدخول عند كنس الشوارع من النوافذ والأبواب بل من السريان إلى أنوف المارة وأفواههم هو أن لا يكنس الكناسون إلا بعد أن يرش الرشاشون وكذلك الحال في نفض البسط والأثاث فإن على من أراد أن لا يضر بصحة الناس أن لا ينفضها قبل أن يرشها بماءٍ لتصبح ندية وأن من الواجب على البلديات أن لا تغفل هذا الأمر الصحي.

اللبن الحليب

منذ تبين أن في بعض البقر جراثيم السل تنقل عدواها بواسطة لبنها أخذ الغربيون وهم أئمة في الوقاية يحترزون من أخذ الحليب من بقرة مريضة ويبالغون في التوقي إلا أن النفوس ما زالت على كثرة النظافة التي أصبحت طبيعية في الفلاحين وأهل المدن في الغرب غير مطمئنة في هذا السبيل فأنشأت مدينة روبيه في فرنسا محلاً لتربية البقر يعني فيه بصحتها ونظافتها عناية لا يكاد يصدقها العقل كما يعنى بصحة من يحلبونها ونظافة أجسامهم وأطرافهم.

أجور الكتاب

فرنسا من أكبر بلاد الحضارة كتاباً ولذلك قلت فيها أجورهم حتى لا تكاد تقوم بنفقات الطبقات الوسطى منهم أما في انكلترا فإن الكتاب قلائل وهم يعيشون في سعادة أكثر فقد ذادت أجورهم خمسين في المائة منذ خمس عشرة سنة. ونسب بعضهم ذلك لوجود نقابات للكتاب تنظر في مصلحتهم كما تنظر في مصلحة أرباب المطابع. ويقال أن تسعين في المئة من المسائل المادية في لندرا تفض بواسطة ست نقابات تمخضت هذا الغرض فتدفع المجلات ثمن القصة في الغالب من ثلاثة جنيهات إلى خمسة في كل ألف كلمة وممن يربحون كثيراً من كتاباتهم كبنغ الكاتب فإنه يأخذ شلناً عن كل كلمة تخطها يده ويأخذ كونان دويل ثلاثة فرنكات عن كل كلمة من سلسلة رواياته شارلوك هولمز. أما في هذا الشرق الأدنى فقد ارتق أجور الكتاب في السنتين الأخيرتين فابتدأت مصر تدفع للطبقة العالية من كتاب الجرائد رواتب متناسبة مع ثروة الصحف وحالة البلاد وتتبعها الأستانة الآن التي تنسج على منوال الصحف الأوروبية في محرريها ومؤازريها ومكاتيبها.

غلاء المنازل

ارتفعت أجور المنازل في جميع عواصم الأرض في هذا القرن الازدحام والاجتماع وقد نشرت نظارة الأشغال في باريز إحصاءً جاء فيه أن المنزل الذي كان يؤجر بثمانين فرنكاً سنة 1810 أصبح يؤجر بمئة وعشرين سنة 1850 وبمائتين وعشرين سنة 1870 وبثلثمائة وعشرين سنة 1900 وبثلثمائة وخمسين سنة 1903 ومثلها قواعد الولايات وإن تكن بنسبة أقل.

النساء والأطفال

قررت فرنسا أن يمنع العاملات إذا كانت سنهن أقل من 14 من حلم رزم وزنها أكثر من خمسة كيلو غرامات والأولاد أن لا تتجاوز حمولتهم أكثر من عشرة كيلو غرامات. كما حظرت على الفتيان والفتيات أن لا يستعملن الدراجات الحمالة التي تسير بالبترول إلا إذا تجاوزن سن الثامنة عشرة.

المواليد

يولد في كل ألف امرأة تختلف أعمارهن من 25 إلى 50 في برلين 47 مولوداً من عائلة غنية و157 من عائلة فقيرة وفي باريز يولد في طبقة الأغنياء 37 مولوداً و108 أولاد في الطبقة الفقيرة ويولد في فيينا 71 مولوداً في كل بيت غني و200 في الألف في البيوت الفقيرة وفي لندرا 63 مولوداً غنياً في الألف و147 مولوداً فقيراً.

الهواء

حملت بعض الصحف الباريزية حملة صالحة على قلة الهواء الذي يتخلل الأحياء والشوارع وقالت أن الفراغ آخذ بالقلة مع الزمن وأن قلة الساحات العامة والحدائق هو الذي يكثر من الأمراض ولاسيما السلُّ وأنه ثبت أن الأحياء القليلة الساحات والفسحات كانت أكثر تعرضاً لهذا الداءِ الوبيل. وللندرا 1168 هكتاراً من الأرض البراح ما عدا إحدى عشرة حديقة في وسطها وفي باريز 214 هكتاراً من الفراغ ما عدا غابة بولونيا التي تحسب ضاحية فالواجب الإكثار من الحدائق لأن الهواء هو الصحة.

التمثيل للأولاد

رأى مارك توين الكاتب الأميركي المشهور أن تقام دار للتمثيل خاصة بالأطفال والشبان فلبي طلبه وأنشئوا دار تمثيل سموها مسرح تربية البنين والناشئةت ولا يمثل فيها إلا المولعون بفن التمثيل ويقتصرون في تمثيلهم على الروايات المدرسية وبذلك يمتنع كثير من الشبان عن غشيان دور التمثيل التي لا تمثل فيها إلا الخلاعة والرقاعة.

جيش المتمردات

قال أحد كتاب الانكليز لا يزال عدد المتمردات من العاملات الانكليزيات في ازدياد ففي انكلترا زهاءُ خمسة ملايين ونصف من النساء العاملات وهو جيش أضخم من جيش كسركس ملك الفرس بل أكثر من سكان لندرا. فمنهن 867000 عاملة في معامل القطن و903000 في المصنوعات اليدوية و80500 في التجارة ونحو مئة ألف في الزراعة و55784 حاسبة و200000 معلمة و44000 موسيقية وممثلة و79000 مرضعة و292 طبيبة. ومن هؤلاء النساء ثلاثة ملايين لم يتزوجن وإن كن جاوزن العشرين من العمر ومنهم مليون رضين أن يبقين عانسات بعد بلوغهن الخامسة والثلاثين وعدد الأيامى منهن 124647 أيامى.

العامل العظيم

تبين أن أديسون مخترع الكهربائية. .

ساعة أي أنه عمل ما يوازي عمل العامل الهم في مئة سنة بيد أن المرء لا يعجب من عظمة أعمال كبار الرجال بقدر ما يعجب من مقدرتهم على معاناة العمل.

مطاعم الشعب

أي امرئٍ فيه ذرة من الإنسانية يمر بجماعة من العملة وقت الظهر هو يتغذون ولا تأخذه الشفقة عليهم ويتأثر لجور هذه المجتمعات في قوانينها. تعطي الغني حتى تتخمه وتمنع الفقير حتى تميته. ولكن ابن هذه البلاد جبل على القناعة من طبعه إذا حاز الخبز القفار عده نعمة وإن تيسر له أن يلته بشيء من مرق المخلل أو يجمع معه الزيتون أو البصل أو الفجل اغتبط وعد ذلك سعادة. واليوم الذي يتناول فيه اللحم والأرز والبقول والفول هو يوم عيده وهنائه.

بيد أن ابن الغرب ليس كابن الشرق في هذه الحال وذلك لأن مناخ الغرب يقتضي من جيد الأطعمة ما يقدر معه العامل أن يقاوم هواءَ بلاده ويتحمل مشاقها ولاسيما عملة المعامل. وهناك جمعيات وأفراد كثيرون ممن أسبغ الله عليهم نعمه يفكرون للبائس الفقير أكثر مما يفكر لنفسه ويأسفون لحرمانه فيسعون لتنعيمه حتى يساوي أهل السعة في بعض ما يجب لقوام جسمه من المطعم والمسكن لتستفيد بلاده منه إذا جادت صحته وسلمت آدابه.

هناك من يتأثر المحسن إذا رأى أولاداً يأكلون قليلاً لفقرهم ويطعمون أردأ الأطعمة ويشفق الفسيولوجي على الفتيات العاملات لقلة ما يدخل معدهن من الطعام المغذي ويهتم الأخلاقي إذا رأى ابنة تهيم في الشوارع على وجهها لتملأ بطنها. ولذلك قام فيهم أمثال الأميرة دي غال (الملكة فيكتوريا) في لندره ومرغريتا مورجانستين في برلين وروتشيلد في باريز وغيرهم أو غيرهن في عواصم الغرب وقواعده حيث تصعب المعيشة لازدحام أقدام السكان.

ولم يرَ القوم هناك أحسن من إنشاءِ مطاعم الشعب على النحو الذي أسسه جماعة من محسني اليونان في الإسكندرية يأكل كل فيها العامل أو العاملة هنيئاً مريئاً لقاءَ دريهمات تمكنه حالته من أدائها كل يوم. وكانت سويسرا هي السابقة إلى إنشاء أمثال هذه المطاعم والاستكثار منها وبعضها مما أنشأه النساء. وكم للنساء في الغرب من يد في الخبرات كما لهن أيد في غيرها.

رأى أصحاب المعامل هناك أن مصلحتهم تقضي عليهم بأن يتغذى عملتهم تغذية جيدة فأنشئوا لهم مطاعم يبيعونهم فيها جيد الطعام بثمن بخس وذلك لأن هذه المطاعم لا يقيد من أربابها ربحاً كثيراً بل يطلبون أن تقوم بنفقاتها فقط وتسر عملتهم وتقتصد لهم من أوقاتهم ومالهم وتنفعهم في صحتهم وتدفع عادية الأمراض عنهم. وقد أسست في باريز مدرسة عالية أشبه بكلية للشعب وفي جوارها مطاعم للتلاميذ يتناولون طعاماً جيداً بثمن بخس كما يتعلمون مجاناً.

وزاد عدد هذه المطاعم في أوروبا في العهد الأخير ولاسيما في انكلترا والسويد والنروج وسويسرا وألمانيا وفرنسا بسبب كثرة المدارس التي يتعلم فيها الفتيات فن الطبخ وتدبير المنزل فيعانين صنع ألوان الطعام ليتعلمن بالعمل وكل ما زاد منه ترسله إدارات المدارس إلى مطاعم أنشأتها في الجوار لتبتاعها العملة والعاملات ولاسيما العاملات بثمن قليل.

ولا تتوخى معظم تلك الشركات والجمعيات الربح من تأسيس مطاعم الشعب وقد رأت بعضها أن تحدد القدر المقتضي لرأس المال من الأرباح وما زاد عنه وهو قليل أيضاً يستعين به على إنشاء مطاعم أخرى في أحياء أخرى أو مدن أخرى. وكانت انكلترا بدأت بإنشاء هذه المطاعم على عهد الملكة فيكتوريا أميرة دي غال قبل توليها عرش أجدادها ففتحت هي وزوجها المطعم بيدها وأكلت منه وجبة كلفتها أربعة بني ونصفاً (45 سنتيماً) ثم كثرت المطاعم على هذا النحو في انكلترا وأكثرها لا يكلف زيادة عن نصف فرنك كل وجبة تحتوي على بقول ولحوم وجزءٍ من لبن.

وفي ألمانيا جمعيات كثيرة من النساء أنشأت في أمهات المدن الألمان ولاسيما الصناعية مطاعم كثيرة تكلف الوجبة فيها أربعين سنتيماً والطاهيات والخادمات هناك من النساء. وقد أنشئ فيها محال لبيع اللبن والشاي والزبدة والقهوة بأثمان رخيصة لتقاوم أعمال المحال التي تبيع المسكرات. وتفردت ألمانيا وحدها بإنشاء مطاعم للمرضى الناقهين تقدم أطيب الأطعمة بحسب وصية الطبيب بأثمان لا تزيد الوجبة منها على ستين سنتيماً. والفضل في ابتكارها أولاً لمعمر كروب المشهور ثم عمت هذه الطريقة معظم أقطار ألمانيا.

وللنساء السويسريات يد طولى في إنشاء مطاعم للشعب. ومن جملة الفنادق التي أنشأتها فنادق ينام فيها المرء ويأكل ويشرب ولا يدفع أكثر من ثلاثة فرنكات ونصف وترى فيها النظافة على أتم ما يمكن أن يكون والمواد جيدة ولا تجد في معظم هذه المطاعم أثراً للمشروبات الروحية وفي بعضها محال للمطالعة والتسلية المشروعة. وقد نجحت مطاعم الشعب في ولايات فرنسا أكثر من نجاحها في باريز لغلاء الأجور فيها وارتفاع أسعار مواد الأجور وثبت بالاستقراء للباحثين أنه لا يتأتي إطعام شاب في مطعم طعاماً كافياً بأقل من فرنك و15 سنتيماً إلى فرنك وربع.

ويرى بعض الاجتماعيون أن مطاعم الشعب يجب أن لا تحصر عملها في إطعام الطعام الجيد للفقراء ممن ينتابونها بل أن تعلمهم وتربيهم وأن لا يكتفى فهيا فقط بحظر بيع المشروبات الروحية بل أن يستعاض عنها بالأشربة والحواء المحللة الصحية ما ينسى معها الذين اعتادوا تناول الكحول أن لا يعاودوا احتساءها. والسكر أحسن مولد للحرارة في الجسم ومعين على الهضم ولذلك رأت ألمانيا أن تدفع كل يوم ستين غراماً من السكر لكل جندي يتناوله مع الماء والقهوة والشاي. وأن البلاد التي لا يطيب ماؤها حريٌّ بها أن تغلي الماء على النار في الأوقات التي إلا تنتفع بها وتمزجه بقشر البرتقال أو الأقحوان فإذا جاء المستطعمون يتناولون منه فيجمعون فيه سكراً أو يكرعونه صرفاً وهو يغنيهم عن كل شراب وينشط أجسامهم. وظهر من فوائد مطاعم الشعب أن الأمراض كانت تقل من يطعمون فيها لأنهم يكرهون على غسل أيديهم قبل الجلوس إلى الموائد. ومعلوم أن طريق الفم هو الواسطة العظمى في العدوى من الأمراض ولاسيما الهواءُ الأصفر فكان من هذه المطاعم أن علمت المختلفين إليها أن يطهروا أيديهم طوعاً أو كرهاً.

هكذا يعمل الغربيون وعلى هذه السنة جرى بعض النزالة اليونانية في الإسكندرية منذ أشهر ففتحوا مطاعم لأمتهم يصرف فيها القليل وينتفع فيها بالجزيل. فهل الأفراد في أمتنا أن ينهضوا بدافع الشفقة على مثال الأمم الناهضة فيؤسسون مطاعم للبائسين ولاسيما في العواصم ومدن الأقاليم الكبرى حيث الغلاء ضارب بجرانه بما يعد معه غلاءُ أكبر مدينة في أوروبا رخصاً وسعة.

آداب الجرائد

كتب الدكتور رنيول في مجلة مستندات الترقي مقالة في الجرائد السياسية وآدابها قال فيها وهو يقصد في الأكثر صحف فرنسا: إن المرء يقع اختياره في الغالب على مطالعة جريدة من الجرائد تطلعه على الشؤون السياسية والحوادث المنوعة والعلوم والآداب بل على كل مطلب من المطالب اللازمة ولذلك كانت الجرائد هي المهذبة العظمى للأمة إلا أنها تستعمل مالها من التأثير في الشر أحياناً فمن جرائدنا من جعلت همها الوحيد لغت الأنظار إلى مطالعتها فهي تبذل في هذا السبيل كل شيءٍ فتدعو من أجل ذلك أشرف العواطف وتقلبها إلى شهوات ضارة فتجعل الوطني مهووساً والمؤمن متطرفاً والمتسامح مبتدعاً والمنتخب المتعقل سياسياً ناقصاً وتوقد النيران التباغض بين الأجناس والطبقات والأديان والآراء وبفضل الجرائد تنقسم الأمة إلى شطرين متعاديين يوشك أن يحمل أحدهما على الآخر في المسائل العادية كإعادة النظر في إحدى القضايا.

هذه الجرائد تعظم الحوادث الساذجة لتستكثر من القراء. أن دعت إلى الاجتماع لسباق الخيل تقلب علم الفروسية ظهراً إلى بطن وإن أحبت عقد مؤتمر من التجار تضاعف ثروة الأمة عشرة أضعاف ما هي عليه وأن اقترحت الاحتفال بسباق السيارات تزعم أنها أحيت هذه الصناعة. نعم هي تدعي أيضاً أنها تظهر المحكوم عليهم من الأبرياء وتشهر الصناعات السامة وتشرف على المطاعم المغشوشة.

للاستكثار من القراء تقيم الجرائد مسابقات سخيفة فهي تقترح عدَّ حبات الدخن الموجودة في زجاجة وأن تحزر الكلمات المحذوفة من رفرف (قصة في أسفل الجريدة) تافه وأن يعثر على كنز مخبوء في إحدى المتنزهات العامة وذلك بأن تعلن بأنها تدفع جوائز تقدرها بمئات الألوف من الفرنكات. هي تعمل ذلك ولا حرج عليها لأنه لا يكلفها غير الوعد فإذا ما انحل الإشكال المطلوب حله فلا يكون إلا على يد شريك لها تقاسمه الربح أو لا تعطيه منه شيئاً.

لأجل أن تحبب الجرائد قراءتها تغرس فيهم الميل إلى قلة الرصانة وسماع اللغو والعبث فتقص عليك كيف أن إحدى الممثلات تلبس قفازيها (كفوفها) وتركب في المركبة وتذكر كل تفصيل عن غانية اشتهرت وتورد لك أسماء أشأم الأشرار مورية أنهم من الأبطال تستجلب عليهم الرحمة وتفاوضهم بعناية. لإكثار هذه الجرائد قراءها تستخدم رقة القلب الكاذبة في العامة بأن تأتيهم بحوادث غريبة منوعة ومدهشة تقيم وتقعد. فإن مخبري الجرائد يجتمعون كل مساءٍ في القهوة فإذا لم تحدث في المدينة حوادث خصام ولا توقيف أحد بالقوة ولا انتحار ولا فجائع عشق ولا غيرها مما يقضي عليهم أن ينشروه في جرائدهم يخترعون شيئاً منها بالاتفاق بينهم اتفاقاً لا يخرج عنه أحد.

هذه الجرائد تدعو الناس إلى قراءتها بنشر أنباء الاكتشافات الكاذبة والمبالغة في رفع أقدار أدعياء العلم إلى السماكين وتتملق للمتأدبين المنحطين والموسيقيين الساقطين. نعم هي تساعد على نمو الفضائح مدعية أنها مولعة بالحق ولكنها تتحرز من إفشائها إذا كان فيه مس إحساس بعض الشركات الكبرى. وحدث ما شئت أن تحدث عن تلطفها في ذكر نقابات باعة الخمر فهي تتوقى من ذكر اسم سكير وتستعيض عنه عندما يأتي في باب الأخبار المنوعة بلفظ المغضوب أو فاقد الصواب.

ومتى أفلحت تلك الجرائد بكثرة سواد قرائها لا تستنكف من بيع أعمدتها للإعلان عن أرباب الموبقات وبائعي السميات واللصوص. لا تراعي فيما نشر إلا ولا ذمة ما دام المعلنون يدفعون لها أجور إعلاناتهم. وليس أحسن من الجرائد للرقيق إلا بيض يطلب على لسانها أحدهم على صفة أنه رجل في بلد بعيد يريد فتاة لتكون في بيته وصيفة أو معلمة أو مؤنسة فإذا حُملت إليه لا تجد المسكينة غير بيوت الريبة تنتظرها وكذلك الحال في المتجرات بالأعراض من النساء فإنهن يعمدن إلى الصحف فيجعلنها وسيطة بينهن وبين زبونهن مقترحة بأنهن يعطين دروساً في اللغة أو يعرضن تحفاً ونفائس.

ولقد يجعل باعة الترياق والأدوية الشافية من الصحف واسطة لممارسة طبهم ولا ينالهم عقوبة فيوصون باستعمال العقاقير الضارة مثل خلاصة التيروييد والمسهلات السريعة وغيرها. وكذلك يفعل الماليون فيها للإعلان عن مسائل لهم تحوي في مطاويها الغش والخديعة وتخرب بيوت السذج من الناس.

وكثيراً ما تبلغ الحال بتلك الجرائد أن تهدد بعض الناس أو يرضونها بما تريد وتنشر خبر فضيحة وقعت واعدة أن تأتي من الغد بشرح واف على ما جرى والله أعلم متى يجيء هذا الغد إذا خف إليهم المفضوح فرشاهم ليسكتوا.

أيها القارئ أنك إذا ابتعت الجريدة الفلانية تعتقد بأنها لا تكلفك غير فلس واحد فانزع هذا الوهم من نفسك فكثيراً ما يكون منها أضرار بصحتك وثروتك وشرفك فما تدفعه من ثمنها يجعلك شريكاً في جرائمها.

ولقد سرى فساد هذه الجرائد ولصوصيتها في الأخلاق حتى أن القوم لم يعودوا يفكرون في لومها. ولما اتهم في قضية برزخ باناما أناس من مشاهير كبار رجال السياسة طالب الصحافيون منهم بأجرة المقالات المنشورة كأنهم يطلبون بحق ولكن تلك المبالغ التي قبضوها تجاوزت الأجرة المعتادة بما لا يقال.

هذا والحكومة تعين الجرائد على ما هي في سبيله فهي لا تكتفي بإعطائها مبالغ من المال سراّ بل توافقها على جميع مطالبها فتساعدها حين الحاجة بجندها لتستخدمها إعلاناً عن نفسها وتضع قسماً من أسطولها تحت أمر أرباب الجرائد ليجعلوا صفة رسمية لسباق القوارب الذي يقومون به وتسحب الحكومة يانصيب باسمها إكراماً للصحف. قال لي أحد مديري الجرائد ذات يوم: أنا لا أدعو إلى الفنون ولا إلى الآداب ولا إلى العلم إنني تاجر وأريد أن أنظر في مصلحتي وما جريدتي إلا حائط يعلق إعلانه عليه كل من يؤدي أجرته. قال هذا ولكن فإنه أن هذا الحائط متحرك يدخل في كل مكان ويزيد عدده إلى ما لا نهاية له يبيعه من القارئ. فأنت أيها الصحافي مسمم لعقول العامة لا تقل في ضررك عن ذاك (البدّال) الذي يغش المأكولات.

سأل أحد كبار الأغنياء الأميركان ذات يوم عن أحسن الطرق التي يتيسر له أن يصرف فيها جزءاً من ثروته في عمل خيري ولو سمع مني لرأى حاجتنا الماسة كل المساس إلى تأسيس جريدة سياسية ذات وقار وحشمة وأعني بها جريدة تقول الحقيقة أبداً أو ما تعتقد أنه الحقيقة ولا تنشر إلا الإعلانات التي تعترف بصحة ما فيها.