مجلة المقتبس/العدد 38/وصف الأسطول

مجلة المقتبس/العدد 38/وصف الأسطول

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 3 - 1909



كلما زهت طبيعة قطر وحف بضروب النعيم الصناعي والطبيعي تنفتق ألسن أبنائه في وصفه والميل إلى رباعه ولذلك تجد للشاميين في وصف إقليمهم من الأماديح ما لا تجده للعراقيين وما تجده للأندلسيين لا تراه لأدباء المصريين. والأندلس هي من البلاد التي زهت بنضرتها وتاهت بفطرتها ولذلك ترى شعراءها وكتابها أشبه بالأوربيين في مناحيهم الأدبية لهذا العهد ينطقون بوصف ما تقع عليه أبصارهم وما كانت تقع إلا على أثر في الحضارة وشيءٍ من العمران وإذ قد اضطرتهم الحال أن يخوضوا غمرات البحار كالفينيقيين أيام عزهم والبريطانيين في أيامنا كان لهم من أساطيلهم ما وصفه شعراؤهم فيما يلي.

قال ابن هانئ يصف الأسطول:

معطفة الأعناق نحو متونها ... كما نبهت أيدي الحواة الأفاعيا

إذا ما وردنا الماء شوقاً لبرده ... صدرن ولم يشربن غرقي صواديا

إذا أعملوا فيها المجاذيف سرعة ... يُرى عقرباً منها على الماء ماشيا

وقال أبو عمرو يزيد بن عبد الله اللخمي الأشبيلي الكاتب:

ويا للجواري المنشآت وحسنها ... طوائر بين الماء والجو عوماً

إذا نشرت في الجو أجنحة لها ... رأيتَ به روضاً ونوراً مكمما

وإن لم تهجه الريح جاء مصالحاً ... فمدت له كفاً خضيباً ومعصما

مجاذف كالحيات مدت رؤوسها ... على وجل في الماء كي تروي الظما

كما أسرعت عداً أنامل حاسب ... بقبض وبسط ينسبق العين وإنما

هي الهدب في أجفان أكحل أوطف ... فهل صنعت من غندم أو بكت دما

قال ابن الأبار وقد أجاد ما أراد في هذا الوصف وإن نظر إلى قول أبي عبد الله ابن الحداد يصف أسطول المعتصم بن صمادح:

هام صرف الردى بهام الأعادي ... إن سمت نحوهم لها أجياد

وتراءت بشرعها كعيون ... أبها مثل خائفيها سهاد

ذات هدب من المجاذيف حال ... هدب باك لدمعه إسعاد

حمم فوقها من البيض نار ... كل من أرسلت عليه رماد ومن الخط في يدي كل رد ... ألف خطها على البحر صاد

قال ومن حسن قول شيخنا أبي الحسن بن حريق في هذا المعنى من قصيد أنشد فيه:

وكأنما سكن الأراقم جوفها ... من عهد نوح خشية الطوفان

فإذا رأين الماء يطفح نضنفت ... من كل حرق حية بلسان

قال ولم يسبقهم إلى الإحسان وإنما سبقهم بالزمان على بن محمد الإيادي التونسي في قوله:

شرعوا جوانبها بجاذف أتعبت ... شادي الرياح لها ولما تتعب

تنصاع من كثب كما نفر القطا ... طوراً وتجتمع اجتماع الربرب

والبحر يجمع بينها فكأنَه ... ليل يقرب عقرباً من عقرب

وعلى جوانبها أسود خلافة ... تختال في عدد السلاح المذهب

وكأنما البحر استعار بزيهم ... ثوب الجمال من الربيع المعجب

ومن هذه القصيدة الفريدة في ذكر الشراع:

ولها جناح يستعار يطيرها ... طوع الرياح وراحة المتطرب

يعلو بها حدب العباب مطارة ... في كل لج زاخر مغلولب

يسمو بآخر ذي الهواء منصب ... عريان منسرح الذوَّابة شوذب

يتنزل الملاح منه ذؤَابة ... لو رام يركبها القطا لم يركب

وكأنما رام استراقة مقعد ... للسمع إلا أنه لم يشهب

وكأنما جن ابن داود هم ... ركبوا جوانبها بأعنف مركب

سجروا جواهم بينهم فتقاذفوا ... منها بالسن مارج متلهب

من كل مسجون الحريق إذا انبرى ... من سجنه أنضلت أنضلات الكوكب

عريان يقدمه الدخان كأَنه ... صبح يكر على ظلام غيهب

ومن أولها: أعجب بأسطول الإمام محمد ... وبحسنه وزمانه المستغرب

لبست به الأمواج أحسن منظر ... يبدو لعين الناظر المتعجب

من كل مشرفة عَلَى ما قابلت ... أشراف صدر الأجدل المتنصب

ومنها: جوفاء تحصر موكباً في جوفها ... يوم الرهان وتستقل بموكب

وقال أبو عمر القسطلي: وحال الموج بين بني سبيل ... يطير بهم إلى الصوب ابن ما

أفر له جناح من سباح ... يرفرف فوق جنح من سماء

وأخذه إسحاق بن خفاجة فقال:

وجارية ركبت بها ظلاماً ... بطير من الصباح بها جناح

إذا الماء اطمأن ورقّ خصراً ... علا من موجه ردف رداح

وقد فغر الحمام هناك فاه ... وأتلع جيده الأجل المتاح

قال المقري ولا يخفاك حسن هذه العبارة الصقيلة المرآة وقال ابن الأبار وقد قلت أنا في ذلك:

يا حبذا من بنات الماءِ سابحة ... تطفو لما سبّ أهل النار تطفئه

تطيرها الريح غرباناً بأجنحة الحمائم البيض للإشراك ترزؤه

من كل أدهم لا يلغى به جرب ... فما لراكبه بالقار يهنئوه

يدعى غراباً وللفتخاء سرعته ... وهو ابن ماءٍ وللشاهين جوء جوءه

وقال عبد الجليل بن وهبون يصف الأسطول:

يا حسنها يوماً شهدت زفافها ... بنت الفضاءِ إلى الخليج الأزرق

ورقاءُ كنت أيكة فتصورت ... لك كيف شئت من الحمام الأورق

حيث الغراب يجر شملة عجبه ... وكأنه من غرة لم ينعق

من كل لابسة الشباب ملاءة ... حسب اقتدار الصانع المتأنق

شهدت لها الأعيان أن شواهناً ... أسماؤها فتصفحت في المنطق

من كل ناشيرةٍ قوادم أجنحٍ ... وعلى معاطفها وهادق سودق

زأرت زئير الأسد وهي صوامت ... وزحفن زحف مواكب في مأزق

ومجاذفٍ تحكي أراقم ربوة ... نزلت لتكرع من غدير متألق

وقال القسطلي في أسطول أنشأه المنصور بن أبي عامر من قصيدة:

تحمل منه البحر بحراً من القنا ... يروع بها أمواجه ويهول

بكل محالات الشراع كأنها ... وقد حملت أسد الحقائق غيل

إذا سابقت شأو الرياح تخيلت ... خيولاً مدى فرسانهن حيول متحالب تزجيها الرياح فإن وقت ... أطافت بأجياد النعام فيول

ظباء فلاة ما لهن مفاحص ... وورق حمام ما لهن هديل

سواكن في أوطانهن كأن سما ... بها الموج حيث الراسيات نزول

كما رفع الآل هوادج بالضحى ... غداة استقلت بالخليط حمول

أراقم تحوي نافع السم ما لها ... بما حملت دون العداة مقيل