مجلة المقتبس/العدد 41/حقوق البشر

مجلة المقتبس/العدد 41/حقوق البشر

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 6 - 1909



من المحال أن نأمن غوائل المستقبل ودواعي الزمان وتغلب الأشرار وتلاعب الفجار إذا لم نغرس في قلوب أبناء الأمة محبة الوطن الحقيقية ونعرفهم حقوقهم وواجباتهم للهيئة الاجتماعية ونرقي شعورهم وعواطفهم بحيث ينطبعون على عزة النفس وإباء الضيم وحرمة الفضيلة واحتقار الرذيلة، فيصبحون بذلك على أهبة الدفاع عن مصلحة الأمة والوطن دفاع البطل المستميت الذي يرى لثم شفار السيوف وشرب كأس الحثوف خيراً من الصبر على الذل والرضى بالعار واهتضام الحقوق ولا سبيل للوصول إلى هذه الغاية الشريفة إلا بالعلم والتربية، أريد بالعلم جماع العلوم الصحيحة التي بنيت قواعدها على البراهين القاطعة وأريد بالتربية تهذيب الناشئة على مقتضى الحكمة والعقل تهذيباً ينسف بروج الخرافات والأباطيل نسفاً ويقذفها في اليم قذفاً، وأول شيء ينبغي أن يجعل نصب أعين المصلحين تعليم الأمة حقوقها المقدسة وأخص بالذكر حقوقها الاجتماعية التي كانت مداسة بالأقدام منذ ألوف من الأعوام. .

شعار الإنسان الحرية، وهي التخلص من قيود الأسر المادي والأدبي، ولا يجوز أن يطلق إنسان على من عدم هذه الحرية وكان في إمكانه نيلها.

الأسر الأدبي أشد تأثيراً وأمر فعلاً من الأسر المادي، وهو أن يكون الإنسان تابعاً لآراء غيره مقلداً له في أفكاره وحركاته تقليداً أعمى لا يميز الصحيح من الفاسد ولا يعرف الخبيث من الطيب. . وما أبعد الحرية عن أناس إذا سمعوا منادياً ينادي في الأسواق تجمعوا حوله ونظروا إليه وإذا تبع ذلك المنادي واحد منهم تبعوه جميعاً وهم لا يدرون إلى أين يذهب بهم ذلك المنادي أإلى ذرى جنات النعيم أم إلى أسفل دركات الجحيم. . .

وفي قصة (أعطه جملة) عبرة وذكرى تبين لنا معنى الأسر الأدبي بياناً لا يدع مجالاً للشك والريب!

مالنا ولهذا أليس الجهل رقاً مؤبداً وأسراً مخلداً. . وأعظم مراتب الجهل جهل الإنسان حقوقه الاجتماعية ومن كان في غفلة عنها فهو حيوان مسخر يستخدمه الآخرون بأبخس الأثمان. . . في عنقه حبل الأسر مشدود الوثاق وفي رجله قيد الذل والهوان.

ثم إن من عرف حقوقه ولم يكن في جسمه دم حار يدفعه للذود عن حياضها عندما تمسها أيدي الظلمة الغشمة فهو دون مرتبة الحيوان!.

ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد

هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد

ما هي الحقوق المقدسة التي يجب على كل فرد معرفتها؟

إليك سبعة عشر بنداً تتضمن حقوق البشر وأبناء الوطن نظمها خمسة أعضاء من مجلس التأسيس الذي انعقد إبان الثورة الكبرى في فرنسا سنة 1789 وقد تلاها أمام المجلس الخطيب الطائر الصيت ميرابو في اليوم الثاني عشر من شهر آب وقوبلت بالقبول والاستحسان في السادس والعشرين من ذلك الشهر وهي الآن فاتحة دستور الحكومة الجمهورية في فرنسا. . ومن تأملها يجدها وقد جمعت فاوعت من حقوق البشر وواجباتهم وما أجدر أبناء وطننا أن يحفظوها بالحرف ليعرفوا مكانهم من هذه الهيئة المبجلة وهاهي:

1 يلد الإنسان حراً ويظل حراً، والناس متساوون في الحقوق لا امتياز لأحد على الآخر إلا بالأعمال التي تعود على المجتمع بالنفع الشامل والخير العام. .

2 الغاية من كل اجتماع سياسي صيانة حقوق الإنسان الطبيعية التي لا تسقط بمرور الأيام وكرور الأعوام، وهذه الحقوق هي:

الحرية.

الملك.

الأمان على النفس.

الدفاع عن النفس.

3 الأمة أصل كل سلطة وسيادة. . فليس فرد من الأفراد أو هيئة من الهيئات استعمال سلطة لم تخوله إياها الأمة.

4 الحرية هي القدرة على أي عمل لا يضر بالغير ويسوغ لكل فرد من أبناء المجتمع التمتع التام بحقوقه الطبيعية التي تنتهي حدودها عندما تبتدئ حدود حقوق الآخرين وحدود الحقوق لا تتعين إلا بنص القانون.

5 ليس للقانون أن يحظر إلا الأفعال التي تضر بالهيئة الاجتماعية، كذلك لا يجوز لأحد من البشر مطلقاً أن يمنع أمراً لم يحظره القانون كما أنه لا ينبغي أن يجبر أحد على عمل شيء لم يأمر به القانون.

6 القانون مجموع إرادة الأمة، ولكل فرد من أبناء الهيئة الاجتماعية الحق الصريح بالمشاركة في وضعه إما بالأصالة وإما بإرسال نائب عنه، ومن الواجب المتحتم أن يكون حكم القانون عاماً شاملاً سواء في القصاص والعقاب أو الحفظ والحماية، وبما أن جميع الناس متساوون في نظر القانون فمن البديهي أن تفتح أبواب المناصب والمراتب وخدم الدولة العامة لأبناء الوطن كافة على السواء كل بحسب استعداده وكفاءته لا يمتاز بعضهم على بعض إلا بالفضيلة والدراية والمعرفة.

7 لا يجوز بتاتاً تهمة أحد أو حبسه أو توقيفه إلا في الأحوال المعينة في القانون وعلى الطرق المصرح بها فيه.

والذين ينفذون أوامر عرفية أو يتوسطون في تنفيذها ينالون قسطهم من العقاب. . غير أنه يجب على كل من يدعي باسم القانون تلبية الدعاء في الحال ومن يمتنع عن الإجابة يعد من المجرمين.

8 لا ينبغي أن يوضع في القانون إلا العقوبات الضرورية التي لا بد منها، ولا يجوز أن يعاقب أحد إلا بنص القانون قد سن ونشر وطبقت أحكامه على الأصول قبل حدوث الجرم.

9 الأصل براءة الذمة، فكل فرد من أفراد الهيئة الاجتماعية يعد بريء الذمة إلى أن يثبت جرمه، فإذا دعت المصلحة لإلقاء القبض على أحد قبل المحاكمة وثبوت الجرم فعلى القانون أن يمنع كل شدة وقسوة لا تفيدان في معرفة ذلك الرجل.

10 لا يؤاخذ أحد أصلاً عن آرائه وأفكاره ولو كانت فيما يتعلق بالأمور المذهبية والمسائل الدينية، إلا إذا كان التظاهر بمثل هذه الآراء والأفكار يخل بالراحة العامة التي تكفل بها القانون.

11 حرية بث الأفكار والآراء من أجل حقوق الإنسان وأثمنها، فلكل فرد من أفراد المجتمع الحرية الكاملة بأن يكتب ما يشاء وينشر ما يشاء ويتكلم بما يشاء.

غير أن سوء استعمال هذه الحرية داع للسؤال والمؤاخذة على مقتضى الشروط المصرح بها في القانون.

12 لا بد من قوة عامة (يريد بها الجند) لصيانة حقوق الناس وأبناء الوطن وهذه القوة معدة لحفظ منافع الأمة جمعاء لا لحفظ منافع الذين أنيطت بهم إدارة هذه القوة!. .

13 لا غنى عن تكاليف عامة لإدارة تلك القوة وتدبير شؤون الملك، ومن الواجب أن توزع هذه التكاليف على جميع أبناء الوطن كل بحسب قدرته واستطاعته.

14 يحق لأبناء الوطن البحث في لزوم هذه التكاليف وتحقيقها إما بالأصالة أو بالنيابة، ومن حقوقهم الإقرار عليها ومراقبة صرفها في وجوهها وتحديد مقاديرها ومدة دوامها وتعيين طرق جبايتها. .

15 من حقوق الهيئة الاجتماعية مراقبة العمال ومناقشتهم الحساب فيما يأتونه من جميع الأعمال.

16 أي هيئة اجتماعية لا تصان فيها حقوق الإنسان ولم توزع فيها القوى العامة التشريعية والعدلية والإجرائية فليس لها دستور.

17 الملك حق جليل لا يقبل الغصب لذلك لا ينزع من أحد ماله بتاتاً، وإذا مست المصلحة العامة لاستملاك بعض الأملاك فمن الواجب أن تكون ضرورية ويعطى ثمنها لصاحبها.

عبد الوهاب