مجلة المقتبس/العدد 48/غرائب الغرب

مجلة المقتبس/العدد 48/غرائب الغرب

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 2 - 1910



الطباعة الباريزية

ألمعنا مرات في الفصول السالفة إلى تفنن الباريزيين في الأمور الذوقية والطباعة من جملة فنون الذوق وإن كانت تتوقف على علم وفضل تجربة. وأجور الطبع هنا غالية لغلاء الأسعار وأجور الدور والمنازل فالعامل الجيد لا يرزق أقل من نصف ليرة وأقل عامل لا يرزق أقل من أربعة فرنكات في يومه. ولذلك ترى بعض أرباب المجلات وغيرهم من المؤلفين والطابعين يطبعون مجلاتهم وكتبهم في مطابع الولايات لرخص أجورها وجودة طبعها الذي لا يختلف عن المطابع الباريزية في شيء.

ومن جملة المطابع العظمى التي زرتها مطبعة الأمة أي مطبعة الحكومة التي أسسها لويز الثالث عشر سنة 1640 ثم نقلت إلى قصر الكردينال روهان من أجمل القصور الباريزية القديمة المعروف ببيت أساقفة ستراسبورغ. وقد أنشئت لها بناية هائلة في شارع الكنفانسيون لضيق هذا المكان على سعته البالغ سطحها عشرة آلاف متر مربع.

تدخل من الباب فترى في فناءِ الدار تمثال غوتنبرغ مخترع الطباعة والمتفضل على الإنسانية معمولاً من البرونز فلا تتمالك من الدعاء له وذكر بيض أياديه على العالم ثم يأخذك الدليل في الوقت الذي تعينه لك من قبل إدارة المطبعة ويطوف بك قاعات مسابك الحروف في ثمانين لغة واللغة العربية في مقدمة لغات الشرق رأيناهم في بعض الغرف كتبوا بيتاً من الشعر العربي ليمرن الأستاذ العملة على تعلم هذه اللغة فيحسنوا تنضيد حروفها بفهم.

ثم طاف بنا الدليل قاعات التنضيد والتجليد والطبع والطي فرأينا كل شيء قد جعل في مكانه اللائق به والعملة والعاملات يعملون في مكان واحد كتفاً إلى كتف وقد يتولى الأعمال الشاقة الرجال من دون النساء. وعدد العاملين والعاملات في المطبعة يناهز الألف والخمسمائة وفيها ما يربو على ستين آلة طابعة على آخر طرز منها خمس آلات من المعروف بالروتاتيف وعلى مثلها تطبع جميع الجرائد الكبرى في اغرب اليوم. وتنفق الحكومة على هذه المطبعة نحو تسعة ملايين فرنك مسانهة وفيها تطبع الجريدة الرسمية ومطبوعات الحكومة والنظارات ومناشيرها وفهارسها وأوامرها فالاستعداد فيها تام لكل م تطلب الحكومة طبعه وليس في وقتها متسع لطبع مطبوعات الأفراد وناهيك بمطبعة حوت من الأدوات ما يلزمها من سبك الحروف حتى التجليد وناهيك بكثرة أشغال حكومة الجمهورية التي تقع ميزانيتها وحدها في ثلاثة آلاف صفحة كبيرة يطلب طبعها في وقت قصير وهذا لا يتيسر إلا بمطبعة متقنة جداً.

ولهذه المطبعة معامل للتصوير الشمسي وطبع الصور والطبع المحفور المجوف والحفر على الخشب والحفر على النقش والحفر الناتئ على النحاس والزنك والطبع الملوّن وطبع الحجر والتصفيح والطبع المنحس وغير ذلك من التفنن في الطباعة. وتسمح المطبعة بإعارة الطابعين بعض الحروف الغريبة من اللغات الأجنبية ولا تطبع من الكتب إلا ما كان بلغة غريبة لا يوجد من حروفها في كل مطبعة وذلك لمحض خدمة المعارف والفنون.

هذه جملة ما يقال في مطبعة الأمة ولو جمعت مطابع مصر كلها ما دانتها بالمكانة وكذلك لو جمعت مطابع الأستانة وأضفت إليها مطابع الولايات العثمانية برمتها والمطبعة التي تنفق عليها الحكومة نحو أربعمائة وخمسين ألف ليرة في السنة يستحيل على حكومة كالحكومة العثمانية والمصرية أن تقوم بمثلها وهي لا تنفق على المعارف كلها نحو هذا القدر من المال أو أكثر منه بقليل فتأمل.

مدرسة فرنسا

من المعاهد التي استغرقت شطراً كبيراً من وقتي في باريز دروس مدرسة فرنسا (كوليج دي فرانس) لسهولة التلقي فيها في كل علم يخطر في البال ولأن هذه المدرسة ذكرتني بمدارس الإسلام أيام حضارتنا وقد جعلوا العلم مباحاً لكل طالب يلقنونه إياه بلا عوض.

في شارع المدارس بالقرب من كلية السوربون قام بناءٌ عظيم أسسه فرنسيس الأول ملك فرنسا حوالي سنة 1530 وجعل فيه درسين الأول لتعلم اللغة الرومية والثاني للعبرانية وسمى المدرسة مدرسة الملك فرأت الكلية إذ ذاك أن قد استهين بها فأوعزت إلى مدرسة اللاهوت أن تتهم مدرسي مدرسة الملك بأنهما يدعوان إلى الزندقة فحال الملك دون صدور الحكم عليهما وأضاف إلى المدرسة درساً في الفصاحة اللاتينية ليخلص وجماعته من تهمة الإلحاد وما زال عدد الدروس يزيد على عهد الملوك حتى أضاف إليها هنري الثالث درس العربية ونابليون الأول درس التركية ولم يبرح بناؤها ودروسها عرضة للقلب والإبدال حتى عهد الجمهورية الثالثة.

ولقد أصبحت هذه السنة الدروس التي تلقى على الناس مجاناً 49 درساً يصح أن يقال أنها مجموع علوم البشر يتولى تدريسها أعظم أساتذة هذه البلاد وعلمائها ممن اشتهروا بفن أو علم أو لغة وصرفوا في البحث فيه شطراً مهماً من حياتهم ولم أر في هذه المدرسة أستاذاً نقل سنه عن ستين إلا بعض المعاونين ممن يتجاوزون الأربعين وينتخبهم المجمع العلمي أو المجامع العلمية الخمسة وأساتذة المدرسة ويقبض الأستاذ عشرة آلاف فرنك في السنة ولا تتجاوز مدة الدروس ستة أشهر يتلو في خلالها درسين في كل أسبوع فقط.

أما العلوم التي تلقى على جمهور المستمعين فهي (1) علم الأثقال التحليلي والسماوي (2) العلوم الرياضية (3) علم الطبيعة والرياضة (4) الطبيعة العامة والتجريبية (5) الكيمياء المعدنية (6) الكيمياء العضوية (7) الطب (8) علم الحياة العامة (9) تاريخ الأجسام الغير العضوية الطبيعي (10) علم تكوين الجنين (11) التشريح العام (12) علم النفس التجريبي (13) تاريخ العلوم العام (14) تاريخ التشريع المقابل (15) الاقتصاد السياسي (16) الجغرافيا والتاريخ والإحصاء الاقتصادي (17) تاريخ العمل (18) جغرافية فرنسا التاريخية (19) تاريخ الأديان (20) الفلسفة الاجتماعية (21) علم الاجتماع الإسلامي (22) علم الجمال وتاريخ الفنون (23) علم الكتابات والعاديات الرومانية (24) الكتابات والعاديات اليونانية (25) الكتابات والعاديات السامية (26) الآثار المصرية وأصول لغاتها (27) الآثار الآشورية وأصول لغاتها (28) الآداب العبرانية والكلدانية والسريانية وأصول لغاتها (29) الآداب العربية واللغة العربية (30) النقود القديمة ونقود القرون الوسطى (31) آداب اللغات الصينية والتترية والمنشوية ولغاتها (32) آداب اللغة السنسكريتية (33) آداب اللغة اليونانية (34) فقه اللغة اليونانية (35) تاريخ آداب اللاتينية (36) التاريخ الوطني والعاديات الوطنية (37) الفلسفة الحديثة (38) اللغة الفرنسوية وآدابها في القرون الوسطى (39) اللغة الفرنسوية الحديثة وآدابها (40) أصول اللغات الجرمانية وآدابها (41) لغات أوروبا الجنوبية وآدابها (42) اللغات والآداب السلتية (43) اللغة السلافية وآدابها (44) علم النحو المقابل (45) العاديات الأميركية (46) الرياضيات (47) تاريخ فن الموسيقى (48) التاريخ العام والطريقة التاريخية (49) أصول اللغات الهندية والصينية وتاريخها.

هذه العلوم التي تدرس في مدرسة فرنسا ولا يستغرق الدرس منها ساعة يتلو في خلالها الأستاذ زبدة علمه وبحثه ولا يكثر المستمعون إلا في بعض الدروس التي رزق أستاذها فضل بيان وطلاقة لسان وأكثر الحضور غرباء أي غير فرنسويين وفيهم كثير من الفتيات طالبات العلم ممن قصدن فرنسا من ألمانيا وإنكلترا وروسيا والنمسا وإيطاليا وبلغاريا ورومانيا والصرب والسويد وأميركا ليغترفن من مدارس باريز ويحكمن لغتها الجميلة. فكأن أهل هذه العاصمة زهدن في حضور هذه الدروس المجانية وأزهد الناس في الرجل أهله وجيرانه. وإن دروساً يعد من جملة أساتذتها لفاسور وبول لوروا بوليو الاقتصاديين وماسبرو وغانو الأثريين وجوليان ومونو المؤرخين وبرجسون وريبو الفيلسوفين وغيرهم من الأئمة الأعلام لحرية بأن يستفيد منها كل طالب ويغترف من درر بحورها عاشق العلم.

وإن هذا المعهد ليولي فرنسا شرفاً ليس وراءه غاية ويدل على تفانيها في نشر المعارف والأخذ بأيدي القائمين عليها وينادي بلسان الحال والمقال على توالي العصور والأجيال أن فرنسا إذا هرمت في سياستها وأخلاقها فهي على الدهر فتية في جمال علمها وجدة حكمتها.

التجارة الباريزية

لم يكتف الفرنسويون بل الغربيون بما بلغوه من أسباب الراحة والرفاهية بل تراهم يعملون ليلهم ونهارهم لئلا يسبق بلد بلداً آخر أو مملكة مملكة أخرى كأن المنافسة التي هي من أعظم عوامل الارتقاء قد تحسمت في صدر الكبير والصغير من الإفرنج فكان من آثارها ما يبهرنا من تلك الحضارة الراقية والسعادة الشاملة.

رأيت روح الاجتماع مستحكمة في أعمال الأوروبيين فلا يكاد يأتي زمن قليل حتى تصبح جميع مشاريعهم وأعمالهم شركات وجمعيات ليخفى عمل الفرد ويظهر عمل الجماعة ويتراجع ضعف الواحد أمام قوة المجموع فقد ظهرت لتلك الأمم نتائج الاشتراك جماعة ظهوراً لا ينكره إلا من يكابر حسه ويغش نفسه فأنشأ من كانوا إلى الانفراد في متاجرهم ينضمون بعضهم إلى بعض ومن عاشوا بالوحدة يربحون ويخسرون فلا يدري بهم أحد عدلوا عن سالف طريقتهم واقتدى المتأخر بالمتقدم أو العناصر اللاتينية والسلافية بالعناصر الإنكليزية السكسونية.

مثال ذلك مدينة باريز مهد الحضارة اللاتينية فإنك تجد معظم مشاريعها ومتاجرها ومصانعها لشركات ومشاريع الأفراد ومتاجرهم ضعيفة ضئيلة لا تكاد تحيا حتى تموت وكلها آيلة طوعاً أو كرهاً إلى الاندماج في سلك الاشتراك مع الجماعة. دخلت كثيراً من مخازن باريز فكنت أشهد على قلة إلمامي بفن التجارة روح الجماعة مرفرفة عليها وتعدد القوى زائدة في نمائها وحسن الذوق وسلامة الإبداع تتخلل أرجاءها وتزيد بهاءها.

باريز أعظم بلد تصرف فيه السوق المالية والتجارية والصناعية من فرنسا ورؤوس أموالها مقدمة جميع متاجرها ولا تفوقها في ذلك إلا لندر. وقد بلغ عدد ما في باريز من البيوت المالية والمصارف وشركات الضمان فقط زهاء ألفي محل توشك أن تكون كلها لشركات وأعظم متاجر باريز بل فرنسا تجارة الأطعمة المحضرة والأمتعة والثياب والأزياء وكلها مهمة جداً لا بكثرة عددها بل بمكانتها وفخامتها وانتظام أعمالها.

زرت بعض هذه المخازن من مثل لابل جارندنيير والرنتان والبون مارشه واللوفر ولافييت ودوفاييل وكل واحد منها يبتاع بما حوى قطراً واسعاً من أقطار الشرق ويحتاج وصفه إلى الكلام ساعات على شرط أن يكون المتكلم عارفاً بالتجارة وما يتصرف أو يتوقف عليها وتتوقف عليه وكل مخزن يعد مستخدموه وموظفوه بالمئات ففي مخزن دوفايل وهولفرش الدور والقصور وما يلزم لها من الأثاث والخرثي والرياش والأواني والسرر والصناديق والمقاعد والمتكآت والكراسي وأدوات الطبخ وكل ما يتصرف تحت أنواع الزينة والتبرج والبذخ والرفاهية ما يأخذ بمجامع القلب ويعد من أغرب غرائب الغرب. ولا يقدر المرء أن يطوف هذا المخزن في أقل من ثلاث ساعات إذا أحب أن يلقي نظرة واحدة على ما فيه من التحف والأمتعة الثمينة وهو قصر فخيم جداً لم أر أجمل من نقوشه البديعة وبنائه العظيم سوى متحف اللوفر ومتحف فرسال ودار المجلس البلدي الباريزي. وفي مخزن دوفايل محل للتمثيل ومحل للموسيقى ومحل لألعاب السينما توغراف يختلف إليها الزائرون بأجور معتدلة جداً والغرض منها أن يمروا ببعض مخازن ذاك المحل الكبير فيكون مرورهم بها وإلقاء أنظارهم عليها بمثابة إعلان عما فيها من الأعلاق النفيسة وببركة الإعلان يشتري من لم يكن تحدثه نفسه بالشراء.

ومن الغريب أن هذا المكان الذي لا يشبهه في الفخامة إلا أرقى قصور الملوك والأمم كما آخذ الآن في توسعة مخازنه لأنها ضاقت به على سعتها وما أدري ما هو رأس ماله ولا مقدار أرباحه وعدد مستخدميه وغاية ما رأيت أن مصرفه أشبه بمصرف كبير بل هو في سعته وكثرة مستخدميه أشبه بمصرف الكريدي ليونيه في القاهرة لا في باريز فإنه هناك العجب العجاب بعينه.

وقرأت في إحصاء أخيراً أن مخزن لافاييت أحب أن يزيد رأس ماله فقرر مساهموه أن يزيدوه اثنين وعشرين مليوناً ونصف مليون من الفرنكات فإذا كان مخزن واحد زاد رأس ماله في جلسة نحو مليون ليرة عثمانية فكم يكون أصل رأس المال.

ومما هو حري بالنظر في المسائل الاقتصادية أن أهل باريز على شدة كرههم للألمان يبتاعون في بلدهم البضائع الألمانية لرخص أسعارها والتفنن في إبداعها حتى كادت بضائع الألمان تأتي على بضائع فرنسا مع جودة هذه ومتانتها وأصبحت بذلك معظم البيوت التجارية لأناس أو لشركات من الألمان وغيرهم ومثل ذلك قل على ما قرأته في إحدى المجلات عن تجارة لندرا أو تجارة نيويورك فإن القسم المهم منها بيد الألمان يصرفون على الإنكليز والأميركان سلعهم وحكومة إنكلترا وأميركا مع شدة حرصهما على مصلحة قومهما التجارية لم تستطيعا بالتعاريف الجمركية ولا بغيرها أنت تقيما سداً منيعاً دون تسرب البضائع الألمانية إليهم. ولكن ألمانيا أو العنصر الجرماني ومن لف لفه تحارب هذه الحرب التجارية بسيف العلم والمعارف وسدود الدول لا تقوى على صد هجماتها المعقولة.

ذكر الإحصائيون أن مدارس ألمانيا تخرج كل سنة أربعين ألف طالب وبيدهم الشهادات التجارية فأين يذهب هؤلاء الرجال بعد؟ وهل لهم إلا أن يصرفوا متاجرهم في مشرق الشمس ومطلعها بالطرق الاقتصادية المدهشة. فكم رجل تخرج من البلاد المصرية العثمانية يا ترى حتى الآن في المعارف التجارية وكم طالب أتقن اللغة الألمانية منا حتى أصبح يكتب فيها ويترجم منها وإليها كما يكتب الفرنسوية أو الإنكليزية ويترجم بها منها؟

قال لي أحد علماء الألمان أتدري بأي شيء غلبنا الفرنسيس في حرب السبعين قلت لا أعلم قال غلبناهم لأننا كنا عارفين بما عندهم أما هم فلم يكونوا يعرفون ما عندنا وأنا أقول أن اقتصارنا معاشر العثمانيين والمصريين والسوريين خاصة على تعلم اللغة الفرنسوية في الأكثر هو من الاحتكار الضار فيجب أن نعرف أو بعضنا لغة أمة كبرى تريد أن تحارب العالم حرباً اقتصادية حتى لا يكون مثلنا مثل الفرنسيس مع جيرانهم الألمان قبل حرب السبعين جهلوا ما عندهم فخسروا في ماديتهم ومعنوياتهم.

نعم نتوفر على الأخذ من أوروبا كل ما تمتاز به مملكة من ممالكها فنحول وجهتنا بعد الآن إلى جرمانيا لنتعلم علومها واقتصادها ومتاجرها وبريتها ونأخذ عن فرنسا الزراعة والحقوق وعن إنكلترا السياسة والعلوم والبحرية وعن إيطاليا الصنائع النفيسة ونجعل للغة الألمانية والإيطالية حظاً من عنايتنا حتى لا نكون حكرة مضرة لحكومة خاصة من حكومات الغرب فنحن كما نريد في السياسة أن نعامل الدول كلهن بوئام يجب أن نأخذ عن كل دولة راقية أحسن ما عندها حتى لا نكون من الجامدين على أمة بعينها والجامدون في مسائل الدين كالجامدين في مسائل الدنيا لا يخلو حالهم من ضرر على المجتمع.

الإعلان أساس التجارة

تقدم في الفصل السالف أن البيوت التجارية في باريز تبيع ببركة الإعلان عن نفسها وهنا مجال لأن أفضل ذاك الكلام المجمل فأقول: كل من زار مدينة أوروبية أو أميركية من أبناء هذا الشرق الأقرب يأخذه العجب من وفرة الإعلانات وتفننهم في نشرها والفرنسيس في الإعلانات مقلدون لا مجتهدون قلدوا الأميركان والإنكليز وهؤلاء ينفقون عليها نفقات لا تكاد تصدق فقد ذكروا أن معمل الموازين فيربانك وشركاؤه الذي كان ينفق على الإعلانات نحو ثلاثة آلاف فرنك مسانهة أخذ اليوم ينفق نحو ثلاثة ملايين ونصف فرنك وقد كان خصص أحد معامل الصابون ثلاثين ألف ريال للإعلان عن مصنوعاته وهو اليوم يصرف ألف ريال في اليوم وتخصص المعامل الكبرى التي تبيع بالمفرق في مدينة نيويورك وحدها زهاء أربعة ملايين ريال في السنة لنشر إعلاناتهم وقد أنفق أحد أصحاب المخازن لإرسال طبعة واحدة من الإعلانات بطريق البريد 640 ألف ريال وليس من محل في أميركا إلا ويصرف خمسة في المئة من أرباحه على الإعلانات وقد أنفق أحدهم 750 ألف ريال للإعلان عن موسى له فباع سنة ملايين موسى وكذلك فعل توما بيشام بحبوبه فصرف للإعلان عنها مليوني جنيه.

فاشتهار اسم المعمل أو صاحبه من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي وتردداه في أفواه أرقى الأمم وأوحشها موقوف على كثرة التفنن في الإعلان عنه والبذل في هذا السبيل عن سعة حتى قال كارنجي أعظم أغنياء الأميركان: إذا أردت أن تبيع قبعة بريال فإنك تسطيع أن تبيعها بريالين إذا وضعت اسمك عليها وذلك لأنك تفهم الناس بأن لاسمك بعض القيمة.

وذكروا أن شركة ولن سي الأميركية وهي شركة معامل أصواف مؤلفة من 27 معملاً رأس مالها 690 مليون ريال وكانت مجموع أرباحها سنة 1902 187. 00. 000 على حين بلغ مجموع المنسوجات الصوفية المصنوعة في الولايات المتحدة كلها ملياراً و 485 مليون ريال فبيدها جزءٌ من ثمانية أجزاء من عمل الصوف ذكروا أنها توصلت بفضل التفنن في الإعلان عن نفسها إلى أن كادت جزءاً عظيماً آخر من أرباح الشركات الأخرى إن لم تكن التهمتها حتى الآن.

والطرق إلى ذلك مختلفة فمن ضروب الإعلانات الإعلان في الجرائد والمجلات على اختلاف أنواعها ووضع صفائح منحسة في الصفحة السابعة أو الثامنة أي الأخيرة وإعلانات في شبك ودس الإعلانات في أخبار الجرائد وبين أخبار الرياضات والسباق ودور التمثيل والأزياء وإدماجها في المقالات وتعليقها على حيطان الدور وفي شوارع المدن والقرى وعلى طول السكك الحديدية وفي أماكن النزهة والمناظر التي يسرح فيها النظر وفي عجلات الحوافل والترامواي والسكك الحديدية تحت الأرض وفوق الأرض وستور دور التمثيل والقصور وجميع الأماكن العمومية حتى المراحيض وترسم الإعلانات على القرطاس الذي يضعه الكاتب تحت يده وعلى المقطع والسكاكين وعلبة عيدان الكبريت والدواة والبارموتر وكتب التقاويم وورق النشاف وبطاقات البريد وتجعل من الورق الملون والمقوى والزجاج والخزف والخشب والمعدن وغيرها. وتبدو في المساء بألوان مختلفة مقطعة بادية بالكهرباء وغيرها مما يطول ذكره.

ومن غريب تفننهم في الإعلانات أن مخزن أدوات نحاسية وحديدية في ليفربول أخذ يعلن في جرائدها بأنه يقدم مفتاحاً بلا ثمن لكل من يضيع مفتاح بابه أو خزانته فبهذه الواسطة كان يأتيه المضيع فينصح له المحل بأن يبتاع قفلاً كاملاً ويغير القفل القديم حتى لا يقع المفتاح في يد لص وربما هانت عليه السرقة فبعض الناس يبتاعون وبعضهم يكتفون بأخذ مفتاح بلا ثمن ولكن النصح يفعل في أكثرهم. واخترع أحد البدالين من بائعي المأكولات المحضرة في لندرا طريقة للإعلان عن محله بأن اغتنم فرصة حصور جوق تمثيل فابتاع مئات من الكراسي لمستخدمي محله أدخلهم على نفقته فتحدث القوم بذلك وذكرته الجرائد فحصل للمحل بالإعلان عن نفسه. ومن غريب تفننهم أن أحد مخازن القبعات في بلتيمور في أميركا أعلن في الجرائد أنه يريد أن يعرف أحد النساء المحكوم عليهن بالقتل فاهتدى إليها وأعطاها مئة ريال على أن تقول قبل ضرب عنقها هذه الجملة كل ما أستطيع أن أقوله الآن هو أن محل المستر بلانك يعمل أحسن القبعات بريالين ثم قطع عنقها واغتنى صاحب المعمل.

والأمثلة على ذلك كثيرة ويكفي إلقاء النظر على أي حائط أو مجلة أو جريدة لنعرف مبلغ تفنن الغربيين في الإعلان والأساليب في الكتابة التي يختارونها والصور المنوعة ومنها المضحك وغيرها الجدي وبعضها لطيف وآخر بشع ومنها السياسي والأدبي والعلمي وقد جعل الإنكليز السكسونيون للإعلانات قواعد حتى صارت علماً من العلوم لا يبرز فيها إلا من حسن ذوقه وعرف النقش والرسم والتصوير والطباعة وكان ملماً بالاقتصاد السياسي وعلم النفس ومحيطاً بعالم المالية والصناعة والتجارة والجرائد والمجلات وكان ذا هبة بالتفنن والأدب والخطابة حاسباً كاتباً مقنعاً يعرف التفنن في المسائل الحاضرة أو يحسن علم الحال.

ولا تعيش معظم الجرائد والمجلات الكبرى إلا بأجور إعلاناتها حتى أن أجرة صفحة واحدة مرة واحدة في جريدة لادي هوم جورنال تؤجر بألف جنيه. ويؤخذ من إحصاء صدر سنة 1900 أن في الولايات المتحدة 18226 جريدة ومجلة بلغ مجموع ما يطبع من أعدادها من كل نسخة 114. 229. 334 ومجموع ما تطبعه في السنة 8. 168. 148. 749 وبلغ مجموع إيرادها تلك السنة 878. 948. 250 فرنكاً منها 479. 305. 635 فرنكاً من أجور الإعلانات أي 54. 5 في المئة من مجموع دخلها وتطبع بعض الجرائد نسخاً خاصة بنشر الإعلانات فقط وتوزعها على مشتركيها ومن الجرائد ما لا يطبع غير الإعلانات وتوزع مجاناً. ويصرف أحد بيوت الثياب في فيلادلفيا نصف مليون فرنك في السنة أجرة صفحة واحدة من إحدى الجرائد الكبرى في تلك المدينة اسمها لروكورد ويصرف مخزن آخر يريد منافسته مليون فرنك على أربع جرائد. ومن كتاب الإعلانات من يرزق ألف ليرة في السنة.

ومن الإعلان الغريب أن بعض التجار لهم بيوت ولا مخازن بل هم يطبعون إعلانات وينشرونها في قوائم خاصة وعلى صفحات الصحف والكتب والرسائل فيرسل الطالبون بالبريد يطلبون منهم ما يشاؤن من بضائع ومأكولات وهم يرسلونها إليهم بالبريد أيضاً وهذه الطريقة اخترعت في الولايات المتحدة لأن ثلاثة أرباع سكانها يعيشون في القرى والمزارع بعيدين عن مراكز التجارة وأشغالهم لا تسمح لهم بالاختلاف إلى المدن لابتياع ما يشاؤن وبهذه الواسطة يوفرون عليهم عناء التعب والمساومة ويصلهم ما يشتهون وهم في أعمالهم وناهيك بما في هذه الطريقة من تبادل الثقة بين التاجر والشاري وفي شيكاغو وحدها تبيع مثل هذه المحال التجارية في السنة بما قيمته ملياران وخمسمائة مليون فرنك وأن ثلاثة محال منها لتأخذ وحدها كل يوم خمسة وعشرين ألف رسالة في طلب ما يلزم أصحابها. وقد حسبوا أن عشرة ملايين أي ثمن أهالي الولايات المتحدة يبتاعون حاجياتهم على هذه الكيفية.

وأن لأحد هذه المحال التجارية في شيكاغو زبناً يبلغون مليوني نسمة يتناول منهم في السنة أربعة ملايين رسالة وهذه الرسائل لا تفتح واحدة واحدة بل تجعل كل ستين منها في آلة تفتح كلها بلحظة ثم ترسل إلى مئات من البنات تجعل كل قسم مع قسمه وكل طلب مع ما يضارعه وتجعل في لوالب كهربائية لا تقل عن خمسة عشر ألف لولب وترسل في أسرع ما يمكن إلى البيوت التي تقدم للمحل طلباته وهي لا تقل عن 77 ألف نوع فتأتي كلها على جناح البرق بحيث يكون العمل ما أمكن مستغنياً عن الأيدي الكثيرة على أن محلاً واحداً من هذه المحال التجارية التي تبيع بالمراسلة عنده من المستخدمين 6200 مستخدم ولم يكن صاحبه قبل ربع قرن يملك ليرة واحدة وثروته تعد اليوم بملايين الليرات والناس يطلبون إلى محله وإلى غيره من المحال التي على شاكلته كل ما يخطر ببالهم ومنهم من يطلبون أو يطلبن الزواج بواسطته.

وعلى الجملة فإنك لا ترى في ديار الغرب محلاً تجارياً أو معملاً أو مشتغلاً بالفنون الجميلة بل ولا عالماً ولا كاتباً ولا صانعاً إلا وينفق جزءاً من ماله على الإعلانات ليربح المئة مئات وللإعلان يد طولى في عامة الأعمال الصناعية والزراعية والعلمية ولولاها ما رأينا المخازن الكبرى والجرائد الكبرى فعسى أن يقتدي الشرق بأخيه الغرب في هذا السبيل فيعلن خصوصاً عن أصقاعه الجميلة ليجذب السياح إليها ويربح منهم مئات الألوف من الليرات كما فعلت سويسرا واغتنت بعد فقرها بكثرة تشويق العالم إلى زيارة ربوعها وكما فعلت فرنسا وإيطاليا وألمانيا وغيرها من أصقاع أوروبا وأميركا مثل مدينة دالاس في ولاية التكساس في الولايات المتحدة فإن أهلها كانوا سنة 1880 عشرة آلاف نسمة فأزمع بعضهم أن يؤسسوا نادياً سموه نادي المئة والخمسين ألفاً أي أن مدينتهم ستكون سنة 1910 مئة وخمسين ألف نسمة وما برحوا يتذرعون إلى ذلك بكل حيلة حتى بلغ عددهم سنة 1904 83 ألفاً وتوصلوا إلى أن قال الرئيس روزفلت في خطاب له أن شمالي التكساس هو حديقة الرب ومدينة دالاس تطالب ويحق لها ذلك أن تكون نقطة دائرة هذه الحديقة.

نعم إن الإعلان أساس من أسس الثروة اليوم بل هو سبب من الأسباب المعقولة المشروعة وأثره في الإعلان عن الأشخاص ظاهر وكم من نابه اشتهر يتحدث الناس في أمره ومن آخر خمل ذكره لأنه لم يعرف كيف يتوصل إلى الشهرة فعاش ومات ولم يدر به أحد فاللهم اجعل الشرقيين من النابهين بحق لا الخاملين المجهولين.

دور التمثيل والأنس والاجتماع في باريز

إن ما شهدته من التمثيل العربي المنحط جداً في الديار المصرية والشامية زهدني في التمثيل على أنواعه فصرت لا أختلف إلى دار تمثيل إلا متكارهاً وذلك في المدة الطويلة لقلة غنائه وانقطاع الرغبة فيه وأعلل ذلك بأن التمثيل لم يعهده العرب أيام حضارتهم بل لم يكن لهم ما يشبهه في قرطبة ولا في بغداد ولا في دمشق ولا في القاهرة أيام عزتها ولذلك قلما مال أبناء العرب إليه ميل الغربيين له وقدروا مزاياه حق قدرها.

ولما حللت باريز كان من أوائل المسائل التي توخيت دراستها حالة التمثيل في الغرب والسر في توفر أهله عليه وخدمتهم له كما يخدم الشعر والموسيقى والخطابة بل جعلوا هذه الفنون خادمة للتمثيل وأصبح عندهم من ضروريات الحياة كالطعام والشراب لا حياة بدونهما وكذلك التمثيل لا حياة روحية بدون الاختلاف إلى دوره ولو مرة في الشهر إن لم يكن مرة أو مرتين في الأسبوع.

والتمثيل في باريز من أعظم ملاهيها وقل أن تجتمع لعاصمة ما اجتمع لها من ضروبه ولشدة عناية الحكومة به تنقل من مالها كل سنة أربعة دور تمثيل مبلغاً تستعين به على تحسين حالها فتمنح الأوبرا ثمانمائة ألف فرنك والتياترو الفرنسوية 240 ألف فرنك مع الدار وتعطي الأوبرا كوميك 300 ألف وتعطي الأودبون 100 ألف فرنك وفي باريز 53 دار تمثيل كبرى ذهبت إلى أشهرها مثل الأوبرا والتياترو الفرنسوية والأوديون والشاتليه وساره برنارد والفودفيل وغيرها.

فكنت كلما أَلفت اصطلاحاتهم في أحاديثهم وحركاتهم وسكناتهم ومظاهرهم ورقصهم وغناهم تبين لي سر تغالي الغربيين بالتمثيل وأنه حقيقة مدرسة تهذيب وفضيلة عملية ودار سلوى وارتياح أرواح فلا عجب إذا عدوه من أكبر العوامل في نهوضهم وتثقيف مجتمعاتهم وشغفوا بفصوله ولا شغف الشرقي بفضوله وحرص الفرد منهم على ساعاته حرصه على عزيز أوقاته.

أما دور التمثيل فهي قصور فخمة هندسوها على ضخامتها بحيث لا يحرم الحضور على اختلاف درجاتهم من سماع ما يقال على مسارحها ورؤية ما يعرض فيها من المشاهد والمناظر. وكفى بأن دار الأوبرا كلف بناؤها ثلاثين مليون فرنك وذرعها أحد عشر ألف متر. وأقل دار تمثيل تساوي عشرات الألوف وبعضها مئات الألوف من الليرات وإن مما يبهج جوق الموسيقى في الأوبرا وقد حزرته بمائتي شخص وجوق الممثلات والراقصات والممثلين على المسرح وما أظن جمهرته تقل عن خمسمائة.

وإذا عرفت أن الأوبرا تدفع لأحد ممثليها 2200 فرنك كل ليلة أي 128 ألفاً عن 64 ليلة في السنة وتدفع لغيره من الممثلين رواتب تختلف بين 85 ألفاً إلى 30 ألفاً. وعن كل ليلة يغني فيها كاروزو عشرة آلاف فرنك وتتناول بعض الممثلات أربعة آلاف فرنك في الشهر جاز لنا أن نستقل إعانة الحكومة للأوبرا ونحكم على كثرة دخلها وخرجها.

ولقد كنت أتمثل نفسي في حضرة أعظم فصحاء الأرض وعلماء الاجتماع والنفس ساعة تشتهي إلى مسمعي أصوات الممثلين والممثلات وتنفتق ألسنتهم بكلمات الحكمة والأدب ويشخصون الفضيلة في أبهى مظاهرها كأنك تراها فلا أتمالك من توفير الممثلين والممثلات وإكبار فائدة التمثيل. المدارس لتنشئة الصغار في وقت معين من السن ودور التمثيل مدارس دائمة للصغار والكبار تلقنهم من أيسر السبل حكمة وآداباً وتلقنهم عبرة مفيدة وفكاهة رشيدة.

حضرت رواية مثل الأوراق في الاوديون ورواية الباريكاد لبول بورجه في الفودفيل ورواية جان دارك في تياترو ساره برنارد ورواية الجندي الصغير في الشاتليه فكان يخيل لي وأنا أسمع وأرى أن الأمر واقعي وأن هذه المشاهد حدثت الآن وقد اجتمع جمال الصوت إلى جمال الوجوه إلى جمال الكلام إلى جمال الهندام إلى جمال المكان إلى جمال النظار وأقل هذا مما يستهوي النفس فلا تدري أي شيء ترى ولا أي فائدة تعي.

وما أظن أكبر متنطع لو حضر التمثيل في مثل هذه الدور العظمى يستطيع أن يعيب شيئاً مما يشهد. وأي عين لا تقع على ساره برنارد أشهر ممثلة فرنسوية وهي في الخامسة والستين من عمرها تمثل دور جان دارك وهي في التاسعة عشرة فتظهر كأنها هي بصوتها وحركتها ونضرة وجهها ولا ترتاح وتعجب وأي أذن تسمع الحكمة في رواية الباريكاد يقولها أحد الممثلين بصوت رخيم إن الطبقات الاجتماعية كالأمم يضيع حقها في حفظ ما لم تقو على الدفاع عنه. ولا يفكر طويلاً.

ولقد رأيت في دور التمثيل حتى ما يوصم منها بأن فيه شيئاً من الخلاعة مثل مولن روج أن الأدب يغلب على السامعين والناظرين. وإن قاعات الاستراحة بين الفصول ليسير فيها الخرد العين كاسيات عاريات معطرات متبرجات ولا ترى إلا من يغض الطرف حياءً وأدباً. والغالب أن النساء يلبسن لليالي التمثيل ثيابهن وأزيائهن كأنهن في بيوتهن وبين صويحباتهن وأصحابهن وقلما تراهن في الشوارع إلا مكتسيات من اللباس بما خف محمله وقلّ ثمنه.

أما سائر أماكن الطرب كمحال السماع والموسيقى والمراقص العامة فكثيرة جداً في باريز وأحسنها ما كان على جوانب الجواد العظمى أو بالقرب منها ويكون فيها المرءُ بحسب مبلغه من التهذيب. وموسيقى الإفرنج وعزفهم وزفنهم يستحسنها الشرقي مع طول الألفة لها وأنسة ومن لم يعرف عندهم ولو أحد هذه الأنواع الثلاثة استغربوا أمره وعدوه محروماً من لذائذ الدنيا ساقطاً من رسوم الهيئة الاجتماعية. ولكل قوم عاداته وأخلاقه يحرص عليها كثيراً ولا يرى فيها حرجاً ولا نكيراً سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

من باريز إلى الأستانة

قضيت شهرين اثنين في هذه العاصمة طفت المعاهد ورأيت المشاهد وعرفت العامل الجاهد وتبينت العالم المجاهد وطعمت الجشب والشهي من الطعام ووصلت السير بالسرى وعمل الليل بعمل النهار ورأيت العملة في حاناتهم ومطاعمهم وواكلت الأغنياء في مقاصفهم وشاركتهم في نعيمهم واختلطت بطبقاتهم أسمع عباراتهم ولم أستنكف من غشيان كل مكان أرجع منه بفائدة مستطلعاً طلع خلق جارياً من الاختبار فيه على عرق فكانت عيني تملّ النظر وأُذني تسأَم السماع وذهني يتأفف من التفكر وقلبي يتخوف كثرة الوعي. ومع ما صرفته من الوقت والقوة خرجت من هذه المدينة وفي النفس منها أشياء لم أتمكن من درس معالمها ومجاهلها من هذه أماكن الرياضات البدنية واللعب على اختلاف ضروبه وزيارة مجاري العاصمة تحت الأرض وسراديبها والاعتبار بقبورها ومدافنها وهي مزينة كقصور الأحياء ومقطعة إلى طرق ومناطق.

وفي يوم بدأ نهر السين بفيضانه المشؤوم الذي طغى على السدود والسكور فدكها وبثقها وأودى بالأموال الجسيمة من ناطق وصامت ركبت القطار وقت الظهر إلى الحدود الألمانية فكان نهر الموز والمارن هائجين حتى طغت مياههما على السهول والأودية ولم يصل القطار إلى نانسي على الحدود ويبلغ ستراسبورغ في أرض الألمان وقاعدة الألزاس إلا وقد انقلبت تلك الأمطار ثلوجاً وذاك الهدير سكوناً ولون تلك المياه الكدرة بلون الثلج الأبيض الناصع وبلغنا مونيخ عاصمة مملكة بافيرا الألمانية صباح الغد فوقف القطار زهاء ساعتين فرأيت أن لا أضيع الفرصة فأخذت أطوف المدينة ولكن كانت الثلوج غمرتها فلم أر منها إلا واجهات الأبنية ورؤوسها وهنا تمثل لي النقص وأحسستن بالعجز وشعرت بالغربة وأنا ألتفت عن يميني وشمالي فلا أسمع إلا الألمانية التي لا أعرف منها أكثر مما أعرف من الكردية وقد تركت بعض رفاق لي في القطار ومنهم بولونيون يتكلمون بالإفرنسية تطيب نفسي بمحادثتهم ومفاكهتهم حتى إذا عدت آخذ مكاني من القطار اجتاز بنا بعد قليل في أرض النمسا حتى وصلنا مساءَ اليوم الثاني إلى فيينا عاصمة النمسا.

وعلى ذكر اللغة لا بأس بأن أقول أنني يوم دخلت فرنسا لم أشهد وحشة ولم أشعر بغربة لمعرفتي بلسان أهلها واطلاعي على تاريخهم وعاداتهم فكنت كأنني داخل ولاية من الولايات العثمانية التركية أو قطراً من الأقطار العربية في غربي آسيا أو شمالي إفريقية ولما انتقلت من ستراسبورغ شعرت بتغير العادات واللهجات وأيقنت بأن الغريب الذي يزور بلداً لا يعرف لغة أهله كالأصم والأعمى وهذا ما عاقني في الأكثر عن زيارة إنكلترا وألمانيا خلال هذه الرحلة مع شغفي بحضارة هاتين الأمتين لأنني أستصعب أن أرى غيري بعيون غير عيني وآذان غير أذنيّ.

قضيت في فيينا يومين استرحت فيهما من وعثاء السفر واطلعت على بعض معاهدها إلا أن الثلوج التي بلغت نحو ذراع عاقتني عن إتمام الزيارة فركبت ثالث يوم بعد الظهر القطار قاصداً بلاد المجر فاجتزنا عاصمتها بودابست في الليل ووقف القطار فيها ساعة لم أتمكن في خلالها حتى ولا من رؤية المحطة وعدنا إلى قطارنا حتى تخطينا من الغد أرض الإمبراطورية إلى أرض البلقان ولم يكد القطار يجتاز نهر الطونة حتى تمثل أمام خيالي تاريخ هذه البلاد وبينما كنت أذكر وقائع العثمانيين في سلسترا والبروج المعروفة ببرج العرب وأذكر تلك الدماء العزيزة التي أهرقت على ضفاف الطونة لفتح هذه البلاد ركبت معنا من أول محطة في بلاد الصرب فتاتان صربيتان في الخامسة عشرة من عمرهما عليهما سيماء الحشمة والأدب فسألت الرفيقة رفيقتها أن تغني شيئاً فالتفتت إلينا وكان معنا رفيق بلغاري يعرف التركية فاستأذن في ذلك فقلت له لا بأس فاندفعت الفتاة تغني بنغمة على إيقاع غريب فاضت له نفسي بالدموع خصوصاً وقد جاءها الغناء وهي تفكر فيما أصابنا في هذه الديار من الشقاء. فعجب رفيقي البلغاري وقال لعلك فهمت هذا النشيد الوطني الصربي قلت لم أفهم وإنما تأثرت من النغمة ومن أمور أخرى فسألني إلا أن بحت له بذات نفسي ولما ذكرت له كيف تقدموا هم وتأخرنا من بلاد هواؤها عثماني وسيماؤها عثماني وأكثر عاداتها عثمانية عذرني على شعوري بما فيه من فضل أدب.

ووقف القطار ساعتين في بلغراد عاصمة الصرب فاغتنمت الوقت لزيارتها وهي نظيفة لطيفة صغيرة حرية بأن تكون قاعدة لتلك المملكة التي يقطعها القطار طولاً بأقل من عشر ساعات وزرت من الغد صوفيا عاصمة بلغاريا وهي أجمل وأضخم منظمة على مثال المدن الأوروبية ويغلب الأدب أهلها وكثير منهم يعرفون التركية وقد وقفنا عليها نحو ست ساعات تمكنت أثناءها من درس معالمها وحدائقها ومتنزهاتها وبعض قصورها وهي أقرب إلى أن تكون مدينة شرقية منها إلى أن تكون مدينة غربية ويقال أنها ترتقي سنة عن سنة ارتقاء يحسدها عليه حتى الأوروبيون الراقون وعجبت لما سمعت بعض الألفاظ التركية يستعملونها مع اللغة البلغارية حتى الآن كأنهم تركوها عضواً أثرياً يذكرهم بأيام حكم الأتراك عليهم.

وعند الظهر سار بنا القطار يقطع بلاد البلغار ووصلنا إلى جسر مصطفى باشا في ولاية أدرنه أو التخوم العثمانية عند العشاء وهناك جاءنا رجال شرطتنا يدمدمون ويبرقون ويرعدون يحكمون على هذا بالجزاء النقدي ويعفون عن ذاك ويطلبون من هذا جوازاً ومن الثاني أن ينبشوا صوانه وهميانه ومن الثالث أن يفتشوا صندوقه ويراقبوا كتبه والخلاصة تغيرت معنا الحال من الأعلى إلى الأدنى حتى بلغنا بلادنا فرأينا الانحطاط بادياً عليها في كل شيء وإداراتها هي تلك الإدارة الاستبدادية بعينها لم يعدل الدستور من شدتها وما زلنا على ذلك حتى بلغنا صباح الغد الأستانة عاصمة سلطنتنا العثمانية.

عاصمة السلطنة العثمانية

صقع جميل وسواحل بديعة ومناظر رائقة وسماء صافية ورفاهية مفرطة وأنس دائم فمن المضيق إلى الخليج إلى جزر البحر إلى متنزهات منقطعة القرين إلى غابات ملتفة وجبال مكسوة وعيون خرارة وكل ذلك بهجة النفس والخاطر وهذه هي الأستانة وأحياؤها وضاحيتها.

أما عمرانها فصورة مكبرة من عمران الولايات لا نظام ولا شوارع منظمة ولا طرق معبَّدة ولا راحة للراكب والسائر ولا للمقيم والنازل وغاية ما فيها من مصانع وآثار قصور السلاطين والجوامع الكبيرة الزاهية التي أنشأوها منذ عهد محمد الفاتح إلى يومنا هذا وبعض ثكن ومدارس عالية حديثة لا شأن لها من حيث فن البناء.

والأستانة من حيث قوتها المادية ضعيفة ضئيلة نصف أهلها أتراك يبلغون نحو ستمائة ألف والنصف الآخر أروام وأرمن وأكراد وأرناؤد وعرب وغيرهم من العناصر العثمانية. ويغلب على الأتراك الاتكال لأنهم ما زالوا حتى بعد الحرية يعتقدون من أنفسهم الغناء والسؤدد أكثر من بقية العناصر ويتوهمون أنهم العنصر الحاكم ولذلك قلما ترى بينهم تاجراً معتبراً أو زارعاً كبيراً أو مالياً دراكة يعيشون كلهم إلا المرتزقة والباعة عالة على الأمة لا يعرفون غير تقلد الوظائف الإدارية والعلمية والقلمية والعسكرية.

فالأستانة من هذه الوجهة مدينة الاتكال المجسم يعيش أهلها كالحلمة الطفيلية على عنق الولايات ولكم خربت ولاية أو لواءٌ أو قضاء ليعمر بها أحدهم مصيفاً له على ضفاف الخليج أو في جزيرة الأمراء ويقتني من الجواري والسراري والعبيد بقدر ما تطيب له نفسه.

ولأهل الأستانة فضل أدب ولين جانب عرفوا به منذ القديم فترى الواحد منهم يعاملك بأقصى اللطف والظرف حتى يرضيك وفي باطنه على الأغلب يسر لك غير ذلك وهذا الخلق عام في عمال النظارات والإدارات الكبرى ولولا ذلك ما انصرفت وجوه أرباب الأشغال من سكان الولايات إلى الأستانة يقصدونها لكشف ظلامة ونيل رتبة ومرتبة وراتب.

صرفت في هذه العاصمة عشرين يوماً قابلت في خلالها كثيراً من أهل العلم والسياسة وكنت أتكاره في الاختلاف إلى المعاهد والناس إذ سئمت نفسي كل ذلك بعد باريز التي رأيت فيها من كل شيء أحسنه ومن العالم أرقاهم ولطالما اسودت عاصمة بلادي في عيني ووددت على الأقل لو كنت لي أن أزورها قبل الرحيل إلى الغرب وإمتاع النظر والحواس بحضارته البهجة حتى لا أرى الانحطاط بعد الرقي ولا الظلام بعد النور.

ومن جملة المعاهد التي هي جملة مقصدي وغاية مناي من زيارة الأستانة مجلسنا النيابي زرته خمس مرات وأعضاؤه نحو مائتين وخمسين نائباً من جميع عناصر الدولة وأصقاعها تجد فيهم ذا العمامة البيضاء أو الخضراء كما تشهد فيهم لابس الكوفية والعقال وثلاثة أرباعهم من لابسي الطرابيش ولقد سمعت من أرباب العمائم مناقشات راقية لم أكد أسمعها إلا من النواب الذين صرفوا شطراً من أعمارهم في أوربا يتعلمون ويتمرنون ويدير حركة المجلس من النواب اليوم نحو عشر أعضائه شأن مجالس كلها فإن أرباب العقول الراقية والمضاء الكبير قلائل في كل طائفة. خصوصاً ومجلسنا ما برح طفلاً ويرجى أن يكون في الانتخابات المقبلة أرقى مما هو الآن.

رأيت النظام قليلاً في المجلس يبدأ قبل الظهر بالنظر في قانون كذا وبعد الظهر يتناقش في غيره قبل أن يكمله ومن الغد يتناقش في مسألة أخرى وينسى القانون أو اللائحة الأولى وذلك لأنهم وسدوا رئاسته لرئيس اشتهر بخدمته الحرية والشهرة قد تكذب. وكم وسدوا النظارات في هذا العهد الدستوري الجديد إلى أناس اشتهروا بعلمهم وعقلهم في الدور السالف حتى إذا جاء الآن دور العمل أبانوا عن ضعف في المدارك وخور في العزائم وبضاعة مزجاة من العلم والعمل ونفس شريرة تعد قتل عنصر من العناصر قتلاً معنوياً لغاية بعيدة الحصول أسهل من تناول الكأس أو السلام على الناس.

وكل أولياء الأمر إذا حدثتهم في نقصنا والسعي لإصلاحنا شاركوك في حديثك وربما تظاهروا بأكثر من غيرتك وحملوا أشد من حملتك فإذا أتت نوبتهم ليعلموا تراهم يقرون القديم على قدمه إن لم نقل يزيدون الحال أعضالاً وأشكالاً. فهم فلاسفة قول لا عملة عمل وجربذتهم في أساليب لهم يتقنونها لا في ظلامة يرفعونها وولاية يرقونها وإصلاح يدخلونه.

ولا أغالي إذا قلت أن عمال الأستانة الآن صورة من صور العهد الحميدي إلا أنهم يدعون الحرية وهم مضطرون إلى الإسراع بمصالح العباد بأقل مراوغة ومطاولة مما كانوا عليه في العهد الماضي أما الإصلاح الحقيقي فأظن من سيقومونه به لهذه البلاد العزيزة لم يخلقوا بعد ونحن نكتفي من الحاليين أن يحتفظوا فقط بالحالة الحاضرة ريثما يتخرج جيل جديد يربى على أدب النفس وأدب الدرس وينشأ بعيداً عن أخلاق الحكومة الاستبدادية المطلقة التي غرست مبادئها الساقطة في القلب واللحم والدم والعظم.

المتحف السلطاني

دخلنا هذه الدائرة الفخمة من بابها الغربي الكائن بجوار نظارة العدلية ومررنا أمام دار الضرب العامرة وبعدها دخلنا من باب آخر ينتهي إلى ساحة كبيرة بني على أطرافها رواق كبير يسمونه غرفة العرض كان يجلس فيه الوزراء والأمراء للمذاكرة والمشاورة وفي صدره مصطبة كبيرة يصعد إليها من درجة واحدة كان يجلس فيها السلطان متوارياً عن الأعين.

ثم خرجنا من هذه الغرفة وصعدنا إلى قصر شامخ يصعد إليه بسلم من رخام جدرانه مزينة بالقيشاني بناه السلطان مراد الرابع بعد رجوعه من بغداد على طرز قصر هارون الرشيد وسماه (قصر بغداد) وهو قصر مبني على الطرز الشرقي بشكل مثمن منتظم تحيط به من الخارج ردهة ذات منافذ تطل على الخمائل والبحيرات وتشرف على بحر مرمرة وقسم من البوسفور وأحياء القسطنطينية وضواحيها وبجانب هذا القصر دائرة (الخرقة الشريفة) وفيها الرداءُ النبوي وبقية المخلفات والآثار النبوية.

وخرجنا بعدئذ من هذا القصر ودخلنا قصراً آخر فيه غرفة كبيرة طولها نحو عشرين ذراعاً وعرضها نحو ثلاثة عشر ذراعاً يقال أنها من بناء السلطان مصطفى الرابع وفي الجهة القبلية من هذا القصر قصر آخر بناه السلطان عبد الحميد المجيد ويسمونه (سلطان مجيد كوشكي) مبني على الطرز الإيطالي وهذا القصر أجمل قصر رأيناه هناك ومما يجدر بالذكر في هذا القصر صفاء بلور النوافذ حتى أنك تظن النافذة مفتوحة لا بلور فيها لشدة صفائه وعلى جانب هذا القصر حجرة صغيرة بناها السلطان عبد المجيد لتبديل لباسه قبل دخوله دائرة الخرقة الشريفة.

ثم انتهينا إلى دائرة المتحف السلطاني وهي بيت القصيد في هذه الزيارة وهنا لا يتمالك الإنسان من الدهشة عند ما يشاهد تلك الآثار النفيسة والمصنوعات الثمينة النادرة التي لا تقدر لها قيمة لنفاستها التاريخية. دخلنا هذه الدائرة وهي مؤلفة من ثلاث غرف تحتانية وثلاث غرف أخرى فوقانية وأول شيء وقع نظرنا عليه تخت كسرى الذي غنمه السلطان سليم الأول من الشاه إسماعيل الصفوي في حرب (جالديران) الشهيرة وقد نصب في وسط المتحف يوحي إلى الرائي بعظمة الدولة العثمانية ومجدها السالف ويصور للناظر السلطان سليم الأول ممتطياً جواده سالاً سيفه يقود جيشه الباسل إلى بلاد الأكاسرة ويشتبك مع صاحب العجم في حرب عوان فيهزم جيشه ويستولي على عرشه وخزائنه.

هذا التخت على هيئة مستديرة قائم على أربعة أعمدة يصعد إليه بدرجة واحدة وكله مرصع بالياقوت والزمرد مما يبهر الناظر. شاهدنا في هذا المتحف سيف قسطنطين بالئوغوس آخر قياصرة الروم وهو سيف مرصع بالماس أخذ من جملة غنائم يوم فتح القسطنطينية. شاهدنا مهد السلطان محمود الثاني وهو على شكل السرر التي تصنع في دمشق من الخشب مرصعة بالصدف وهذا مرصع بالأحجار الكريمة. وفي المتحف ثلاث قطع من الزمرد الأولى بقدر جوزة الهند ووزنها ثمانمائة درهم والثانية على شكل مستطيل وزنها ستمائة درهم والثالثة بينهما في القطع والوزن وهناك أوانٍ من النجف بعضها مرصع وبعضها بدون ترصيع وساعات وأوان من العاج وبواطي من الصيني ودروع وطبرات ومغافر وبنادق قديمة مرصعة مما لا يكاد يحصى وخواتم من الماس بعضها فضة بقدر الجوزة. وإلى جانبيها دوي قديمة ذهبية وقماقم ومحاريب وسبحات ومراوح مرصعة وفي جملة هذه المراوح ثلاث تعد من نوادر المصنوعات الواحدة قبضتها مرصعة بالماس والأخرى مرصعة بالياقوت والماس في وسطها ياقوتة بقدر الجوزة والثالثة مرصعة بالأحجار الكريمة وعليها رسم الكرة الأرضية.

ومما أمتعنا به النظر صورة شخص طوله عشرة سانتيمترات صدره وبطنه لؤلؤة واحدة ورجلاه فيروزتان وبالقرب منه صندوق وعليه فيل من الذهب مرصع بالأحجار الثمينة. رأينا أغطية مناضد من الأطلس والديباج بعضها مرصع باللؤلؤ فقط والبعض الآخر مرصع باللؤلؤ والزمرد والياقوت بنقش بديع يأخذ بالعقول وهناك قلب من الماس حجرته الوسطى بقدر البيضة ويقال أن هذه الحجرة هي رابع حجرة في الدنيا من حيث الحجم والوزن وقد أمتعنا الطرف برسم السلطان عبد العزيز مجسماً معمولاً من النحاس الأصفر ممتطياً جواده بقطعة كبيرة طبيعية وآخرين صغيرين ورأينا رسم اسكندر الثاني قيصر الروس ورسم غليوم الأول عاهل الألمان.

وماا رأيناه ثلاث آلات للمنظومة الشمسية مصنوعة من النحاس الأصفر تدور فيها الأرض والسيارات حول الشمس بحركة دولاب يدار باليد كل ذلك بل أكثره موضوع في خزائن من البلور لا تمسه الأيدي رأينا مسميات لا نعرف أسماءها مما يحار لها العقل ويدهش لها الفكر وأنىَّ لنا بابن المعتز يقف في هذه الخزينة ويصف ما فيها من الحلي والحلل والجواهر الثمينة والمصنوعات الفاخرة النادرة بمنظومات تحكي ترصيع الجواهر المكنوزة في هذا الكنز الكبير.

ليس شيءٌ أصعب على الكاتب من أن يرى أشياء لم يألف مشاهدتها ولا يعرف لها اسماً فهو إذا أراد وصفها عصته الألفاظ وضاقت به التعابير رأينا في هذا المتحف شيئاً كثيراً كله من النادر الغريب الذي لا يوجد إلا في خزائن الملوك ولو أردنا أن نصف كل ما رأيناه لطال بنا البحث واحتجنا إلى سفر كبير ولكن نكتفي بذكر الآثار التاريخية الثمينة بالنظر لما لها من المكانة العلمية والقيمة الأدبية.

فمن ذلك درع مرصعة بالماس والياقوت مع سيف مرصع أيضاً مكتوب عليهما هذه العبارة هذه الدرع غنمها السلطان مراد الرابع لما فتح بغداد في اليوم الثامن عشر لسنة ألف وثماني وأربعين هجرية وتخت معمول من الباغا مرصع بالفيروز والزمرد وهو تخت السلطان أحمد الثالث كان يجلس عليه يوم عرفة وفي وسطه فراش من الأطلس مرصع باللآلئ بنقوش لطيفة يصعد إليه بثلاث درجات صغيرة وخزانة من الكهرباء الملون المعرق أهدتها فيكتوريا ملكة الإنكليز للسلطان عبد العزيز ومكتب (قنصل) كبير مرصع بالماس والياقوت وسائر الأحجار الكريمة أهدتها كاترينة قيصرة الروس للوزير الأعظم محمد باشا البلطه جي يوم وقعة (بيروت) الشهيرة وهذا المكتب من أثمن ما شاهدناه في هذه الخزينة لما فيه من الأحجار الكريمة وحلل ملوك بني عثمان وعمائمهم موضوعة كلها على قوالب مخصوصة على شكل إنسان بالهيئة التي كانت عليها ومكتوب على كل اسم منها اسم صاحبها وسيف السلطان الغوري عزيز مصر وخاتم السلطان عبد العزيز الذي نزع من إصبعه يوم استشهاده ووسامات مختلفة أهداها ملوك أوربا للسلاطين العثمانيين وغير ذلك من الآثار البديعة التاريخية.

وفي الجملة أن هذه الخزينة هي أعظم خزينة على وجه الأرض لأنها جمعت بين خزائن الأكاسرة وخزائن القياصرة وملوك الإسلام وكانت في الدور القديم تجمع فيها الأموال على نفقة الدولة وتدخر لأوقات الحروب وتسمى (ايج خزينة) أي الخزينة الداخلية. يروى أن السلطان مصطفى الثالث كان جمع فيها مبالغ طائلة صرفها كلها في الحرب الروسية ويقدر ما صرفه في ذلك الوقت باثني عشر مليون ليرة على حساب هذا الزمان.

أما بناء الدائرة فليس من الأبنية الفخمة المزينة بل هو بسيطْ جداً على طرز التكايا وليس فيه ما يستحق الذكر سوى ما ذكرناه آنفاً من القصور الحديثة التي بناها ملوك بني عثمان بعد الفتح وإنما هي تمتاز بجمال موقعها وحسن مناظرها ومكانتها التاريخية فالواقف في فنائها أو في أحد قصورها يمتع طرفه بتلك المناظر البهيجة ويسرح فكره في غابرها وحاضرها ويهتز طرباً وتتجلى له عظمة آل عثمان وسلطانهم ويرى الفاتح يسوق أسطوله على اليابسة بأعجوبة لم يسبق لها نظير ويفتح القسطنطينية ويملك قصر القياصرة وخزائنهم كما افتتح أجداده بلاد الأكاسرة وقوضوا عروشهم ويكون نعم الأمير الذي امتدحه الرسول وجيشه نعم الجيش.

وفي الحقيقة إن هذا البناء اللطيف من أجمل ما يتصوره الفكر وألطف ما تشعر به النفوس فهو يحتاج إلى قريحة شاعر مطبوع أو قلم كاتب مجيد يصف ما تشعر به النفس من المعاني الشعرية في جانب هذه المناظر البهيجة والآثار التاريخية. هذا ولا يسعني هنا إلا أن أثني الثناء الطيب على ناظر المتحف حافظ محمد رفيق بك لما أبداه من المجاملة والملاطفة في زيارتنا هذه كما أني أشكر للأستاذ الزهراوي وعبد العزيز أفندي قولجه لي عنايتهما في هذه الزيارة التي هي من أثمن الزيارات التاريخية.

المتحف العثماني

ليس بين معاهد الأستانة وقصورها معهد توفرت فيه شروط التجديد ودخلته الروح الغربية مثل المتحف العثماني فهو المعهد الوحيد الذي قلدنا فيه الأوروبيين وأحسنا التقليد يستفيد به زائره تاريخ الصناعة ولا غرو فقد ضم عاديات الأمم القديمة كالرومانيين واليونانيين والفينيقيين والآشوريين والبابليين والمصريين والهيبيين والبيزنطيين المتأخرين من نواويس وتماثيل وأواني وآثار حجرية وخزفية وبلورية وكلها شاهدة على الدهر بما كانت عليه حضارات الشعوب التي انقرضت فأصبحت بلادها من جملة ولايات هذه السلطنة العثمانية أيد الله أركانها.

ومن أجمل ما يشاهد فيه مسلتان عثروا على الأولى في صامسون والأخرى في ازنيق وأسد وجد في هاليكارناس (قصبة بودروم) ويرد تاريخه إلى أربعة قرون ق. م وبجانبه ناووس روماني استخرج من دراج في ولاية أشقودرة ومن ألطف عاديات هذه الدار النواويس التي عثر عليها في صيداء وهي عبارة عن ستة وعشرين ناووساً ادعى بعضهم أن أحدها هو ناووس اسكندر المقدروني لأن الإسكندر توفي في العراق وجيء به إلى سورية على أن روايات المؤرخين مختلفة في دفنه. ومن النووايس ناووس دفن فيه تابنيت ابن اشموناراز ملك صيداء وعليه كتابة بالخط الفينيقي. وناووس الإسكندر من أغرب ما نقش النقاشون تحدسنا عليه وعلى كثير من الآثار الموضوعة في قاعات متحفنا أهل العاديات والآثار ويبذلون لنا لو أردنا في الحصول عليها مئات الألوف من النضار ونووايس المتحف البريطاني واللوفر ليست بأعظم منها.

ومن عاديات المتحف ناووس معروف باسم صدراب أحد ولاة فارس فيه رسوم الصيد والقنص والحرب واللعب والسباق ووضيمة جنازة ومنه يستدل على ما وصلت إليه هذه الصناعة من تلوين الرخام في أيونيا في الساحل الغربي من بلاد الأناضول من الارتقاء في القرن الخامس ق. م وهناك تمثال ثماني عشرة امرأة من أعجب ما نقش النقاشون جعلن على أشكال منوعة بعضهن قائمات وبعضهن قاعدات وهن يذرفن دموع الحزن واللهفة وبالقرب منهن 19 قطعة من نووايس رومانية عثر عليها في جبل لبنان وحمص وبيروت.

ومن النواويس البديعة ناووس اسمه ناووس ليكيا أي البلاد المعروفة اليوم بسواحل أضالية من أعمال قونية وهو رومي الصنعة محلي الأسلوب. وعلى مقربة منه تمثالان من الخزف المنقوش لأبي الهول عثر عليهما في مدينة أورله أو ميناء قلازومن من أزمير.

قلنا أن الناووس المعروف بناووس الإسكندر هو من أبدع ما صنعت الأيدي ولذلك زاره ألوف من علماء أوربا وأميركا يعجبون بصنعه وفيه كثير من الرسوم والخطوط النفيسة الملونة ومن الصور المزبورة عليها وقائع الإسكندر المشهورة. ومن كتاباته ما كتب بالخط الهيروغليفي المصري ومنها بالخط الفينيقي.

ومن الرسوم الموجودة في ناحية قريبة ما يرجح أنه رسم الحرب التي نشبت بين الإسكندر في أيسوس أو أربيل وبين دارا ملك الفرس سنة 333 ق. م.

ومما يقع نظرك عليه في القاعة الرابعة بعض عاديات هيتية مثل أسود وجدت في زنجيرلي وقصورها وتمثال يمثل أحد ملوك الهيتيين وقاعدة تمثالين لأبي الهول وتمثال من الحجر الأسود اسمه أسد مرعش كتبت عليه كتابات هيتية وهو أشهر أثر عثر عليه من آثار هذه الأمة حتى الآن.

والهيتيون أمم مختلفة كانت في القرن الخامس عشر قبل المسيح تنزل في جبال الأكراد في سورية وقبادو كيا وقسم عظيم من بلاد الأناضول حتى مجرى نهري الأحمر (قيزل ايرمق) وكديز وأصولهم كثيرة متباينة بل أن البلاد التي كانوا مستولين عليها هي كما يقول المحققون في شمالي سورية أي في المنطقة الممتدة من فرع الفرات الأكبر إلى جبال طوروس. وقد أنشأوا على الفرات قلعة قارغاميش المعروفة الآن بجرابلس وأخذوا يهددون مدينة نينوى القديمة (الموصل) إلى أواخر القرن الثامن ق. م وبلغوا منتهى مجدهم بين القرن العاشر والثامن ق. م وقد استولى على هذه القلعة صاراغون ملك آشور سنة 712 وباستيلائه عليها محي اسم الهيتيين من عالم الوجود. على أن تاريخ هذه الأمة مع ما بلغت من الحضارة بين الأمم القديمة لم يؤثر عنها بالذات شيءٌ يدل على عظمتها لأن خطها لم ينحل حتى الآن ويرجى أن يكتشف كما اكتشف الخط المصري القديم بواسطة حجر وجد في رشيد كتب بالخط المصري مترجماً إلى اليونانية.

ومن العاديات المهمة في المتحف الأواني الزجاجية والخزفية وأحسن الزجاج ما جاء من سورية وقد كتب على كل قطعة منها اسم البلد الذي عثر فيه عليها. ومعلوم أن تاريخ وجود الزجاج قديم يتعذر معرفته وهناك قطع من الفسيفساء عثروا عليها في استانكوي أو جزيرة كوس من جزائر البحر الرومي ويرد تاريخها إلى الدور اليوناني وآثار معبد آشمون في صيداء من آثار الفينيقيين الخزفية وآثار سوكة وأياثلوغ ونامورد من أعمال إزمير وغيرها من بلاد الأناضول وأكثرها يوناني. وفي قاعة أخرى أوان وجدت بالقرب من صور وويج في ولاية مناستر في بعض المدافن وأوان في ليندوس (رودس) وغيرها يرد تاريخها إلى أدوار مختلفة يونانية ورومانية ومنها ما عثر عليه في لابسكي من أعمال كليبولي.

ومن الآثار المهمة في القاعة الحادية عشرة عاديات أرض فلسطين ومنها ما عثروا عليه في جوار القدس ويرجع تاريخه إلى القرن الثامن ق. م وما عثر عليه في بحيرة حمص في الجزيرة التي حفر فيها من القدور والأسرجة وقد اعتبروا القسم الأعظم منها من عهد الزمن النحاسي. وفيه قطعتان من المرمر وجدتا بالقرب من المسجد الأقصى وعليهما كتابات بالرومية تحظر على الغرباء أن يتخطوا معبد سليمان وإلا فيعاقبون بالموت. وهناك حجر كلسي عثروا عليه في القدس مكتوب عليه كتابة فينيقية وفيه ذكر جر الماء تحت الأرض في قناة حفرت في الصخور من نبع جيجون إلى سور القدس حتى تصل إلى نبع عين سلوان وينسبونه إلى الملك حزقيا أحد من ورد ذكرهم في سفر الملوك من التوراة.

وليست العاديات المصرية كثيرة في المتحف ومنها صور أبي الهول وفي ثلاث قاعات الآثار الكلدانية والبابلية والآشورية وأكثرها ألواح وأوان وأكواب وعظام كتبت بالخط المسماري.

ومنها ناووس من الخزف يرد إلى عهد بابل أي إلى نحو 600 سنة ق. م ومنها مسلة من الحجر من مخلفات نابونيد ملك بابل كسرها سنحريب في وقائعه مع السيتيين. ومن العاديات ما وقع في خرابة نيفر في الشمال الشرقي من الديوانية من أعمال بغداد ومنها ما وجد في تللو من أعمال البصرة ومنها ما عثروا عليه في سيبارا أوابي الحبة من أعمال الجزيرة.

وقد خصوا القاعة السابعة عشرة بالآثار التدمرية والحميرية ومن الآثار التدمرية ما يستدل منه على أن صنعها من بدائع صناعهم وإن كانت تشبه الصناعات اليونانية لأن مملكة تدمر وإن كانت يهودية لم يبق فيها أثر لهم لأن الآشوريين قرضوا عمرانهم ثم ارتقت على عهد أوليانوس أوائل ظهور النصرانية ودخلت في حوزة المملكة اليونانية على عهد الإسكندر واستعملت اللغة الروميّة ولا سيما في الرسميات وإن كانت لغتها الآرامية أو السريانية. أما الآثار الحميرية فهي آثار أهل سبأ ومعين في الجوف وعاصمة سبأ مأرب وأهل معين كانوا نازلين في قصبة العلى في جوار مدائن صالح ومملكة حمير اليمانية إنما نشأت بعد هلاك مدينة سبأ ومعين واستدلوا من ذلك على أن الخط الحميري يشبه الفينيقي ولكن دخله قلب وإبدال كثير.

ومن العاديات آثار قبرص منها تمثالان للمعبودين هو كول وآفروديت وأوان خزفية ونذور. ومنها حلي آشورية وفينيقية وحلي وجواهر وأقراط وأساور وقلائد وجدت في مدينة ترواده أي في محل اسمه الآن حصارلق جبل قار وهللسبون أي بين جناق قلعة وبحر الآرخبيل وكانت هذه عاصمة قديمة مشهورة. ومنها ما وجدوه في ترال من أزمير وليبية من طرابلس الغرب وبرقة وغيرها في طرسوس وآخر في برغمة وفي نابلس.

هذه جملة أشرنا بها إلى ما حواه المتحف وله قسم آخر إسلامي جعلوه في قصر الصيني أمام البناء الجديد كما قسمت مصر عادياتها إلى متحفين متحف الآثار المصرية واليونانية القديمة والمتحف العربي. وقصر الصيني هذا مما أمر بإنشائه السلطان محمد الفاتح ولكن لم يبق عليه من آثار أيامه إلا أثر ضئيل جداً مثل الآثار التي يحويها وبعض عاديات وأكثرها من قرون الانحطاط أي القرون الخمسة الأخيرة ومنها بعض الصيني الذي كان يعمل في دمشق ورودس وأزنيق وكوتاهية وبعض الكاشاني المكتب بالكوفي ومنها ما عثر عليه في مصر وقونية ودمشق وبورصة وكان يعمل فيها كما تعمل الطنافس البديعة في معامل دمشق وتوقاد وأصفهان وغيرها.

ومن عاديات قصر الصيني درفتان من صنع قره مان وقونية ومنها رحالي وقماقم وطنافس ومصابيح وخطوط صدرت عن بعض الملوك العثمانيين ومنبر من صنع الرها (أورفة) وأوان خزفية وجدت في الرقة من أعمال حلب وجلود كتب من صنع مهرة المجلدين من العرب والفرس والترك وأصونة وخزائن وبعض آثار حجرية يقال أنها أموية عثر عليها في القدس وبعض نقوش حيوانات رسمت على الزجاج من الأدوار التركمانية والآرتقية وملوك يبني آرتق من مماليك ملكشاه بن الب أرسلان السلجوقي حكموا جهات ماردين وديار بكر وحلب إلى سنة 811 هـ وانقرضت دولتهم بعد حكم 334 سنة إلى غير ذلك من العاديات والآثار ومما عرضوه عود طرب أو طنبورة وهي من صنع عصور الظلمة أيضاً.

وبالجملة فإن العاديات القديمة التي جعلت في البناء الجديد كلها حسنة ومقيدة لو لك يكن الكسر والتحطيم يغلب عليها لما قاسته من أهاويل الدهور أما العاديات التركية والعربية الأخيرة فتافهة على الأكثر. وفي الأستانة محل قرب جامع السلطان أحمد عرضوا فيه صور الإنكشارية مجسمة من الجبس من صنع النمسا وهم يلبسون ألبستهم المعروفة وجالسون على مراتبهم وعاداتهم لا بأس بزيارتها لما فيها من الفائدة التاريخية.