مجلة المقتبس/العدد 56/الدين والدنيا

مجلة المقتبس/العدد 56/الدين والدنيا

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 10 - 1910



وأين يختلفان وكيف يتفقان

ادخر لدنياك ادخار الراغب فيها ... وتزود من دينك زاد الراغب عنها.

نسمع في الأرض اليوم صيحة تصم الآذان منشؤها اختلاف المذاهب والأديان. وهي على كثرة الصائحين فيها قد صارت أشبه شيءٍ بلغط زمرة من المغنين وقد علت أصواتهم واختلفت لهجاتهم وتباينت نغماتهم فيقف السامع الصحيح الأذن مبهوتاً من خلط هؤلاء المغنين كخلطنا بين الدنيا والدين.

يريد بعض الناس أن يكون الدين كل شيء. وينظر غيرهم إلى الدين كأنه لا شيء. وبين هؤلاء وأولئك أفرادٌ وزمر يتشاحنون ويتجاذبون ويتخاذلون ويقتتلون تعصباً للدين ولكنهم في الحقيقة يسخطون رب العالمين الذي لو شاء لجعلها أمة واحدة ووحد لها السراط إلى عليين.

في تعاليم كونفوشيوس المسالمة والإخاء أساس الدين. وفي الديانات الفتشية وهي أحط الأديان في نظر الراقين لما نحن فيه أن العداء بسبب اختلاف المعتقد بل كل منهم وما يعبد شرط الولاء للقبيلة وفي التوراة على لسان سليمان الحكيم من يعلم روح بني البشر هل هي تصعد إلى فوق وروح البهيمة هل هي تنزل إلى أسفل إلى الأرض. جامعة ص3_21 فكأن سليمان يوعز إلى قومنا بأن يفتأوا من حدتهم في احتكار طريق السماء. وفي الإنجيل في بيت أبي منازل كثيرة. وإن الذين بلا شريعة فبغير الشريعة بدانون. وإن كل عمل خيراً مقبول عنده فعلى مَ التعصب. وفي القرآن الشريف من يعمل مثقال ذرة خيراً يره. ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره. وإن الله رب العالمين ولم يقل رب النصارى ولا رب المسلمين.

وفي حكم العقل أن الله تعإلى يجل عنه أن يخلق أمماً وشعوباً ليجعلها برمتها طعاماً للنار لأنها عملت بشريعة الضمير التي سنها هي لتكون شريعة عامة وتجاوزت بعض الأمور العرضية التي لم يتفق لها أن تقتنع بها لرسوخ غيرها في مكانها مما لا يضر بالإنسانية ولا يغضب رب البرية.

وفي حكم الكتب المنزلة والعقل معاً أن إلهنا الرحوم الغفار. المحب الأب السماوي. لم يخلقنا ليظهر قوته وبطشه فينا فيرسل بعض أبناءه إلى بحيرة النار المتقدة لأنهم يسيرون إليه في طريق لا نراها نحن مواصلةً إليه إما لنقص في مداركنا وإنا لأنه تعإلى لم يشأ أن يوحي إلينا بكامل إرادته في خلقه. أو يعقل أن ننسب للإله الذي هذه صفاته محبة التلهي بمنظر لحوم أبناءه وهي تشوى في نار جهنم كأنه يسر بتعذيبنا وهو الرحيم الرحمن الغفار لجميع ذنوبنا إذا آمنا به كما نحن مؤمنون؟

إذاً فالموحدون جميعاً وجهتهم الإله الواحد وإليه يسيرون. فلماذا هذه القيامة القائمة على الأرض وهذا التعصب الذميم الذي يفرق الأخ عن أخيه والابن عن أبيه. أنزلت علينا آيات بينات بكره كل من خالف معتقدنا وبإثارة حرب عوان على إخواننا في الدين من الموحدين. بل مالنا وللكفرة الملحدين والله رقيب عليهم وإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم لأنه على كل شيءٍ قدير.

نعلم أن جميع الأديان توصي بمحبة الناس بعضهم لبعض وبمنع الاعتداء. وبالمسالمة. والإخاء. فضلاً عن شريعة الضمير ووصية كنفوشيوس والسيد المسيح معاً القائلة مهما تريدون أن يفعل الناس بكم فافعلوا هكذا أنتم أيضاً بهم.

فأين حكم العقل والضمير وهذه التعاليم السامية من سير البعض منا ممن يتصافحون بالخناجر ويسلمون بالمسدسات لا لسبب سوى كون الفئة الواحدة تسير إلى خالقها في طريق موازية لما تسير فيها الأخرى:

أهكذا تكون مقدمات الأمم التي تريد الرقي في عمرانها. أم نظن أن الله يرضى عن مثل هذه الأفعال التي ما أنزل بها من سلطان.

بقي أن منبت التعصب ليس في الدين نفسه بل في ما أدخل عليه من التقاليد والشروحات والتفاسير المضلة التي قد سمت عقول العامة حتى صاروا ينظرون بعضهم إلى بعض نظر العدو الألد على الرغم كونهم أبناء وطن واحد تجمعهم جوامع اللغة والقومية والوطنية ووحدة المعتقد بربهم أجمعين.

حقاً إن حالتنا في الشرق لما تذرف لها الدموع السخينة. لأننا تركنا الجوهر وتمسكنا بالعرض تركنا العبادة الحقيقية بالروح أو الحق وصرنا ننظر إلى الأسماء لا إلى المسميات. فمن كان اسمه محمداً أو بطرس أو هرون أو حمزة أو مارون أو نقولا صار كأنه يحمل في عنقه علامة ليقتله كل من يجده من أخوانه في الإنسانية وأشقاءه في الوطنية.

فإلى مَ يا قومنا على هذه الحالة المحزنة نخط الدين بالدنيا في معاملاتنا وصلواتنا ووظائفنا وخدمنا الوطنية وواجباتنا القومية.

ألا يدري رؤساؤنا الروحيون أن كلمة منهم تتغير مبادئ العامة أكثر من مجلد يكتبه غيرهم من الناس. فلماذا لا يتكلمون ويزيلون الوحشة بل الغلطة من قلب الرعايا مع بقاء المعتقدات على أصلها مجردة عن الزيادات.

هو ذا بعض المفكرين من أخواننا المسلمين في وادي النيل قد جاهروا بوجوب الإصلاح الديني ودعوا الراسخين في العلم إلى مجتمع يبحثون فيه لتنقية الدين مما طرأ على محيطه من الشوائب التفسيرية والعادات التقليدية التي لا تتفق مع جوهر الدين. فلماذا لا نحذو نحن حذوهم فنعمم نفعهم وننزع عن الدين صبغة التعصب التي شوهته بها العصور الوسطى ولا تزال عليه إلى الآن.

يظهر مما تقدم أن الدين والدنيا يتفقان إذا نزعنا عن الدين ما ألصقه به المتعصبون من الزوائد الضارة وهو يزداد اختلافاً كلما زدنا تفننا في تفسير التعصب وتخرجه إغراء للسذج ببقائهم على ما هم عليه من الجهل المطبق.

ديننا_لا تخف يا أخي التقي فإن لا قوة بشرية تقدر على اختطاف دينك منك ولا على زعزعة أركانه إذا كان مؤسساً كما تعتقد على الصخر.

فدع الزوابع تهب وافرح بعدم اقتدارها على هزه. أما إذا كنت حذراً خائفاً على دينك فتحيطه بسور لئلا تسفيه الريح فثقتك إذاً بصاحبه قليل، ولذلك تحاول أنت أن تملأ نقص هذه الثقة. ألا تعلم أن الحق يعلو ولا يعلى عليه وأن الصحيح لا يتحول إلى فاسد باختلاطه بالأمور الدنيوية بل يطفو كالزيت فوق عكر الماء وتظهر شوائبه لأقل نظرة كما ظهرت الشوائب التي أدخلت فيه إلى الآن.

كلمة إلى حضرة رؤساء الأديان_جاء في الأسفار الدينية رئيس شعبك لا تقل فيه سوء. فأنت رؤساء الشعب الروحيون ولذلك فإننا نجل مقامكم ونحترمكم ونضمن لكم حفظ الرئاسة الدينية على شرط أن تفصلوا الدين عن الدنيا لأنكم لستم رؤساء فيها ور يجوز أن تكونوا لئلا يلتوي عليكم الأمر في سياستنا التي تحتاجون معها إلى توحيد القوى العقلية. وبعد هذا نرجوكم أن تفهموا الفلاح والصانع والتاجر والواعظ والكاتب وغيرهم أن يحترف كل منهم حرفته العالمية مجردة عن كل صبغة دينية. وإذا جاءكم طلاب الوظائف وأرباب الدعاوي واحتلموهم إلى المراكز الدنيوية وبثثتم فيهم روح الدين الصحيح القاضي باعتبار جميع الناس إخواناً في الدنيا. وإذا جاهرتم بمبدأ الإخاء من على المنابر. وإذا نزعتم من قلوب الشعب أشواك الجهل الديني_وهو التعصب الذميم. وإذا أعطيتمونا قدوة نتبعها في هذا السبيل. فإنكم إذا فعلتم جميع ذلك تخدمون الدين والإنسانية معاً وحينئذ تروننا نزيد مقامكم رفعة ونجل جميعاً رئاستكم شاكرين لأنكم بذلك تسكتون السنة المتذمرين.

هذه الطريقة المثلى لفصل الدين عن الدنيا ولتعزيز المراكز الدينية العليا لأن بها يستوفي العمران نصيبه ويحافظ الدين على حقه.

فمن لنا من سادتنا الروحيين بمن يبدأ بالمجاهرة بهذا التساهل وهذا التسامح فنسطرها له باكورة للإصلاح الديني في القرن العشرين.

دنيانا_علينا في دنيانا واجبات كثيرة لا بد من قضائها من التعاون والتعاضد بقطع النظر عن الدين. هو ذا البلاد في حاجة إلى الشركات الوطنية وتوحيد الكلمة القومية في الدفاع عن الوطن وفي تعميره بما حسن من الحضارة الحديثة. فمن يقوم بهذه الأعمال ومتى يتم لنا النجاح إذا بقي الدين حاجزاً بين أبناء المذاهب المتفرقة. أو كيف يمكن أن ننهض معاً ونحن ينظر بعضنا إلى بعض شرراً كنظر القريب إلى الغريب المعتدي. أن نكذب على أنفسنا وعلى الله بقولنا أن الدستور قد وحد فينا المبادئ القومية وما قومنا للآن إلا المذاهب متجسمة والضغائن كامنة تكاد أن تظهر من تحت الرماد في كل ملة ومذهب.

هذه هي الحقيقة وأدلتها تحيط بها إحاطة الهالة بالقمر. والحقيقة أولى أن تقال لئلا يذهب بنا الوهم إلى الاعتقاد بأننا قد صرنا كما أظهرنا في بدء حياتنا الدستورية.

أجل إن فينا العدد العظيم ممن يريدون الإخاء وينادون به بألسنتهم جرائدهم وأعمالهم ولكن لا يزال في البلاد كثيرون من نصراء الدور السابق ممن يلقون الشقاق في كل ملة ويثنون الناس عن سيرهم في دنياهم متآخين.

فأعمال هؤلاء لا يكشفها سوى حملة الأقلام المناط بهم الدفاع عن الجامعة القومية.

ولقد كان لجرائدنا على اختلاف نزعاتها الفضل العظيم في إمالة الخواطر وتحويل الرأي العام عن التعصب إلى الحرية والمساواة والإخاء ولا نزال نطمع من زملائنا بإعادة الكرة المرة بعد المرة على كل خالط للدين بالدنيا.

وإنا لنعجب من استحكام هذا الشر في بلادنا الشرقية حيث الذكاء يتدفق من العقول في حين أننا لا نرى عند غيرنا عشر معشار ما نحن فيه من الشقاق.

أسبب ذلك كون أرضنا مهبط الوحي ومحتد الصالحين؟

أنكون أول من قصد الله بنا خيراً فحولناه بجهلنا إلى شر عظيم؟

أهكذا كانت غاية محمد وموسى وعيسى عليهم السلام أجمعين أن يزرعوا في قلوبنا العداوة إلى أبد الآبدين؟

أقصد هؤلاء الداعون الناس إلى طاعة ربهم أن يعلموا الشقاق في دنياهم بواسطة الدين؟

كلا. ثم ألف كلا_إننا نحن السبب في ذلك كله لأن نفوسنا جانحة إلى الشر والله لا يغر قوماً إلى الحسنى قسراً إذا هم أبوا أن يغيروا ما بأنفسهم. لأن الإنسان حر في أفعاله ليكون لكل نفس ما أكسبت وعليها ما اكتسبت.

وخلاصة ما نقول في هذا الشأن أننا قد شبعنا من العداء وقد كلت خناجرنا من الطعن ومسدساتنا من خطف الأرواح فهي تضرع إلينا بلسان حالها قائلة استبدلوني بالنظرات الأخوية والمصافحة السلمية والقبلات القلبية. ألقوني في اليم وسيروا بلا خوف ولا عداء وتضافروا في أعمالكم وتعاونوا في خدمة وطنكم. انسوا ذكري وأهملوا أمري وتسلحوا بالغيرة الوطنية والمحبة الأخوية.

لقد آن الوقت للاختلاط في الخدمة والأعمال المالية والإندغام في الدفاع والسعي وراء المصلحة القومية.

ولا يتم لكم ذلك إلا بترك الشقاق فتتركوني ولا يزول الشقاق إلا بفصل الدنيا عن الدين وبذلك تريحوني وتخدمون دنياكم وتكسبون رضى رب العالمين.

وفي الختام إننا نبتهل إليه تعإلى لينظر إلينا بعين الرضى وينزع من قلوبنا شوك الشقاق ويلهمنا رحمة منه إلى التوفيق بن مساعينا الدنيوية مع تمسكنا بأصول الدين مجردة عن الدخيل. وهو حسبنا ونعم الوكيل.

خليل سعد.