مجلة المقتبس/العدد 63/دقائق عربية

مجلة المقتبس/العدد 63/دقائق عربية

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 5 - 1911



لا مراء أن من يشتغل بالكتابة ويتوغل في المطالعة يمر به من صور التراكيب ومن الألفاظ المفردة ما يربك ذهنه وإذا راجع كتب النحو وكتب اللغة فلا يهتدي إلى ما يجلو له وجه الصواب فإن علماء العربية عل كثرة ما ألفوا في علمي الصرف والنحو واللغة تراهم قد أغفلوا من القواعد والتنبيهات والمفردات ما قد ترى بعضه في كتب الشروح أو في الكلام القديم كما ذكرت ذلك في مقالة بهذا العنوان نشرت في المجلد الخامس والعشرين من المقتطف وقد اجتمع إليَّ كثير من هذه الدقائق فلم أدخرها لنفسي بل أحببت نشرها رغبة في أن يكون للأدباء من وراء نصبي فائدة وابتغاء تخليص العبارة من علل الخطأ فإن في بعض المنشورات الحديثة ما يذوب له قلب البلاغة وتدمع له عين الفصاحة وأكبر نصير لتلك المنشورات على تشويه محبا البيان اختلاط الغث بالسمين فبينا تمر فيها بالبليغ إذ بك قد وقعت في أركِّ تركيب حتى أن المنشورات العامية العبارة أخف جناية على الفصاحة مما اجتمع فيه الصحيح بالمعتل فيلتبس على الضعفاء من أهل الأدب العليل بالصحيح والخطأ بالصواب فيتخذون الخطأ صواباً والعليل صحيحاً وتلك رزية كبيرة على الفصاحة فمن هنا تعلم أن نشر مثل هذه المقالات المتممة للناقص والمبينة للمبهم هي أوسع فائدة وأجل نفعاً وأرفه شأناً من تأليف كتاب في علم قد صارت المؤلفات فيه تربى على الألوف كما هي الحال في علم العربية.

الدقيقة الأولى

قد أجازوا أن تخاطب جماعة النساء خطاب الواحدة كما أجازوا أن ينعت ويخبر عن الجمع المكسر بالصفة مفردة فيقولون عيونهم نائمة وما أجمل العيون الحوراء. ولم أجد من نبه على ذلك فيما وقفت عليه من كتب النحو والصرف مع أنه واردٌ في كلام من بنيت على كلامهم قواعد التصريف والإعراب قال علقمة بن علف المري وهو من شعراء الحماسة:

ولست بسائل جارات بيتي ... أغياب رجالك أم شهود

وقال آخر:

قد كتب الحسن على وجهه ... يا أعين الناس قفي وانظري

فقال الأول (رجالك) مكان (رجالكن) وقال الثاني (قفي وانظري) مكان (قفن وانظرن).

الدقيقة الثانية

من حق الضمير أن يطابق مرجعه تذكيراً وتأنيثاً وإفراداً وتثنية وجمعاً وكذلك اسم الإشارة كما هو معلوم عند صغار الطلبة ما خلا اسم الجمع فقد فضلوا في الإضمار له مراعاة اللفظ على مراعاة المعنى قلت لكن متى كان المقام يقتضي الكثرة كانت مراعاة المعنى عين مقتضى الحال فيقال هؤلاء قومٌ كرامٌ وهذا قوم كريم وهذا شعب شجاع وهؤلاء شعب شجعان وكذا حكم اسم الجنس فيقولون ورق خضر باعتبار المعنى وورق أخضر باعتبار اللفظ قال أبو خراش الهذلي:

تكاد يدي تندى إذا ما لمستها ... وتظهر في أطرافها الورق الخضر

ولم أجد من زاد على ذلك لكني رأيت في كلام من يوثق بهم جواز مطابقة الضمير واسم الإشارة للخبر. فإن كان المرجع مؤنثاً والخبر مذكراً أجازوا الإتيان بضمير المذكر. وكذا إذا كان المرجع مذكراً والخبر مؤنثاً مثال الأول قول التبريزي في شرح الحماسة: فائدة إذن هو أخرج البيت مخرج الجواب ومثال الثاني ما جاء في كامل المبرد من قوله: إذا صب لبن حليب على حامض فهي المرخة وهذا فاش في كلام الفصحاء وقد جاء في سورة الأنعام فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي مكان هذه ربي. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما وجه التذكير في قوله (هذا ربي) والإشارة للشمس قلت جعل المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارة عن شيء واحد. وقال صاحب أنوار التنزيل ذكر اسم الإشارة لتذكير الخبر وصيانة للرب عن التأنيث.

الدقيقة الثالثة

متى أريد بالمفرد العموم ولو لم يكن اسم جنس جمعي كالشجر أو اسم جمع كالشعب والقوم جاز أن يعامل في نعته والإضمار له والإخبار عنه معاملة الجمع وهذا مبني على اعتبار المعنى فقد جاء في سورة الأنعام وما من دابةٍ في الأرض ولا طائرٍ يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم قال الزمخشري فإن قلت كيف قيل أمم مع إفراد الدابة والطائر قلت لما كان قوله تعالى وما من دابةٍ في الأرض ولا طائرٍ يطير بجناحيه دالاً على معنى الاستغراق ومغنياً عن أن يقال وما من دوابٍ ولا طيرٍ حمل قوله إلا أمم على المعنى وقال البيضاوي وجمع الأمم للحمل على المعنى ومثله في القرآن أيضاً وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً وذلك لأن قوله كم من ملك في معنى كم ملائكة.

الدقيقة الرابعة

في الفرق بين نادها لو تسمع وبين فحيها هل تسمع.

قال التبريزي في شرح قول مويلك في رثاء امرأته:

أُمرر على الجدث الذي حلت به ... أم العلاء ونادها لو تسمع

ويروى فحيها هل تسمع والفرق بين (لو) هنا وبين (هل) أن (لو) فائدته الشرط هنا والكلام به كلام من غلب القنوط عليه من إدراكها تحية من زارها و (هل) من حيث كان للاستفهام يصير الكلام به كأنه كلام راج أو طامع في سماعا ويكون المعنى حيها وانظر هل تسمع.

الدقيقة الخامسة

حق رب أن تدخل على الماضي ولكنها جاءت في سورة الحجر داخلة على المضارع حيث قال ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين قال الزمخشري لأن المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه فكأنه قيل ربما ود.

الدقيقة السادسة

إن الفاء التي تلي همزة الاستفهام إنما يراد بها التعقيب قال الزمخشري في تفسير قول القرآن أفرأيت الذي كفر بآياتنا والفاء جاءت لإفادة معناها الذي هو التعقيب كأنه قال أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقيب حديث أولئك.

الدقيقة السابعة

(فضلاً) مصدر يتوسط بين الأدنى والأعلى للتنبيه بنفي الأدنى واستبعاده عن الوقوع على نفي الأعلى واستحالته فيقع بعد نفي إما صريح كقولك لا يملك فلان الدراهم فضلاً عن الدينار وإما ضمير نحو وتقاصر هممهم عن أدنى عدد هذا العلم فضلاً أن تترقى إلى الكلام المؤسس على علمي المعاني والبيان. وأكثر الكتبة المعاصرين ذاهلون عن هذا الحكم فيستعملون فضلاً في الإيجاب كقولك زيد بارع في صيد البر فضلا عن براعته في صيد البحر وهو مخالف للقاعدة المذكورة مغاير لمنهج البلغاء.

الدقيقة الثامنة قد فشا في كتب علماء الصرف أن (يدع ويذر) قد اميت ماضيهما حتى صار ذلك معلوماً لصبيان المكاتب ولم أعثر في قديم الكلام على ما يخالف ذلك إلا في بيت من قصيدة عينية لسويد بن أبي كاهل اليشكري وهو:

فسعى مسعاتهم في قومه ... ثم لم يظفر ولا عجزاً ودع

قال الشارح: أي سعى مسعاة أبيه في قومه فلم يظفر بما أراد ولا ترك عجزاً إلا استعمله والقصيدة من مختارات المفضل الضبي فيؤخذ ذلك للمضطر أن يحي ما أُميت كما أحياه سويد.

الدقيقة التاسعة

لم يذكر النحاة شيئاً في إعراب (حاش الله) وهي في موضع النصب على المصدرية. وإنما بقيت على بنائها كبقاء عن على بنائها في نحو جلس عن يمينه. ذكر ذلك الزمخشري في تفسير سورة يوسف.

الدقيقة العاشرة

من سنن العرب أنهم يقولون في نحو بني العنبر بلعنبر وذلك يفعلون في كل ما فيه ألف ولام إذا لم يكن ثم إدغام فيقولون بلعجلان وبلحارث في بني العجلان وبني الحارث فإن كانت لام التعريف مدغمة مثل النمر لم يحذفوا النون من بني.

الدقيقة الحادية عشرة

إذا توالت النعوت أو الأحوال وترك العطف كان ذلك إشارة إلى أن كل نعت صفة كمال على حدة كقول الزمخشري في مقدمة الكتاب أنشأه كتاباً ساطعاً تبيانه قاطعاً برهانه.

الدقيقة الثانية عشرة

قد أجاز العروضيون وصل همزة القطع لإقامة الوزن وقد عثرت في شرح القصيدة التي هجا بها حسان بن ثابت مسافع بن عياض التميمي على ما نصه قوله أو أصحاب اللوا الصيد خفف الهمزة. وتخفف إذا كان قبلها ساكن فتطرح حركتها على الساكن كقولك من أبوك كذا ذكره المبرد في كامله.

الدقيقة الثالثة عشرة

إن كثيراً من كتب النحو المتداولة تنص على وجوب نصب الفعل بعد فاء السبب في جواب النفي والصحيح أن ذلك غالب لا واجب بدليل قول الحارثي وهو من شعراء الحماسة:

فما حيلتي إن لم تكن لك رحمة ... علي ولا لي منك صبر فأصبر

وقد جاء في القرآن بالرفع بعد الفاء حيث قال: ولا يؤذن له فيعتذرونذكر ذلك سيبويه والدماميني ونقله الصبان في باب النواصب.

الدقيقة الرابعة عشرة

إن (أحداً) لا يستعمل إلا مسبوقاً بالنفي ما لم يضف نحو قام أحد الأربعة أو يقع نعتاً لله نحو هو الله الأحد أو يصاحب أسماء العدد كقولك عندي أحد وعشرون رجلاً هذا ما صرح به في كتبهم ولقد رأيت البلغاء يستعملونه قبل النفي كقول الزمخشري وعلمه أن أحداً غيره لا يقوم مقامه فيؤخذ من ذلك أن الشرط مصاحبه النفي سواء تقدم أم تأخر خلافاً لما يفهمه أكثر الأدباء من وجوب الوقوع بعد النفي.

الدقيقة الخامسة عشرة

قد أنكر أحد من أدركنا من أهل العصر على أحد المعاصرين قوله قال يوحنا فم الذهب وقال الصواب أن يقال الذهبي الفم. قلت إن هذا الانتقاد خطأ لأن فم الذهب لقب ليوحنا فهو بدل من لا نعت له على حد قولهم جاء زيد زين العابدين. وذهب عمر وأنف الناقة.

الدقيقة السادسة عشرة

قد أنكر بعضهم استعمال المربض لغير الغنم استدل بنصوص من كتب اللغة كالصحاح والمصباح. وقد رأيت في الصفحة 626 من الجزء الأول من الكشاف في تفسير سورة يوسف ما نصه وهو جاثم في مربضه أي الطائر ومثل الزمخشري جدير بأن يوثق بكلامه.

الدقيقة السابعة عشرة

قد أنكر بعضهم جمع برهان على برهانات وجاء في كتاب البيان والتبيين للجاحظ في الصفحة الثامنة ما نصه ومن العلامات الظاهرة والبرهانات الواضحة فيكون إنكاره خطأ وانتقاده غلطاً.

الدقيقة الثامنة عشرة

قد يخبر عن الجمع بالمفرد ولكن على تأويل قال القرآن كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا إنما وحد ضداً وحقه أن يكون جمعاً لاتفاق كلمتهم وأنهم كشيء واحد لفرض تضامنهم وقال القرآن أيضاً وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام يريد ذوي جسد ووحد الجسد لإرادة الجنس كأنه قال ذوي جسد من الأجساد ومثله وما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين ومن هذا الباب قول القرآن أيضاً ثم نخرجكم طفلاً قال المفسر: طفلاً حال أجريت على تقدير كل واحد.

الدقيقة التاسعة عشرة

قد ورد في الشعر خطاب المرأة بضمير الرجال وذلك كقوله:

فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم ... لشيءٍ ولا أني من الموت أفرق

وكقول سعيد بن حميد يخاطب محبوبته فضل الشاعره:

تظنون أني قد تبدلت بعدكم ... بديلاً وبعض الظن أثم ومنكر

إذا كان قلبي في يديك رهينة ... فكيف بلا قلب أصافي وأهجر

ومن هذين الشاهدين تعلم أنه يخاطب المرأة بضمير المؤنثة المخاطبة وبضمير جمع المذكر العاقل وهو جائز حيث يؤمن اللبس.

الدقيقة العشرون

إذا كان المتكلم في فن ثم شرع في فن آخر من الكلام يصدر الكلام الجديد بقوله (اعلم) تنبيهاً على الانتقال - ذكر ذلك الزمخشري في كشافه.

الدقيقة الحادية والعشرون

من سنن العرب أن يستغنى بذكر الشيء عن ذكر نقيضه قال المثقب العبدي:

ولا تعدي مواعد كاذبات ... تمرُّ بها رياح الصيف دوني

أراد رياح الصيف والشتاء فاجتزأ بواحد منهما ومثل ذلك قول القرآن سرابيل تقيكم الحر لم يذكر البرد وهي تقي الحر والبرد فترك البرد اجتزاءً بذكر الحر.

الدقيقة الثانية والعشرون

من التراكيب المستفيضة الواردة عن البلغاء ما تقدر فيه الجملة بالمفرد. من ذلك قولهم ما ترى لنا أن أنهرب أم نقيم والتقدير ما ترى لنا الهرب أم الإقامة. وهذا لم أجد من تعرض لذكره. نعم قالوا في باب أم المتصلة أنها تقع بين جملتين في تأويل المفرد نحو قول القرآن سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون.

على أنهم لم ينبهوا على أن الجملة تسبك بمصدر إلا مع الأحرف المصدرية.

الدقيقة الثالثة والعشرون

قد رأيت من الأدباء من ينكر استعمال صار بمعنى حصل وهذا خطأ جلبه نقص العلم فهي تأتي بمعنى حصل ومن تتبع كتب اللغة يرها واردة بهذا المعنى في عدة مواضع من ذلك ما جاء في مادة (وق ع) ونصه وقع في ارض فلاة صار فيها.

الدقيقة الرابعة والعشرون

إن أكثر الأدباء يرون قول العامة بقي فلان بفرد يد خطأ وصوابه بيدٍ واحدةٍ والحال أنه عربي فصيح فقد جاء في أخبار دعبل في كتاب الأغاني فحلف أن لا يبيعها (أي الحلة) أو يعطوه بعضاً ليكون في كفنه فأعطوه فردكم أي كماً واحداً وقد ورد هذا في غير الأغاني من كتب البلغاء.

الدقيقة الخامسة والعشرون

لم أر من نص على أن حيث تقع في مقام التعليل مع أنها وردت للتعليل في كلام البلغاء كالزمخشري والبيضاوي وقال الأول والأمر على عكس ما قدروا حيث هم جند لآلهتهم معدون وقال الثاني وما ضررتم بالكفران إلا أنفسكم حيث حرمتموها مزيد الإنعام وهي في كلام هذين الإمامين بمعنى لأن.

الدقيقة السادسة والعشرون

إذا جاء في لفظ مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى فإن روعي أحدهما في جملة جاز أن يراعى الآخر في أخرى. قال في سورة الحجر وما تسبق أمة أجلها وما يستأخرون وقال غلاق بن مروان وهو من شعراء الحماسة:

فأضحت زهير في السنين التي مضت ... وما بعد لا يعدون إلا الأشائما

الدقيقة السابعة والعشرون

إذا قيل لا أشجع من عمرو ولا أجبن من خالد ولذلك يشبه بهما كل متناهٍ في الشجاعة وكل متناهٍ في الجبن يكون المراد أن كل متناهٍ في الشجاعة يشبه بعمرو وكل متناهٍ في الجبن يشبه بخالد - لا أن كل متناهٍ في الشجاعة يشبه بخالد ولا كل متناهٍ في الجبن يشبه بعمرو خلافاً لما يماري فيه من يدعون التعمق في علم العربية وإنما هم واقفون عند ظواهرها وتعزيزاً لهذا أروي لك ما يبين لك الأمر كالصبح قال البيضاوي في تفسير سورة يوسفوذلك لأن الله عز وجل ركز في الطباع أن لا أحسن من الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان ولذلك يشبه كل متناهٍ في الحسن والقبح بهما اه - يريد أن كل متناه في الحسن يشبه بالملك وكل متناهٍ في القبح يشبه بالشيطان.

بيروت -

سعيد الخوري الشرتوني