مجلة المقتبس/العدد 68/أم الطفيل

مجلة المقتبس/العدد 68/أم الطفيل

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 10 - 1911



ما للديار ترآى وهي أطلال ... هل خف بالقوم عنها اليوم ترحال

كانت بها السمرات الخضر زاهية ... واليوم لا سمر فيها ولا ضال

ما بالها وهي أنقاض مبعثرة ... تغبر فيهن أبكار وآصال

هل هدَّ بنيانها من فوق صاعقة ... أو هدَّ بنيانها من تحت زلزال

بل قد عفتها فلم تترك بها أثراً ... ريح لها من لهيب النار أذيال

شب الحريق بها ليلاً مشيدة ... فما أتى الصبح إلا وهي أطلال

أثارت النار في أطرافها رهجاً ... من الدخان كأن النار أبطال

حتى حكت معركاً خرت بساحته ... صرعى بيوت وأموال وآمال

دار السعادة أمست من تحرقها ... دار الشقاء وقد ضاقت بها الحال

ترنو إلى البحر ترجو نقع غلتها ... لحظ المهجر إذ يبدو له الآل

تنهال كالرمل بالنيران أدرؤها ... حتى تكاد لها الأرواح تنهال

يا ريح مهلاً فلا تذري الرماد بها ... إن الرماد الذي تذرين أموال

قد رحت للحي مذعوراً أيممه ... ولي عن الزمر الباكين تسآل

وفي العراص ديار القوم خاوية ... وفي الشوارع نسوان وأطفال

جلسن والشمس فوق الرأس دانية ... وللغبار بعرض الحي تجوال

ولا خمار فيرددن الغبار به ... ولا يقيهن حر الشمس سربال

حتى وقفت وقلبي كله جزع ... وأدمعي لجج طوراً وأوشال

ما أنس لا أنس أم الطفل قائلة ... وفوق وجنتها للدمع تهطال

إني تجردت عن دنياي حاسرة ... ما لي سوى طفلي الباكي بها مال

أي امرئٍ بعد هذا اليوم ذي جدة ... يعولني حيث لا زوج ولا آل

أودى الحريق بدارٍ كنت أسكنها ... وكنت من بعضها للقوت أكتال

واليوم أصبحت لا دار ولا وزر ... آوي إليه ولا عم ولا خال

إن الحريق خبت نيرانه ومضت ... وما خبت في فؤادي منه وجال

يا رب رحماك إني اليوم عاجزة ... عما دها وبظهري منه أثقال

يا رب قد ضقت ذرعاً في الحياة فما ... أدري حنانيك ربي كيف أحت وعندما قد شجاني من مقالتها ... لفظ يقطعه في البين أعوال

دنوت منها قليلاً وهي باكية ... ومن بكاها بقلبي هاج بلبال

حتى وقفت وإيناساً لوحشتها ... حني رأسي وحني الرأس إجلال

وقلت يا أخت لا تستيئسي جزعاً ... فإنما الدهر إدبار وإقبال

أتجزعين اكتآباً بين أظهرنا ... وكلنا عنك للبأساء حمال

ما لي أراك بعين اليأس باكية ... كأن أمرك عند القوم إهمال

ألست من أمة أيدي الرجال بها ... قد فك عنهن بالدستور أغلال

حتى لقد أصبحوا أبناء واحدة ... في المرزئات وهم في الحكم أشكال

مستعصمين بحبل من أخوتهم ... يسمو بهم للعلى فضل وأفضال

أمسى التعاضد كالحصن الحصين لهم ... إذا تصادم بالأهوال أهوال

فاستبشري اليوم فيما مس من ظمأٍ ... بأن وردك عند القوم سلسال

وان حقل عول في مساكنهم ... وما همو بأداء الحق بخال

تلك التي قد شجتني في مقالتها ... وكم لها في نساء الحي أمثال

فهل يصدق قومي ما ظننت بهم ... حتى تقوم لهم في المجد أفعال

فالمجد يدرك مرماه البعيد فتىً ... رحب الذراعين طلق الكف مفضال

وأكثر البذل حمداً ما يعان به ... من عضهم من نيوب الدهر إقلال

يا قوم هذي سبيل العرف واضحة ... فليمض فيها بكم وخد وأرقال

ومن تك الحال فيها لا تساعده ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال

الأستانة الرصافي