مجلة المقتبس/العدد 82/الجغرافي الإدريسي وصاحب صقلية

مجلة المقتبس/العدد 82/الجغرافي الإدريسي وصاحب صقلية

مجلة المقتبس - العدد 82
الجغرافي الإدريسي وصاحب صقلية
ملاحظات: بتاريخ: 1 - 12 - 1912



من مبحث لأحمد باشا زكي

لما آلت إلى الملك رجار النورمندي مقاليد الأحكام في جزيرة صقلية رأى ما عليه المسلمون من الحضارة والعرفان ومكارم الأخلاق فجعل بطانته منهم وتقرب إليهم رغبة في رفع منا ملكه عَلَى ما جرت سنة الإسلام وقد تولع بعلم الجغرافيا وبحث في ممالكه عن أساطينه في تلك الأيام. فأرشده المسلمون إلى شريف من سلالة الأدارسة الذين تملكوا مراكش وانتهى إليهم الحكم في مالقة راحوزاها بجنوب الأندلس ثم دالت دولتهم وبقي نفر منهم كانوا ملوك العلماء وإن كانوا أضاعوا التاج والصولجان وفقدوا الحكومة والسلطان.

ذلك هو الشريف أبو عبد الله محمد بن محمد عبد الله بن إدريس المعروف باسم الشريف الإدريسي.

فاستقدمه رجار وبالغ في إكرامه والعناية به ليفوز بشيء م علومه وليتعرف بواسطته ماهية بلاده صقلية وأحوالها وبلغ من إكرامه له أنه كان كلما دخل عليه هرع لاستقباله عند الباب ثم أجلسه إلى جانبه عَلَى سرير الملك، حتى إذا ما أتم المحاضرات معه وأفاده بما أراد ثم هم بالخروج، شيعه الملك بنفسه إلى عتبة القصر.

وقد انتهى الأمر بذلك الملك العاقل أنه طلب من صاحبه تأليف كتاب ليعرف به جغرافية بلاده وجغرافية المعمورة بأسرها وصنع له كرة من الفضة تمثل الأرض وما عَلَى سطحها من البلدان ثم صنف له كتابه الذي كنا نسمع به ولا نرى إلا ترجمته الفرنسية الكاملة وبعض شذرات عربية طبعها الإفرنج وهي خاصة ببعض البلاد التي تهمهم مثل كلام الشريف عَلَى الأندلس فقد طبع الإسبان مع ترجمته إلى الإسبانية ومثل كلامه عَلَى إيطاليا وصقلية فقد طبعه اثنان من افاضل علماء الطليان ونقلاه إلى لغتهما أيضاً. ومثل كلامه عَلَى فلسطين فقد طبعه أحد علماء الألمان باللغة العربية لاحتوائه عَلَى البيت المقدس وما يليه من البقاع التي ظهرت فيها النصرانية.

ثم طبع اثنان من أفاضل العلماء الهولانديين قطعة من هذا الكتاب تتضمن ذكر الأندلس وبلاد الغرب ومصر والسودان وعنيا بترجمتها إلى اللفة الفرنسية مع الشروح اللغوية والجغرافية الضافية الشافية.

هذه خلاصة وجيزة عما أعمله (وهو كثير) من هذا الكتاب الفريد الجليل وقد كنا أبناء العرب ولا نزال إلى هذا اليوم لا نعرف سوى ما سبق من القطع التي تفضل الإفرنج بل تصدقوا علينا بطبعها من هذا الكتاب النفيس المكتوب بلغتنا ولفائدتنا. فانعكست الآية وجاءنا النور ضئيلاً من الغرب ومازلنا إذا احتجنا إلى شيء من ثمراته اضطررنا لاقتطافه من الترجمة الفرنسية وفيها ما فيها. وفي حاجتنا وفاقتنا إلى تلك الترجمة من العيب علينا والحط من كرامتنا فضلاً عن عدم إمكان الوقوف عَلَى الحقائق كما هي.

ولم يكن في دار الكتب الخديوية إلا الجزء الأول مكتوباً بخط جميل ومتضمناً للمصورات (الخرط) الجغرافية ولكت فيها تشويها كثيراً وتحريفاً يجعل الفائدة منه قليلة. فلذلك كانت عنايتي كانت منصرفة للحصول عَلَى نسخة كاملة منه حيثما وجهت عزيمتي لجمع نفائس الكتب التي تكون أساساً لإحياء الآداب العربية بديار مصر. وقد وفقني الله لطلبتي وحصلت عَلَى أربع نسخ كاملة منه وهي الآن بدار الكتب الخديوية. ومتى حان الوقت المناسب لطبعها أخرجناها للناس وإظهاراً لمجد العرب وتعريفاً للكاشحين بمآثرهم الخالدة التي لا ينكرها إلا من كان في قلبه مروض ولا يجحدها إلا الجاهل الذي يعميه الغرض.

أما الكتاب فعنوانه (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) ولما كان علماء الإسلام يعرفون الفضل لذويه فقد كادوا يتناسون العنوان ولا يذكرون هذا الكتاب إلا مقرناً في مصنفاتهم باسم (كتاب رجار) إذا كانوا من أهل المشرق وباسم (كتاب اجار) إذا كانوا من المغاربة وذلك تخليداً لذكرى ذلك الملك الفاضل.

ومما يحسن ذكره في هذا المقام أن رجلاً طلب من الإدريسي قبل اشتغاله بتأليف هذا الكتاب أن يصنع كرة تمثل الأرض بما عليها وقدم للشريف كمية وافية من الفضة الخالصة فصنع له الكرة عَلَى ما يشتهي. وقد بقي من هذا المعدن النفيس شيء كثير جداً فتركه الملك له. ورجاه رجار أن يقبله دليلاً عَلَى أنه يعرف فضله.

ولم يكن عَلَى الشريف قاصراً عَلَى الجغرافية والفلك بل كان بارعاً في معرفة الطب وعقاقيره. وقد ألف في هذا الفن كتاباً أصبح الآن معدوماً بالكلية. ولكن من يمعن النظر في مفردات ابن البيطار يعرف قيمة هذا الكتاب. فقد نقل عنه كثيراً في كتابه الباقي بين أيدينا بأصله العربي وبترجمته الفرنسية.

ولا بأس أن نذكر شيئاً من مقدمة نزهة المشتاق في اختراق الآفاق لتعريف القارئ بالثناء المستطاب الذي خلد به الإدريسي ذكرى رجار عَلَى ممر الأدهار والأعصار.

قال الشريف الإدريسي: أفضل ما عني به الناظر، واستعمل فيه الأفكار والخواطر، وما سبق إليه الملك المعظم رجار المعتز بالله، المقتدر بقدرته، ملك صقلية وإيطاليا وانكبردة وقلورية معز أمام رومية الناصر للملة النصرانية. إذ هو خير من ملك الروم بسطاً وقبضاً. وصرف الأمور عَلَى إرادته إبراماً ونقضاً، ودان قي ملته بدين العدل، واشتمل عليهم بكنف التطول والفضل، وقام بأسباب مملكته أحسن قيام، وأجرى سنن دولته عَلَى أفضل نظام وأجمل التئام وافتتح البلاد شرقاً وغرباً. وأذل رقاب الجبابرة من أهل ملته بعداً وقرباً. بما يحويه من جيوش متوفرة العدد والعدد. وأساطيل متكاثفة متناصرة المدد. صدق فيها الخبر الخبر. واستوى في معرفتها السمع والبصر. فأي غرض بعيد لم يصل إليه. ولم يخطر عليه؟ وأي مرام عسير لم يحظ به ولم يتيسر لديه؟ إذ الأقدار جارية بوفق مبتغياته وأرادته. والسعادات خادمة له ومتصرفة عَلَى اختياره في حركاته وسكناته. (واستمر الشريف عَلَى هذا المنوال إلى أن قال):

لما اتسعت أعمال مملكته. . . . . أحب أن يعرف كيفيات بلاده حقيقة ويقتلها يقيناً وخيرة. ويعلم حدودها ومسالكها براً وبحراً. وفي أي إقليم هي. . . . مع معرفة غيرها من البلاد والأقطار. . . . يطلب ما في الكتب المؤلفة في هذا الفن. . . . مثل كتاب العجائب للمسعودي، وكتاب أبي نصر سعيد الجيهاني، وكتاب أبي القاسم عبيد ابن خرداذبة، وكتاب أحمد بن عمر العذري، وكتاب أبي القاسم محمد الحوقلي البغدادي، وكتاب جاناخ ابن خاقان الكيماكي، وكتاب موسى بن قاسمك القردي، وكتاب. . . . اليعقوبي، وكتاب إسحق بن حسن المنجم، وكتاب قدامة البصري، وكتاب بطليموس القالوذي، وكتاب أرسيوس الإنطاكي، فلم يجد ذلك فيها مشروحاً مستوعباً مفصلاً. . . . فأحضر لديه العارفين بهذا الشأن. . . . فلم يجد عندهم أكثر ما في الكتب المذكورة فلما رآهم عَلَى مثل هذه الحال، بعث إلى سائر بلاده فأحضر العارفين بها والمتجولين فيها. . . . .

ثم اشار الإدريسي إلى صنع الكرة الفضية وأنها عظيمة الجرم ضخمة الحجم، في وزن أربعمائة رطل بالرومي، في كل رطل مكنها مائة درهم واثنا عشر درهماً، وقال أنها تضمنت صور الأقاليم ببلادها وأقطارها وسيفها وريفها وخلجانها وبحارها ومجاري مياهها ومواقع أنهارها وعامرها وغامرها. . . والطرقات. . . والأميال. . . والمسافات. . . والمشاهد. . . إلى أن قال أنه طلب تأليف كتاب مطابق لما في أشكالها وصورها غير أنه يزيد عليها بوصف أحوال البلاد والأرضين في خلقها وبقاعها وأماكنها وصورها وبحارها وجبالها وأنهارها ومواتها ومزدرعاتها وغلاتها، وأجناس بنائها وضواحيها والاستعلامات التي تستعمل بها والصناعات التي تتفق فيها والتجارات التي تجلب إليها وتحمل عنها والعجائب الذي تذكر عنها وتنسب إليها، وحيث هي من الأقاليم السبعة مع ذكر أحوال أهلها وهيئاتهم وخلقهم ومذاهبهم وزيهم وملابسهم ولغاتهم وأن يسمي هذا الكتاب بنزهة المشتاق في اختراق الآفاق، وكان ذلك في العشر الأول من ينير الموافق لشهر شوال الكائن في سنة ثمان وأربعون وخمسمائة فامتثل فيه الأمر وارتسم الرسم.

وعندما جاء ذكر جزيرة صقلية قال الإدريسي ما نصه:

إن جزيرة صقلية فريدة الزمان فضلاً ومحاسن ووحيدة البلدان طيباً ومساكن وقديماً دخلها المتجولون من سائر الأقطار والمترددون بين المدن والأمصار وكلهم أجمعوا عَلَى تفضيلها وشرف مقدارها، وأعجبوا بزاهر حسنها ونطقوا بفضائل ما بها وما جمعته من مفترق المحاسن وضمته من خيرات المواطن.

ثم تخلص إلى مدح رجار الأول بن تنقريد ثم عاد إلى مدح رجار الثاني. ثم عاد إلى الكلام عَلَى الجزيرة وقال:

(فأما صقلية لقدم ذكرها فأقدارها خطيرة، وأعمالها كبيرة، وبلدانها كثيرة، ومحاسنها جمة، ومناقبها ضخمة، فإن نحن حاولنا إحصاء فضائلها عدداً وذكرنا أحوالها بلداً بلدا، عز في ذلك المطلب، ضاق فيه المسلك، لكنا نورد منها جملاً يستدل بها ويحصل عَلَى الغرض المقصود منها إن شاء الله تعالى!).