مجلة المقتبس/العدد 83/أوضاع الدولة الفاطمية

مجلة المقتبس/العدد 83/أوضاع الدولة الفاطمية

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 1 - 1913



مقتبسة من الدروس التي يلقيها الشيخ محمد الخضري مدرس

تاريخ الأمم الإسلامية في الجامعة المصري

الصناعة والأسطول

الصناعة هي المكان الذي أعد لإنشاء المركب البحرية وهي بمصر عَلَى قسمين نيلية وحربية فالحربية هي التي تنشأ لغزو العدو وتشحن بالسلاح وآلات الحرب والمقاتلة فتمر من ثغر الإسكندرية وثغر دمياط وتنيس والفرما إلى جهاد الروم والفرنج وهي التي كان يقال لها الأسطول وأما النيلية فإنها تنشأ لتمر في النيل صاعدة إلى أعلى الصعيد ومنحدرة إلى أسفل الأرض لحمل الغلال وغيرها.

ولم يكن غزو في عهد الرسول ولا في عهد الشيخين أبي بكر وعمر وكان عمر يكره الغزو فيه ويراه مخاطرة وكتب إلى عمرو بن العاص وهو عَلَى مصر أن صف لي البحر وراكبه فإن نفسي تنازعني إليه وأنا أشتهي خلافها فكتب إليه يا أمير المؤمنين إني رأيت البحر خلقاً كبيراً يركبه خلق صغير ليس إلا السماء والماء وإن ركد حزن القلوب وإن أزل أزاع العقول يزداد فيه اليقين قلة والشك كثرة هم فيه كدود عَلَى عود إن مال غرق ون نجا برق. فقال عمر: لا والذي بعث محمداً بالحق لا أحمل فيه مسلماً أبداً.

وأول غزو فيه كان في عهد عثمان وأول غاز معاوية بن أبي سفيان أذن له به عثمان عَلَى شرط أن وينتخب الناس ولا يقرع بينهم فمن اختاروا الغزو طائعاً حمله وأعانه وغزا عبد الله بن سعد أمير مصر سنة 34 في وقعة ذات الصواري وكانت له. وكان ذلك سبباً لاهتمام المسلمين بإنشاء المراكب الحربية فبعث عبد الملك بن مروان لما ولي الخلافة إلى عامله عَلَى أفريقية حسان بن النعمان بأمره باتخاذ صناعته بتونس ومنها كانت غزوة صقلية في أيام زيادة الله الأول بن إبراهيم بن الأغلب عَلَى يد شيخ القنيا أسد بن الفرات.

قال ابن خلدون وذكر تعليل امتناع المسلمين ركوب البحر للغزو في أول الأمر والسبب في ذلك أن العرب لبداوتهم لم يكونوا أول الأمر مهرة في ثقافته وركوبه والروم والفرنجة لممارستهم أحواله ومرباعم في التقلب عَلَى أعواده مرنوا عليه وأحكموا الدربة بثقافتهم.

فلما استقر الملك للعرب وشمخ سلطانهم وصارت أمم العجم خولاً لهم وتحت أيديهم وتقرب كل ذي صنعة إليهم بمبلغ صناعته واستخدموا من النواتية في حاجاتهم البحرية أمماً وتكررت ممارستهم للبحر وثقافته واستحدثوا بصراً بها فتاقت أنفسهم إلى الجهاد فيه وأنشئوا السفن والشواني وشحنوا الأساطيل بالرجال والسلاح وأمطوها العساكر والمقاتلة لمن وراء البحر من أمم الكفر واختصوا بذلك من ممالكهم وثغورهم ما كان أقرب إلى هذا البحر وعلى ضفته مثل الشام وأفريقية والمغرب والأندلس.

وأول ما أنشئ الأسطول في مصر في خلافة المتوكل عَلَى الله العباسي عندما نزل الروم عَلَى دمياط سنة 238 فملكوها وقتلوا بها جمعاً كثيراً من المسلمين وسبوا النساء والأطفال ومضوا إلى تنيس فأقاموا بأشتومها فوقع الاهتمام من ذلك الوقت بأمر الأسطول وصار من أهم ما يعمل بمصر وأنشئت الشواني برسم الأسطول وجعلت الأرزاق لغزاة البحر كما هي لغزاة البر وانتدب الأمراء له الرماة فاجتهد الناس بمصر في تعليم أولادهم الرماية وجميع أنواع المحاربة وانتخب له القواد العارفون بمحاربة العدو وكان لا ينزل في رجال الأسطول غشيم ولا جاهل بأمور الحرب هذا وللناس إذ ذاك رغبة في جهاد أعداء الله وإقامة دينه. لا جرم أن كان لخدم الأسطول حرمة ومكانة وكان ولكل أحد من الناس رغبة في أنه من جملتهم فيسعى بالوسائل حتى يستقر فيه.

وكانت الغزوات بين المسلمين والروم سجالاً ينال المسلمون من العدو وينال العدو منهم وياسر بعضهم بعضاً لكثرة هجوم أساطيل المسلمين عَلَى بلاد العدو فإنها كانت تسير من مصر ومن الشام ومن أفريقية فلذلك احتاج الخلفاء العباسيون إلى الفداء ولم يقع فداء في عهد الدولة الأموية وإنما كان ينادى بالنفر بعد النفر في سواحل الشام ومصر والإسكندرية وبلاد ملطية وبقية الثغور الخزرية إلى أن كانت خلافة الرشيد. فوجد أول فداءٍ بين المسلمين والروم سنة 189 وآخر فداء كبير كان سنة 335 في خلافة المطيع فهي عهد الدولة الإخشيدية بمصر والذي شرع فيه هو الإخشيد محمد بن طغج.

وقويت العناية بأمر الأسطول في مصر منذ قدم المعز لدين الله وأنشأ المراكب الحربية واقتدى به بنوه وكان لهم اهتمام بأمور الجهاد واعتناء بالأسطول وواصلوا إنشاء المراكب بمدينة مصر والإسكندرية ودمياط من الشواني الحربية والشلنديات والمسطحات وتسييرها إلى بلاد الساحل مثل صور وعكا وعسقلان وكانت جريدة قواد الأسطول في آخر أمرهم تزيد عَلَى خمسة آلاف مدونة منهم عشرة أعيان يقال لهم القواد وتصل جامكية كل واحد إلى 20 ديناراً ثم إلى 15 ثم إلى عشرة ثم إلى ثمانية ثم إلى دينارين وهي أقلها.

ولهم إقطاعات تعرف بأبواب الغزاة بما فيها من النطرون وكان يعين من القواد العشرة واحد فيصير رئيس الأسطول ويكون معه المقدم والقادس فإذا سار إلى الغزو كان هو الذي يقلع بهم وبه يقتدي الجميع فيرسون بإرسائه ويقلعون بإقلاعه ولا بد أن يقدم عَلَى الأسطول أمير كبير من أعيان أمراء الدولة وأقواهم نفساً ويتولى النفقة في غزاة الأسطول الخليفة بنفسه بحضور الوزير فإذا أراد النفقة فيما تعين من المراكب السائرة (كانت في أيام المعز تزيد عن 600 قطعة وآخر ما صارت إليه في آخر الدولة نحو 80 شونة وعشر مسطحات وعشر حمالة فما تقصر عن مائة قطعة) فيتقدم إلى النقباء بإحضار الرجال فيجتمعون وكانت لهم المشاهرات والجرايات في مدة أيام سفرهم وهم معروفون عند عشرين عريفاً يقال لهم النقباء فإذا اجتمعوا أعلم النقباء المقدم فأعلم بذلك الوزير فطالع الخليفة فيقرر يوماً للنفقة فيحصر الوزير بالاستدعاء من ديوان الإنشاء عَلَى العادة ويجلس الخليفة عَلَى هيئته في مجلسه ويجلس الوزير في مكانه ويحضر صاحباً ديوان الجيش وهما المستوفي والكاتب فيجلس المستوفي من داخل عتبة المجلس وبجانبه من وراء عتبة الباب كاتب الجيش في قاعة الدار وشرط هذا المستوفي أن يكون عدلاً من أعيان الكتاب وأما الكاتب فكان في غالب الأمور يهودياً.

فإذا تهيأ المال أدخل الغزاة مائةً مائة فيقفون في أخريات من هو واقف للخدمة من جانب واحد نقابة نقابة وتكون أسماؤهم قد رتبت في أوراق لاستدعائهم بين يدي الخليفة فيستدعي المستوفي من تلك الوراق المنفق عليهم واحداً واحدا فإذا خرج اسمه عبر من الجانب الذي هو فيه إلى الجانب الآخر فإذا تكملت عشرة وزن الوازنون لهم النفقة لكل واحد خمسة دنانير فيسلمها له النقيب وتكتب باسمه ويده وهكذا إلى الآخر وإذا تم ذلك ركب الوزير بين يدي الخليفة وانفض الجمع.

وإذا تكاملت النفقة وجهزت المراكب وتهيأت للسفر ركب الخليفة والوزير إلى ساحل النيل بالمقس عند منطرة المقس فيجلس فيها الخليفة يرسم وداع الأسطول ولقائه فإذا جلس للوداع جاءت القواد بالمراكب من مصر للحركات بين يديه وهي مزينة بأسلحتها ولبودها وما فيها من المنجنيقات فيرمي بها وتنحدر المراكب وتقلع وتفعل سائر ما تفعله عند لقاء العدو ثم يحضر المقدم والرئيس بين يدي الخليفة فيودعهما ويدعو للجماعة بالنصر والسلامة ويعطي للمقدم مائة دينار وللرئيس عشرين وينحدر الأسطول إلى دمياط ومن هناك يخرج إلى البحر فيكون له ببلاد العدو صيت عظيم ومهابة قوية.

والعادة أنه إذا غنم الأسطول ما عسى أن يغنم لا يتعرض السلطان إلى شيء منه إلا ما كان من الأسرى والسلاح فإنه للسلطان وما عداهما من المال والثياب ونحوهما فإنه لغزاة الأسطول ولا يشاركهم فيه أحد. وإذا قدم الأسطول خرج الخليفة أيضاً لمنظرة المقس وجلس فيها للقائه.

ولم يزل الأسطول عَلَى ذلك إلى أن كانت وزارة شاور ونزل ملك الإفرنج عَلَى بركة الحبش فأمر شاور بتحريق مصر وتحريق مراكب الأسطول فحرقت ونهبها العبيد فيما نهبوا. ولها ذكر يعود في ذكر الدولة الأيوبية وقد كان بمصر صناعات (ترسانات)

(1) وهي أقدم الصناعات صناعة الجزيرة بنيت سنة 54هـ ثم اعتنى أحمد بن طولون بإنشاء المراكب الحربية في هذه الصناعة وأطافها بالجزيرة ولم تزل هذه الصناعة إلى أيام الإخشيد فحول موضعها إلى بستان المختار.

(2) صناعة مصر بناها الإخشيد وكان موضعها يعرف بدار بنت الفتح بن خاقان زوج أحمد بن طولون والسبب في نقل الصناعة أنه رأى أن صناعة يحول بينها وبين صاحبها الماء ليست بشيءٍ فحول الصناعة إلى ساحل مصر سنة 325 وكان إذ ذاك عندها عندها سلم ينزل منه إلى الماء وكانت مراكب الأسطول مع ذلك تنشأ في الجزيرة وفي صناعتها إلى أيام الآمر فلما ولي المأمون بن البطانحي أنكر ذلك وأمر أن يكون إنشاء الشواني والمراكب النيلية الديوانية بصناعة مصر وأنشأ بها منظرة لجلوس الخليفة يوم تقدمه الأسطول ورميه فأقر إنشاء الحربيات والشلنديات بصناعة الجزيرة وكان بهذه الصناعة دهليز ماء بمصاطب مفروشة بالحصر العبدانية بسطاً وتأزيراً وفيها محل ديوان الجهاد وكان يعرف في الدولة الفاطمية أن لا يدخل من باب هذه الصناعة أحد راكباً إلا الخليفة أو الوزير إذ ركبا يوم فتح الخليج عند وفاء النيل ولم تزل هذه الصناعة عامرة إلى ما قبل سنة 700 ثم صارت بستاناً.

(3) صناعة المقس بناها عَلَى قول ابنة أبي طي في تاريخه المعز لدين الله وأنشأ بها ستمائة مركب لم ير مثلها في البحر عَلَى مينا.

وقال المسبحي أن العزيز بالله بن المعز هو الذي بنى دار الصناعة التي بالمقس وعمل المراكب التي لم ير مثلها فيما تقدم كبراً وحسناً وفي سنة 386 وقعت نار في الأسطول وقت صلاة الجمعة فاحترقت خمس عشاريات وأتت عَلَى جميع ما في الأسطول من العدة والسلاح حتى لم يبق منه غير ستة مراكب فارغة لا شيء فيها.

وكان العزيز قد أمر قبل موته بتحديد عمارة الأسطول فأنشئت مراكب بدل المحترقة بغاية السرعة وقد طرحت في البحر بين أيدي الحاكم.

وكان في البهنساوية وسفط يشن والأشمونين والأسيوطية والأخمينية والقوصية أشجار لا تحصى من سنط لها حراس يحمونها حتى يعمل منها مراكب الأسطول فلا يقع منها إلا ما تدعو الحاجة إليك وكان فيها ما تبلغ قيمة العود الواحد منه مائة دينار.

الخراج

لم يكن مقدار ما يجيء من الأراضي المصرية لعهد هذه الدولة متساوي المبلغ في جميع أدوارها بل كان يزيد وينقص حسب الاهتمام بالإصلاح الذي هو أساس كثرة الجباية.

فقد كان الخراج في السنة التي دخل فيها جوهر القائد 3. 400. 000 دينار في عهد الوزير الناصر للدين الحسن بن علي اليازوري وزير المستنصر أراد أن يعرف قدر ارتفاع الدولة وما عليها من النفقات ليقايس بينهما فتقدم إلى أصحاب الدواوين بأن يعمل كل منهم ارتفاع ما يجري في ديوانه وما عليه من النفقات فعمل ذلك وسلمه إلى متولي ديوان المجلس وهو زمام الدواوين فتنظم عليه عملاً جامعاً وأحضره إياه فرأى ارتفاع مصر 1. 000. 000 دينار يقف منها عن معلول ومنكسر عَلَى موتى وهراب ومفقودين 200. 000 دينار ويبقى منها 800. 000 دينار يصرف منها:

300. 000 دينار للرجال عدا واجباتهم وكساويهم.

100. 000 دينار ثمن غلة للقصور.

200. 000 دينار نفقات القصور.

100. 000 دينار عمائر وما يقام للضيوف الواصلين من الملوك وغيرهم.

700. 000 الجملة.

100. 000 بأن يحمل كل سنة إلى بيت المال المصون.

فحظي بذلك عند سلطانه وخف عَلَى قلبه وهذا هو ديوان الخاص وبعد موت اليازوري انتهى ارتفاع الأرض السفلى إلى ما لا نسبة له من ارتفاعها الأول وكانت قبل الفتن 600. 000 دينار فاتضع الارتفاع وعظمت الواجبات.

ولما صلحت البلاد في عهد أمير الجيش وولده الأفضل أمر الأفضل بعمل تقدير ارتفاع مصر فجاء خمسة ملايين دينار وكان متحصل الأمراء مليون أردب.

وفي وزارة المأمون بن فاتك البطانحي سنة 501 وهو وزير الآمر رأى من اختلال أحوال الرجال العسكرية والموظفين تضررهم من كون إقطاعاتهم قد خس ارتفاعها وإن في كل ناحية الفواضل للديوان جملة تجبى بالعسف وتتردد الرسل من الديوان الشريف بسببها فخاطب الأفضل بن أمير الجيوش في أن يحل الإقطاعات ويروكها وعرفه في أن المصلحة في ذلك تعود عَلَى المقطعين والديوان لأن الديوان يتحصل له من هذه الفواضل جملة يحصل بها بلاد متورة فأجاب إلى ذلك وحل جميع الإقطاعات وراكها وأخذ كل من الأقوياء والمميزين يتضررون ويذكرون أن لهم بساتيناً وأملاكاً ومعاصر ونواحيهم فقال له من كان له ملك فهو باق عليه لا يدخل في الإقطاع وهو محكم إن شاء الله باعه وإن شاء الله آجره فلما حللت الإقطاعات أمر الضعفاء من الأجناد أن يتزايدوا فيها.

فوقعت الزيادة في إقطاعات الأقوياء إلى أن انتهت إلى مبلغ معلوم وكتبت السجلات بأنها باقية بأيديهم إلى مدة 30 سنة لا يقبل عليهم فيها زيادة وأحضر الأقوياء وقال لهم: ما تكرهون من الإقطاعات التي كانت بيد الأجناد قالوا: كثرة عبرتها وقلة متحصلها وخرابها وقلة الساكن بها فقال لهم: ابذلوا في كل ناحية ما تحمله وتقوي رغبتكم فيه ولا تنظروا في العبرة الأولى فعند ذلك طابت نفوسهم وتزايدوا فيها إلى أن بلغت الحد الذي رغب كل منهم فيه فاقطعوا وكتب لهم السجلات عَلَى الحكم المتقدم فشملت المصلحة الفريقين وطابت نفوسهم وحصل للديوان بلاد متورة بما كان مفرقاً في الإقطاعات بما مبلغه 5000 دينار.

وفي سنة 515 في عهد المأمون صدر سجل يتضمن المسامحة بالبواقي إلى سنة 510 ويبلغ ما نتهت إليه هذه المسامحة إلى حين ختم السجل.

20720. 767 دينار.

67. 005 ورق.

3. 810. 239 أردب غلة.

وغير ذلك كثير من الأصناف التي كانت تقبل بها الأرض وقد ذكرت متصلة في هذا السجل.

ولما انتهى إلى المأمون ما يعتمد في الدواوين من قبول الزيادات وفسخ عقود الضمانات وانتزاعها ممن كابد فيها المشقة والتعب وتسليمها إلى باذل الزيادة من غير كلفة ولا نصب أنكر ذلك ومنع من ارتكابه وخرج أمره بإعفاء الكافة أجمعين والضمناء والعاملين من قبول الزيادة فيما يتصرفون فيه ويستولون عليه ما داموا مغلقين وبأقساطهم قائمين وتضمن ذلك منشور قرئ في الجامعين الأزهر بالقاهرة والعتيق بمصر وديواني المجلس والخاص الأميرين السعيدين الخ.

الخراج

أصدر المأمون بن فاتك البطائحي وزير الخليفة الآمر بالله منشوراً بمساحة الأرض بعد أن تجاوز للزراع عن الديون التي عليها للحكومة. وبعد أنة مسح الأرض وصل إليه مكاتبة من الوالي والمشارف ومن كان في صحبته لكشف الأراضي والسواقي ومساحتها متضمنة ما أظهر الكشف وأوضحته عَلَى من بيده السواقي وهم عدة كثيرة ومن جملتها ساقية مساحتها 360 فداناً تشتمل عَلَى النخل والكروم وقصب السكر وخراجها في السنة عشرة دنانير وما يجري الأعمال هذا المجرى وأنهم وضعوا يد الديوان عَلَى جميعها وطلبوا من أرباب السواقي ما يدل عَلَى ما بين أيديهم تذكروا أنها انتقلت إليهم ولم يظهروا ما يدل عليها وقد صيروا ملاكها إلى الباب تحت الحوطة ليخرج الأمر بما يعتمد عليه في أرهم وعند وصولهم وقع الترسيم عليهم إلى أن يقوموا بما يجب من الخراج عن هذه السواقي فإن هذه الأملاك برمتها لا تقوم بما يجب عليها فوقف المذكورون للمأمون يوم جلوسهم للمظالم فأمر بحضورهم بين يديه وتقدم إلى القاضي جلال الملك أبي الحجاج يوسف بن أيوب المغربي هو يومئذ قاضي القضاة لمحاكمتهم فجرى معهم مع مفاوضة أوجبت الحق عليهم وألزمتهم بالقيام ما يستغرق أموالهم وأملاكهم فحصل من تضررهم ما أوجبت العاطفة عليهم وأخذهم بالخراج من بعد وأن يضرب صفحاً عما تقدم. وكتب بذلك المنشور يصح أن يسمى مبدأ إصلاح عظيم. وقد أباح فيه لكل من يرغب في عمارة أرض حلفاء دائرة ودائرة بئر مهجورة معطلة أن يسلك ذلك إليه، ويقاس عليه ولا يؤخذ منه خراج إلا في السنة الرابعة من تسلميه إياه.

وكان ذلك المنشور سبباً لحصول الاجتهاد في تحصيل مال الديوان وعمارة البلاد وترقية الفلاحين.

وفي المنهاج في أحكام الخراج أن ارتفاع البلاد المصرية والفلسطينية والطرابلسية سنة 483 الهلالية الموافقة لسنة 480 الخراجية كان 3. 100. 000 دينار عيناً وأن الذي كان يؤدي في سنة 466 الهلالية الموافقة 466 الخراجية قبل عهد بدر أمير الجيوش كان مبلغه 20800. 000 دينار وكان الزائد للسنة الجيوشية عما قبلها 300. 000 دينار أعرب عن حسن العمارة وشمول العدل.

وجبى القاضي الموفق أبو الكرم بن معصوم التنيسي عيناً خالصاً إلى بيت المال بعد المؤن والكلف 1. 200. 000 دينار ثم بعده لم يجبها أحد هذه الجباية حتى انقرضت الدولة الفاطمية.

وفي أواخر الدولة أعيدت الأموال الهلالية التي كان ابن طولون أسقطها وطارت تعرف بالمكوس وكانت نحو مئة ألف دينار وهي التي أبطلها صلاح الدين.

ومما يبين اهتمام الأفضل بن الجمالي بعمارة البلاد أن أبا البركات بن أبي الليث رئيس ديوان المجلس رغب أن يتبحبح عَلَى الأفضل بكثرة ما توفر عنده من الأموال وسأله أن يشاهده قبل حمله وذكرانه 700. 000 ديناراً خارجاً عن نفقات الرجال فجعلت الدنانير في صناديق بجانب وجعلت الدراهم في صناديق بجانب آخر وقام ابن أبي الليث بين الصفين فلما شاهد الأفضل ذلك قال لابن أبي الليث يا شيخ تفرحني بالمال وتربة أمير الجيوش إن بلغني أن بئراً معطلة أو أرضاً بائرة أو بلداً خراب لأضربن عنقك فقال: وحق نمتك لقد حاشى لله أيامك أن يون بها بلد حراب أو بئر معطلة أو أرض بور فأبى أن يكشف عما ذكر.

دواوين المال

كان في الدولة الفاطمية جملة دواوين لبيان ما يرد عَلَى الدولة من المال وما ينصرف وكان بها نظام يسيرها عَلَى السداد فأولها ديوان المجلس (الخاص).

وصاحبه هو المتحدث في الإقطاعات ويخلع عليه ينشأُ له السجل والمرتبة والسند والدواة والحاجب ومعه جملة كتّاب وفيه يحصر ما يخرج من الأنعام في العطايا والرسوم المعتادة في غرة السنة والضحايا والمرتب من الكسوات للأولاد والأقارب والجهات وأرباب المراتب عَلَى اختلاف الطبقات وما يرد من ملوك الدنيا من التحف والهدايا وما يرسل إليهم من الملاطفات ومقادير الصلات للمترسلين بالمكاتبات ثم يضبط ما ينفق في الدلة من المهمات ليعلم ما بين كل سنة من التفاوت وهذا بيان:

دينار

3000 الصرة المنعم بها في أول العام

2000 ثمن الضحايا

7000 ما ينفق في دار الفطرة فيما يفرق عَلَى الناس

10000 ما ينفق في دار الطراز للاستعمالات الخاص وغيرها

2000 ما ينفق في مهم فتح الخليج غير المطاعم

3000 ما ينفق في سماط شهر رمضان

4000 ما ينفق في سماط الفطر والنحر

31000 المجموع

وهذا خارج عما يطلق للناس أصنافاً من خزائنه من المآكل والمشارب والمواصلة من الهبات وما تخرج به الخطوط من التشريفات والمسامحات وما يطلق من الأهراء من الغلات.

وفي هذه الخدمة كاتب مستقل بين يدي صاحب ديوانه صلي ومعه كاتبان آخران لتنز يل ذلك في الدفتر.

ديوان الرواتب

يشتمل هذا الديوان عَلَى أسماء كل مرتزق وجار وجارية وفيه كاتب أصيل لطراحة وفيه من المبيضين والمعينين نحو عشرة أنفس والتعريفات واردة عليه من كل عمل باستمرار من هو مستمر ومباشرة من استجد وموت من مات ليوجب استحقاقه عَلَى النظام المستقيم وفي هذا الديوان عدة عروض.

الأول: يشتمل عَلَى راتب الوزير وهو في الشهر 5000 دينار ومن يليه من ولد وأخ من 300 دينار إلى 200 دينار ولم يقرر لولد الوزير 500 دينار سوى شجاع بن شاور ثم حواشيهم عَلَى مقتضي عدتهم من 500 إلى 400 إلى 200 خارجاً عن الإقطاعات.

الثاني: حواشي الخليفة وأولهم الأساتذة المحنكون عَلَى رتبهم وجواري خدمهم التي لا يباشرها سواهم فزمام القصر وصاحب بيت المال وحامل الرسالة وصاحب الدفتر ومشاد التاج وزمام الأشراف والأقارب وصاحب المجلس لكل واحد منهم 100 دينار ومن دونهم ينقص عشرة دنانير حتى يكون آخرهم من له في الشهر عشرة دنانير وتزيد عدهم عَلَى ألف نفس ولطبيبي الخاص لكل واحد خمسون ديناراً ولمن دونهما من الأطباء برسم المقيمين في القصر لكل واحد عشرة دنانير.

الثالث: يتضمن أرباب الرتب بحضرة الخليفة فأوله كان الدست الشريف وجاريه 150 ديناراً ثم حامل السيف وحامل الرمح لكل منهما 70 ديناراً وبقية الأزمة عَلَى العساكر السودان من 50 إلى 90 إلى 30 ديناراً.

الرابع: يشتمل عَلَى المستقر لقاضي القضاة ومن يليه لقاضي القضاة 100 دينار ومثله داعي الدعاة ولكل من قرأ الحضرة عشرون ديناراً إلى 15 إلى عشرة ولخطباء الجوامع من عشرين ديناراً إلى عشرة وللشعراء من عشرين ديناراً إلى عشرة.

الخامس: يشتمل عَلَى أرباب الدواوين ومن يجري مجراهم وأولهم من يتولى ديوان النظر وجاريه 70 ديناراً وديوان التحقيق وجاريه 50 ديناراً وديوان المجلس أربعون وصاحب دفتر الحبس 70 ديناراً وكاتبه خمسة دنانير وديوان الجيش وجاريه 40 ديناراً والموقع بالقلم الجليل 30 ولجميع أصحاب الدواوين الجاري فيها المعاملات لكل واحد عشرون ديناراً ولكل معين من عشرة دنانير إلى سبعة إلى خمسة.

السادس: يشتمل عَلَى المستخدمين بمصر والقاهرة لكل واحد منهم في الشهر خمسون ديناراً والحماة بالأهراءِ والمناخات والجوالي والبساتين والأملاك وغيرها لكل منهم عشرين ديناراً إلى 15 إلى 10 إلى خمسة دنانير.

السابع: الفراشون بالقصور برسم خدمتها وتنظيفها خارجاً وداخلاً ونصب الستائر المحتاج إليها وخدمة المناظر الخارجة عن القصر فمنهم خاص برسم خدمة الخليفة وعدتهم 15 رجلاً منهم صاحب المائدة وحامي المطابخ من 30 ديناراً إلى ما حولها وله رسوم متميزون ويقربون من الخليفة في الأبسطة التي يجلس عليها ويليهم الرشاشون داخل القصر وخارجه ولهم عرفاء ويتولى أمره أستاذ من خواص الخليفة وعدتهم نحو 300 رجل وجاريهم من 10 إلى خمسة دنانير ومقدموهم أصحاب ركاب الخليفة وعدتهم اثنا عشرة مقدماً منهم مقدم المقدمين وهو صاحب الركاب اليمين ولكل هؤلاء المتقدمين في كل شهر 50 ديناراً ولهم نقباء من جهة المذكورين يعرفونهم وهم مقررون جوقاً عَلَى قدر جواريهم. جوقة لكل منهم خمسة عشر ديناراً وجوقة لكل منهم عشرة دنانير وجوقاً لكل منهم خمسة دنانير ومنهم من ينتدب في الخدم السلطانية ويكون لهم نصيب في الأعمال التي يدخلونها وهم الذين يحملون الملحقات لركوب الخليفة في المواسم وغيرها.

وأول من قرر العطاء لغلمانه وخدمه وأولادهم الذكور والإناث ولنسائهم وقرر لهم أيضاً الكسوة العزيز بالله. هذه كانت العروض أو بعبارة أخرى فصول الميزانية.

الميزانية

إذا انقضى عيد النحر من كل سنة تقدم بعمل الإستيمار لتلك السنة تمام ذي الحجة منها فيجتمع كتاب ديوان الرواتب عند متوليه وتحمل العروض إليه فإذا تحررت نسخة التحرير بيضت بعد أن يستدعي من المجلس أوراق بالإدرار الذي يقبض بغير خرج وفي الإدرار ما هو مستقر بالوجهين فيضاف هذا المبلغ بجهاته إلى المبالغ المعلومة بديوان الرواتب وجبهاتها حتى لا يفوت من الإستيمار شيء من كل ما تقرر شرحه ويعلم مقداره عيناً وورقاً وغلة وغير ذلك فيكتب ذلك مكله بأسماء المرتزقين وأولهم الوزير ومن يلوذه به وعلى ذلك إلى أن ينتهي الجميع إلى أرباب الصر فإذا أكمل استدعي له من خزائن الفرش وطاء حرير يشده وشرابة لإمساكه إما خضراء أو حمراء. ويعمل له صدر من الكلام اللائق بما عده فإذا فرغ من ذلك حمل إلى صاحب ديوان النظر إن كان. وإلا فلصاحب ديوان المجلس ليعرضه عَلَى الخليفة إن كان مستبداً أو الوزير لاستقبال المحرم من السنة الآتية في أوقات معلومة فيتأخر في العرض وربما يستوعب المحرم ليحيط العلم بما فيه فإذا كمل العرض أخرج إلى الديوان. وقد شطب عَلَى بعضه وكان ينتقص قوم للاستكثار يزاد قوم للاستحقاق ويصرف قوم ويستخدم آخرون عَلَى ما كانت تقتضيه الآراء في ذلك الوقت ثم يسلم لرب هذا الديوان وعلامة الإطلاق خروجه من العرض.

وقيل أنه عمل مرة في أيام المستنصر فلما استؤذن عَلَى عرضه قال هل وقع أحد بما فيه فقيل له معاذ الله يا مولانا ما تم إنعام إلا لك. ولا رزق من الله إلا عَلَى يديك فقال ما ينتقض به أمرنا. ولاحظنا ما صرفناه في دولتنا بإذننا. وتقدم إلى كاتب الإنشاء بإمضائه للناس من غير عرض. ووقع عن الخليفة بظاهره. الفقر مر المذاق، والحاجة تدل الأعناق، وحراسة النعم بإدرار الأرزاق، فليجروا عَلَى رسومهم في الإطلاق، ما عندكم ينفذ وما عند الله باق.

ووقع عَلَى خلافة الحافظ عَلَى استيمارة الرواتب ما نصه: أمير المؤمنين لا يستكثر في ذات الله كثير لإعطاء ولا يكرره بالتأخير له والتسويف والإبطاء ولما انتهى إليه ما أرباب الرواتب عليه من القلق للامتناع عن إيجاباتهم وحمل خروجاتهم قد ضعفت قلوبهم وقلقت نفوسهم وساءت ظنونهم شملهم برحمته ورأفته وأمنهم مما كانوا وجلين من مخافته وجعل التوقيع بذلك بخط يده تأكيداً للأنعام والمن. وتهنئة بصدقة لا تتبع بالأذى والمن. فليعتمد في ديوان الجيوش المنصورة إجراء ما تضمن هذه الأوراق ذكرهم عَلَى ما ألفوه وعهدوه من رواتبهم وإيجاباتها عَلَى سياقها لكافتهم. من غير تأويل ولا تعنت ولا استدراك ولا تعقب ويجروا في مسبباتهم عَلَى عاداتهم لا ينحل من أمورهم ما كان مبرماً. ولا ينسخ من أمرهم ما كان محكماً. كرماً من أمير المؤمنين وفعلاً مبروراً وعملاً بما أخبر به عز وجل في قوله تعالى إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا ولينسخ في جميع الدواوين في الحضرة إن شاء الله تعالى اهـ.

قال المقريزي نقلاً عن كنز الدرر في سنة 46هـ عرض عَلَى الحاكم بأمر الله الإستيمار باسم المتفقهين والقراء والمؤذنين بالقاهرة. ومصر (الفسطاط) وكانت الجملة كل سنة 71. 333 ديناراً وثلث أو ربع دينار فأمضي جميع ذلك.

ديوان التحقيق هو ديوان مقتضاه المقابلة عَلَى الدواوين وكان لا يتولاه إلا كاتب خبير وله الخلع والمرتبة والحاجب ويلحق برأس الديوان وهو متولي النظر ويفتقر إليه في أكثر الأوقات.

ديوان النظر

هو أجل دواوين الأموال وصاحبه يتولى النظر عَلَى العمال والعزل والولاية ومن يده عرض الأوراق في أوقات معلومة عَلَى الخليفة أو الوزير ولم يرى فيه نصراني إلا الأحزم ولم يتوصل إليه إلا بالضمان.

ولصاحب هذا الديوان الجلوس بالمرتبة والمسند وبين يديه حاجب من أمراء الدولة وتخرج له الدواة بغير كرسي وهو يندب المترسلين لطلب الحساب والحث عَلَى طلب الأموال ومطالبة أرباب الدولة ولا يعترض فيما يقصد من أحد من أرباب الدولة.

وكانت دواوين المال بدارة الإمارة بجوار مسجد ابن طولون إلى أن بنى الوزير يعقوب بن يوسف دار الوزارة الكبرى فنقلت إليه الدواوين وبعد موته نقلت إلى القصر ولم تزل به حتى استبد الأفضل أمير الجيوش وعمر دار الملك بمصر فنقل إليها الدواوين فلما قتل عادت إلى القصر ولم تزل به حتى انتهت الدولة الفاطمية.

ديوان الإنشاء

لما كانت مصر دار إمارة كان بها ديوان البريد ويقال لمتوليه صاحب البريد وإليه مرجع ما ورد من دار الخلافة عَلَى أيدي أصحاب البريد من الكتب وهو الذي يطالع بأخبار مصر وكان للأمراء كتاب ينشئون عنهم الكتب والرسائل إلى الخليفة وغيره فلما صارت مصر دار خلافة كان القائد جوهر يوقع عَلَى قصص المرافعين إلى أن قدم المعز لدين الله فوقع بنفسه وجعل أمر الأموال وما يتعلق بها إلى يعقوب بن كلس وعسلوج بن الحسن فوليا أموال الدولة ثم فوض العزيز بالله أمر الوزارة ليعقوب فاستبد بجميع أحوال المملكة وجرى مجرى جعفر بن يحيى البرمكي مع الرشيد وكان يوقع ومع ذلك ففي أمراءِ الدولة من يلي البريد وجعل الأمر فيما بعد عَلَى أن الوزراء يوقعون وقد يوقع الخليفة بيده فلما كانت أيام المستنصر بالله وصرف ابا جعفر محمد بن جعفر المغربي عن وزارته أفرد له ديوان الإنشاء فوليه مدة طويلة وأدرك أيام أمير الجيوش بدر الجمالي. وصار يلي ديوان الإنشاء بعده الأكابر إلى أن انقرضت الدولة الفاطمية وهو بيد القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني الذي صار صاحب ديوان الإنشاء في الدولة الصلاحية.

قال المقريزي وكان لا يتولى ديوان الإنشاء إلا أجل كتاب البلاغة ويخاطب بالشيخ الأجل ويقال له كاتب الدست الشريف ويسلم المكاتبات الواردة مختومة فيعرضها عَلَى الخليفة من بعده وهو الذي يأمر بتنزيلها والإجابة عنها الكاتب وللخليفة يستشيره في أكثر أموره ولا يحجب عنه من قصد المثول بين يديه وهذا أمر لا يصل إليه غيره وربما بات عند الخليفة ليالي. وكان جاريه 120 دينار في الشهر وهو أول أرباب الإقطاعات وأرباب الكسوة والرسوم والملاطفات ولا سبيل أن يدخل إلى ديوانه بالقصر ولا يجتمع بكتابه أحد إلا الخواص وله حاجب من الأمراء والشيوخ وفراشون وله م رتبة هائلة والمخاد والمسند والدواة ولكنها بغير كرسي وهي من أخص الدوي ويحملها أستاذ من أستاذي الخليفة.

وكان للخليفة كاتب التوقيع بالقلم الدقيق وهو كاتب يذاكر الخليفة فيما يحتاج إليه من كتاب الله وتجويد الخط وأخبار الأنبياء والخلفاء فهو يجتمع به في أكثر الأيام. ومعه أستاذ من المحنكين مؤهل لذلك ولهذا الكاتب رتبة عظيمة تلحق برتبة كاتب الدست.

ويكون صحبته للجلوس دواة محلاة فإذا فرغ من المجالسة ألقى في الدواة كاغداً فيه عشرة دنانير وقرطاسً فيه ثلاثة مثاقيل من مثلث خاص ليتبخر به عند دخوله عَلَى الخليفة ثاني مرة. وله منصب التوقيع بالقلم الدقيق وله طراحة ومسند وفراش بقد ألبه ما يوقع عليه. وله موضع من حقوق ديوان المكاتبات لا يدخل إليه أحد إلا بإذن وهو يلي صاحب ديوان المكاتبات في الرسوم والكساوي وغيرها.

أما التوقيع باسم الجليل فهي أيضاً رتبة جليلة ويقال لها الخدمة الصغرى ولها طراحة والمسندان بغير فراش لترتيب ما يوقع عليه.

النظر في المظالم

كانت الدولة إذا خلت من وزير صاحب سيف جلس صاحب الباب في باب الذهب بالقصر وبين يديه النقباء والحجاب فينادي المنادي بين يديه يا أرباب الظلامات فيحضرون فمن كانت ظلامته مشافهة أرسلت إلى الولاة والقضاة رسالة يكشفها من تظلم ممن ليس من أهل البلدين (مصر والقاهرة) أحضر قصة بأمره فيتسلمها الحاجب منه فإذا جمعها أحضرها إلى الموقع بالقلم الدقيق فيوقع عليها ثم تحمل إلى الموقع بالقلم الجليل فيقف عَلَى باب القصر ويسلم كل توقيع لصاحبه. فإن كان الوزير صاحب سيف جلس للمظالم بنفسه وقبالته قاضي القضاة ومكن جانبيه شاهدان معتبران ومن جانب الوزير الموقع بالقلم الدقيق ويليه صواحب ديوان المال وبين يديه صاحب المال واسفسلار العساكر وبين أيديهما النواب والحجاب عَلَى طبقاتهم ويكون الجلوس بالقصر في مجلس المظالم في يومين من الأسبوع وكان الخليفة إذا رفعت إليه القصة وقع عليها (يعتمد ذلك إن شاء الله) ويوقع في الجانب الأيمن منها (وقع بذلك) فتخرج إلى صاحب ديوان المجلس فيوقع مكان جليلاً فيعلم عليها الخليفة وثبت وكانت علامتهم أبداً والحمد لله رب العالمين وكان الخليفة يوقع في المسامحة والتسويغ والتحبيس (قد أنعمنا بذلك) و (قد أمضينا بذلك) وكان إذا أراد أن يعلم ذلك الشيء الذي أنهي وقع (ليخرج الحال في ذلك) فإذا أحضر إليه إخراج الحال علم عليه فإذا كان حينئذ وزير وقع الخليفة بخطه (وزيرنا السيد الأجل وذكر نعمته المعروف به أمتعنا الله ببقائه يتقدم بنجاز ذلك إن شاء الله تعالى) وثبت في الدواوين خط الخليفة (يتمثل أمير مولانا صلوات الله عليه) ويثبت في الدواوين.

وكان بالقصر الكبير موضع يقال له السقيفة يقف عنده المتظلمون وكانت عادة الخليفة أن يجلس هناك كل ليلة لمن يأتيه من المتظلمين فإذا ظلم أحد وقف تحت السقيفة ونادى بصوت عال (لا إليه إلا الله محمد رسول الله) عليه علي ولي الله فيسمعه الخليفة فيأمر بإحضاره إليه أو يفوض أمره إلى الوزير أو القاضي أو الوالي.

ومن غريب ما وقع من المظالم في أيام الحافظ لدين الله أنه خرج من انتدب بعد انحطاط النيل من العدول والكتاب إلى الأعمال لتحرير ما شمله من الري وزرع من الأراضي وكتابة المكلفات فخرج إلى بعض النواحي من يمسحها من شاد وناظر وعدول وتأخر الكاتب ثم لحقهم وأراد التعدية فنفر فيه الكاتب وسبه وقال أنا ماسح هذه البلدة ومني حق التعدية فقال له الضامن إن كان زرع فخذه وقلع لجام بغلة الكاتب وألقاه في معدتيه فلم يجد بداً في دفع الجرة إليه حتى أخذ لجام بغلته فلما تمم مساحة البلد وبيض مكلفة تلك المساحة ليحملها إلى دواوين الباب وكانت عادتهم كتب الجملة بزيادة عشرين فداناً وترك بياضاً في بعض الأوراق وقابل العدول عَلَى المكلفة وأخذ الخطوط عليها بالصحة ثم كتب بالبياض الذي تركه - أرض اللجام باسم ضامن المعدية عشرين فداناً قطعية - كل فدان أربعة دنانير عن ذلك ثمانون ديناراً وحمل المكلفة إلى ديوان الأصل وكانت العادة إذا مضى من السنة الخراجية أربعة أشهر ندب من الجند فيه حماسة وشدة ومن الكتابة العدول كاتب (نصراني) فيخرجون إلى سائر الأعمال لاستخراج ثلث الخراج عَلَى ما تشهد به المكلفات المذكورة فينفق في الأجناد وكل من العادة أن يخرج إلى كل ناحية ممن ذكر من لم يكن خرج وقت المساحة بل ينتدب قوم سواهم.

فلما خرج الشاد والكاتب والعدول لاستخراج ثلث مالية الناحية استدعوا أرباب الزرع ومنهم ضامن المعدية فلما أحضر ألزم بأداء 2/ 3 26 دينار عن نظير ثلث المال الثمانين ديناراً عن خراج أرض اللجام فأنكر الضامن أن تكون له زراعية بالناحية وصدقه هل البلد فلم يقبل الشاد ذلك وكان عسوفاً وأمر به فضرب بالمقارع واحتج بخط العدول عَلَى النمطكلفة ومازال به حتى باع معديته وغيرها وأورد ثلث المال الثابت في المكلفة وسار إلى القاهرة فوقف تحت السقيفة وأعلن بما تقدم ذكره فأمر الخليفة الحافظ بإحضاره فلما مثل بحضرته قص عليه ظلامته مشافهة وقص له ما اتفق منه في حق الكاتب النصراني وما كاده به فاحضر المتحدث في الدواوين وهو الموفق ابن الخلال وجميعه أرباب الدواوين وأحضر المكلفات التي عملت للناحية في عدة سنين ماضية وتصفحت بين يديه سنة فلم يوجد لأرض اللحام ذكر البتة فحينئذ أنمر الحافظ بإحضار ذلك الكاتب وأمر بأن يطاف به وأن يشهر في سائر الأعمال.

الحسبة والعيار

نقل المقريزي عن ابن طوير - وأما الحسبة فإن من تستند إليه لا يكون إلا من وجوه المسلمين وأعيان المعدلين لأنها خدمة دينية وله استخدام النواب عنه بالقاهرة ومصر وجميع أعمال الدولة كنواب الحاكم وله الجلوس بجامعي القاهرة ومصر يوماً بعد يوم ويطوف نوابه عَلَى أرباب الحرف والمعايش ويأمر نوابه بالختم عل قدور الهراسين ونظر لحمهم ومعرفة من جزارهم وكذلك الطباخون ويتتبعون الطرقات ويمنعون من المضايقة فيها ويلزمون رؤساء المراكب أن لا يحملوا أكثر من وسق السلامة وكذلك مع الحمالين عَلَى البهائم ويلزمون السائقين بتغطية الروايا بالأكسية ولهم عيار وهو 24 دلواً وكل دلو أربعون رطلاً وأن يلبسوا السراويلات القصيرة الضابطة لعورتهم وهي رزق وينذرون معلمي الكتاتيب بأن لا يضربوا الصبيان ضرباً مبرحاً ولا في مقتل وكذلك معلمو العلوم بتحذيرهم من التغرير بأولاد الناس ويقفون من يكون سيء المعاملة فينهونه بالردع والأدب وينظرون المكاييل والموازين وللمحتسب النظر في صاحب العيار ويخلع عليه ويقرأ سجله بمصر والقاهرة عَلَى المنبر ولا يحال بينه وبين مصلحة إذا رآها والولاة تشد معه إذا احتاج إلى ذلك وجاريه 30 ديناراً في كل شهر.

وكان للعيار مكان يعرف بدار العيار تعير فيه الموازين بأسرها وجميع الصنج وكان ينفق عَلَى هذه الدار من الديوان السلطاني فيما تحتاج إليه من الأصناف كالنحاس والحديد والخشب وغير ذلك من الآلات وأجر الصناع والمشارفين ونحوهم ويحتضر المحتسب أو نائبه إلى هذه الدار ليعير المعمول فيها بحضوره فإن صح ذلك أمضاه وإلا أمر بإعادة همله حتى صح وكان بهذه الدار أمثلة يصحح بها العيار فلا تباع الصنج والموازين والأكيال إلا بهذه الدار ويحضر جميع الباعة إلى هذه الدار باستدعاء المحتسب لهم ومعهم موازينهم وصنجهم ومكاييلهم فتعير في كل قليل فإن وجد فيها الناقص استملك واخذ من صاحبه بهذه الدار وألزم بشراء نظيره مما هو محرر بهذه الدار ثم سومح الناس وصار يلزم من يظهر في ميزانه أو صنجه خلل بإصلاح ما فيها من فساد والقيام بأجرته.

قاضي القضاة

لم يتسم قاضي مصر بقاضي القضاة إلا في عهد الدولة الفاطمية تشبهوا في ذلك ببغداد.

وكان الخليفة هو الذي يعين القاضي إلا إذا كان هناك وزير رب السيف فإنه هو الذي يقلد القضاة نيابة عنه.

وتكون رتبة القاضي أجل رتب أرباب العمائم وأرباب الأقلام ويكون في بعض الأوقات داعياً فيقال له حينئذ قاضي القضاة وداعي الدعاة ولا يخرج شيء من الأمور لدينية عنه ويجلس السبت والثلاثاء بزيادة جامع عمرو بن العاص عَلَى طراحة ومسند حرير ويجلس الشهود حواليه يمنةً ويسرة بحسب تاريخ عدالتهم وبين يديه خمسة من الحجاب اثنان بين يديه واثنان عَلَى باب المقصورة وواحد ينفذ الخصوم إليه.

وله أربعة من الموقعين بين يديه اثنان يقابلان اثنين وله كرسي الدواة وهي دواة محلاة بالفضة تحمل إليه من خزائن القصور.

ويقدم إليه من القصور بغلة شهباء وهو مخصوص بهذا اللون من البغال دون أرباب الدولة وعليها من خزانة السروج سرج محلى ثقيل وراءه فترفضه ومكان الجلد حرير وتأتيه في المواسم الأطواق ويخلع عليه الخلع المذهبة.

ولا يتقدم عَلَى القاضي أحد في محضر هو حاضره من أرب سيف أو قم أو لا يحضر أملاكاً ولا جنازة إلا بإذن ولا سبيل إلى قيامه لأحد وهو في مجلس الحكم ولا يعدل شاهد إلا بأمره ويجلس في القصر يومي الاثنين والخميس أول النهار للسلام عَلَى الخليفة.

وكان له النظر في ديوان الضرب لضبط ما يضرب من الدنانير وكان القاضي لا يصرف إلا بجنحة ولا يعدل أحد إلا بتزكية عشرين شاهداً عشرة من مصر وعشرة من القاهرة ولا يحتمي أحد عَلَى الشرع ومن فعل ذلك أُدب.

وكان القضاة عَلَى مذاهب الشيعة الإسماعيلية في الفروع إلا في عهد الوزير أبي علي بن الأفضل فأنه عين أربعة قضاة يقضي كل منهم بمذهبه إمامي وإسماعيلي وشافهي ومالكي.

داعي الدعاة

داعي الدعاة يلي قاضي القضاة في الرتبة ويتزيا بزيه في اللباس وغيره ووصفة بأن يكون عالماً بمذاهب آل البيت ويقرأ عليه ويأخذ العهد عَلَى من ينتقل من مذهبه إلى مذهبهم وبين يديه نقباء من المعلمين 12 نقيباً وله نواب كنواب الحكم في سائر البلاد ويحضر إليها فقهاء الدولة ولهم مكان يقال له دار العلم ولجماعة منهم عَلَى التصدير بها أرزاق واسعة وكان الفقهاء منهم ينفقون عَلَى دفتر يقال له مجلس الحكمة في كل يوم اثنين وخميس ويحضر مبيضاً إلى داعي الدعاة فيأخذه ويدخل به إلى الخليفة في هذين اليومين فيتلوه عليه إن أمكن ويأخذ علامته بظاهره ويجلس بالقصر لتلاوته عَلَى المؤمنين في مكانين للرجال عَلَى كرسي الدعوة بالديوان الكبير وللنساء بمجلس الداعي فإذا فرغ من تلاوته حضروا إليه لتقبيل يده فيمسح عَلَى رؤوسهم بمكان العلامة (خط الخليفة) وله أخذ النجوى من المؤمنين بالقاهرة ومصر وأعمالها لاسيما الصعيد ومبلغها ثلاثة دراهم وثلث فيجتمع من ذلك شيء كثير يحمله إلى الخليفة بيده فيفرض له الخليفة منه ما يعينه لنفسه وللنقباء وفي الإسماعيلية من يحمل 33 2/ 3 دينار عَلَى حكم النجوى وكانت الدعوة تلقى إلى المدعوين مرتبة كما سبق فإذا تمت الدعوات حسب الترتيب أخذ عَلَى المريد العهد والميثاق وأن يستر جميع ما عرف إلا ما أطلق له أن يتكلم به وأن ينصح ويخلص للإمام.

ومن اشهر من قلد وظيفة داعي الدعاة أبو نصر هبة الله بن موسى بن أبي عمران الذي له مع ابي العلاء المعري مراسلات تدل علو كعبه في العلم والعرفان والجدل وسببها أنه سمع بيت المعري المشهور وهو قوله:

غدوت مريض العقل والرأي فألقني ... لتخبر أنباء العقول الصائح

فكتب إليه من رسالة. فشددت إليه رحلة العليل في دينه وعقله إلى الصحيح الذي ينبئني أنباء الأمور الصحائح وأنا أو ملب لدعوته معترف بميزته وهو حقيق أن لا يواطئني العشواءَ فيسلك في المجاهل ولا يعتمد فيما يورده تلبيس الحق بالباطل وأول سؤالي عن أمر خفيف فإن استنشقت نسيم الصبا سقت السؤال إلى المهم أسأله عن العلة في تحريمه عَلَى نفسه اللحم واللبن وكل ما يصدر إلى الجود من منافع لحيوان الخ.