مجلة المقتبس/العدد 95/أخبار وأفكار

مجلة المقتبس/العدد 95/أخبار وأفكار

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 12 - 1914



النزهة والألعاب 1

في المثل الإنكليزي أن الشاب الذي لايميل إلى النزهة والألعاب هو أحمق لايعرف قدر الحياة وفي الحقيقة أن السعي للتواصل الذي لايتخلله طرب وأنس يورث الأجسام والعقول أمراضاً كثيرة حيث يصاب المرء في عنفوان شبابه بالضعف والنحول ويخطئ المعتقدون أن في الألعاب ذهاب الوقت عبثاً فقد ثبت بالتجارب نفعها الجزيل ولها خطورة عظيمة في تقوية الجنس البشري فالألعاب تزيد الأجسام قوة ونشاطاً وتساعد على نمو الصدر والأكتاف بنوع خاص.

لا تقتصر فائدة الألعاب الرياضية على صيانة الجسد من الأسقام بل هي تولد في الشاب الجرأة الأدبية في أعماله وتعلمه أن لايكون ضعيفاً عبداً لمطامعه وغاياته ضعيف الإرادة خائر العزم ومنهمكاً بما لافائدة فيه من الشؤون فهي حينئذٍ كما تفيد الوجود الإنساني كذلك أيضاً تزيد الأخلاق الفاضلة رسوخاً في النفوس والطبائع. فالجرأة ومقاومة الأتعاب والسيطرة على أهواء النفس والاعتدال ثمرة من ثمار الرياضة الجسدية وليس من المبالغة ماقيل: أن انتصار الدوق ولنكتون في معركة واترلو هو من آثار مواظبة على الألعاب البدنية في ميدان ايترن

أفضل الدروس وأنفعها لأطفالنا وتلامذة مدارسنا هي الدروس التي يتلقونها وهم يلعبون على شرط أن لايكون اللعب كعمل يجب القيام به بل كنزهة أو فكاهة يتلذذ التلامذة بها لما فائدتها من الوجهة الصحية فنستشهد عليها بأقوال السير جايمس باسث هو من الأخصائيين المبرزين في علم حفظ الصحة قال: للألعاب تأثير كبير في الأخلاق فهي شاملة لمشاغلنا ومعاملاتنا اليومية التي تظهر من مقاييس أخلاقنا لأن الألعاب تجمع طبقات مختلفة من الناس للسعي وإشراك العمل لغاية واحدة وهي وإن لم تولد في الإنسان رعاية الحقوق واحترام الغير بسائق الطبيعة ولكنها تغرسها فيه بسائق الاعتياد فمهما تكن منزلة المنفعة عالية في ميادين السباق فهي دون منزلة الواجب لأن كل أحد يعرف أن اهتضام الحقوق أمر يجلب العار والشنار فالذين لا يتلاعبون بحقوق زملائهم في ميادين اللعب يكونون دائماً موضع التكريم والإجلال.

قال الأستاذ ميخائيل فوستير في خطاب ألقاه: أن منشأ الأتعاب في الأعمال العضلية هو الدماغ وكل يعلم أن هناك أتعاباً منبعثة عن العضلات وهذا ما يبرهن أن الأشغال العقلية هي كالأعمال مترافقة بتبدلات كيموية تحدث في الدماغ والعضلات على طراز واحد إلا ماندر. وكما أن الجسم مفتقر إلى جريان دم غير مشوب لتجديد قوته بعد انقاذه من المواد السمية التي تجمعها الحركة فكذلك الدماغ محتاج أيضاً إلى هذا الجريان الدائم.

كانوا قديماً يطلقون لفظة سبور على عامة الألعاب ويجعلونها شاملة لجميع أنواء. وأخيراً أصبحت مقصورة على السباحة في البحر والركض والقفز في البر وللإنكليز عناية خاصة بهذه الألعاب وهم أساتذة الشعوب الأوربية في هذا العلم فنبغ عندهم مشاهير المصارعين واللاعبين بطرائق مختلفة وقد قال أحدهم أن الرياضة البدنية ليست حادثة فينا بل انتقلت بطريق الإرث إلينا من أجدادنا القدماء.

يبحث العلماء كثيراً في مسألة افتقار العنصر الإنساني إلى مياه نميرة في حين أن البشر مدينون للهواء أكثر من الماء فهو النوع الرقيق الذي ينفذ في جميع أطراف أجسامنا فتغسل بمادة لطيفة لا نشعر بها أبداً ومع هذا فهي قوية جداً تسير ببواخرنا في البحار وتنقل من الجبال الشاهقة إلى مدننا ألطف الروائح وأطيبها وتسمعنا أصوات أحبابنا وأنغام الطبيعة المطربة وماعدا ماتقدم نجد الهواء كنزاً ثميناً للأمطار التي تبتسم لها الأزهار والأشجار فإن الهواء يعدل حرارة النهار وبرودة أنواره في سماء الصباح والمساء فهو بلطافته وفائدته من أرق أنواع آرييل (1) اللطيفة وأجملها البحث كثيرة من الهواء الرديء على أن الحقيقة تقول بصوتها العالي أن ليس هناك هواء جدير بهذا الوصف القاسي فإن جميع النسمات لطيفة نافعة إلا أنها بأثواب مختلفة ولا جدال أن في بعض الأهوية مضاراً كبيرة للزراعة والحصاد إلا أن جميع أنواعها مفيدة للإنسان وقد قال الفيلسوف روسكين الهواء الفاسد غير موجود ولكن هناك أنواع مختلفة من النسائم المفيدة.

ليس في الراحة والنزهة شيء من الكسل والبطالة فإن الجلوس تحت أغصان الأشجار الباسقة وفي الفنادق الشاهقة وسماع أغاريد الأطيار والأزهار والتمتع بمشاهدة انسياب الأنهار والنظر إلى السحب البيضاء المتكاثفة في كبد السماء لا يقال فيه جميعه ضياع للوقت الثمين. فالهواء الطلق هو نافع المفكر كنفعه للبدن وأن الأرض والسماء والجبال والحقول والمروج والغابات والأنهار والبحار أحسن مدرسة للإنسان يتعلم فيها من شؤون الحياة وانقلابات الكون مالم يتعلمه في الكتب والمدارس.

والغني الذي يغتنم الفرصة من أوقاته لإجراء سياحة في البحر بقاربه أو لاقتطاف الأزهار المنعشة وصعود الجبال والسباحة في الأنهار يكون قلبه على الأغلب طافحاً بالسرور مع ارتقاء في صحته لأن مشاهدة الطبيعة أحسن غذاء وأجمل شراب ينعش القلوب والأفكار لاشبهة أن حصر الأوقات بالألعاب هو حياة لا لذة فيها فيجب على الإنسان أن لايضيع الطرب والأنس موضع أعماله الحياتية فيهمل بيته وحرفته وينبذ المطالعة ومزاولة العلوم والفنون ويميل بكليته إلى الألعاب بل يسير بنفسه في جادة الاعتدال والاستقامة فينال مستقبلاً زاهراً ونجاحاً باهراً. ومن الفكاهات والمسرات ما هي كاذبة وصادقة وقد سألوا سقراط الحكيم عن المسرات الصادقة فأجاب: هي النظر إلى الألوان الجميلة والمناظر البديعة وتشنيف الإسماع بالأصوات والألحان المطربة فإن ذلك يولد في النفس شعوراً رقيقاً.

تختلف اللذائذ من بعض الوجوه ولكنها متفقة في حب البدائع والافتتان بالجمال غير أن الأستاذ فيليب يقول أن مايسر ذوي الأرواح هو الفرح والذوق والفكاهة أما أنا فلا أرى أيهم بل اعتقد أن العقل والذكاء والحافظة والرأي السديد هو أحسن للإنسان في حاله ومستقبله من جميع اللذائذ التي يميل إليها والأذواق الحقيقية لا تنحصر أبداً فالعائلة والأصدقاء والمعاشرة والكتب والموسيقى والشعر والصنائع والألعاب والراحة وجميع ألواح الطبيعة كالصيف والشتاء والصباح والمساء والليل والنهار والحرارة والبرودة والشمس والزوابع والمزارع والغابات والأنهار والبحيرات والبحار والحيوانات والنباتات والأشجار والأزهار والأوراق والأثمار لاتؤلف إلا جزءاً صغيراً من هاتيك اللذائذ إذا لم تكن حياتنا سعيدة فنحن المسؤولون أمام أنفسنا فنيل السعادة قائم بإرادتنا وعزمنا غير متوقف على أسباب خارجية كما يزعم ضعفاء العقول فالسعادة والشقاء والفقر والغنى والصحة والمرض أثر من آثار إرادة الإنسان فإن جهله يورث الكون خساراً أعظم من خسائر الزوابع والزلازل والحوادث الجوية. إن الغني القوي الإرادة يستطيع أن يكون سعيداً وغنياً صحيح البنية عالي المقام بين أبناء جنسه.

قال جونسون في وصف إحدى المحاضرات أن ماتكلمنا به في هذا المساء جميل جداً فالمكالمة مع داروين ولايل وكنفسلي وروسكين وتيندال هي مفيدة لعقولنا كإفادة استنشاق النسيم لأجسامنا ومن هذا يظهر فضل الرياضة البدنية وانتجاع الهواء الجيد. وكما يجب على الإنسان أن يتعهد عقله بالعلوم والفنون ويقوي بدنه بالرياضة كذلك يجب عليه أن يكون طلق اللسان نصيحاً فقد رأينا كثيراً من مشاهير العلماء والباحثين لا يمكن الانتفاع من معارفهم إلا بصعوبة لأنهم لم يكونوا طليقي الألسنة والفصيح يكون جليلاً رفيع المقام بأعين الأمة. والفصاحة كغيرها لاتنال إلا بالمواظبة والمثابرة على مطالعة كتب المشاهير من البلغاء والفصحاء وقد قال رتامبل: أول واسطة للنطق بالكلام الخلاب الذي تميل إليه النفس هو الافتكار في الحقيقة وثانيها حسن الإدراك وثالثها الفرح ورابعها الذكاء والاستعداد وفي وسع كل أحد أن يقوم على الأقل بالوسائط الثلاث الأولى.

إن كثيراً من النابغين قد برعوا في العلوم بطريق المناظرة والمسامرة ويقول الفيلسوف باكون إن الذين يسألون كثيراً يعرفون كثيراً وتكون معارفهم مبنية على أسس عملية وتراجم المبرزين في الفنون من رجال الاختراع والاكتشاف تبرهن لنا على أن أكثرهم لم يتخرجوا من المدارس بل درسوا في مدرسة الكون وكان لهم من صحة أجسامهم ما ساعدهم على مثابرة أعمالهم ومزاولة شؤونهم وفي الحديث العقل السليم في الجسم السليم. // إبراهيم حلمي العمر

مطالعات

ألوان الكواكب

اللون الأبيض هو اللون العام في جميع الكواكب من سيار وثابت كالزهرة والشمس وبنات نعش: ومنها مايكون لونه أحمر مثل المريخ وبيت الجوزاء والدبران والسماك أو أصفر مثل المشتري والطير والجدي أو رصاصياً مثل زحل.

ألوان الأبحر

إن لون ماء البحر الرقيق أخضر والعميق أزرق وقد يكون أبيض كما في خليج غنينية وأصفر كالبحر الذي بين اليابان والصين وقرمزياً في نواحي كاليفورنيا وأسود مثل البحر المجاور لجزائر ملديفين وقد يكون بنفسجياً في الأبحر الأخرى.

ومن هذه الأسباب سميت الأبحر بأسماء الألوان مثل البحر الأبيض والأحمر والأسود وينسب اختلاف ألوان البحار إلى كثرة النقاعيات وقلتها ونحو ذلك مما هو علة فسفورية البحر.

معاني أسماء بعض الدول المتحاربة

(الجرمان) بمعنى الجيران سماهم به الغاليون القدماء لمجاوريهم منهم ثم عمّ على جميع هذا الجنس.

(النمسويون) اسم روسي أطلقه الروس على الجنس الجرماني والنمسوي الذي يرجع إلى أصل واحد وهو في لغتهم نيمتس) أي الحرس لأنهم رأوهم في أول الأمر يعبرون عن مقاصدهم بالإشارات.

(العثمانيون) نسبة إلى السلطان عثمان التركي مؤسس هذه الدولة العظيمة المؤيدة بنصر الله والترك نسبة إلى أحد زعمائهم المسمى (ترك) قديماً.

(البلغار) نسبة إلى نهر فولكا لأنهم كانوا في ضفافه فقيل فولكار ثم حرّفت بلغار (انكلترا) و (إيرلندة) و (اسكتلندة) بمعنى أرض الأنكلوسكسون وهم قدماء الإنكليز في الأولى. وأرض الإيريشيين في الثانية. وارض السكوتيين في الثالثة وأطلق عليهم جميعاً اسم (الإنكليز) تحريف الكلمة الأولى.

(الفرنسيون) نسبة إلى قبائل الفرنك أو الفرنج ويسمون الغاليين بمعنى الديوك.

(البلجيكيون) نسبة إلى قبائل بلجة التي عمرت تلك البلاد.

(الروسيون) تحريف (ردتس) أي أهل الشمال بلغتهم وأما (الموسكوب) نسبة إلى عاصمة بلادهم موسكو.

تحليل بعض المسميات العصرية

(الثرمومتر) من كلمتين يونانيتين (ثرموس) بمعنى حرارة و (مترون) بمعنى قياس فمجموعهما مقياس الحرارة (البارومتر) من لفظتين يونانيتين أيضاً (باروس) بمعنى ثقل و (مترون) بمعنى مقياس فالمعنى مقياس الثقل (أي ثقل الهواء) الأوكسجين يونانية عن (أوكس) بمعنى حامض و (جنو) مولِّد فالمعنى مولد الحامض. و (الهيدروجين) من (هيدرو) اليونانية بمعنى ماء و (جنو) مولد فمعناها مولد الماء والنيتروجين من نتروس) اليونانية بمعنى الهواء و (جنو) مولد فالمعنى مولد الهواء.

عيسى اسكندر المعلوف

الإنكليز والهند

نشرت جريدة عثمانيشر لويد فصلاً قالت فيه: لايبعد عن جادة الحق من يقول أن الهند في بداية القرن السابع عشر كانت بلاداً مجهولة عند الأوربيين وما كان اسمها يحل منهم محلاً ينفع في مصلحة شخصية أو وطنية وكان بعض علماء أوربا يعرفون عنها وعن عظمتها السالفة أموراً استقوها من الكتب وكثير من قصصها البديعة انتقلت إلى الشرق الأقرب فوصلت إلى أوربا وهذا كان جماع ما يعرف عنها فلم يكن الغربيون يذهبون إلى الهند بل ولا يفكرون فيها فكانت بمأمن من مطامع الغرب ولكن عندما أثبت أرباب الملاحة من البورتغاليين والهولانديين أن رأس العواصف أو رأس الرجاء الصالح يمكن اجتيازه بدون صعوبة في سفن كبرى أصبحت المسافة التي كانت تحمي بلاد الهند الجميلة من مطامع الأوربيين تقل سنة عن أخرى.

وجاء بعد البرتغاليين والهولنديين إلى شواطئالهند أناس من عناصر أخرى فالمتمسوا أن يسمح لهم بالمقام في الساحل وكان من جاؤوا على هذه الصورة في أوائل القرن السابع عشر جماعة من الإنكليز يحملون كتاباً من ملكهم جاك الأول يوصي بهم فيه أخاه إمبراطور دلهي جهانكير فأذن لهم صاحب الهند أن ينشبوا مكاتب تجارية في سورات وكامباي وأحمد آباد وفي سنة 613 أصدر توقيعه في تأييد ملكيتهم على هذا الوجه أسست الشركة الإنكليزية في الهند الشرقية التي استرسلت حتى أدعت بعد الحق الأعلى على الهند. مضى قرنان فقط على موافاة حفنة من تجار الإنكليز بلاد الهند خاشعين متوسلين إلى أمراء الهند السماح لهم بالتجارة مع شعوبهم واليوم يحكم الإنكليز الهند حكم السيد للسود وقد انحلت شركة الهند الشرقية ومنذ سنة 1858 أصبحت الهند تابعة لعرش انكلترا مباشرة ينوب فيها نائب الملك إذا كان الشكل الذي بدت فيه بريطانيا العظمى في حكمها بلاد الهند قد اختلف فالفكر واحد الإنكليز لم يقفوا فيها عند حد التجار بل أن السياسة التي اتبعوها في الهند مازالت سداها ولحمتها الربح والقانون الذي نوه لحكم تلك الديار التعسة هو قانون تجاري صرف فالهند في نظر حكومة بريطانيا مزرعة واسعة لا يقصد منها إلا استخراج أرباح أكثر وبحق ما دعيت الهند بأنها بقرة انكلترا الحلوب. ومن يعرف في إنكلترة تاريخ احتلال الإنكليز للهند يوقن بأن مااستمال قلوبهم كان الأمل في الاستئثار بغنيمة كبرى وعندما حكموا البلاد لم يغفلوا هذا المطلب بحال من الأحوال فإنكلترة مدينة في نجاحها المدهش لصلاتها مع الهند لأنها كانت منذ أواسط القرن الثامن عشر إلى يومنا هذا المنبع الأصلي لغناها ولكن تحت طي الخفاء.

ومنذ دحيت الأرض لم يقع على مايظن عمل أنتج أرباحاً كثيرة كما ربحت انكلترا من استصغاء الهند وما اقتطفته من ثمراتها استطاعت به أن تكون لها المنزلة العليا في الصناعات ولكن أي نتيجة كانت للهند من وراء احتلال الغريب لها فالعالم لا يعرف من ذلك إلا النزر اليسير وذلك لأن الإنكليز يحظرون أن تشيع الحقيقة من طريقتهم في أحكامهم التي يزعمون أن أساسها الحب والتجرد عن الغرض وعلى العكس زي مداح الاستعمالر الإنكليزي يصفون الحكم الذي كانت خاضعة له الهند على عهد استقلالها أبشع وصف وإذا بحث المرد في الحق بحثاً مجرداً عن الهوى يؤدى به البحث إلى نتائج متخالفة متناقضة فيثبت له بدون نظر طويل أن الهند محكومة لمنفعة الإنكليز الخاصة بدون اهتمام لمصالح البلاد وما من سبيل إلى انكسار أن انكلترا تحقق في الهند ما يرقى بها إلى أوج الإرتقاء الوطني وأن موارد ثروتها قد نضبت وأن القحط الذي طالما شن عليها الغارة قد خربها وأدى بها إلى أن أمست من الأفقر أقطار الأرض وها بعد هذا دليل على سقوط الأحكام الإنكليزية التي يمتدح بها الإنكليز كأنها ضرب من ضروب النعم السماوية وكثير من حكامهم قد بدت من أفواههم على هذا بوادر تكشف القناع عن سر وجه السياسة التي اختطتها انكلترا لنفسها في الهند فقد قال السياسي الإنكليزي الهندي المستر ويليام تاكراي:

يجب أن يكبح في الهند جماح عواطف الكبر واستقلال الفكر والميل إلى التفكر فيما يولد أحياناً الثروة فإن كل هذا مخالف كل المخالفة لسلطاننا ومنافعنا فنحن لا نحتاج إلى قواد ورجال إدارة وسياسة ولا إلى رجال قانون مشرعين بل نحتاج إلى حراث عامليم. وقال المركيز سالسبوري رجل المملكة الإنكليزية المشهور في عهده: إذا قضت الحال أن تقصد الهند فالواجب أن يغرس المبضع في الأجزاء المحتقنة أو على الأقل في الأطراف التي فيها مجرى دم كاف ولا تقصد من الأطراف التي ضعفت بما أصابها من فقر الدم. وقال أحد المؤلفين في سنة 1792 أن الغاية الرئيسة التي جرت عليها انكلترا يجب الاعتراف بها حتى الاعتراف وهي أن تكتشف ما تستطيع استخراجه من رعاياها الأسياويين لا أن تحمل إليهم النعم. وهذه التصريحات وهي الخطة الحقيقة للسياسة الإنكليزية لا تبقي شكاً في أن الهند خاضعة لقانون جائر يحول نحو انكلترا قواها وغناها وقد أبان هندمان في عباراته الجارحة خلاصة هذه السياسة بقوله: الهند آخذة بالضعف فإن استيلاءنا عليها قد أضعفها حتى في أدق ألياف تركيبها فانفجر دمها بطيئاً ولكنه يزيد يوماً عن يوم.

تقسم البلاد التي تدعى الهند قسمين القسم الإنكليزي والأقاليم الهندية ففي الأول تسود سلطة الإنكليز وبفضل ما صرفوه عليها من الأموال قد نجحت أحوالها نجاحاً تاماً أما الأقاليم الهندية فما عدا غراس الشاي والقهوة والنبل والجوت والممالك الإقطاعية فهي كل بلاد الهند ماعدا الأراضي التي عرضها خمسون ميلاً إنكليزياً الواقعة على جانبي الخطوط الحديدية وأماديح رجال السياسة الإنكليزية من حاكم الهند إلى وزراء بريطانيا تتناول هذه الهند الإنكليزية وكل ما يقال من الإطراء في الكتب الزرقاء المنتشرة في مسائل الهند يقصد منه الهند الإنكليزية ومادة مداح الاستعمار الإنكليزي للهند هي هذا الجزء من البلاد ولكن إذا نظرنا إلى ماوراء هذه الظواهر من بلاد الهند حيث يتحرك ثلاثمائة مليون من الأنفس نجد غير الصورة التي يرسمونها نرى في كل خطوة نخطوها من هذه البلاد مشهداً من البؤس الغريب وويلات تحدثها المجاعات وصعاليك لايكادون يجدون ما يغطي عوراتهم من اللباس وضروباً من الذكاء تذهب في الهباء وعقولاً تتبله وتتبلد وأناساً يعيشون بلا أما وكان من أمر الحكم الإنكليزي إن أصبحت المجاعات دائمية على ماتقرأه في الإحصاء المدهش المنقول عن تقارير رسمية فقد حدثت أربع مجاعات في الثلاثين سنة الأخيرة من القرن الثامن عشر (1769 - 1792) ومئة واثنتا عشرة مجاعة في النصف الأول من القرن التاسع عشر (1802 - 1838) وخمس وثلاثون مجاعة في النصف الأخير من القرن التاسع عشر (1854 - 1908) فمات بالمجاعة خلال القرن التاسع عشر فقط زهاء اثنين وثلاثين مليوناً من الأنفس قال ويليام ويجبي: أن ماحدث من هلاك النفوس البشرية بالحرب خلال 107 سنين (1793 - 1900) يبلغ خمسة ملايين على حين هلك في المجاعة في الهند خلال عشر سنين فقط تسعة عشر مليوناً من البشر وتقول الإحصائيات الإنكليزية أنه كان في الهند الإنكليزية أوائل القرن التاسع عشر تسعون مليوناً ما كلنوا يتناولون طعامهم عندما تحتاج إليه معدهم.

ومثل هذه الشهادات تدل على سوء حالة البلاد التي دخلتها انكلترا في أشد أوقات ضيقها فحرمت من أسباب نجاحها المادي والعقلي ومضى عليها قرن وهي في حالة وقوف وعاش الشعب فيها بعيداً عن كل بهجة يوسف في الجهل والشقاء ويعامل بالخشونة التي لاتقل من خشونة روسيا في معاملة رعاياها.

وقد عمدت إنكلترا في استعمال الهند إلا ثلاث طرق الأولى فتحها بالتجارة فبعد أن اضمحلت تجارة الهند وصناعتها افتقرت البلاد فقبضت عليها بريطانيا العظمى بيدها الاقتصادية وبما استنزفته انكلترا من أموال الهند أحرزت التفوق الصناعي الذي أخذت تدل به على العالم. والطريقة الثانية افتتاح البلاد بالضغط فكل مطلب عال قمع بشدة وكل رجل مستقل الفكر اضطهد بدون شفقة وكا ارتقاء عقلي جعلت أمامه السدود والحواجز والطريقة الثالثة طريقة الفتح بالتوحيش فإن انكلترا عمدت إلى خديعة الهنديين بأحاييل وأكاذيب حتى يكونوا خاضعين صابرين وبذلت جهدها في إفساد أخلاقهم وإذلالها وإبقائهم في جاهلية جهلاء وقضت فيه على كل عاطفة عنصرية ومابرحت تلقنه عظمة انكلترا وتطري له أعمالها. هذه هي الأساليب التي عمد إليها الإنكليز لحكم الهند فكان من نتيجتها أن جعلت سكانها حطابين وسقائين.

لم يقتد الإنكليز بالرومان في استعمارهم وكان هؤلاء يجتهدون في التمثل بالشعب المغلوب وفي إدخال المناحي الرومانية عليه أما الطريقة التي اختارتها إنكلترا فهي استثمار المغلوبين وإذلال نفوس عنصرهم لإحلال عنصر آخر مكانه أليست هذه الطريقة من مرجيات الخجل للمدنية ومن الجنايات الإنسانية فلكي تغتني انكلترا تبيد في الهند كل صناعة وتأتي على الحياة العقلية وتفلج كل مشروع يراد منه نهضة شعب مؤلف من ثلاثمائة مليون نهضة تحسن أخلاقه وتطيب أعراقه. هذا ما قالته الصحيفة الألمانية عربناه ليطلع عليه القارئ ويتأمل فيه فإنه حوى مادة تاريخية لابأس بها.

انتفاع أميركا

بلغت قيمة صادرات الولايات المتحدة من 30 حزيران 1914 إلى 30 حزيران سنة 1916 مقدار سبعة مليارات وبلغت قيمة وارداتها 3 مليارات و9 ملايين ريال فكان مقدار صادراتها على وارداتها 3 مليارات ومليون ريال.

فلكي تستطيع أوربا ودول الإئتلاف تسديد هذه المبالغ الطائلة البالغة ستمائة مليون ريال إنكليزية وربع مليون عمدت إلى ثلاث طرق اقتصادية مختلفة تصون الذهب الموجود في خزائنها بعض الصيانة وهي (1) دفع قيمة البضائع ذهباً (2) وضع القيمة المذكورة أسهماً مالية أميركية (3) دفعها من المال المأخوذ من قروض تعقدها دول الإئتلاف في الولايات المتحدة نفسها.

أما سلوك الطريق الأولى فقد أكره دول الإئتلاف على إخراج قسم عظيم من الذهب المودع في خزائنها وتستطيع تحقيق ذلك من الذهب الذي يرد إلى الولايات المتحدة ويصدر منها فقد بلغت قيمة الوارد من أول آب سنة 1914 إلى آخر كانون أول من السنة نفسها 23250000 ريال والصادر 14970000 ريال فزيادة الصادر على الوارد 81720000 ريال. أما في سنة 1915 أي بعد ما أسست أميركا المعامل العديدة المتنوعة للمتاجرة بدماء الأوربيين وأرواحهم فقد بلغت قيمة ما وردها من الذهب 452 مليون ريال وما أصدرته 418410000 على أن دول الإئتلاف شرعت أثناء هذه الحركة الهائلة التي تهددها بجرف جميع ما في بلادها من الذهب إلى العالم الجديد بتأسيس معامل حربية جديدة متنوعة في بلادها ولكنها مع ذلك لم تستطع الاستغناء عن المعامل الأميركية إلا قليلاً فقد كانت قيمة الوارد من الذهب إلى الولايات المتحدة من أول كانون الثانة سنة 1916 إلى 15 تشرين الأول من السنة نفسها 390010000 والصادر 95960000 ريال فزيادة الوارد على الصادر 249050000 فيؤخذ من خلاصة هذا الإحصاء الموثوق به أن قيمة ما ورد إلى الولايات المتحدة من الذهب منذ ابتداء الحرب العمومية حتى 15 تشرين الأول الماضي 865260000 ريال وماصدر منها 231820000 ريال فالزيادة 631 مليون و 640 ألف ريال زادت على موجودات الذهب في تلك البلاد بسبب الحرب.

أما الأسهم المالية المشتراة قبل الحرب من الولايات المتحدة والتي أعيدت إليها في مدد مختلفة بعد الحرب مدفوعة ثمن مواد حربية فيؤخذ من أقوال أعظم الإحصائيين الأميركيين أنه قد بلغت قيمة أسهم السكك الحديدية الأميركية التي عادت إلى الولايات المتحدة بين 31 كانون الثاني سنة 1915 و 31 تموز سنة 1916 نحو 13000 مليون ريال وفضلاً عن ذلك فقد عاد من أسهم شركة الحديد الأميركية 748547 سهماً اعتيادياً و 141736 سهماً ممتازاً أو هذه الأسهم انتقلت من أيد أوريبة إلى أيد أميركية أما قيمتها فإنها بموجب السوق المالية في 30 حزيران سنة 1914 تساوي 60 مليون ريال وبموجب سوق 30 أيلول سنة 1916 تتجاوز قيمتها مئة مليون ريال.

وأما القروض التي عقدتها الولايات المتحدة للدول الأوربية المتحاربة وأخصمها بالذكر دول الإئتلاف فقد بلغت 1778600000 ريال حسب تقدير بنك إنكلترا يضاف إليها قروض عقدتها ولايات ومدن من كندا الإنكليزية تبلغ قيمتها 185 مليون ريال وقرض آخر عقدته مدينة دوبلين الإرلندية فيمته 8 ملايين 200 ألف ريال فالمجموع 198180000 ريال دفع منها في أوقات مختلفة 156 مليون و40 ألف ريال فالباقي للولايات المتحدة الأميريكة على دول الإئتلاف في الأكثر 1325400000 ريال و11 مليار و 375 مليون فرنك مقسمة على الدول الآتية كما يأتي:

إنكلترا858400000 ريال فرنسا 656200000 ريال

روسيا 117200000إيطاليا 25040000

كندا 120000000 ريالولايات ومدن كندية 185000000 ريال

ألمانيا 20000000 ريالالمجموع 1981800000 ريال

المدفوع 156400000الباقي 1825400000

ويجب أن يضاف إلى هذه المبالغ مقدار 110 ملايين ريال اقترضته مدن فرنسوية من الولايات المتحدة ولن تسدد هذه المبالغ قبل نهاية سنة 1925 وأنت ترى من هذا الإحصاء مبلغ ما ربحت الولايات المتحدة من أوربا فكأن هذه الحرب العامة نشبت لتستنزف أميركا من خزائن أوربا ما طالما استنزفته أبناء هذه مدة قرنين من الذهب.

قصر فرعون

نجحت البعثة العلمية التي يرأسها الدكتور فيشر الألماني المرسلة من كلية بنسلفانيا الأميركية في المهمة التي أخذت على نفسها القيام بها للبحث عن آثار الفراعنة في وادي النيل وكان للبناء الذي تطالت البعثة إلى الحفر عنه هو قصر مرنفتاح الثاني ملك مصر المعروف لورود ذكره في سفر الخروج فكان هذا القصر كبيراً للغاية مزيناً أحسن زينة وقد كان خرب في حريق أصابه فتهدم كثير من أجزائه وإذ عثروا فيه على آثار يونانية فقد استنتجوا أن الحريق لم يحدث إلا في القرن الخامس قبل الميلاد وربما بعد ذلك ولم يثبت إذا كان فرعون هذا قد أنشأ القصر في أيامه ولعله كان ذلك ولكن الثابت أن سكنه على نحو ما كانت عادة الفراعنة في مصر وأنه وسعه وأكمله فإذا كان هو الذي بنى هذا القصر فيرد تاريخه إلى القرن الثالث عشر قبل المسيح ويقول الدكتور فيشر أن طول القصر كان 34 متراً وعمقه فيه 30 غرفة مختلفة الحجم وأعظم قاعاته قاعة العرش طولها 30 متراً بعرض 12 يدعم سقفها ست دعائم وتتصل بدهليز فيه 12 سارية بديعة وكان منقوشاً أجمل نقش كما تبين ذلك الآن.

والبارز من صوره على غاية من اللطف مموه بالذهب والعرش مع الدرجات التي تؤدي إليه ما زالت بحالها ومن غريب ما وجد فيه أمتعته ومما يدهش له الزائر مجموعة من العاديات قبل التاريخ مثل مدى وسكاكين مختلفة الأجناس ورمايا سهام من الحجر وقدور ومواقد مما استدل منه أن ذلك كان شائعاً في الاستعمال عند المصريين وهذه العاديات تنير تاريخ وادي النيل ويستغرب وجودها في هذا القصر الفرعوني وقد استنتج مكتشف هذا القصر أن فرعون هذا كان جماعة للآثار وأقام في قصره متحفاً تاريخياً حقيقياً.