محاضرات في تاريخ الدولة العباسية/الباب الأول، الفصل الثامن: الصراع بين الأمين والمأمون: خلافة الأمين


الفصل الثامن

الصراع بين الأمين والمأمون

خلافة الأميـن

۱۹۳ - ۱۹۸هـ / ٨٠٨ - ٨١٣م

المقدمات:


بموت الرشيد أوشكت الدولة العباسية أن تنقسم إلى قسمين ينازع كل منهما الآخر: الجزء الغربي حيث مدينة الخلفاء، بغداد، وعلى رأسه الأمين - والجزء الشرقي أي خراسان والولايات الشرقية حيث يقيم المأمون بمدينة مـرو. ويعود الفضل في هذا التقسيم إلى الرشيد، كما رأينا، بل ولربما تحقق الانفصال فعلاً بين مشرق الدولة ومغربها عقب وفاته مباشرة لو أن كلاً مـن الابنين احترم وصية أبيه. والظاهر أن هذا الانفصال كان لا بد منه إذ أن المشرق الإيراني كانت له أمانيه وآماله السياسية التي يعمل على تحقيقها، والتي ظهـرت جلياً بقيام الدولة العباسية نفسها. وسنرى فعلاً أن المشرق الإيراني سيحــق استقلاله فعلاً - إن لم يكن شكلاً على عهد الطاهرين وعلى أيام المأمون.

ويفهم من ذلك أن مسألة الصراع بين أبناء الرشيد لن تأخذ شكل نـزاع عائلي من أجل وراثة العرش بل سيكون لها شكل النزاع الشعوبي أو العصبي بيـن العرب والفرس. وعلى ذلك فلن يكون للمطالبين بالخلافة رأي كبير في سير الحوادث هذا على أن ظفر المأمون، وغلبته على الأمين، إن هو إلا انتصـار للمشرق الإيراني على المغرب العربي، يعيد إلى الأذهان قيام أمر العباسيين على أكتاف الخراسانية وزحف هؤلاء نحو الغرب وتغلبهم على العالم العربـي الشامي. أحس بذلك وزير المأمون الفضل بن سهل الإيراني الأصل، الحديث الإسلام (منذ خمس سنوات) فكان يشبه أصحابه بنقباء الحركة العباسية الأولى1، "كان يقول للتميمي نقيمك مقام موسى بن كعب، وللربعي نقيمك مقـام أبي داود، وخالد بن إبراهيم نقيمك مقام قحطبة"2.

بدأ الاختلاف بين الأمين الذي له بالخلافة وبين المأمون عندما رفض الأمين - بصفته صاحب السلطان - الاعتراف بما أوصى به الرشيد، مــن: أن يؤول عسكره وكل ما فيه من الأموال والأمتعة والعدد إلى المأمون. وعمل على أن يعود هذا الجيش بكل أثقاله إليه، بفضل الفضل بن الربيع الذي حضـر وفاة الرشيد، وغيره من القواد الذين أرسل إليهم بتعليماته. ولكي يخفف عن المأمون كتب إليه أيضاً يهون عليه من الأمر، ويأمره يترك الجزع وأخذ البيعة لهما، وكذلك لأخيهما القاسم (المؤتمن).

وقام ابن الربيع بدعوة الجند إلى الانفضاض من حول المأمون والعــودة الى بغداد. وفعلا أجابه كثير منهم، رغم ما قام به قواد المأمون وعلى رأسهم ابن سهل من تذكير الناس ببيعة المأمون وسوءالهم الوفاء وتحذيرهم الحـنـث (قال ابن الربيع إنما أنا واحد من الجند). نتج عن ذلك أن أشفق المأمون عن حرج الموقف، ولكن ابن سهل طمأنه ورسم له السياسة الواجب اتباعها والتي تتلخص أولاً في الاعتصام بخراسان، اذ أن الخراسانية أخواله (المأمون) وهم بحكم قرابتهم هذه لن ينقضوا البيعة التي له في أعناقهم. ثانياً انتهاج سياسة دينية رزينة بدعوة الفقهاء إلى الحق والعمل به وإحياء السنن، ثم الاهتمام شخصياً بأمور الدولة ورد المظالم وإظهار التقشف والزهد. وبدأ تنفيذ هذا البرنامج بعمل موفق، وذلك أنه وضع أو خفض ريع الخراج عن خراسان مما كان له وقح حسن عند أهل البلاد (قالوا ابن أختنا وابن عم نبينا). كما أنه لاين الأمين في نفس الوقت الذي عمل فيه على توطيد مركزه في ولاياته الشرقية، بأن كتب إليه وعظمه وأهداه الهدايا.

أما عن الأمين فإنه من جهته لم يرني عن موقف أخيه، وعمل علـى إعادة الوحدة للدولة، على أن يحقق لنفسه السيادة الفعلية، وبدأ ذلـك على حساب الأخ الثالث، وهو القاسم (المؤتمن) الذي كان يلي الجزيرة وما يتبعها بأن نحاه عن جزء كبير من ولايته وأقره على قنسرين والـعـواصم فقط. وكانت هذه هي الخطوة الأولى. ففي السنة التالية ١٩٤هـ (۸۱۰م) خطا الخطوة الثانية، وكان فيها تهديد مباشر للمأمون وما يمكن أن نسميه بتمهيـد للإغارة على حقوقه في وراثة العرش والخلافة. وإذ أمر الأمين - بإغراء وزيـــره الفضـل بن الربيع - بالدعاء لابنه موسى، الذي كان طفلاً صغيراً، في خطبة الجمعة الى جانب الدعاء لأخويه.

وكان من الطبيعي أن لا يسكت المأمون تحت ضغط وزیره ابن سهل هو أيضاً - على هذا العمل غير الودي وأجاب عليه بالمثل بـأن تجاهل خليفة بغداد، وقطع كل علاقة (أسقط اسمه في الطرز ومن النقود وقطع عنه البريد). وزاد ذلك من تأزم الموقف، إذ كشف الأمين عن نواياه، وأرسل بعثة إلى المأمون يطالبه بالحضور عنده ببغداد. وكان الهدف مـن هذه الزيارة هو الضغط عليه للتنازل عن بعض حقوقه في الوراثة (تقديم الأمين عليه) وربما في ولايته للمشرق (طلب إليه أن ينزل عن بعض کور خراسان وأن يكون عنده صاحب البريد يكاتبه بالأخبار).

وكان من الطبيعي أن يرفض المأمون إجابة مطالب الخليفة3 كما لم يوافق حزبه إطلاقاً على خروجه من خراسان، هذا رغم أن الموقف السياسي للأطراف الشرقية من ولايته كان ينذر بالخطر. فإذا كان رافع بن الليث قد مال إلى الاستسلام والطاعة فإن غيره كان قد أعلن العصيان مثل جابغو أو جبغويه الفارلوق (على سيحون) وخاقان التبت، وملك كابل الذي كـان يستعد للإغارة على خراسان، وملك أترار (مركز الغزو) الذي منع الضريبة.

واستطاع ابن سهل أن يدبر الأمور تدبيراً حسناً، وأن يظهر مقـدرة سياسية فائقة وذلك أنه بدأ بأن استمال أحد أفراد بعثة الأمين وهــو الذي خلع على عهـدي العباس بن موسى بن عيسى (حفيد عيسى بن موسى الذي خلع على عهدي المنصور والمهدي) - وعده إمرة الموسم ومواضع من مصر - فكان يكتب اليهم بالأخبار من بغداد، ثم أنه شدد الحراسة على حدود خراسان ومنع العبور إلى ولاياته إلا للأشخاص المعروفين. أما فيما يتعلق بملوك الأطراف مـن الوطنيين فإن الفضل نصح المأمون بإرسال خطابات لجابغو والخاقان يؤكد لهما سيادتهما على بلادهما، ويعدهما بالمساعدة ضد أعدائهما، وأن يرسل هدايا إلى ملك كابل، وأن يعفي أمير أترار من جزية عام. وفعلاً نجحت هذه الإجراءات في استتباب الأمن والسلام في هذه النواحي.

خلع المأمون:


حاول الأمين إنفاذ الرسل لإقناع المأمون بالعدول عن موقفه ولكنهم منعوا عند الري من حرية الاتصال بأهل البلاد (حفظوا في حال سفرهم وإقامتهم من أن يخبروا أو يستخبروا). عندئذ رأى الأمين أن القطيعة قد تمت وعمل على أن يعيد توحيد الدولة عن طريق استعمال أساليب العنف. وفي أوائل سنة ١٥هـ أعلن خلع المأمون من ولاية العهد، وأخذ البيعـة لابنه موسى بدلاً منه ولقبه "الناطق بالحق"، وجمل له ديواناً من شرطـة وحرس ورسائل، وعهد بإدارة شئونه وتأديبه إلى علي بن عيسى بن ماهـان والي خراسان السابق، ثم عمد لابنه الآخر عبد الله ولقبه "القائم بالحق"، كما أعلن عدم صلاحية النقود التي ضربها المأمون والتي لا تحمل اسم خليفة بغداد للتداول4.

وأتبع الأمين ذلك بأن أرسل إلى الكعبة وأتى بكتابي العهد اللذين كتبهما الرشيد ومزقهما. وخرج من حيز الكلام إلى حيز العمل وكلف علي بن عيسى بن ماهان القائم بأمر ولي العهد الجديد بالسير إلى خراسان للقبض على ولي العهد المخلوع، وتنفيذ ما اتخذه من اجراءات ضده.

ولا شك في أن اختيار بن ماهان للقيام بهذه المهمة لم يكن اختياراً موفقاً، فالرجل معروف بسوء السيرة في خراسان لجشعه في ابتزاز الأمـــوال، حتى اضطر الرشيد إلى عزله بعد أن جمع ثروة طائلة، وبعد أن كان يقاسمه في استغلاله للبلاد. والظاهر أن الأموال الشخصية قامت بدورها في هذا الاختيار، فابن ماهان كان يطمع في العودة إلى نسبه القديم المغري، وربما أراد الأمين أن يكيد لأهل خراسان فولاه هذا الأمر نكاية فيهم، ولكن بلغ عدم التوفيق هذا، حداً قيل معه أن عيناً للفضل ابن سهل هو الذي أشار بانفاذه حتى يقاومه أهل خراسان.

بداية الصراع:


سار علي بن عيسى على رأس ٥٠ ألف رجل، وخرج أهل دولته لوداعه. واتجه جيش بغداد نحو الري حيث كان طاهر بن الحسين قائد المأمون يعد الحدة للدفاع ويستعد للقتال. وحاول علي ابن عيسى أن يستغل معرفته السابقة للبلاد والاتصال بالملوك الوطنيين وإثارتهم، هذا ولو أننا لا نعرف إلى أي حد نجحت هذه الخطة رغم ما يقوله الكتاب من أن هؤلاء الملوك أجابوه إلى قطع طريق خراسان، ولكـن المحقق أن ابن ماهان استعان بأمر طاهر، إذ تقول النصوص بأنه لما طلب إليه أصحابه بث العيون وعمل خندق، قال: "مثل طاهر لا يستعد له". وخرج طاهر من مدينة الري في جيش قليل العدد (نسبياً ٤ آلاف) حيث عسكر على بعد قليل منها (٥ فراسخ) كما حرص جنده على القتـال، خالعاً الأمين داعياً بالخلافة للمأمون. وكان الغرض هو إعطاء موقف جيشـه صفة شرعية حتى لا يخيل للبند أنهم يقفون موقف الخارجين على صاحب الأمر. واتخذ كل من الجيشين تشكيل القتال ووقف الواحد منهما أمام الآخر.

وبدأ طاهر بمظاهرة سياسية بأن حمل صاحب شرطته بيعة المأمـون وعلقها على رمح، ودعا علي بن عيسى إلى تقوى الله في البيعة التي أخذها، ولما خرج أحد أصحاب ابن ماهان عليه بالسيف أظهر شجاعة فائقة، إذ حمل عليه وأخذ منه السيف بيديه وصرعه، ولهذا سمي طاهر "ذو اليمينين"5. وفي هذه الأثناء حدثت مفاجأة سيئة بالنسبة لطاهر، وذلك أن أهل الري أغلقوا باب المدينة دون عسكره، ولكن يظهر أنه كان يتوقع مثل هذا منهم، ولذلك فضل الخروج والقتال بعيداً عن المدينة، فأمر أصحابه بالاشتغال بمن أمامهم فقط. وبدأ القتال في صالح علي بن عيسى فهزمت ميمنته ميسرة طاهر عزيمة منكرة، وعرجت ميسرته على ميمنة طاهر فزحزحتها عن مواضعها. ولكن طاهر أظهر كفاءة عسكرية عظيمة فلم يفت سوء الموقف فـي عضده، فأمر أصحابه بالقيام بهجوم خاطف (حملة خارجية) على قلب علـي ابن عيسى. وبفضل ذلك الهجوم القوي تحول الموقف لصالح طاهر فانسحب جناحا ابن ماهان، وكثر القتل في أصحابه وسقط هو قتيلاً بضربة سيف فـي الميدان. ولم ينقذ المنهزمين إلا حلول الليل بعد أن التجأ كثيرون منهم إلى معسكر طاهر، بعد أن أمنهم.

الزحف على بغـداد:


كانت هذه الوقعة فاتحة سلسلة من الانتصارات قادت طاهر من الري الى بغداد، تعيد الى الذهن الحملة المظفرة التي قام بها قحطبة بن صالح من خراسان الى العراق. وتمكن طاهر بعد ذلك من هزيمة قائد الأمين عبد الرحمن بن جبلة الذي ولي همذان، والذي كان يأمل أن يلي كـل ما يفتحه من أرض خراسان. هزمه طاهر مرتين، وحاصر مدينة همدان حتى ضجر أهل المدينة، فطلب عبد الرحمن الأمان وخرج عن المدينة، ولكنه كان يضمر الغدر بطاهر إذ شن عليه هجوماً شديداً يائساً انتهى بقتله وهزيمة أصحابه. كان هذا الرجل متعصباً للأمين ضد المأمون في أول الأمر فقال لا يرى أمير المؤمنين وجهه أبدا، وبعد الاستيلاء على همدان عمل طاهر على تأمين ظهيرة قواته عن طريق احتلال قزوين، ولم ينتظر قائد الأمين وجيشه الكثيـف وصول طاهر إذ أنه رأى الجلاء عن البلاد، فوضع طاهر حامية لمنع مرور أيــة قوات من هناك. وبذلك خلت البلاد لطاهر فتقدم يحتل الكور والمدن حتى وصل الى قرب حلوان، حيث عسكر هناك. وكان للانتصارين اللذين أحرزهما طاهـر أثرهما الكبير في إضعاف الروح المعنوية لدى قواد وجيوش الأمين. فبعد أن بحث الفضل بن الربيع عن قائد متعصب للعرب، هو أسد بن يزيـد ابن مزيد، وبعد أن حرمه من أجل المحافظة على قوة الشعب العربي6. فشـل في تسييره، إذ كان للقائد العربي مطالب مالية7 لم يقابلها الأمين بالرفض فقط بل أمر بحبسه كذلك. وأخيراً نجح في تسيير عم أسد، وهو أحمد بن مزيد لحرب طاهر، وسير معه عبد الله بن حميد بن قحطبة، ولكنهما لـم يتقدما إلى أبعد من خانقين. واكتفى طاهر بأن ظل في مكانه ودس عليهم الجواسيس والعيون، ولم يزل يحتال حتى وقع الاختلاف في معسكر أعدائه8، وقاتل بعضهم بعضاً حتى اضطر قائدا بغداد إلى الرجوع عن خانقيـن دون ملاقاة طاهر الذي تقدم ونزل حلوان نفسها.

الاضطراب في الشام:


في هذا الوقت بينما كانت الأمور مستقرة في خراسان، وبينما كان أمر المأمون في تحسن مستمر، بدأ مغرب الدولة ومركز الخلافة يضطرب، وسارت الأمور على غير ما يشتهي الأمين حتى أنه وقع أسيراً بين أيدي الثوار، وفقـد خلافته لفترة ما. والغريب في هذا الشأن أن بلاد الشام، وهي مركز الدولة العربية السابقة، ومعقد آمال الشعب العربي وأمانيه في هذا الصراع العنصري كانت lهب الفتن والقلاقل منذ البداية.

ففي سنة ١٩٤هـ ثارت مصر على عامل الأمين فعزله، ولكنه ولى آخـــراً حتى طلبوا الأمان ثم عاجوا بعد ذلك فاضطر الى الانتقام منهم من جديد. وفي السنة التالية سنة ١٩٥هـ، وأثناء انهزام جيوش الأميـن أمام طاهر ظن أهل الشام أن أمر العباسيين ودولة الفرس إلى بوار، فثـارت دمشق ودعت إلى عودة الأمويين (السفياني المنتظر) وأعلنت أحد حفدة معاوية ويدعى أبو العميطر (علي بن عبد الله خالد) وكان علوي الأم (نفيسة بنت عبد الله) مشتغلاً بالعلم، ويبلغ من العمر ٩٠ عاما، خليفة (ذي الحجة). وتمكن أبو العميطر من إخراج عامل دمشق وذلك بفضل معونة أحد موالي بني أمية، وعندها سير الأمين لحربه الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان لم يسر هـذا الأخير إلى دمشق بل اكتفى بالانتظار بالرقة.

وأحسن السفياني السيرة أول الأمر ولكنه لم يكن ليستطيع القضاء علـى الخصومات القديمة بين العصبيات العربية من كلب وقيس أو التوفيق بينهما. ففي أول الأمر اتخذ أكثر أصحابه من كلب، ولكنه عاد وخاصمهم واتفق مع قيس. ولكن الزعيم الكلابي محمد بن صالح ابن بيهس أوقع به هزيمة منكرة وحاصره في دمشـق وقتل ابنه وأرسل رأسه للأمين. وحدث أن مرض ابن بيهس فعمل على الكيـد للسفياني فبايع أموياً آخر بالخلافة (مسلمة بن يعقوب) ونجحت خطته، وتمكـن الأموي الجديد من القبض على السفياني، وقرب الفيسية منه. فلما عوفي ابـن بيهس من مرضه عاد وحاضر دمشق فسلمها إليه القيسية وهرب الأموي والسفياني بعد أن دامت الفتنة حوالي ٣ سنوات (محرم سنة ١٤٨هـ). وظل ابن بيهس بدمشق حتى وصل إليها عبد الله بن طاهر.

وكان عبد الملك بن صالح، الذي أخرجه الأمين من السجن عند ولايته9، قد حاول أن يجد علاجاً لنكبة الشام فطلب إلى الأمين أن يوليه إياها ومناه بأنه يمكنه أن يجيش أهل الشام لنجدته. ولكن فشل عبد الملك في مهمته. إذ قامت الفتنة بين الخراسانيين وأهل الشام بينما كان هو مريضا، وانتهت الفتن بانهزام العرب، فمات الرجل سنة ١٤٦هـ متأسفاً لنكبتهم وضياع أوله فيهم. ويطمئن كذلك الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان الذي كان ارسله الأمين الى الشام من تقويم الحالة بعد موت عبد الملك فعاد إلى بغداد. ولما أراد الأمين أن يحاسبه عما فعل رفع راية العصيان، وهزمم جند الخليفة وأعلـــن خلعه (۱۱ رجب)، وأخذ البيعة للمأمون، ولم ينقض يومان حتى كان الخليفة أسيراً، هو وأمه زبيدة، وتم ذلك بتدبير العباس بن موسى بن عيسى الذي كان قد استماله الفضل بن سهل - كما رأينا، ولكن الحسين لم يستطع السيطرة على الموقف، فثار به الجند وأطلق الأمين، وأعيد إلى كرسي الخلافة. وبذلك، قدر للنزاع بين الأخوين أن يستمر مدة أطول.

وفي هذه الأثناء وقعت بغداد فريسة للفوضى، وبلغ من حرج مركـز الأمين أنه لم ينتقم من الرجل الذي خلعه بل عفا عنه10، وأكثر من هذا أنه لم يجد قائداً غيره للقيام بحرب المأمون11، فوجهه لذلك. ولكن الحسين كان قد فقد الثقة في موقف الأمين فحاول الهرب إلا أنه أخذ وقتل. وظهر الفشل في حزب بغداد بهرب الفضل بن الربيع، وكان القوة المحركة لهذا الحزب واختفائه بعد مقتل الحسين.

ظهر بجلاء إذن أن موقف بغداد ميئوس منه، وكان من الطبيعي أن تتقدم جيوش خراسان بسهولة وألا يصادف، طاهر بن الحسين عقبات خطيــرة، فتمكن من الاستيلاء على الأهواز، بعد أن حاول واليها الدفاع عنها فلقي حتفه، كما أن طاهر أصيب في هذه المعركة بجراح بليغة (فقطعت يده). وباستيلائه على الأهواز تمكن من السيطرة على المنامة والبحرين وعمان (علـى الخليج الفارسي من شبه جزيرة العرب) وأرسل إليها عمالاً يلونها من طرفه. واستمر تقدم طاهر المظفر دون مقاومة حتى أتى واسط التي استسلمت للخراسانية دون مقاومة هذه المرة، ومنها أرسل أحد قواده إلى الكوفة وكانت قد خلعت الأمين واعترفت بخلافة المأمون (كان عليها العباس بن موسى صنيعة ابن سهل). ولم تفلح محاولات بغداد لاستردادها12.

وبذلك تم لطاهر الاستيلاء على كل الأراضي الواقعة بين واسط والكوفة كما أعلن والي البصرة خضوعه له، وأعقبه والي الموصل. وبهذا أصبحت بغداد شبه محاصرة وانقطعت عن كل الولايات الشرقية والجنوبية، وتم خروج كل بلاد العرب جميعاً من سلطان الأمين، بدخول مكة والمدينة في طاعة المأمون. ورغم أن موقف الأمين كان لا يبشر بأي أمل إلا أنه ظل جامداً في تصرفاته لا يريد ســـــــــوى التشبث بعاصمة الخلافة التي أصبحت محاصرة (لم يصبح لها اتصال إلا ببلاد الشام المضطربة). فهو لا يريد الخروج منها - كما نصحه بعض الناس - ومحاولة تنظیم قواته من جديد بالشام، ولا هو يحاول المرونة واستعمال السياسة ومفاوضة أعدائه في سبيل انقاذ ما يمكن انقاذه - إذا كان هناك ما يمكن إنقاذه.

في هذه الظروف تقدمت جيوش المأمون، وصارت تقترب من بغداد شيئا فشيئا، وكانت كلما قربت اضطرب أمر الجيوش البغدادية وانسحب أفرادهـا. هذا ما حدث بالمدائن (على بعد ٤ كلم من بغداد) حيث نزل طاهـر (بصرصر) وما حدث بالنهروان حيث نزل هرثمة بن أعين. كل هذا والأمين لا يفقد الأمل، بل وربما اعتقد في مقدرة بغداد وحدها على استعادة دولتها المفقودة. ففي محاولة أخيرة عمل على استمالة جيوش طاهر ببذل الأمـــوال والتلويح ببريق الذهب، ودس بينهم الجواسيس. ونجحت التجربة جزئيا، إذ شغب بعض الجند على طاهر وانضم فريق منهم إلى جانب الأمين (حوالـي ٥ الاف)، ولكن النجاح لم يذهب إلى أبعد من ذلك، إذ تمكن طاهر بسرعة من السيطرة على رجاله، وعزم جيش بغداد الذي اقترب من مواقعه فلجأ إلى داخل المدينة التي أصبحت مطوقة تماماً من جميع الجهات. وأفلت زمام القـــواد - الذين كانوا يطلبون المال بجشع والحاح - من يدى الأمين، وعمت العاصمة الفوضى، فنقبت السجون وخرج أهلها، وثار العامة والغـوغـاء وساد النهب والسلب والاضطراب.

رغم حالة الفوضى التي عمت بغداد لم يكن من السهل أخذ المدينة التي بناها المنصور لتكون أولاً وقبل كل شيء معسكرا لجنوده، وملجأ يستقر فيه في مفاجاة الأعداء. فللمدينة سوراها الضخمان، والخنـدق الممتد بينهما، ثم هي مقسمة بعد ذلك إلى أحياء (أرباع) شبه منفصلـة تتوسطها المدينة الملكية، ويمكن لكل منها أن ينظم دفاعه الخاص. بعد ذلك هناك الأحياء والأسواق خارج الأسوار وهي مكتظة بالمباني والسكان ويمكن الاعتصام بها.

عرف طاهر ذلك وعمل على ضرب حصار محكم حول المعسكر الضخم. فقسم دائرة الحصار الى أربع مناطق، وعهد بكل منطقة إلى قائد. ونــزل هرثمة بالمنطقة الشرقية (وراء دجلة) بينما نزل طاهر بالمنطقة الغربية مـن ناحية باب الأنبار (باب الكوفة).

وصمم الأمين من جهته على المقاومة المستميتة دون النظر إلى العواقب مضحيا بمدينة الخلفاء العالمية. فلما أحوجه المال ضرب آنية الذهب والفضة وفرقها في أصحابه، ولما خرجت عليه أحياء المدينة أمر بإحراقها رمياً بالنفط والنيران وبالمجانيق. ولم يتورع طاهر عن فعل مثل هذا أيضاً بالنسبـة للأحياء التي ظلت تقاومه وسماها دار النكث (أهل الأرباض ومدينة المنصــور وأسواق الكرخ والخلد، لامتلائها بالعامة والغوغاء ). كما أنه لجأ إلى إرهاب الأعيان الذين لم يخرجوا إليه من الهاشميين وكبار القواد في أموالهم وأملاكهم فصادر مزارعهم الموجودة خارج المدينة.

ولم يمض وقت طويل حتى انتهت المقاومة النظامية وانهارت معنـويـات الجنود، وضعفوا عن القتال. كما استأمن كثير من وجوه المدينة ومن القـواد وظل الغوغاء وأهل السوق وباعة الطريق، من أعداء النظام والأمن ينهبون ويسلبون ويقاومون جنود طاهر. ورغم أنهم لم يكونوا مسلحين أو كانوا يحملـون أسلحة بدائية مثل المخالي فيها الصخـر والحجارة، ومعها المقاليع، فإنهم أمكنهم شل حركة جيوش طاهر النظامية لمدة ما، بل وأكثر من هذا تمكنوا أثناء قتال الشوارع والبيوت، من أن يلحقوا بهم في بعض الأحيان خسائـر فادحة وأن يحرزوا بعض الانتصارات أيضاً. واتخذ طاهر إزاء هذه المقاومة إجراءات شديدة فأمر بهدم كثير من الدور والأحياء (ما بين دجلة ودار الرقيق، وباب الشام، وباب الكوفة إلى الصراة وربض حميد ونهر كرخایا) حتى عم الخراب واضطر كثير من أهل المدينة إلى الجلاء عنها. وبعد ذلك عمـد إلى منع الأقوات عن المدينة (صرف السفن التي يحمل فيها القوت إلـــــى الفرات) فغلا السحر وأصبح الناس في ضيق شديد.

سقوط بغداد ونهاية الأمين:


وأخيرا تقدم طاهر من جهة الكرخ وتمكن من دخول المدينة عنـــــــوة واحتل أسواق الكرخ ثم عمل على حصار مدينة المنصور - المدينة الملكية وسط بغداد - حيث كان الأمين قد التجأ هو وأمه وأهله بعد أن فارقه كثير من جنده وجواريه، وأحاط قصورها (قصر زبيدة وقصر الخلد) بالمجانيق. ورغم هذا الضيق الشديد الذي وقع فيه الأمين فإنه لم يتخل عن عاداته من الانصراف إلى الغناء والاستمتاع بالشراب والموسيقى - وربما وجد في ذلـك بعض التخفيف من محنته، وكان هذا إيذاناً بالنهاية، إذ لم يعد أمامه أحد شيئين: إما القيام بمحاولة يائسة لاختراق صفوف المحاصرين بما تبقى لديه من الخيل، وإما الاستسلام وطلب الأمان. ولما لم يكن الأمين من هؤلاء الرجال الذين يزدادون عزماً كلما ازدادت الصعاب شدة، فانه ركن إلى طلب الأمان، وكل ما فعله أنه لم يرني أن يكون استسلامه لطاهر بل فضل عليه هرثمة بن أعين.

وكان من الطبيعي أن يثير ذلك طاهراً صاحب الحصار. وتمكن الطرفان من إيجاد حل لذلك، إذ اتفق على أن يدفع الأمين شعار الخلافة - الخاتم والقضيب والبردة - إلى طاهر. وأتى هرثمة بحراقة في دجلــة ونقل الأمين إليها (وحده) ولكن طاهراً لم يكن ليرضى أن يفوته شــــــــــرف استسلام الخليفة. فدبر إغراق الحراقة بأيدي أصحابه تدبيراً سافراً. وتنتهي قصة الأمين نهاية مأساة روائية (تراجيدية) بأن يؤسر وهو شبه عريان ويحبس في إحدى الدور. وفي ظلام منتصف الليل الذي تبدده بعض المشاعـل يدخل عليه بعض الرجال من العجم ويذبحونه ذبح الشاة من قفاه (في يوم الأحد ٢٣ محرم سنة ١٩٨هـ) ويسيروا برأسه الى طاهر الذي يرسلهـا بدوره إلى المأمون صاحب العرش دون منافس.

استسلمت بغداد بعد إذن، وفي يوم الجمعة التالي (۲۸ المحرم) دخل طاهر بغداد وصلى الجمعة ودعا للمأمون. وكان المتوقع أن تهدأ الأحوال ويستتب الأمن وتستقر الأمور بعد موت الأمين وخلوص الأمـر للمأمون، وهذا ما لم يحدث. فالمسألة كانت أكثر من ذلك تعقيداً، إذ معنى انتصار صاحب الولايات الشرقية هو أن مركز الخلافة والحكم كان يتزحزح نحو المشرق. وفعلاً لن يدخل المأمون بغداد إلا بعد ست (٦) سنوات قضاها في عاصمة ولايته الشرقية مرو. وخلال هذه السنوات الست ستعرف بغداد كمــا ستعرف الولايات الغربية ألواناً من الاضطراب وصنوفاً من الفتن والثورات، وذلك حتى يعود الخليفة من جديد إلى عاصمة الدولة "بغداد ".

فبعد دخول طاهر بغداد لم تلبث الثورة أن شبت بالمدينة واشتـــرك فيها الجند الذين طالبوا بأرزاقهم ونادوا بموسى بن الأمين. وظن طاهـر أن في الامر مؤامرة فخرج عن المدينة وعزم على التنكيل بأهل الأرباض، لـولا تدخل الأعيان واعتذارهم إليه. وعندئذ حمل طاهر ولدي الأمين وهما موسى وعبد الله وأمر بتسييرهما إلى المأمون بخراسان.


  1. انظر، أ.د. سعد زغلول، التاريخ العباسي والأندلسي، ص ١١٤.
  2. ابن الأثیر، الکامل ،ج ٥، ص ۱۳۷ (ذكر ابتداء الخلاف بين الأمين والمأمون).
  3. كتب له المأمون: "انما أنا عامل من عمال أمير المؤمنين وعون من أعوانه أمرني الرشيد - معناه تمسكه بوصية أبيه - بلزوم الثغر ولعمري أن مقامي به أرد على أمير المؤمنين وأعظم غناء للمسلمين".
    انظر، ابن الأثير، ج ٥، ص ١٣٩ - ١٤٠.
  4. انظر، ابن الأثير، الكامل ،ج ٥، ص ١٤٢، أحداث سنة ١٩٥هـ (ذكر قطـع خطبة المأمون)، أ.د سعد زغلول، ص ۱۱۷.
  5. انظر، ابن الأثير، ج ٥، ص ١٤٣ - ١٤٥.
  6. قال له: إنما نحن شعب من أصل أن قوي قوينا وإن ضعف ضعفنا - وبعد أن ينقد الأمين للهوه وعبثه يقول: وقد خشيت أن نهلك بهلاكه وأنست فارس العرب وابن فارسها. انظر، ابن الأثير، ٥، ص ١٤٨ - ١٤٩.
  7. طالب بصرف رزق سنة وحمل رزق سنة أخرى مع الحملة.
  8. كانوا يرجفون أن الأمين وضع العطاء.
  9. وكان الرشيد قد حبسه أيام نكبة البرامكة. انظر، ابن الأثير، ج ٥، ص ١٥٠.
  10. قال الحسين عندما طلبه الأمين: "ما أنا بمغن ولا مسامر ولا مضحك. انظر، ابن الأثير، ج ٥، ص ١٥١.
  11. قيل ما هو بأكبرنا سناً وما هو بأكبر منا حسباً ولا بأعظمنا منزلة وغنى. انظـر ابن الأثير، ج ٥، ص ١٥٢.
  12. وكان لهذا معناه الكبير في شرعية خلافة المأمون - إذ أن الوالي عيسى بن موسى كان قد غضب عندما أخذ الأمين كتابي الرشيد من الكعبة وخلع المأمون نظراً لأنه كان أحد الشهود - جمع الناس (شعبان) وخلع محمدا (الأمين) وبايع للمأمون، وأخبر المأمون بذلك على طريق البصرة ثم فارس، ثم كرمان، فسر المأمون واستعمله على مكة والمدينة وأرسل معه والياً لليمن.