محاضرات في تاريخ الدولة العباسية/الباب الأول، الفصل العاشر: خلافة المعتصم


الفصـل العاشـر

خلافة المعتصم:


بعد وفاة المأمون لم يعتل العرش ابنه العباس بل اعتلاه أخوه أبـو إسحق محمد المعتصم بن الرشيد، الذي كان يلي مصر حتى ذلك الوقت والذي أوصى له المأمون بالخلافة من بعده. وعمد المأمون هذا بالخلافة لأخيه بدلاً من ابنه يدل على أنه لم يكن مهتماً كثيراً بأن تكون الخلافة في عقبه كما كان الحال بالنسبة لأسلافه - وأنه كان زاهداً فعلاً في السلطان أيام ولي عهده الطالبي وأنه كان يفكر في ذلك الوقت في حل المشكلة العلوية العباسية.

ولعصر المعتصم أهمية كبيرة في تاريخ الأسرة العباسية بصفة خاصـة وفي تاريخ الإسلام بصفة عامة. ففي أيامه بدأ الترك من حرس الخليفة يظهرون في مركز الإمبراطورية ويستولون شيئاً فشيئاً على الوظائف الكبرى في الجيش، ويقضون على نفوذ الفرس في عاصمة الخلافة، ويمهدون للفترة التالية التي يمكن تحديدها ببناء سامرا ثم بظهور وظيفة أمير الأمراء على عهد المقتدر (٢٩٥ – ۳۲۰هـ / ۱۰۸ – ۹۳۲م)، وغلبة المملوك (كبير قواد الحرس التركي) على السيد (الخليفة) والتي يمكن أن نسميها دولة الترك. وطبيعـي ألا يتم هذا التطور فجأة في خلافة المعتصم التي تعتبر استمراراً لعهد المأمون. فالمأمون هو الذي بدأ استعمال الحرس التركي، وكبار قواد المعتصم من الترك هم أنفسهم قواد المأمون، كما أن العاصمة التركية الجديدة - سامرا - ابتدئ في إنشائها على عهده كذلك (بل على عهد الرشيد من قبل).

اعتلى المعتصم عرش بغداد عقب وفاة المأمون دون نزاع، إذ أن الجيش الذي كان قد بايع ابن المأمون وهو العباس، ترك المناداة به خليفة عنـد وصول المعتصم واعتراف العباس به. ولكن الاضطراب الذي عاناه العراق كـان يظهر إلى حد كبير كيف تدهورت الأسرة العباسية وكيف انحطت هيبتها كما لم يحدث من قبل.

ففي جنوب العراق في منطقة المستنقعات بين البصرة وواسط حيث كـــان الساسانيون قد أقاموا قبيلة هندية وطنية في قبيلة الجات Jat المسماة بالعربية "الزط"، التي تركت وطنها لأسباب غير معروفة، كما حدث لأقاربهم مـن البوهيميين. وبينما كان المسلمون يستعملونهم فيما مضى بثقة في الجيش فإنهم أصبحوا على عهد المأمون من الخارجين على الدولة، فضايقوا القوافل، وعبثـوا بالطرق بين بغداد والبصرة لسنوات عديدة. ووجد المعتصم نفسه مضطرا لأن يتخذ إجراءات شديدة ضدهم فوجه إليهم القائد العربي عجيف بن عنبســة الذي أقام نقطاً للمراقبة في جميع أنحاء المنطقة وسد الأنهر والقنوات التي كانوا يتسربون منها، وأخذ عليهم المسالك. واستمرت هذه العمليات طــــــــوال ٧ أشهر عـام ۲۱۹هـ لحقت بالزط أثناءها خسائر كبيرة نسبياً، إذ أسـر منهم في معركة واحدة ٥٠٠ رجل وقتل ۳۰۰ رجل، وانتهت باستسلامهم فـي نهاية هذا العام.

وبلغت عدة القبيلة المستسلمة ١٢ ألفا من المقاتلة، و۲۷ ألفاً مـن النساء والصبيان، وشحنوا جميعاً في السفن (سفنهم) ودخلوا بغداد في شكل عرض بديع، وهم على هيئة الحرب ينفخون في البوقات أثناء مرورهم أمام سفينـة المعتصم. وتخلص الخليفة منهم بعد ذلك بأن سيرهم (نقلهم) إلى قلعـة عين زربة على الحدود البيزنطية في منطقة قاليقلا (ومن هناك مروا إلـى أوروبا كما يظن بعد أن أغارت الروم عليهم فاجتاحوهم فلم يفلت منهم أحد كما يقول ابن الأثير).

ثـورة العلويين في خراسان:


وفي نفس هذا الوقت ثار محمد بن القاسم العلوي بالطالقان من أرض خراسان وكان هذا الرجل يقيم في المدينة ملازماً مسجد النبي ، فآتاه كثيـر من الخراسانية وبايعوه بالخلافة وطلبوا إليه المسير إلى المشرق ففعل. وهنـاك ناهض بفضل أتباعه العديدين جيوش عبد الله بن طاهر ولكنه انهزم أخيـــــــرا وقبض عليه بمدينة نسا فسير به إلى المعتصم حيث حبس عند أحد رجال الحاشية من الحرس التركي (مسرور الخادم الكبير). وربما أثارت هذه الثورة حقد المعتصم على العلويين. ففي السنة التالية ٢٢٢هـ توفـي الرضا زوج ابنة المأمون ببغداد، وهو في عنفوان الشباب (٢٥ سنة) وهنـاك ما يدعو إلى التساؤل عما إذا كان للخليفة يد في تدبير هذه الوفاة.

الحرس التركي وسامرا:


وكان النزاع بين العرب والفرس الذين حاباهم المأمون بشكل محسوس من الأسباب التي ألجات المأمون في أوائل سني حكمه إلى العهد بحراسته الخاصة إلى فرقة من المماليك (العبيد) من الترك وغيرهم. هذا الحـرس كان يتكون على عهد المعتصم من أكثرية من المغاربة (أهل الحوف من مصر سماهم المغاربة) وجزءاً من الترك (من سمرقند وأشروسنة وفرغانة وسماهـم الفراغنة). كما أن تكوين الجيش العباسي تغير هو الآخر، ومنذ عهـد المعتصم ظهرت فرق المرتزقة الحقيقية من الترك والبربر والصقالبة والسودان.

هولاء الترك كانوا يأتون من البلاد الواقعة وراء نهر جيجون کأسـری - فالصراع المستمر ضد شعوب الترك فيما وراء النهر سمح بتقدير قيمتهم العسكرية - أو بصفة جزء من الضريبة التي يرسلها الأمراء الوطنيون. كما كانوا يأتون عن طريق تجارة الرقيق. وحتى ذلك الوقت كانت قيادة هـؤلاء الجند معهودة إلى قواد من غيرهم. ولكن المعتصم ظن أنه من السياسة ضمان زيادة إخلاصهم عن طريق شغل مراتب القيادة بمماليك مـن بينهم أيضا. وحدث على أيامه أن هؤلاء القواد الذين أوجدتهم الصـدف أصبح لهم من النفوذ في الإدارة ما جعلهم رؤساء الدولة فعلا.

وأسكن المعتصم هذا الحرس ببغداد، وكان هؤلاء المماليك الذي يلبسون الحرير ويرفلون في الديباج يعاملون العاصمة معاملة البلد المفتوح. فقد كانوا حفاة يركبون الدواب فيركضونها إلى الشوارع فيصدمون الرجل والمرأة والصبي فيأخذهم الأبناء عن دوابهم ويضربونهم وربما هلك أحدهم فتأذى بهم النــاس. وتمتع رؤساء الترك ممن ولدوا عبيداً أمثال الأفشين بكل أفضال الخليفة. فكان تصرف هولاء الأجانب (العلوج) والمكانة التي أعطيت لهم في الدولة سبباً في إثارة عدم رضاء أهل المدن من العرب والخراسانية الذين فقدوا مراكزهم ولذلك أصبحت بغداد عدوة للعباسيين، وكان هذا هو السبب الأول في أن قرر المعتصم الانتقال إلى سامرا سنة ٢٢١هـ / ٨٣٦م، على مسافة مائة كيلومتر أعلى بغداد على الضفة الشرقية لدجلة.

وفي الإطار الزاهر الذي أحاط بسامرا التي كان كل خليفة يزيد مـن بهائها ببناء العمارات الفخمة، ظهر وكأن الدولة تحت سلطة هولاء التـرك تأخذ مع مرور الوقت شكل دولة استبدادية. فأمير المؤمنين يعيش في رعـب الخيانات، التي كان يتلافاها بوحشية: اذ تتتابع ثورات القصر بشكل سريع منتظم، وتنتهي باغتيال الأمير أو تتفادى بقتل المقربين من ثقاة رجـال الحاشية أو كبار القواد من الذين يشك في أمرهم. وخلال هذه الأحـداث التي كانت تتوالى بشكل رتيب انتهى الأمر بأن سيطر رؤساء الترك على ادارة الدولة. ولقد لاحظ هذا الخطر الذي كان يهدد العرب منذ وقت مبكـر بعض النابهين من كتاب العرب. فمن الغريب ان يضع ابن سعد في كتابـه "الطبقات الكبرى" الذي صنفه على عهد المعتصم حديثاً منسوباً إلى النبي، وهو مصطنع في أغلب الظن، يقول: "الترك أول من يسلب أمتي ما خـولـوا".

الترك والقضاء على ثورة بابك:


والى نشاط المعتصم وقوة هؤلاء الترك يرجع الفضل في القضاء على الثورة البابكية الخرمية بأذربيجان. وقائد المعتصم التركي الشهير الذي سيقضي على هذه الحركة هو حيدر بن كاوس المعروف بالأفشين، لقب أجداده الذين كانوا أمراء أشروسنة القدامى من أرض ما وراء النهر. فعقب وفاة المأمون مباشرة أرسل المعتصم جيشاً على رأسه اسحق بن ابراهيم بن مصعب إلى همذان حيث كان الخرمية قد تجمعوا. هذا الجيش تمكن من الإيقاع بالثوار فقتل منهم عددا كبيرا (ما بين ٦٠ و١٠٠ ألفا؟)، وفر الباقون متسربين الى الأراضي البيزنطية، ورجع إسحق إلى بغداد يحمل الأسرى منهم .

بعد ذلك عزم المعتصم على أن يضع حداً للثورة الخطيرة بأن يوجه اهتمامه الكلي، وأن يسخر كل موارد الدولة لذلك الغرض، بعد فشـل الحملات السابقة في إقرار الأمور. وجه المعتصم الأفشين سنة ٢٢٠هـ لحـرب بابك وأمده بالقواد والأموال، وعمل الأفشين بنشاط وحزم في وضع الخطة المناسبة للفوز بالثائر الصعب المنال، فأمر باعادة بناء وتحصين المراكز التـي خربها الثوار وشحنها بالمقاتلة، كما ضبط الطرق والحصون ووزع قواده فـي النقاط الاستراتيجية المهمة وبذلك عملت حاميات الخلافة على الإيقاع بسرايـا الخرمية حربا وغدرا. كما استعمل الأفشين الذي استقر برزند سلاح المال في شراء الجواسيس والعيون من رجال الأعداء.

ونجحت هذه الخطة، إذ بفضل الجواسيس، تمكن الأفشين من الإيقاع برجال بابك الذين خرجوا ليقطعوا الطريق على قافلة المال التي أرسلها المعتصم للجيوش المحاربة. وكان الخرمية قد قتلوا صاحب النهر ومن معه من الجند ولبسوا لباسهم وتنكروا ليأخذوا صاحب القافلة. ولكن رغم ذلك كان مركز جيوش الخلافة صعبا، كما كانت خطوط إمداداتهم مهددة، إذ تمكن الخرمية من بعض قوافل تموين الأفشين فأصابوها - وأخذوا ألف ثور غيـر الدواب التي كان قد أرسلها صاحب مراغة - حتى تحط العسكر لذلك وأصابهم الضيق.

واستمرت المناوشات سنة ٢٢١هـ وكانت الانتصارات والهزائم متبادلة، فعندما تهور بغا الكبير حتى مركز قيادة بابك (في قرية البذ) خرج عليـه عسكر بابك وهزموا جنوده فرجع مدحورا. ودبر الأفشين خطة ليهاجم هو وبغا الخرمية من وجهين حتى يأخذوهم فجأة، ولكن شدة البرد حالت دون تنفيذها، كما رسمت. فمع أن الأفشين تمكن من هزيمة الخرمية إلا أن جيش بغا قاسـی ويلات شديدة عندما التجأ إلى قمة أحد الجبال لقضاء الليل مخافة العدو، وعند انسحابه فاجأه أصحاب بابك في المسالك الوعرة فلم يفكر الجند سوى في الهرب بأي ثمن، فألقوا سلاحهم، واكتفى الخرمية من جهتهم بأخذ المال والسلاح ولم يتبعونهم. وبحلول فصل الشتاء واشتداد البرد توقفت العمليات العسكرية ووزع الجند في المشاتي انتظارا لحلول الربيع.

وفي سنة ٢٢٢هـ أرسل المعتصم الإمدادات والأموال، عندما تحسنت الأحوال الجوية، الى أفشين، وعادت المناوشات التي اشترك فيها بخاری – خداة الى جانب جيش الخليفة، ولكنها انتهت نهاية حاسمة، إذ سقطت قلعـة بابك، ودخلها المسلمون بعدما هرب بابك الذي أسر بعد قليل.

ويتلخص موقف كل من الطرفين المتحاربين وتكتيك المعركة فيما يلي: في أول الأمر كانت دوريات الأفشين تواصل العمل (نوائب) على ظهور الخيل نهارا وليلا، حسب أوامر المعتصم، حتى في الجند وطلبوا وضع حد للمأساة الدامية والقيام بعمل حاسم وخلال رنين السلاح وصهيل الخيل لم تك العلاقات منقطعة تماما بين بابك والأفشين، إذ تبودلت المراسلات بينهما. إذ تقول النصوص أن بابك أرسل قثاء وبطيخ للأفشين، وأن الأفشين أطلع رسـول بابك على تحصينات جيش الخلافة، وذلك بغرض استمالة الواحد منهما الـى رأي الآخر. وخلال هذه المحادثات قام الأفشين باتخاذ بعض المواقع فـي الجبال وحصنها وبدأ ينفذ خطته للهجوم، وذلك بتقدم طلائعه نحو مراكز الخرمية لمعرفة مواضع الضعف فيها، واتخاذ الاحتياطات المناسبة لتلافي هجوم خلفي قد يقصد منه قطع اتصالهم ببقية الجيش فكانت حراسة خط رجوع الجيش (عن طريق المفازة، على رأس العقبة) موكولة الى بخاری - خداة.

أما عن بابك فإنه كان لا يحارب حرب جيوش مكشوفة بل لجأ الى حرب العصابات الكبيرة، فكان يوزع أصحابه على شكل كمناء يعتمدون بشكل خاص على عنصري الاختفاء (التمويه) والمفاجأة في المواقع الاستراتيجية الحساسة. وظهرت جدوى جماعات الكمناء هذه عندما هاجم أحد جناحي جيوش الخليفة قلعة الخرمية فجأة، وكان هدفهم احتلال موضع العقبة حيث يقف بخاری - خداة في المؤخرة.

وفي النهاية وجه الأفشين الهجوم الحاسم ضد قلعة بابك، بعد أن حمّس الجند وفرق فيهم الأموال. ورد البابكية على هجوم المتطوعة بأن فتحوا بـاب القلعة وتمكنوا من رد المتطوعة وأبعدوهم عن السور، وبذلك تحطم الهجــوم واضطر الأفشين الى تغيير خطته واستعمال الدهاء والخديعة، فالى جانب تعبئته السابقة جهز جماعة من رجاله وأمرهم باحتلال مركز استراتيجي فـوق قمة الجبل الذي يتحصن فيه الخرمية، وأن ينتظروا تحرك الجيش ضد مراكـز بابك من أسفل هذا الجبل فينزلون على العدو بالنشاب والصخر، وبذلك يؤخذ من الجهتين.

وتم تنفيذ الخطة بعد أسبوعين، إذ أرسل بعض الفرق من التـــــــرك (الفراغنة) الى أسفل الجبل الذي كان يتحصن فيه القائد الخرمي أذين. وعندئذ وثب بهم كمين بابك فانحدرت الجماعة التي كانت في أعلى الجبل، وحدثت لهؤلاء الآخرين مفاجأة لم يكونوا يتوقعونها، إذ انهار عليهم سيل من الصخر كان قد أعده أذين قائد بابك فوق عجلة بقمة الجبل، إلا أنهم تفادوهــا واضطر الخرمية الى النزول الى السهل حيث هاجمهم الجيش الخلافي فـي الوادي. وتمكن الجيش بعد مصاعب جمة، مثل الآبار التي كانت تقع فيهـا الخيل والتي حفرها البابكية، وكان الفعلة يقومون بردمها، من دخول القلعـة وإحراق قصورها وتخريبها لتفادي الكمناء فيها. وأخذ الأفشين أولاد بابــــك وعيالاته، وفك من أسرى المسلمين ٦٠٠ رجل وامرأة و٧ آلاف مابين امرأة وطفل.

نهايـة بابـك:


وفيما يختص ببابك نفسه الذي أراد أن يكتسب بعض الوقت عندما طلب امهاله قليلا حتى يستسلم فإنه هرب في أحد أودية أذربيجان التي تتصل بأرض أرمينية ووصل كتاب المعتصم بالأمان لبابك ولكن هذا رفض الإذعان وفر وحده الى جبال أرمينية حيث أخذ بالحيلة وأرسل الى الأفشين. وفي أوائل سنة ٢٢٣هـ استقبلت العاصمة الجديدة سامرا الأفشين باحتفال فخم، إذ شهّر بالثائـر المهزوم فأركب أحد الفيلة واستقبله الواثق بن المعتصم ثم قصد به الأفشيـن الى قصره. وانتهت قصة بابك نهاية الذين يفسدون في الأرض، ففي قصر الخليفة وأمام المعتصم نفسه قطعت يدي الثائر ورجليه، وفصل رأسه بعد ذلك وأرسلت الى خراسان، كما صلب جسده بسامرا نفسها. ولقي أخو بابك وهو عبد الله نفس المصير ببغداد، وعلق بدنه في الجانب الشرقي من دجلة بين الجسرين. ووصل المعتصم الأفشين بالهدايا والجوائز الضخمة، كما أن البلاد التي فتحها أي اذربيجان أصبحت ولاية له.

أحوال المشرق بعد بابك:


لم يكن معنى القضاء على الحركة الخرمية بأذربيجان وأرمينية استقرار الأمور بمشرق الدولة الذي عرف سنوات أخرى من الاضطراب، إذ تمخض القضاء على الحركة الخرمية عن ثورة قائد الأفشين منکجور ببلاد بابك ولكن قضي عليه بسهولة. وبعد ذلك كان للأهواء الشخصية والصراع من أجل النفوذ بين كبار رجال الدولة مثل عبد الله بن طاهر والأفشين أثرها المباشرة في إثارة الفتن (تماماً كما حدث أيام طاهر وهرثمة وابني سهل). إذ ينسب الـى ملك طبرستان الوطني (جنوب بحر قزوين) مازيار على الثـورة ضد عبد الله بن طاهر على أمل أن يستفيد هو من ذلك عندما يستدعي الخليفة للسير الى خراسان لإقرار النظام بدلاً من ابن طاهر. إذ كان ملك طبرستان هذا على اتصال ببابك والحركة الخرمية وفعلاً أعلن مازيار الثـورة سنة ٢٢٤هـ وهدد جرجان التي فر أهلها الى [W:ar:نيسابور|نيسابور]].

وقام عبد الله بن طاهر برد فعل مباشر فوجه عمه الحسن بن الحسين في جيش كثيف لحفظ جرجان، كما وجه المعتصم قواده لحرب الثائر. وتمكن جنـد الحسن بن الحسين من أخذ قائد مازيار الذي كان يهدد جرجان على حيـن غفلة من جنده. كما استعمل حيان بن جبلة مولى عبد الله الحيلة واجتـذب الذين كانوا ينازعونه ملك البلاد أخا مازيار وبعض أقربائه واتفق معهم على أن يسلموا مازيار نظير احتفاظهم بولاية بلادهم، وهذا ما حدث فعلاً، فأخذه الحسن بن الحسين وأنفذه الى المعتصم ثم توجه الى هرمز آباد عاصمته فأحـرق قصره ونهب أمواله.

وفي سامرا شهر بالثائر الطبرستاني الذي أدخل العاصمة على بغل بعد أن امتنع عن ركوب الفيل - مثل بابك - وأمام المعتصم ضرب بالسياط حتى مات (٤٥٠ سوطاً) ثم صلب إلى جانب شبيهه الثائر الأذربيجاني (بابك).

أما عن منطقة الموصل، الممعنة في الثورة دائماً، فإن الأكراد أثاروا الفتنة فيها وتمكن قائدهم "جعفر بن فهرجس" من هزيمة والي المعتصـم الأزدي، فأرسل الخليفة قائده التركي إيتاخ الذي تمكن من قتل الثائر فـي معاقله بالجبل (جبل داسن) ونكل بالأكراد واستباح أموالهم ونساءهم ونقـل كثيراً منهم إلى منطقة تكريت (بين بغداد والموصل على دجلة).

ولم تسلم بلاد الشام من القلاقل والفتن في أواخر أيام المعتصم. ففي سنة ٢٢٦هـ قتل صاحب الخراج التركي بدمشق. وفي السنة التالية ٢٢٧هـ ظهرت أماني البلاد من جديد متبلورة في فكرة السفياني المنتظر، وذلـك عندما خرج بالرملة من نواحي فلسطين رجل من اليمن أطلق عليه اسم "المبرقع اليماني" نظراً لأنه كان يظهر متبرقعاً.

ثار هذا الرجل عندما انتهك الجند حرمة بيته (ضرب أحدهم زوجته عندما منعته من النزول في الدار أثناء غياب زوجها). وبدأ ثورته بالدعــوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم ادعى أنه أموي فتبعه بعض فلاحي الناحية، كما استجاب جماعة من رؤساء اليمانية، منهم رجل يقال له ابـن بيهس. وأرسل المعتصم وهو في فراش المرض أحد قواده لحرب الثائر، ولكن القائد وجد أن أتباع المبرقع كثيرين فانتظر أوان الزراعة حتى ينصرف المبرقـع إلى فلاحة الأرض. ولكن لن يشهد المعتصم القضاء على هذه الثورة إذ سيتم ذلك على عهد الواثق خليفته.
الحرب مع الـروم:


بقي الصراع ضد القسطنطينية الذي استمر على نفس المنوال التقليدي للدولة إلا أنه سيشتد، بصفة خاصة، بعد القضاء على الثورة البابكية. فالمعتصم بدأ خلافته بالثغر عند موت المأمون قرب طرسوس، ولما كان همه العودة إلى عاصمة الخلافة فإنه أمر بتخريب ما كان المأمون قد أمر ببنائه من حصن طوانة، وحمل ما أمكن حمله من السلاح والعتاد وأحرق الباقي، كما أعاد المقاتلة إلى بلادهم التي أتوا منها. ثم أنه عندما تخلص من الزط أرسلهم سنة ٢٢٠هـ إلى الثغر (عين زربة) حتى يتخلص من إرهاق العدوين معا.

بعد ذلك شغلت الدولة بحرب بابك، فلم تعد تضغط على حـدود بيزنطة التي انتهزت فرصة الثورة وساعدت الخرمية من جهة أرمينية، ثم انتهك الباسيليوس تيوفيل حدود الإسلام في شمال الشام والجزيرة على أمل التخفيف من ضغط جيوش الخلافة على الثائر حسب طلب بابك نفسه. وأغار تيوفيل ومعـه ثوار الجبال الذين لحقوا بالبيزنطيين على حصون المسلمين مثل زبطرة وملطية سنة ٢٢٣هـ، وقتل الرجال وسبى النساء، وتقول الروايات أنه مثـل بمن وقع بين يديه من المسلمين فسمل أعينهم وقطع أنوفهم وآذانهم.

عظم الأمر على الخليفة فأمر بالتعبئة العامة، كما أرسل بسرعة بعــض القواد لمعونة أهل زبطرة، وكان الباسيليوس قد رحل عنها. ولحسن حــظ الدولة أن الأفشين كان قد انتهى من بابك فوجه نشاطه ضد بيزنطة. واستعد المعتصم استعدادا هائلا وسار من سامرا سنة ٢٢٤هـ (وقيل سنة ٢٢٢هـ) وعزم على مهاجمة أعظم حصون البيزنطيين في وسط آسيا الصغرى وهو حصـن عمورية. واستصحب المعتصم من قواده الترك الأفشين وأشناس وإيتاخ، ومن قواد العرب جعفر بن دينار وعجيف بن عنبسة1. دخل المعتصم أرض الروم من جهة طرسوس من ناحية ساحل البحر وأمر قواده بالمسير في مختلف الاتجاهات، وكان على أشناس معرفة أخبـار الباسيليوس، وكان هذا الأخير يتجه نحو الأفشين الذي توغل في آسيا الصغرى حتى وصل قرب أنقرة، وعزم الإمبراطور، فجلى أهل أنقرة عن المدينة، وعلم المعتصم الذي كان يتتبع خطى الأفشين بهذه الموقعة مـن أهل المدينة عندما أوقع بهم جند أشناس واستولوا على ما كان معهم من الماء والعلف الذي كان الجيش في حاجة إليها. وتوجه الباسيليوس بعد الموقعـة إلى عمورية. وقدم الأفشين على المعتصم بأنقرة حيث نظم الخليفة جيوشه في حملة موحدة فاحتل هو قلب الجيوش ووضع أشناس في الميسرة والأفشين فـي الميمنة، كما أمر كلا من الجيوش الثلاثة باتخاذ نفس التشكيل (ميسرة وميمنة وقلب).

وتقدمت الجيوش بعد الاستعداد تحرق القرى وتخرب البلاد حتـى بلغت عمورية (بين أنقرة وعمورية ٧ مراحل) فأحاطوا بها، وقسموا جبهـة القتال إلى مناطق بينهم. وبفضل أحد أسرى المسلمين بالحصن عرفت منطقـة الضعف في السور وضربت بالمنجنيق حتى هدمت وتصدع السور. وبعـد أن ردم خندق الحصن وجهت إليه الدبابات، التي كانت الواحدة منها تتسع لعشرة رجال، ولكنها لم تفلح في اختراقه. فاقتصر القتال على المنطقة المتهدمة من السور (الثلمة) ووزع القتال على الجيوش الثلاثة بالتبادل. وأخيرا انتهز المسلمون طلب القائد البيزنطي المفاوضة من أجل الأمان ودخلوا من الثلمة بعد ٥٥ يوما (وأحرقوا إحدى الكنائس) وغصبوا وسبـوا الكثير. وبلغ من كثرة السبي والأسرى الذين عزل منهم أهل الشرف - ومن المغانم التي عرضت للبيع في أماكن متعددة أن الشيء كان لا ينادى عليـه أكثر من ٣ مرات (طلباً للسرعة). وأخيرا هدم الحسن وأحرق بأمر الخليفة.

وكانت غزوة الروم هذه محل تجربة خطيرة بين القواد الترك والقــــــــواد من العرب، هذا النزاع ذو اللون الجديد كان ينذر بانقضاء النفوذ الفارسي الذي استمر طيلة عهد العباسيين العظام، ويبشر بالفترة التي يسودها الصراع بين الخليفة العباسي ومماليكه الترك، هذه الفترة تنتهي بانتصـار هؤلاء الأخيرين على عهد المقتدر (۹۰۸م) عندما يظهر منصب أمير الأمراء.

ففي أثناء حملة عمورية هذه كان القواد من الترك، كما رأينا ولا سيما الأفشين يقومون بالأدوار الرئيسية في الحرب. دعا ذلك الى غيرة القائـد العربي عجيف بن عنبسة وحقده على القائد التركي الكبير الذي استحوذ على رضاء المعتصم وأطلق يده في النفقات. وفكر عجيف في وسيلة للانتقام بـأن أغرى العباس بن المأمون الذي كان يصحبهم بالدعوة لنفسه، وقبل العباس وقام رجل في العسكر تمكن من استمالة جماعة من القواد بايعوا ابن المأمون، وتم الاتفاق على أن يتخلص من الخليفة ومن قواده الترك جميعاً مرة واحدة.

وسنحت الفرصة للعباس لأن يتخلص من المعتصم حسب نصيحة عجيـف الذي طلب إليه المودة عندما يتم ذلك بالرجال الى بغداد، ولكن ابن المأمون كان حي الضمير فأبى أن يفسد الغزاة (الغزوة). وحاول عجيـف محاولة جديدة عندما سقطت عمورية وعرض السبي والغنائم للبيع فأوعز الـى الجند بالنهب، ورجا أن يقتل المعتصم عند خروجه لوضع النظام، وهذا ما لم يحدث. وأخيرا أساء بعض القواد من المتآمرين التصرف واضطروا الـى إفشاء سر العباس بن المأمون الذي قبض عليه وسلم للأفشين، فمات بعـد قليل بمنبج بتدبير القائد التركي، كما قضى على بقية المشتركين في المؤامرة دون رحمة، وعندما وصل المعتصم الى سامرا حبس أولاد المأمون، وقضــى عليهم في محبسهم.

التخلص من الأفشيـن:


فشلت مؤامرة العرب ضد الترك إذن وانتصر الأفشين على أعداء الخليفة مرة أخرى إلا أن المعتصم تنبه الى عظم شأن قائده. وكما هو المعتاد سيلقى الأفشين من الخليفة ما لاقاه عظام القواد الذين أدوا خدمات كبيرة للأسرة العباسية منذ قيام خلافة بغداد. وكان من السهل على الخليفة التخلص من رجل الدولة حسب الطريقة التقليدية بأن توجه إليه تهمة المروق عن الدين أو الزندقة، كما كان من السهل أن توجه إليه تهم القيام بنشاط سياسي معادٍ للخلافة. وتبرع أعداء القائد بعدد من هذه الاتهامات: اتهمه عبد الله بن طاهر بأنه كان يوجه هدايا أهل أذربيجان وأرمينية إلى موطنه الأصلي "أشروسنة"، كما اتهم بالتواطؤ مع مازیار (ملك طبرستـان) ومكاتبته، وكذلك تشجيع قائده منكجور على الثورة، وغير ذلك من التهم مثل تدبير قتل المعتصم.

أما التهمة الرئيسية والتقليدية التي اتهم بها الرجل وهي الزندقة فرغم أن المعتصم كان أمياً تقريباً (كان يقرأ بصعوبة) فإنه اهتم - حسب وصية أخيه المأمون - بالحالة الروحية لرعاياه، واستمر في الأخـذ برأي المعتزلة بخلق القرآن، وامتحن الفقهاء بذلك. وكان نصيب أحمد بن حنبل الشيء الكثير من الجلد والتعذيب. أما الأفشين فبعد القبض عليـه يتكون مجلس من محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم، ابن أبي داود، إسحق بن إبراهيم صاحب الزنادقة أيام المأمـون، وغيرهم من الأعيان.

هذا المجلس وجه إليه تهماً أخرى، منها: أنه ضرب مؤذنا وإمامـا وأقام مسجدا بأشروسنة. ورد المتهم على ذلك بأن معاهدة بينه وبين ملك الصغد اشترطت أن يترك كل قوم على دينهم وأن الرجلين وثبا علـى بيت للأصنام وحولاه إلى مسجد، ثم وجهت إليه تهمة ثانية وهي حيازة كتاب محلى بالذهب والجوهر فيه الكفر بالله، ورد الأفشين بأنه ورث هذا الكتاب الذي يحوى آداب العجم وأنه كان يأخذ منه الآداب ويترك الكفـر، وتقدم بعض الشهود من مواطني المتهم ينسبون إليه كراهية كل ما يفعل المسلمون وكذلك عدم الاختتان، ورد الأفشين بتجريح الشاهد لأنه ليس ثقة في دينه، ولكنه لم ينكر عدم الاختتان واعتذر بخوفه أن يموت لو فعل.

وأخيراً وجهت إليه تهمة أن أهل أشروسنة، بلده، كانوا يكتبـون إليه "الى إله الألهة من عبده فلان بن فلان" فقال: "كانت هذه لأبي وجدي، فلما دخلت في الإسلام كرهت أن أضع نفسي دونهم فتفسد علي طاعتهم". وأخيراً اتهم بأن الغرض من نشاطه السياسي المعادي (مع مازيار ثم منكجور) إنما هو إعادة دينة الى ما كان عليه أيام العجم.

وانتهت المحاكمة بإدانته فرد الى السجن وفشلت محاولاته استعطاف الخليفة، إذ كتب الى المعتصم يقول: "مثلي ومثل أمير المؤمنيـن كرجل ربي عملاً حتى أسمنه وكبر وكان له أصحاب ينتمون أن يأكلوا من لحمه" ومات الأفشين في السجن بعد قليل (جوعاً؟) ثم أخرج وصلـب وأحرق بالنار في شعبان سنة ٢٢٦هـ. وبذلك تمكن الخليفة من التخلـص من رئيس الحرس التركي في أول حلقة سلسلة الصراع بين الخلافة وقوادها الأتراك وبدء هذا الصراع يلخصه ما ينسب الى المعتصم من أنه قال لأحد رجاله: "اصطنع أخي المأمون أربعة فأفلحوا: طاهر بن الحسين، وعبـد الله بن طاهر، وإسحق بن إبراهيم، وأخوه محمد بن إبراهيم، اصطنعت أربعة فلم يفلح أحد منهم: الأفشين، وأشناس، وإيتاخ، ووصيف". فقيـل له: "نظر أخوك الى الأصول فاستعملها فأنجبت واستعمل أمير المؤمنيـن فروعاً فلم تنجب إذ لا أصول لها ".

هذا النص يعبر عن فكرة الصراع بين الترك من جهة، والفرس والعرب من جهة أخرى، وهو يتحيز لجانب الأخيرين عند الترك. والحقيقة أن الخلافة العباسية كانت قد تدهورت الى حد كبير فانحطت هيبتها الى درجة لم يعرف لها نظير من قبل، فبعد أن فقدت الحرب وشكت في نوايا الفرس وجدت نفسها وحيدة أمام استبداد الترك فانطوت على نفسها ووقفت وقف المتفرج تنظر الى الصراع بين المتغلبين على أملاكها وتبارك المنتصرين منهم، فإلى جانب الطاهريين في خراسان سيظهر الصفاريون، وفي ما وراء النهر سيقوم السامانيون، ثم يأتي الغزنويون ويتبعهم الغوريون. وبطبيعة الحال كان المشرق مسرحاً لحوادث دامية عند اضمحلال كل أسرة منها وقيام أسرة جديدة ولم تكن القوة المنتصرة ترث أملاك سابقتها في المشرق فقط، بل كانت ترث أيضاً نفوذها وسلطانها في بغداد. أما عن الخلافة فتكون قد انتهت فعلاً بعزل المقتدر على يدي أمير الأمراء ثم بتغلب البويهيين الشيعة وفرض وصايتهم على الخليفة مما سيمهد لمجيء السلاجقة.

وبذلك بدأ عهد جديد بالنسبة للخلافة العباسية، هو الذي عرف بالعصر العباسي الثاني، وكان أهم سماته ظهور الدول المستقلة، ودول المتغلبين على الخلافة في المشرق.2


  1. قال له وجه خياطه يعني جعفر بن دينار وطباخه يعني إيتاخ.
  2. انظر، أ.د سعد زغلول عبد الحميد، التاريخ العباسي والأندلسـي، ص ١٥٦.