معالم السنن/الجزء الثالث/11

​معالم السنن​ للإمام الخطابي
 


5/7م ومن باب من قال يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب

1001- قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن سليمان بن يسار عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة.

وفي هذا الحديث بيان أن حرمة الرضاع في المناكح كحرمة الأنساب وأن المرتضعين من الرجال والنساء باللبن الواحد كالمنتسبين منهم إلى النسب الواحد وهذا قد يجري على عمومه في تحريم المرضعة وذوي أرحامها على المرضع مجرى النسب، وذلك أنه إذا أرضعته صارت أما له فحرم عليه نكاحها ونكاح ذات محارمها، وهي لا تحرم على أبيه ولا على أخيه ولا على ذوي أنسابه غير أولاده وأولاد أولاده.

وفيه دليل على أن الرضاع بلبن السفاح لا يوقع الحرمة بين الرضيع وبين المسافح وأولاده كما تقع الحرمة من لادته ولا يثبت به النسب.

وفيه أن ما يلحق به النسب من نكاح صحيح أونكاح بشبهة من مسلمة أو ذمية فإنه يحرم بالرضاع فيه النكاح.

وفيه أن الجمع بين الأختين من الرضاع محرم، وكذلك بين المرأة وعمتها أو خالتها من الرضاع.

وفيه أن لبن الضِرار محرم كغيره من اللبن الذي ليس بضرار، وكان ابن أبي ذئب يقول لبن الضرار لا يحرم من النكاح وعامة أهل العلم على خلافه.

6/7م ومن باب لبن الفحل

1002- قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير العبدي قال أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة قالت دخل عليّ أفلح بن أبي القعيس فاستترت منه فقال تستترين مني وأنا عمك، قالت قلت من أين، قال أرضعتك امرأة أخي قالت إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل فدخل عليَّ رسول الله فقال: أنه عمك فليلج عليك.

قال الشيخ تنزيل هذا الباب أن يجعل المرضع بمنزلة الولد من زوج المرضعة وهو لوكان ولد من مائه حرم على أخيه إذ كان له عما، فكذلك إذا رضع من لبن كان حدوثه بفعله لأن النبي جعل الرضاع في التحريم كالولادة، وقد قال عامة الفقهاء بتحريم لبن الفحل وانتشار الحرمة به إلا نفر يسير منهم إسماعيل بن علية وداود الأصفهاني، وقد روي ذلك عن ابن المسيب.

7/8م ومن باب رضاعة الكبير

1003- قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة قال وحدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن أشعث بن سليم عن أبيه عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها المعنى واحد أن رسول الله دخل عليها وعندها رجل قال حفص فشق ذلك عليه وتغير وجهه ثم اتفقا قالت يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة، فقال، يَعني انظرن من أخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة.

قال الشيخ معناه أن الرضاعة التي تقع بها الحرمة هي ما كان في الصغر، والرضيع طفل يقوته اللبن ويسد جوعه ؛ وأما ما كان منه بعد ذلك في الحال التي لا تسد جوعه اللبن ولا يشبعه إلا الخبز واللحم وما في معناهما من الثقل فلا حرمة له.

وقد اختلف العلماء في تحديد مدة الرضاع فقالت طائفة منهم أنها حولان، وإليه ذهب سفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه، واحتجوا بقوله تعالى {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} 1 قالوا فدل أن مدة الحولين إذا انقضت فقد انقطع حكمها ولا عبرة لما زاد بعد تمام المدة.

وقال أبو حنيفة حولان وستة أشهر وخالفه صاحباه، وقال زفر بن الهذيل ثلاث سنين.

ويحكى عن مالك أنه جعل حكم الزيادة على الحولين إذا كانت يسيرا حكم الحولين.

1004- قال أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، قال: حدثنا وكيع عن سليمان بن المغيرة، عن أبي موسى الهلالي عن أبيه عن ابن مسعود عن النبي قال: لا رضاع إلا ما أنشر العظم وأنبت اللحم.

قال الشيخ أنشر العظم معناه ما شد العظم وقواه، والإنشار بمعنى الإحياء في قوله تعالى {ثم إذا شاء أنشره} 2 ويروى أنشز العظم بالزاي معجمة ومعناه زاد في حجمه فنشره.

1005- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن أبي صالح حدثنا عنبسة قال حدثني يونس عن ابن شهاب قال حدثني عروة بن الزبير عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أن أبا حذيفة بن عتبة بن عبد شمس تبنىَّ سالما وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة وهو مولى لامرأة من الأنصار كما تبنى رسول الله زيدا وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث ميراثه حتى أنزل الله تعالى في ذلك {ادعوهم لآبائهم} 3 إلى قوله {فاخوانكم في الدين ومواليكم} 4 فردوا إلى آبائهم فمن لم يعلم أن له أبا كان مولى وأخا في الدين فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري وهي امرأة أبي حذيفة فقالت يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا فكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد ويراني فُضُلا وقد أنزل الله تعالى فيهم ما قد علمت فكيف ترى فيه فقال لها رسول الله أرضعيه فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة فبذلك كانت عائشة تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيرا خمس رضعات ثم يدخل عليها وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى ترضع في المهد، وقلن لعائشة والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي لسالم دون الناس.

قال الشيخ ذهب عامة أهل العلم في هذا إلى قول أم سلمة وحملوا الأمر في ذلك على أحد الوجهين إما على الخصوص وإما على النسخ ولم يروا العمل به.

وقد استدل الشافعي بهذا الحديث على أن العدد الذي يقع به حرمة الرضاع هو الخمس وهو مع ذلك لا يقول برضاع الكبير فكأنه يقول إن الخبر تضمن أمرين رضاع الكبير وتعليق الحكم على عدد الخمس فإذا جرى النسخ في أحدهما لمعنى لم يوجب نسخ الآخر مع عدم ذلك المعنى، وقد يصح الاستدلال للواجب بما ليس بواجب ألا ترى أن النبي حين مر به الرجل فسلم عليه وهو يبول لم يرد عليه السلام حتى تيمم بالتراب فضرب كفيه فمسح بهما وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها ذراعيه فاتخذه العلماء أصلا في إيجاب الضربتين في التيمم ومسح الذراعين وإن كان ذلك منه في غير موضع الوجوب.

وقولها ويراني فضلا أي يراني مبتذلة في ثياب مهنتي، يقال تفضلت المرأة إذا تبذلت في ثياب مهنتها.

8/10م ومن باب هل يحرم ما دون خمس رضعات

1006- قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان فيما أنزل الله عز وجل من القرآن عشر رضعات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات يحرمن فتوفي النبي وهن مما يقرأ من القرآن.

1007- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير عن علئشه رضي الله عنها قالت قال رسول الله : لا تحرم المصة ولا المصتان.

قال الشيخ وهذا يؤيد ما ذهب إليه الشافعي من اعتبار عدد الخمس في التحريم إلا أن أكثر الفقهاء قد ذهبوا إلى أن القليل من الرضاع وكثيره محرم وهو قول سفيان الثوري ومالك والأوزاعي وإليه ذهب أصحاب الرأي.

وقال أبو عبيد لا يحرم أقل من ثلاث رضعات كأنه ذهب إلى استعمال دليل الخطاب من قوله لا يحرم المصة والمصتان فكان ما زاد على المصتين وهو الثلاث بخلاف حكم ما دونها وهو قول أبي ثور وداود.

وقد حكي عن بعضهم أن التحريم لا يقع بأقل من عشر رضعات وهو قول شاذ لا اعتبار به.

وأما قولها فتوفي رسول الله وهو مما يقرأ من القرآن فإنها تريد بذلك قرب عهد النسخ من وفاة رسول الله حتى صار بعض من لم يبلغه النسخ يقرأه على الرسم الأول.

وفيه دليل على جواز نسخ رسم التلاوة وبقاء الحكم ونظيره نسخ التلاوة في الرجم وبقاء حكمه، إلا أن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد فلم يجز أن يثبت ذلك بين الدفتين والأحكام تثبت بأخبار الآحاد فجاز أن يقع العمل بها والله أعلم.

9/11م ومن باب الرضخ عند الفصال

1008- قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد بن النفيلي، قال: حدثنا أبو معاوية وحدثنا ابن العلاء، قال: حدثنا ابن إدريس عن هشام بن عروة عن أبيه عن حجاج بن حجاج عن أبيه، قال قلت يا رسول الله ما يذهب عني مذَمة الرضاع قال الغرة العبد أو الأمة.

قوله مذمة الرضاع يريد ذمام الرضاع وحقه، وفيه لغتان مَذَمَّة ومَذِمَّة بكسر الذال وفتحها تقول أنها قد خدمتك وأنت طفل وحضنتك وأنت صغير فكافئها بخادم يخدمها تكفيها المهنة قضاء لذمامها وجزاء لها على إحسانها.

10/12م ومن باب ما يكره الجمع بينهن من النساء

1009- قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا زهير حدثنا داود بن أبي هند عن عامر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على ابنة أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها ولا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى.

قال الشيخ يشبه أن يكون المعنى في ذلك ما يخاف من وقوع العداوة بينهن ما لأن المشاركة في الحظ من الزوج توقع المنافسة بينهن فيكون منها قطيعة الرحم، وعلى هذا المعنى تحريم الجمع بين الأختين المملوكتين في الوطء وهو أكثر قول أهل العلم.

وقياسه أن لا يجمع بين الأمة وبين عمتها أو خالتها في الوطء.

1010- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح المصري، قال: حدثنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قول الله تعالى {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} 5 الآية قالت يا ابن أخي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فتشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها.

قوله بغير أن يقسط في صداقها، معناه بغيرأن يعدل فيه فيبلغ به سنة مهر مثلها، يقال أقسط الرجل في الحكم اذا عدل، وقسط إذا جار قال الله تعالى {واقسطوا إن الله يحب المقسطين} 6 وقال {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} 7 قال وتأويل الآية وبيان معناها أن الله تعالى خاطب أولياء اليتامى فقال {وإن خفتم من أنفسكم المشاحة في صدقاتهن وأن لا تعدلوا فتبلغوا بهن صداق أمثالهن فلا تنكحوهن وانكحوا غيرهن من الغائب اللواتي أحل الله لكم خطبتهن من واحدة إلى أربع وإن خفتم أن تجوروا إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة فانكحوا منهن واحدة أو ما ملكتم من الإماء}.

11/13م ومن باب نكاج المتعة

1011- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن إسماعيل بن أمية عن الزهري، قال كنا عند عمر بن عبد العزيز فتذاكرنا متعة النساء فقال له رجل يقال له الربيع بن سبرة أشهد على أبي أنه حدث أن رسول الله نهى عنها في حجة الوداع.

قال الشيخ تحريم نكاح المتعة كالإجماع بين المسلمين وقد كان ذلك مباحا في صدر الإسلام ثم حرمه في حجة الوداع وذلك في آخر أيام رسول الله فلم يبق اليوم فيه خلاف بين الأئمة إلا شيئا ذهب إليه بعض الروافض.

وكان ابن عباس يتأول في إباحته للمضطر إليه بطول العزبة وقلة اليسار والجدة ثم توقف عنه وأمسك عن الفتوى به. حدثنا ابن السماك، قال: حدثنا الحسن بن سلام السواق، قال: حدثنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا عبد السلام عن الحجاج، عن أبي خالد عن المنهال عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس هل تدري ما صنعت وبما أفتيت قد سارت بفتياك الركبان وقالت فيه الشعراء، قال وما قالت، قلت قالوا:

قد قلت للشيخ لما طال مجلسه... يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس

هل لك في رخصة الأطراف آنسة... تكون مثواك حتى تصدر الناس

فقال ابن عباس إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت ولا حللت إلا مثل ما أحل الله من الميتة والدم ولحم الحنزير وما تحل إلا للمضطر وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير.

قال الشيخ فهذا يبين لك أنه إنما سلك فيه مذهب القياس وشبهه بالمضطر إلى الطعام وهو قياس غير صحيح لأن الضرورة في هذا الباب لاتتحقق كهي في باب الطعام الذي به قوام النفس وبعدمه يكون التلف، وإنما هذا من باب غلبة الشهوة ومصابرتها ممكنة وقد تحسم حدتها بالصوم والعلاج فليس أحدهما في حكم الضرورة كالآخر.

12/14م ومن باب في الشغار

1012- قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك وحدثنا مسدد،، قال: حدثنا يحيى عن عبيد الله كلاهما عن نافع عن ابن عمر أن النبي نهى عن الشغار قال مسدد في حديثه قلت لنافع ما الشغار، قال ينكح ابنة الرجل وينكحه ابنته بغير صداق وينكح أخت الرجل وينكحه أخته بغير صداق.

قال الشيخ تفسير الشغار ما بينه نافع، وقد روى أبو داود أيضا في هذا الباب بإسناده عن الأعرج أن العباس بن عبد الله بن العباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته وأنكحه عبد الرحمن ابنته وكانا جعلاه صداقا فأمر معاوية بالتفرقة بينهما وقال هذا الشغار الذي نهى رسول الله عنه.

قال الشيخ فإذا وقع النكاح على هذه الصفة كان باطلا لأن النبي نهى عنه، وأصل الفروج على الحظر والحظر لا يرتفع بالحظر وإنما يرتفع بالإباحة.

ولم يختلف الفقهاء أن نهي النبي عن نكاح المرأة على عمتها أو خالتها على التحريم، وكذلك نهيه عن نكاح المتعة فكذلك هذا.

وممن أبطل هذا النكاح مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد.

وقال أصحاب الرأي وسفيان الثوري النكاح جائز ولكل واحدة منهما مهر مثلها، ومعنى النهي في هذا عندهم أن يستحل الفرج بغير مهر.

وقال بعضهم أصل الشغر في اللغة الرفع، يقال شغر الكلب برجله إذا رفعها عند البول قال فإنما يسمى هذا النكاح شغارا لأنهما رفعا المهر بينهما.

قال الشيخ وهذا القائل لا ينفصل ممن قال بل سمي شعارا لأنه رفع العقد من أصله فارتفع النكاح والمهر معا ويبين لك أن النهي قد انطوى على الأمرين معا أن البدل ههنا ليس شيئا غير العقد ولا العقد شيئا غير البدل فهو إذا فسد مهرا فسد عقدا وإذا أبطلته الشريعة فإنما أفسدته على الجهة التي كانوا يوقعونه وكانوا يوقعونه مهرا وعقدا فوجب أن يفسدا معا.

وكان ابن أبي هريرة يشبهه برجل تروج امرأة واستثنى عضوا من أعضائها وهو ما لا خلاف في فساده.

قال فكذلك الشغار لأن كل واحد منهما قد زوج وليته واستثنى بعضه حتى جعله مهرا لصاحبتها.

وعلله بعضهم فقال لأن المعقود له معقود به وذلك لأن العقد لها وبها فصار كالعبد تزوج على أن يكون رقبته صداقا للزوجة.

13/14-15م ومن باب في التحليل

1013- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا زهير قال حدثني إسماعيل عن عامر عن الحارث عن علي قال إسماعيل وأراه قد رفعه إلى النبي أن النبي قال: لعن المحلل والمحلل له.

قال الشيخ أما إذا كان ذلك عن شرط بينهما فالنكاح فاسد لأنه عقد تناهى إلى مدة كنكاح المتعة، وإذا لم يكن ذلك شرطا وكان نية وعقيدة فهو مكروه، فإن أصابها الزوج ثم طلقها وانقضت العدة فقد حلت للزوج الأول وقد كره غير واحد من العلماء أن يضمرا أو ينويا أو أحدهما التحليل وإن لم يشترطاه.

وقال إبراهيم للنخعي لا يحللها لزوجها الأول إلا أن يكون نكاح رغبة فإن كان نية أحد الثلاثة الزوج الأول أو الثانى أو المرأة أنه محلل فالنكاح باطل ولا تحل للأ ول.

وقال سفيان الثوري إذا تزوجها وهو يريد أن يحلها لزوجها ثم بدا له أن

يمسكها لا يعجبني إلا أن يفارقها ويستأنف نكاحا جديدا، وكذلك قال أحمد بن حنبل، وقال مالك بن أنس يفرق بينهما على كل حال.

14/15-16م ومن باب نكاج العبد بغير إذن سيده

1014- قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة عن وكيع،، قال: حدثنا الحسن بن صالح عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: قال رسول الله أيما عبد تروج بغير إذن مواليه فهو عاهر.

قال الشيخ العاهر الزاني والعهر الزنى، وإنما بطل نكاح العبد من أجل أن رقبته ومنفعته مملوكتان لسيده وهو إذا اشتغل بحق الزوجة لم يتفرغ لخدمة سيده وكان في ذلك ذهاب حقه فأبطل النكاح إبقاء لمنفعته على صاحبه، وممن أبطل عقد هذا النكاح الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.

وقال مالك وأصحاب الرأي إن أجازه السيد جاز وإن أبطله بطل، وعند الشافعي لا يثبت النكاح وإن أجازه السيد لأن عقد النكاح لا يقع عنده موقوفا على إجازة الولي.

15/16-17م ومن باب الرجل يخطب على خطبة أخيه

1015- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح أخبرنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : لا يخطب الرجل على خطبة أخيه.

قال الشيخ نهيه عن ذلك نهي تأديب وليس بنهي تحريم يبطل العقد، وهو قول أكثر العلماء، إلا أن مالك بن أنس قال إن خطبها على خطبة أخيه فملكها فرق بينهما إلا أن يكون قد دخل بها فلا يفرق بينهما.

وقال داود إن خطبها رجل بعد الأول وعقد عليها فالنكاح باطل.

وفي قوله على خطبة أخيه دليل على أن ذلك إنما نهي عنه إذا كان الخاطب الأول مسلما ولا يضيق ذلك إذا كان الخاطب الأول يهوديا أو نصرانيا لقطع الله الأخوة بين المسلمين وبين الكفار.

وقال الشافعي إنما نهي عن ذلك في حال دون حال وهو أن تأذن المخطوبة في إنكاح رجل بعينه فلا يحل لأحد أن يخطبها في تلك الحالة حتى يأذن الخاطب له واحتج بحديث فاطمة بنت قيس. حدثناه الأصم حدثنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس أن رسول الله قال لها في عدتها من طلاق زوجها إذا حللت فآذنيني، قالت فلما حللت أخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباني فقال رسول الله أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه على عاتقه أنكحي أسامة، قالت ففعلت فاغتبطت به.

قال الشيخ فخطبته إياها لأسامة على خطبة معاوية وأبي جهم تدل على جواز ذلك إن لم يكن وقع الركون منها إلى الخاطب الأول أو الإذن منها فيه.

وفي هذا الحديث أنواع من الفقه منها جواز التعريض للمرأة بالخطبة في عدتها وفيه أن المال معتبر في بعض أنواع المكافأة. وفيه دليل على جواز نكاح المولى القرشية. وفيه دليل على جواز تأديب الرجل امرأته.

وفيه دليل على أن المستشار إذا ذكر الخاطب عند المخطوبة ببعض ما فيه من العيوب على وجه النصيحة لها والإرشاد إلى ما فيه حظها لم يكن ذلك غيبة يأثم فيها.

وقوله لا يضع عصاه عن عاتقه يتأول على وجهين أحدهما التأديب والضرب لها والآخر أن يكون معناه الأسفار والظعن عن وطنه، يقال رفع الرجل عصاه إذا سار ووضع عصاه إذا نزل وأقام.

16/17-18م ومن باب الرجل ينظر إلى المرأة

وهو يريد أن يتزوجها

1016- قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن واقد بن عبد الرحمن، يَعني ابن سعد بن معاذ عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله : إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل.

قال الشيخ إنما أبيح له النظر إلى وجهها وكفيها فقط ولا ينظر إليها حاسرا ولا يطلع على شيء من عورتها وسواء كانت أذنت له في ذلك أو لم تأذن وإلى هذه الجملة ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل، وإلى نحو هذا أشار سفيان الثوري.

17/18-19م ومن باب الولي

1017- قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان، قال: حدثنا ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال: أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل ثلاث مرات فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له.

قوله أيما امرأة كلمة استيفاء واستيعاب، وفيه إثبات الولاية على النساء كلهن ويدخل فيها البكر والثيب والشريفة والوضيعة والمولى ههنا العصبة.

وفيه بيان أن المرأة لا تكون ولية نفسها وفيه دليل على أن ابنها ليس من أوليائها إذا لم يكن عصبة لها.

وفيه بيان أن العقد إذا وقع لا بإذن الأولياء كان باطلا، وإذا وقع باطلا لم يصححه إجازة الأولياء، وفي إبطال هذا النكاح وتكراره القول ثلاثا تأكيد لفسخه ورفعه من أصله، وفيه إبطال الخيار في النكاح.

وفيه دليل على أن وطء الشبهة يوجب المهر وايجاب المهر إيجاب درء الحدود وإثبات النسب ونشر الحرمة.

وفي قوله فالمهر لها بما أصاب منها دليل على أن المهر إنما يجب بالإصابة فإن الدخول إنما هو كناية عنها.

وقوله فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له، يريد به تشاجر العضل والممانعة في العقد دون تشاجر المشاحة في السبق إلى العقد، فأما إذا تشاجروا في العقد ومراتبهم في الولاية سواء فالعقد لمن سبق إليه منهم إذا كان ما فعل من ذلك نظرا لها.

ومعنى قوله بغير إذن مواليها هو أن يلي العقد الولي أو يوكل بتزويجها غيره فيأذن له في العقد عليها.

وزعم أبو ثور أن الولي إذا أذن للمرأة في أن تعقد على نفسها صح عقدها النكاح على نفسها، واستدل بهذه اللفظة في الحديث، ومعناه التوكيل بدليل ما روي أن النساء لا تلين عقد النكاح.

وقد تكلم بعض أهل العلم في إسناد هذا الحديث وضعفه بشيء حدثنيه الحسن بن يحيى بن حمويه عن علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد،، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن ابن جريج عن سليمان بن موسى، وذكر الحديث قال وزاد في آخره شيئا ما أرى أحدا يذكره غيره.

قال ابن جريج ثم لقيت الزهري فذكرت ذلك له فلم يعرفه.

قال الشيخ ذكر أبو عيسى الترمذي عن يحيى بن معين أنه قال لم يذكر هذا الحديث عن ابن جريج إلا إسماعيل بن علية، قال يحيى وسماع إسماعيل من ابن جريج ليس بذلك إنما صحح كتبه على كتب عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد فيما سمع من ابن جريج وضعف يحيى رواية إسماعيل عن ابن جريج.

قال أبوعيسى وحديث عائشة رضي الله عنها هذا عندي حديث حسن صحيح وقد رواه الحجاج بن أرطاة وجعفر بن ربيعة عن الزهري عن عروة عن عائشة ورواه هشام بن عروة أيضا.

1018- قال أبو داود: حدثنا محمد بن قدامة بن أعين،، قال: حدثنا أبو عبيدة الحداد عن يونس وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى أن النبي قال: لا نكاح إلا بولي.

قال الشيخ قوله لا نكاح إلا بولي فيه نفي ثبوت النكاح على معمومه ومخصوصه إلا بولي.

وقد تأوله بعضهم على نفي الفضيلة والكمال وهذا تأويل فاسد لأن العموم يأتي على أصله جوازا أو كمالا، والنفي في المعاملات يوجب الفساد لأنه ليس لها إلا جهة واحدة، وليس كالعبادات والقرب التي لها جهتان من جواز ناقص وكامل، وكذلك تأويل من زعم أنها ولية نفسها. وتأول معنى الحديث على أنها إذا عقدت على نفسها فقد حصل نكاحها بولي، وذلك أن الولي هو الذي يلي على غيره، ولو جاز هذا في الولاية لجاز مثله في الشهادة فتكون هي الشاهدة على نفسها فلما كان في الشاهد فاسدا كان في الولي مثله.

1019- قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس،، قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أم حبيبة أنها كانت عند ابن جحش فهلك عنها، وكان فيمن هاجر إلى أرض الحبشة فزوجها النجاشي رسول الله وهي عندهم.

قال الشيخ إنما ساق النجاشي المهر عن رسول الله فأضيف التزويج إليه وكان الذي عقد عليها رسول الله عمرو بن أمية الضمري ووكله بذلك رسول الله وبعث به إلى الحبشة في ذلك، وقد روي أن الذي ولي تزويجها بالعقد عليها خالد بن سعيد بن العاص وهو ابن عم أبي سفيان إذ كان أبوها أبو سفيان كافرا لا ولاية له على مسلمة.

وقد يحتمل أيضا أن يكون النجاشي قد عقد أولا فكان ذلك بمعنى التسمية فلم يعتبر صحته ثم أرسل رسول الله عمرو بن أمية الضمري فاستأنف العقد وألزمه والله أعلم.


هامش

  1. [البقرة: 233]
  2. [عبس: 22]
  3. [الأحزاب: 5]
  4. [الأحزاب: 5]
  5. [النساء: 3]
  6. [الحجرات: 9]
  7. [الجن: 15 ]


معالم السنن - الجزء الثالث للإمام الخطابي
معالم السنن/الجزء الثالث/1 | معالم السنن/الجزء الثالث/2 | معالم السنن/الجزء الثالث/3 | معالم السنن/الجزء الثالث/4 | معالم السنن/الجزء الثالث/5 | معالم السنن/الجزء الثالث/6 | معالم السنن/الجزء الثالث/7 | معالم السنن/الجزء الثالث/8 | معالم السنن/الجزء الثالث/9 | معالم السنن/الجزء الثالث/10 | معالم السنن/الجزء الثالث/11 | معالم السنن/الجزء الثالث/12 | معالم السنن/الجزء الثالث/13 | معالم السنن/الجزء الثالث/14 | معالم السنن/الجزء الثالث/15 | معالم السنن/الجزء الثالث/16