وفيات الأعيان/شبيب الخارجي

أبو الضحاك شبيب بن يزيد بن نعيم بن قيس بن عمرو بن الصلب بن قيس بن شراحيل بن مرة بن همام بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة-وبقية النسبة معروف-الشيباني الخارجي؛ كان خروجه في خلافة عبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف الثقفي بالعراق يومئذ، وخرج بالموصل، فبعث إليه الحجاج خمسة قواد، فقتلهم واحداً بعد واحد، ثم خرج من الموصل يريد الكوفة، وخرج الحجاج من البصرة يريد الكوفة أيضاً، وطمع شبيب أن يلقاه قبل أن يصل إلى الكوفة، فأقحم الحجاج خيله فدخلها قبله، وذلك في سنة سبع وسبعين للهجرة، وتحصن الحجاج في قصر الإمارة، ودخل إليها شبيب وأمه جهيزة وزوجته غزالة عند الصباح، فوجد باب القصر مغلقاً والحجاج فيه، فقتل الحرس ثم دنا من الباب فعالجه هو وأصحابه فأعياهم فتحه، فضربه شبيب بعمود كان في يده فنقب الباب، فيقال إن ذلك النقب لم يزل في الباب إلى أن خرب قصر افمارة وفيه ضربة شبيب. وقد كانت غزالة نذرت أن تدخل مسجد الكوفة فتصلي فيه ركعتين تقرأ فيهما سورة البقرة وآل عمران، فأتوا الجامع في سبعين رجلاً فصلت فيهالغداة وخرجت من نذرها فقيل فيها:

وفت الغزالة نذرها



يا رب لا تغفر لها


وكانت غزالة من الشجاعة والفروسية بالموضع العظيم، وكانت تقاتل في الحروب نفسها، وقد كان الحجاج هرب في بعض الوقائع مع شبيب من غزالة فعيره ذلك بعض الناس بقوله:


أسد علي وفي الحروف نعـامة



فتخاء تنفر من صفير الصافـر

هلا برزت إلى غزالة في الوغى



بل كان قلبك في جناحي طـائر


وكانت أمه جهيزة أيضاً شجاعة تشهد الحروب، وكان شبيب قد ادعى الخلافة، ولما عجز الحجاج عن شبيب بعث عبد الملك إليه عساكر كثيرة من الشام عليها سفيان بن الأبرد الكلبي، فوصل إلى الكوفة، وخرج الحجاج ايضاً وتكاثروا على شبيب فانهزم وقتلت غزالة وأمه ونجا شيب في فوارس من أصحابه، واتبعه سفيان في أهل الشام، فلحقه بالأهواز فولى شبيب فلما حصل على جسر دجيل نفر به فرسه وعليه الحديد الثقيل من درع ومغفر وغيرهما فألقاه في الماء فقال له بعض أصحابه: أغرقا يا أمير المؤمنين؟ قال: ذلك تقدير العزيز العليم، فألقاه دجيل ميتاً في ساحله، فحمل على البريد إلى الحجاج، فأمر الحجاج بشق بطنه واستخراج قلبه، فاستخرج فإذا هو كالحجر إذا ضرب به الأرض نبا عنها، فشق فكان في داخله قلب صغير كالكرة فشق فأصيب علقة الدم في داخله.


وقال بعضهم: رأيت شبيباً وقد دخل المسجد وعليه جبة طيالسة عليها نقط من أثر المطر، وهو طويل أشمط جعد آدم، فجعل المسجد يرتج له.


وكان مولده يوم عيد النحر سنة ست وعشرين للهجرة، وغرق بدجيل كما تقدم سنة سبع وسبعين للهجرة، رحمه الله تعالى. ولما غرق أحضر إلى عبد الملك رجل يرى رأي الخوارج وهو عتبا الحروري ابن أصيلة، ويقال وصيلة، وهي أمه، وهي من بني محلم وهو من بني شيبان من شراة الجزيرة، وقد عمل قصيدة وهي أبيات عديدة ذكرها المرزباني في "المعجم" فقال له: ألست القائل يا عدو الله:


فإن يك منكم كان مروان وابنه



وعمرو ومنكم هاشم وحبيب

فمنا حصين والبطين وقعنـب



ومنا أمير المؤمنين شـبـيب


فقال: لم أقل كذا يا أمير المؤمنين، وإنما قلت:

ومنا أمير المؤمنين شبيب


فاستحسن قوله، وامر بتخيلة سبيله. وهذا الجواب في نهاية الحسن، فإنه إذا كان "أمير" مرفوعاً كان مبتدأ فيكون شبيب أمير المؤمنين، وإذا كان منصوباً فقد حذف منه حرف النداء ومعناه يا أمير المؤمنين منا شبيب، فلا يكون شبيب أمير المؤمنين، بل يكون منهم.


وذكر الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر الدمشقي في "تاريخ دمشق" في أواخر كتابه المذكور في جملة تراجم أرباب الكنى ما مثاله: أبو المنهال الخارجي، شاعر وفد على عبد الملك بن مروان مستأمناً بعدما كان قال لعبد الملك:

أبلغ أمير المؤمـنـين رسـالة



وذو النصح لو يدعى إليه قريب

فلا صلح ما دامت منابر أرضنا



يقوم عليها من ثقيف خطـيب

وإنك إن لا ترض بكر بن وائل



يكن لك يوم بالعراق عصـيب

وبعد هذه الأبيات الثلاثة البيتان المذكوران. وابو المنال كنية عتبان بن وصيلة المذكور. وقوله "من ثقيف خطيب" يريد به الحجاج بن يوسف الثقفي المقدم ذكره.

وجهيزة: بفتح الجيم وكسر الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الزاي وبعدها هاء ساكنة، وهي التي يضرب بها المثل في الحمق فيقال "أحمق من جهيزة"، ذكر ذلك يعقوب بن السكيت في كتاب "إصلاح المنطق" في باب ما تضعه العامة في غير موضعه، وقال: كان أبو شبيب من مهاجرة الكوفة، فغزا سلمان بن ربيعة الباهلي في سنة خمس وعشرين للهجرة، فأتوا الشام، فأغاروا على بلاد وأصابوا سبياً وغنموا، وأبو شبيب في ذلك الجيس، فاشترى جارية من السبي حمراء طويلة جميلة، فقال لها: أسلمي، فأبت، فضربها فلم تسلم، فواقعها فحملت، وتحرك الولد في بطنها فقالت: في بطني شيء ينقز، فقيل: أحمق من جهيزة، ثم اسلمت فولدت شبيباً سنة ست وعشرين يوم النحر، فقالت لمولاها: إني رأيت قبل أن ألد كأني ولدت غلاماً فخرج مني شهاب من نار فسطع بين السماء والأرض ثم سقط في ماء فخبا، وقد ولدته في يوم أريق فيه الدماء وقد زجرت أن ابني يعلو أمره ويكون صاحب دماء يهريقها؛ هذا آخر كلام ابن السكيت.

ودجيل: بضم الدال المهملة وفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام، وهو نهر عظيم بنواحي الأهواز وتلك البلاد، عليه قرى ومدن، ومخرجه من جهة أصبها، وحفره أردشير بن بابك أول ملوك بني ساسان ملوك الفرس بالمدائن، وهو غير دجيل بغداد فإن ذلك مخرجه من دجلة مقابل القادسية في الجانب الغربي بين تكريت وبغداد، عليه كورة عظيمة.

وعتبان: بكسر العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوقها وفتح الباء الموحدة وبعدالألف نون. والحروري: بفتح الحاء المهملة وضم الراء وسكون الواو وبعدها راء، هذه النسبة إلى حروراء، بالمد، وهي قرية بناحية الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج بها فنسبوا إليها.