آثار البلاد وأخبار العباد/الإقليم الأول



الاقليم الاول


فجنوبيّه ما يلي بلاد الزنج والنوبة والحبشة وشماليّه الإقليم الثاني وأوله حيث يكون الظلّ نصف النهار إذا استوى الليل والنهار قدما واحدة ونصفا وعشرا وسدس عشر قدم وآخره حيث يكون ظلّ الاستواء فيه نصف النهار قدمين وثلاثة أخماس قدم. وقد يبتدىء من أقصى المشرق من بلاد الصين ويمرّ على ما يلي الجنوب من الصين جزيرة سرنديب ، وعلى سواحل البحر في جنوب الهند ويقطع البحر إلى جزيرة العرب ويقطع بحر قلزم إلى بلاد الحبشة ويقطع نيل مصر وأرض اليمن إلى بحر المغرب فوقع في وسطه من أرض صنعاء وحضرموت ووقع طرفه الذي يلي الجنوب أرض عدن ، ووقع في طرفه الذي يلي الشمال بتهامة قريبا من مكّة.

ويكون أطول نهار هؤلاء اثنتي عشرة ساعة ونصف الساعة في ابتدائه ، وفي وسطه ثلاث عشرة ساعة وفي آخره ثلاث عشرة ساعة وربع الساعة.

وطوله من المشرق إلى المغرب تسعة آلاف ميل وسبعمائة واثنان وسبعون ميلا وإحدى وأربعون دقيقة وعرضه أربعمائة ميل واثنان وأربعون ميلا واثنتان وعشرون دقيقة وأربعون ثانية ، ومساحته مكسرا أربعة آلاف ألف وثلاثمائة ألف وعشرون ألف ميل وثمانمائة وسبعة وسبعون ميلا وإحدى وعشرون دقيقة ولنذكر بعض بلادها مرتبا على حروف المعجم.


إرم ذات العماد


بين صنعاء وحضرموت من بناء شدّاد بن عاد روي أن شداد بن عاد كان جبّارا من الجبابرة لما سمع بالجنّة وما وعد الله فيها أولياءه من قصور الذهب والفضّة والمساكن التي تجري من تحتها الأنهار والغرف التي فوقها غرف قال : إني متّخذ في الأرض مدينة على صفة الجنّة فوكل بذلك مائة رجل من وكلائه تحت يد كلّ وكيل ألف من الأعوان وأمرهم أن يطلبوا أفضل فلاة من أرض اليمن ويختاروا أطيبها تربة. ومكّنهم من الأموال ومثّل لهم كيفيّة بنائها وكتب إلى عمّاله في سائر البلدان أن يجمعوا جميع ما في بلادهم من الذهب والفضّة والجواهر فجمعوا منها صبرا مثل الجبال فأمر باتّخاذ اللبن من الذهب والفضّة وبنى المدينة بها وأمر أن يفضّض حيطانها بجواهر الدرّ والياقوت والزبرجد وجعل فيها غرفًا فوقها غرف أساطينها من الزبرجد والجزع والياقوت. ثمّ أجرى إليها نهرا ساقه إليها من أربعين فرسخًا تحت الأرض فظهر في المدينة فأجرى من ذلك النهر سواقي في السكك والشوارع وأمر بحافتي النهر والسواقي فطليت بالذهب الأحمر وجعل حصاه أنواع الجواهر الأحمر والأصفر والأخضر ونصب على حافتي النهر والسواقي أشجارًا من الذهب وجعل ثمارها من الجواهر واليواقيت.

وجعل طول المدينة اثني عشر فرسخًا وعرضها مثل ذلك وصيّر سورها عاليًا مشرفًا وبنى فيها ثلاثمائة ألف قصر مفضّضًا بواطنها وظواهرها بأصناف الجواهر. ثمّ بنى لنفسه على شاطىء ذلك النهر قصرا منيفًا عاليًا يشرف على تلك القصور كلّها وجعل بابه يشرع إلى واد رحيب ونصب عليه مصراعين من ذهب مفضّض بأنواع اليواقيت.

وجعل ارتفاع البيوت والسور ثلاثمائة ذراع. وجعل تراب المدينة من المسك والزعفران.

وجعل خارج المدينة مائة ألف منظرة أيضًا من الذهب والفضّة لينزلها جنوده.

ومكث في بنائها خمسمائة عام فبعث الله تعالى إليه هودا النبي عليه السلام فدعاه إلى الله تعالى فتمادى في الكفر والطغيان. وكان إذ ذاك تمّ ملكه سبعمائة سنة فأنذره هود بعذاب الله تعالى وخوّفه بزوال ملكه فلم يرتدع عمّا كان عليه. وعند ذلك وافاه الموكلون ببناء المدينة وأخبروه بالفراغ منها فعزم على الخروج إليها في جنوده وخرج في ثلاثمائة ألف رجل من أهل بيته وخلّف على ملكه مرثد بن شدّاد ابنه وكان مرثد فيما يقال مؤمنًا يهود عليه السلام. فلمّا انتهى شدّاد إلى قرب المدينة بمرحلة جاءت صيحة من السماء فمات هو وأصحابه وجميع من كان في أمر المدينة من القهارمة والصنّاع والفعلة وبقيت لا أنيس بها فأخفاها الله لم يدخلها بعد ذلك إلّا رجل واحد في أيّام معاوية يقال له عبد الله بن قلابة فإنّه ذكر في قصة طويلة ملخّصها أنّه خرج من صنعاء في طلب إبل ضلّت فأفضى به السير إلى مدينة صفتها ما ذكرنا فأخذ منها شيئًا من المسك والكافور وشيئًا من الياقوت وقصد الشام وأخبر معاوية بالمدينة وعرض عليه ما أخذه من الجواهر وكانت قد تغيّرت بطول الزمان. فأحضر معاوية كعب الأحبار وسأله عن ذلك فقال: هذا إرم ذات العماد التي ذكرها الله تعالى في كتابه بناها شداد بن عاد لا سبيل إلى دخولها ولا يدخلها إلّا رجل واحد صفته كذا وكذا. وكانت تلك الصفة صفة عبد الله ابن قلابة؛ فقال له معاوية: أمّا أنت يا عبد الله فأحسنت النصح، ولكن لا سبيل لها. وأمر له بجائزة.

وحكي أنّهم عرفوا قبر شدّاد بن عاد بحضرموت وذلك أنّهم وقعوا في حفيرة وهي بيت في جبل منقورة مائة ذراع في أربعين ذراعًا وفي صدره سرير عظيم من ذهب عليه رجل عظيم الجسم وعند رأسه لوح فيه مكتوب:
عتبر يا أيّها المغرور بالعمر المديد
أنا شدّاد بن عاد صاحب القصر المشيد
وأخو القوّة والبأساء والملك الحسيد
دان أهل الأرض طرّا لي من خوف وعيدي
فأتى هود وكنّا في ضلال قبل هود
فدعانا لو قبلناه إلى الأمر الرّشيد
فعصيناه ونادينا : ألا هل من محيد؟
فأتتنا صيحة تهوي من الأفق البعيد
فشوينا مثل زرع وسط بيداء حصيد

والله الموفّق للصواب.


البجّة


بلاد متّصلة بأعلى عيذاب في غرب منه، أهلها صنف من الحبش، بها معادن الزمرذ. يحمل منها إلى سائر الدنيا، ومعادنه في جبال هناك، وزمرذها أحسن أصناف الزمرذ الأخضر السّلقي الكثير المائية، يسقى المسموم منه فيبرأ، وإذا نظرت الأفعى إليه سالت حدقتها.


كيل


مخلاف باليمن قال عمارة في تاريخه: بهذا المخلاف نوع من الشجر لأقوام معيّنين في أرض لهم، وهم يشحّون به ويحفظونه من غيرهم مثل شجر البلسان بأرض مصر؛ وليس ذلك الشجر إلّا لهم يأخذون منه سمًّا يقتل به الملوك، وذكر أن ملوك بني نجاح ووزراءهم أكثرهم قتلوا بهذا السمّ.


بلاد التّبر


هي بلاد السودان في جنوب المغرب؛ قال ابن الفقيه: هذه البلاد حرّها شديد جدًّا. أهلها بالنهار يكونون في السراديب تحت الأرض، والذهب ينبت في رمل هذه البلاد كما ينبت الجزر بأرضنا، وأهلها يخرجون عند بزوغ الشمس ويقطفون الذهب، وطعامهم الذّرة واللوبيا، ولباسهم جلود الحيوانات وأكثر ملبوسهم جلد النمر، والنمر عندهم كثير.

ومن سجلماسة إلى هذه البلاد ثلاثة أشهر، والتجار من سجلماسة يمشون إليها بتعب شديد، وبضايعهم الملح وخشب الصنوبر وخشب الأرز، وخرز الزجاج والاسورة والخواتيم منه، والحلق النحاسيّة.

وعبورهم على براري معطشة، فيها سمايم بماء فاسد لا يشبه الماء إلّا في الميعان والسمايم تنشف المياه في الأسقية فلا يبقى الماء معهم إلّا أيّاما قلائل.

فيحتالون بأن يستصحبوا معهم جمالاً فارغة من الأحمال ويعطشونها قبل ورودهم الماء الذي يدخلون منه في تلك البراري ثمّ أوردوها على الماء نهلاً وعللاً حتى تمتلي أجوافها ويشدون أفواهها كي لا تجتر فتبقى الرطوبة في أجوافها فإذا نشف ما في أسقيتهم واحتاجوا إلى الماء نحروا جملاً جملاً وترمّقوا بما في بطونها وأسرعوا بالسير حتى يردوا مياها أخرى وحملوا منها في أسقيتهم.

وهكذا ساروا بعناء شديد حتى قدموا الموضع الذي يحجز بينهم وبين أصحاب التبر فعند ذلك ضربوا طبولًا ليعلم القوم وصول القفل. يقال: انّهم في مكان وأسراب من الحرّ وعراة كالبهائم لا يعرفون الستر. وقيل: يلبسون شيئا من جلود الحيوان فإذا علم التجار أنّهم سمعوا صوت الطبل أخرجوا ما معهم من البضائع المذكورة فوضع كلّ تاجر بضاعته في جهة منفردة عن الأخرى وذهبوا وعادوا مرحلة فيأتي السودان بالتبر ووضعوا بجنب كلّ متاع شيئا من التبر وانصرفوا.

ثمّ يأتي التجار بعدهم فيأخذ كلّ واحد ما وجد بجنب بضاعته من التبر ويترك البضاعة وضربوا بالطبول وانصرفوا ولا يذكر أحد من هؤلاء التجّار أنّه رأى أحدا منهم.


بلاد الحبشة


هي أرض واسعة شمالها الخليج البربري وجنوبها البرّ وشرقها الزنج وغربها البجة الحرّ بها شديد جدّا وسواد لونهم لشدّة الاحتراق وأكثر أهلها نصاري يعاقبة والمسلمون بها قليل. وهم من أكثر الناس عددا وأطولهم أرضا لكن بلادهم قليلة وأكثر أرضهم صحارى لعدم الماء وقلّة الأمطار وطعامهم الحنطة والدخن وعندهم الموز والعنب والرمان ولباسهم الجلود والقطن.

ومن الحيوانات العجيبة عندهم: الفيل والزرافة. ومركوبهم البقر يركبونها بالسرج واللجام مقام الخيل وعندهم من الفيلة الوحشيّة كثير وهم يصطادونها.

فأمّا الزرافة فإنّها تتولّد عندهم من الناقة الحبشيّة والضبعان وبقر الوحش يقال لها بالفارسيّة «اشتركاوپلنك» رأسها كرأس الإبل وقرنها كقرن البقر وأسنانها كأسنانه وجلدها كجلد النمر وقوائمها كقوائم البعير وأظلافها كأظلاف البقر وذنبها كذنب الظباء ورقبتها طويلة جدّا ويداها طويلتان ورجلاها قصيرتان.

وحكى طيماث الحكيم أنّه بجانب الجنوب قرب خطّ الاستواء في الصيف تجتمع حيوانات مختلفة الأنواع على مصانع الماء من شدّة العطش والحرّ فيسفد نوع غير نوعه فتولد حيوانات غريبة مثل الزرافة فإنّها من الناقة الحبشيّة والبقرة الوحشيّة والضبعان وذلك أن الضبعان يسفد الناقة الحبشيّة فتأتي بولد عجيب من الضبعان والناقة فإن كان ذلك الولد ذكرًا ويسفد البقرة الوحشيّة أتت بالزرافة.

ولهم ملك مطاع يقال له أبرهة بن الصبّاح. ولمّا مات ذو يزن وهو آخر الأذواء من ملوك اليمن استولى الحبشة على اليمن وكان عليها أبرهة من قبل النجاشي فلمّا دنا موسم الحجّ رأى الناس يجهزّون للحجّ فسأل عن ذلك فقالوا: هؤلاء يحجّون بيت الله بمكّة. قال : فما هو؟

قالوا: بيت من حجارة.

قال: لأبنينّ لكم بيتًا خيرًا منه! فبنى بيتا من الرخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود وحلّاه بالذهب والفضّة ورصّعه بالجواهر وجعل أبوابه من صفائح من ذهب وجعل للبيت سدنة ودخنه بالمندليّ وأمر الناس بحجّه وسمّاه القليّس وكتب إلى النجاشي: إني بنيت لك كنيسة ما لأحد من الملوك مثلها! أريد أصرف إليه حجّ العرب. فسمع بذلك رجل من بني مالك بن كنانة انتهز الفرصة حتى وجدها خالية فقعد فيها ولطخها بالنجاسة.

فلمّا عرف أبرهة ذلك اغتاظ وآلى أن يمشي إلى مكّة ويخرّب الكعبة غيظًا على العرب. فجمع عساكره من الحبشة ومعه اثنا عشر فيلًا فلمّا دنا من مكّة أمر أصحابه بالتأهّب والغارة فأصابوا مائتي إبل لعبد المطّلب جدّ رسول الله . وبعث أبرهة رسولًا إلى مكّة يقول: إني ما جئت لقتالكم إلّا أن تقاتلوني! وإنّما جئت لخراب هذا البيت والانصراف عنكم! فقال عبد المطّلب وهو رئيس مكّة إذ ذاك: ما لنا قوّة قتالك وللبيت ربّ يحفظه هو بيت الله ومبنى خليله! فذهب عبد المطّلب إليه فقيل له: إنّه صاحب عير مكّة وسيّد قريش فأدخله وكان عبد المطّلب رجلًا وسيمًا جسيمًا فلمّا رآه أكرمه فقال له الترجمان: الملك يقول ما حاجتك؟ فقال: حاجتي مائتا بعير أصابها. فقال أبرهة للترجمان: قد كنت أعجبتني حين رأيتك وقد زهدت فيك لأني جئت لهدم بيت هو دينك ودين آبائك! جئت ما تكلّمت فيه وتكلّمت في الإبل! فقال عبد المطّلب: أنا ربّ هذه العير وللبيت ربّ سيمنعه! فردّ إليه إبله فعاد عبد المطّلب وأخبر القوم بالحال فهربوا وتفرّقوا في شعاب الجبال خوفًا فأتى عبد المطّلب الكعبة وأخذ بحلقة الباب وقال:

جرّوا جميع بلادهم
والفيل كي يسبوا عيالك!
عمدوا حماك بجهلهم
كيدا وما رقبوا حلالك
لاهمّ إنّ المرء يم
نع حلّه فامنع حلالك
لا يغلبنّ صليبهم
ومحالهم أبدا محالك
إن كنت تاركهم وكع
بتنا فأمر ما بدا لك!
وترك عبد المطّلب الحلقة وتوجّه مع قومه في بعض الوجوه فالحبش قاموا بفيلهم قاصدين مكّة فبعث الله من جانب البحر طيرًا أبابيل مثل الخطّاف مع كلّ طائر ثلاثة أحجار: حجران في رجليه وحجر في منقاره على شكل الحمّص. فلمّا غشين القوم أرسلنها عليهم فلم تصب أحدًا إلّا هلك فذلك قوله تعالى: وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجّيل فجعلهم كعصف مأكول.

ومنها النجاشي الذي كان في عهد رسول الله واسمه أصحمة كان وليّا من أولياء الله يبعث إلى رسول الله الهدايا والنبي صلّى الله عليه وسلّم يقبلها. وفي يوم مات أخبر جبرائيل عليه السلام رسول الله بذلك مع بعد المسافة وكان ذلك معجزة لرسول الله في يوم موته صلّى عليه الصلاة مع أصحابه وهو ببلاد الحبشة.


بلاد الزّنج


مسيرة شهرين شمالها اليمن وجنوبها الفيافي وشرقها النوبة وغربها الحبشة، وجميع السودان من ولد كوش بن كنعان بن حام، وبلاد الزنج شديدة الحرّ جدّا، وحلكة سوادهم لاحتراقهم بالشمس. وقيل: إن نوحًا عليه السلام دعا على ابنه حام فاسودّ لونه، وبلادهم قليلة المياه قليلة الأشجار سقوف بيوتهم من عظام الحوت.

زعم الحكماء أنّهم شرار الناس ولهذا يقال لهم سباع الإنس. قال جالينوس : الزنج خصّصوا بأمور عشرة: سواد اللون وفلفلة الشعر وفطس الأنف وغلظ الشفة وتشقق اليد والكعب ونتن الرائحة وكثرة الطرب وقلّة العقل وأكل بعضهم بعضًا فإنّهم في حروبهم يأكلون لحم العدو ومن ظفر بعدوّ له أكله.

وأكثرهم عراة لا لباس لهم ولا يرى زنجيّ مغمومًا الغمّ لا يدور حولهم والطرب يشملهم كلّهم؛ قال بعض الحكماء: سبب ذلك اعتدال دم القلب وقال آخرون: بل سببه طلوع كوكب سهيل عليهم كلّ ليلة فإنّه يوجب الفرح.

وعجائب بلادهم كثيرة منها كثرة الذهب ومن دخل بلادهم يحبّ القتال وهواؤهم في غاية اليبوسة لا يسلم أحد من الجرب حتى يفارق تلك البلاد.

والزنوج إذا دخلوا بلادنا وآنقهم هذه البلاد استقامت أمزجتهم وسمنوا.

ولهم ملك اسمه اوقليم يملك سائر بلاد الزنج في ثلاثمائة ألف رجل. ودوابهم البقر يحاربون عليها بالسرج واللجم تمشي مشي الدواب ولا خيل لهم ولا بغال ولا إبل وليس لهم شريعة يراجعونها بل رسوم رسمها ملوكهم وسياسات.

وفي بلادهم الزرافة والفيل كثيرة وحشيّة في الصحارى يصطادها الزنوج.

ولهم عادات عجيبة منها أنّ ملوكهم إذا جاروا قتلوهم وحرموا عقبة الملك ويقولون : الملك إذا جار لا يصلح أن يكون نائب ملك السموات والأرض.

ومنها أكل العدوّ إذا ظفر به. وقيل: إن عادة بعضهم ليس عادة الكلّ. ومنها اتّخاذ نبيذ من شربها طمس عقله؛ قيل: إنّها مأخوذة من النارجيل يسقون منها من أرادوا الكيد به. ومنها التحلّي بالحديد مع كثرة الذهب عندهم يتّخذون الحليّ من الحديد كما يتّخذ غيرهم من الذهب والفضّة يزعمون أن الحديد ينفرّ الشيطان ويشجّع لابسه. ومنها قتالهم على البقر وانّها تمشي كالخيل قال المسعودي: رأيت من هذا البقر وانّها حمر العيون يبرك كالإبل بالحمل ويثور بحمله. ومنها اصطيادهم الفيل وتجاراتهم على عظامها وذلك لأن الفيل الوحشيّة ببلاد الزنج كثيرة والمستأنسة أيضا كذلك والزنج لا يستعملونها في الحرب ولا في العمل بل ينتفعون بعظامها وجلودها ولحومها وذاك أن عندهم ورقًا يطرحونها في الماء فإذا شرب الفيل من ذلك الماء أسكره فلا يقدر على المشي فيخرجون إليه ويقتلونه وعظام الفيل وأنيابها تجلب من أرض الزنج وأكثر أنيابه خمسون منًّا إلى مائة منّ وربّما يصل إلى ثلاثمائة منّ.


بلاد السودان


هي بلاد كثيرة وأرض واسعة ينتهي شمالها إلى أرض البربر وجنوبها إلى البراري وشرقها إلى الحبشة وغربها إلى البحر المحيط. أرضها محترقة لتأثير الشمس فيها والحرارة بها شديدة جدًّا لأنّ الشمس لا تزال مسامتة لرؤوسهم وأهلها عراة لا يلبسون من شدّة الحرّ منهم مسلمون ومنهم كفّار.

أرضهم منبت الذهب وبها حيوانات عجيبة: كالفيل والكركدن والزرافة.

وبها أشجار عظيمة لا توجد في غيرها من البلاد.

وحدّثني الفقيه علي الجنحاني المغربي أنّه شاهد تلك البلاد ذكر أنّ أهلها اتّخذوا بيوتهم على الأشجار العظيمة من الأرضة وأن الأرضة بها كثيرة جدًّا ولا يتركون شيئًا من الأثاث والطعام على وجه الأرض إلّا وأفسده الأرضة فجميع قماشهم وطعامهم في البيوت التي اتّخذوها على أعالي الأشجار. وذكر رحمه الله انّه أوّل ما نزل بها نام في طرف منها فما استيقظ إلّا والأرضة قرضت من ثيابه ما كان يلاقي وجه الأرض.


بلاد النّوبة


أرض واسعة في جنوبي مصر وشرقي النيل وغربيّه. هي بلاد واسعة وأهلها أمّة عظيمة نصارى بعامتهم ولهم ملك اسمه كابيل يزعمون أنّه من نسل حمير؛ قال : خير سبيكم النوبة. وقال أيضًا: من لم يكن له أخ فليتّخذ أخا نوبيّا.

ومن عاداتهم تعظيم الملك الذي اسمه كابيل وهو يوهم أنّه لا يأكل ويدخلون الطعام عليه سرًّا فإن عرف ذلك أحد من الرعيّة قتلوه لوقته ويشرب شرابًا من الذّرة مقوّى بالعسل ولبسه الثياب الرفيعة من الصوف والخزّ والديباج وحكمه نافذ في رعيته ويده مطلقة يسترق من شاء ويتصرّف في أموالهم وهم يعتقدون أنّه يحيي ويميت ويصحّ ويمرض.

وجرى ذكر ملك النوبة في مجلس المهدي أمير المؤمنين فقال بعض الحاضرين إن له مع محمّد بن مروان قصّة عجيبة فأمر المهدي بإحضار محمّد بن مروان وسأله عمّا جرى بينه وبين ملك النوبة فقال: لمّا التقينا أبا مسلم بمصر وانهزمنا وتشتّت جمعنا وقعت أنا بأرض النوبة فأحببت أن يمكنني ملكهم من المقام عنده زمانًا فجاءني زائرًا وهو رجل طويل أسود اللون فخرجت إليه من قبّتي وسألته أن يدخلها فأبى أن يجلس إلّا خارج القبّة على التراب. فسألته عن ذلك فقال: إن الله تعالى أعطاني الملك فحقّ عليّ أن أقابله بالتواضع.

ثمّ قال لي: ما بالكم تشربون النبيذ وإنّها محرّمة في ملّتكم؟ قلت: نحن ما نفعل ذلك وإنّما يفعله بعض فساق أهل ملّتنا! فقال: كيف لبست الديباج ولبسه حرام في ملّتكم؟ قلت: إن الملوك الذين كانوا قبلنا وهم الأكاسرة كانوا يلبسون الديباج فتشبّهنا بهم لئلا تنقص هيبتنا في غير الرعايا. فقال: كيف تستحلّون أخذ أموال الرعايا من غير استحقاق؟ قلت: هذا شيء لا نفعله نحن ولا نرضى به وإنّما يفعله بعض عمّالنا السوء! فأطرق وجعل يردّد مع نفسه: يفعله بعض عمّالنا السوء! ثمّ رفع رأسه وقال: إن لله تعالى فيكم نعمة ما بلغت غايتها اخرج من أرضي حتى لا يدركني شؤمك! ثمّ قام ووكّل بي حتى ارتحلت من أرضه والله الموفق.


تغارة


بلدة في جنوبي المغرب بقرب البحر المحيط حدّثني الفقيه علي الجنحاني أنّه دخلها فوجد سور المدينة من الملح وكذلك جميع حيطانها وكذلك السواري والسقوف وكذلك الأبواب فإنّها من صفائح ملحيّة مغطاة بشيء من جلد الحيوان كي لا يتشعّب أطرافها. وذكر أن جميع ما حول هذه المدينة من الأراضي سبخة وفيها معدن الملح والشبّ وإذا مات بها شيء من الحيوان يلقى في الصحراء فيصير ملحًا والملح بأرض السودان عزيز جدًّا والتجّار يجلبونه من تغارة إلى سائر بلادهم يبتاع كلّ وقر بمائة دينار.

ومن العجب أن هذه المدينة أرضها سبخة جدًّا ومياه آبارهم عذبة وأهلها عبيد مسوّفة، ومسوفة قبيلة عظيمة من البربر. وأهل تغارة في طاعة امرأة من إماء مسوّفة شغلهم جمع الملح طول السنة. يأتيهم القفل في كلّ سنة مرّة يبيعون الملح ويأخذون من ثمنه قدر نفقاتهم والباقي يؤدّونه إلى ساداتهم من مسوّفة وليس بهذه وليس بهذه المدينة زرع ولا ضرع، ومعشهم على الملح كما ذكرنا.


تكرور


مدينة في بلاد السودان عظيمة مشهورة قال الفقيه علي الجنحاني المغربي: شاهدتها وهي مدينة عظيمة لا سور لها وأهلها مسلمون وكفّار والملك فيها للمسلمين وأهلها عراة رجالهم ونساؤهم إلّا أشراف المسلمين فإنّهم يلبسون قميصًا طولها عشرون ذراعًا ويحمل ذيلهم معهم خدمهم للحشمة ونساء الكفّار يسترن قبلهنّ بخرزات العقيق ينظمنها في الخيوط ويعلقنها عليهن ومن كانت نازلة الحال فخرزات من العظم.

وذكر أيضًا أن الزرافة بها كثيرة يجلبونها ويذبحونها مثل البقر والعسل والسمن والأرز بها رخيص جدًّا. وبها حيوان يسمّى لبطى يؤخذ من جلده المجنّ يبتاع كلّ مجنّ بثلاثين دينارًا وخاصيّته أن الحديد لا يعمل فيه البتّة.

وحكى أنّه لمّا كان بها إذ ورد قاصد من بعض عمّال الملك يقول: قد دهمنا سواد عظيم لا نعرف ما هو. فاستعدّ الملك للقتال وخرج بعساكره فإذا فيلة كثيرة جاوزت العدّ والحصر فجاءت حتى ترد الماء بقرب تكرور فقال الملك: احشوها بالنبل. فلم يكن يعمل فيها شيء من النبال وكانت تخفي خراطيمها تحت بطنها لئلّا يصيبها النبل وإذا أصاب شيئًا من بدنها أمرّت عليها الخرطوم ورمتها فشربت الماء ورجعت. والله الموفق.


جابرسا


مدينة بأقصى بلاد المشرق عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال: إن بأقصى المشرق مدينة اسمها جابرس أهلها من ولد ثمود وبأقصى المغرب مدينة اسمها جابلق أهلها من ولد عاد ففي كلّ واحد بقايا من الأمّتين.

يقول اليهود: إن أولاد موسى عليه السلام هربوا في حرب بخت نصّر فسيّرهم الله تعالى وأنزلهم بجابرس وهم سكّان ذلك الموضع لا يصل إليهم أحد ولا يحصى عددهم.

وعن ابن عبّاس رضي الله عنه أن النبيّ في ليلة أسري به قال لجبريل عليه السلام: إني أحبّ أن أرى القوم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ. فقال جبريل عليه السلام: بينك وبينهم مسيرة ستّ سنين ذاهبًا وستّ سنين راجعًا وبينك وبينهم نهر من رمل يجري كجري السهم لا يقف إلّا يوم السبت لكن سل ربّك فدعا النبي وأمّن جبريل عليه السلام فأوحى الله إلى جبريل أن أجبه إلى ما سأل فركب البراق وخطًا خطوات فإذا هو بين أظهر القوم فسلّم عليهم فسألوه: من أنت؟ فقال: أنا النبيّ الاميّ! فقالوا: نعم أنت الذي بشّر بك موسى عليه السلام وإن أمّتك لولا ذنوبها لصافحتها الملائكة قال رسول الله : رأيت قبورهم على باب دورهم فقلت لهم: لم ذاك؟ قالوا: لنذكر الموت صباحًا ومساء وإن لم نفعل ذلك ما نذكر إلّا وقتًا بعد وقت! فقال : ما لي أرى بنيانكم مستويا؟ قالوا: لئلّا يشرف بعضنا على بعض ولئلّا يسدّ بعضنا الهواء عن بعض. فقال : ما لي لا أرى فيكم سلطانًا ولا قاضيًا؟ فقالوا: أنصف بعضنا بعضا وأعطينا الحقّ من أنفسنا فلم نحتج إلى أحد ينصف بيننا فقال : ما لأسواقكم خالية؟ فقالوا: نزرع جميعًا ونحصد جميعًا فيأخذ كلّ رجل منّا ما يكفيه ويدع الباقي لأخيه. فقال : ما لي أرى هؤلاء القوم يضحكون؟ قالوا: مات لهم ميت! قال : ولم يضحكون؟ قالوا: سرورًا بأنّه قبض على التوحيد! قال : وما لهؤلاء يبكون؟ قالوا: ولد لهم مولود وهم لا يدرون على أيّ دين يقبض. قال : إذا ولد لكم مولود ذكر ماذا تصنعون؟ قالوا: نصوم لله شهرًا شكرًا. قال: وإن ولدت لكم انثى؟ قالوا: نصوم لله شهرين شكرًا لأنّ موسى عليه السلام أخبرنا أن الصبر على الأنثى أعظم أجرًا من الصبر على الذكر. قال : أفتزنون؟ قالوا: وهل يفعل ذلك أحد إلّا حصبته السماء من فوقه وخسفت به الأرض من تحته؟ قال: افتربون؟

قالوا: إنّما يربي من لا يؤمن رزق الله! قال: أفتمرضون؟ قالوا: لا نذنب ولا نمرض وإنّما تمرض أمّتك ليكون كفّارة لذنوبهم. قال : أفلكم سباع وهوام؟ قالوا: نعم تمرّ بنا ونمرّ بها فلا تؤذينا.

فعرض عليهم النبيّ. شريعته فقالوا: كيف لنا بالحجّ وبيننا وبينه مسافة بعيدة؟ فدعا النبي قال ابن عبّاس: تطوى لهم الأرض حتى يحجّ من يحجّ منهم مع الناس.

قال: فلمّا أصبح النبيّ أخبر من حضر من قومه وكان فيهم أبو بكر رضي الله عنه قال: إن قوم موسى بخير فعلم الله تعالى ما في قلوبهم فأنزل : وممّن خلقنا أمّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون. فصام أبو بكر شهرًا واعتق عبدًا إذ لم يفضل الله أمة موسى على أمّة محمّد .


جاوة


هي بلاد على ساحل بحر الصين ممّا يلي بلاد الهند وفي زماننا هذا لا يصل التجّار من أرض الصين إلّا إلى هذه البلاد والوصول إلى ما سواها من بلاد الصين متعذّر لبعد المسافة واختلاف الأديان والتجّار يجلبون من هذه البلاد العود الجاوي والكافور والسنبل والقرنفل والبسباسة والغضائر الصيني منها يجلب إلى سائر البلاد.


جزاير الخالدات


ويقال لها أيضا جزاير السعادات وأنّها في البحر المحيط في أقصى المغرب كان بها مقام جمع من الحكماء بنوا عليها ابتداء طول العمارات قال أبو الريحان الخوارزمي: هي ستّ جزاير واغلة في البحر المحيط قريبات من مائتي فرسخ وإنّما سميّت بجزاير السعادات لأن غياطها أصناف الفواكه والطيب من غير غرس وعمارة وأرضها تحمل الزرع مكان العشب وأصناف الرياحين العطرة بدل الشوك.

قالوا: في كلّ جزيرة صنم طوله مائة ذراع كالمنار ليهتدى بها وقيل: إنّما عملوا ذلك ليعلم أن ليس بعد ذلك مذهب فلا يتوسّط البحر المحيط والله أعلم بذلك.


جزيرة الرّامني


في بحر الصين؛ قال محمّد بن زكريّاء الرازي: بها ناس عراة لا يفهم كلامهم لأنّه مثل الصفير طول أحدهم أربعة أشبار شعورهم زغب أحمر يتسلّقون على الأشجار وبها الكركدن وجواميس لا أذناب لها وبها من الجواهر والافاويه ما لا يحصى وبها شجر الكافور والخيزران والبقمّ وعروق هذا البقّم دواء من سمّ الأفاعي وحمله شبه الخرنوب وطعمه طعم العلقم.

وقال ابن الفقيه: بها ناس عراة رجال ونساء على أبدانهم شعور تغطي سوآتهم وهم أمّة لا يحصى عددها مأكولهم ثمار الأشجار وإذا اجتاز بهم شيء من المراكب يأتونه بالسباحة مثل هبوب الريح وفي أفواههم عنبر يبيعونه بالحديد.


جزيرة زانج


إنّها جزيرة عظيمة في حدود الصين ممّا يلي بلاد الهند بها أشياء عجيبة ومملكة بسيطة وملك مطاع يقال له المهراج؛ قال محمّد بن زكريّاء: للمهراج جباية تبلغ كلّ يوم مائتي منّ ذهبًا يتّخذها لبنات ويرميها في الماء والماء بيت ماله وقال أيضًا: من عجائب هذه الجزيرة شجر الكافور وأنّه عظيم جدّا يظلّ مائة إنسان وأكثر يثقب أعلى الشجر فيسيل منه ماء الكافور عدّة جرار ثمّ يثقب أسفل من ذلك وسط الشجرة فينساب منها قطع الكافور وهو صمغ تلك الشجرة غير أنّه في داخلها فإذا أخذت ذلك منه يبست الشجرة.

وحكى ماهان بن بحر السيرافي قال: كنت في بعض جزاير زانج فرأيت بها وردًا كثيرًا أحمر وأصفر وأزرق وغير ذلك فأخذت ملاءة حمراء وجعلت فيها شيئًا من الورد الأزرق فلمّا أردت حملها رأيت نارًا في الملاءة واحترق ما فيها من الورد ولم تحترق الملاءة فسألت عنها فقالوا: إن في هذا الورد منافع كثيرة لكن لا يمكن إخراجها من هذه الغيطة.

وقال ابن الفقيه: بهذه الجزيرة قوم على صورة البشر إلّا أن أخلاقهم بالسباع أشبه يتكلّم بكلام لا يفهم ويطفر من شجرة إلى شجرة. وبها صنف من السنانير لها أجنحة كأجنحة الخفافيش من الأذن إلى الذنب وبها وعول كالبقر الجبليّة ألوانها حمر منقّطة ببياض وأذنابها كأذناب الظباء ولحومها حامضة وبها دابّة الزباد وهي شبيهة بالهرّ يجلب منها الزباد وبها فارة المسك.

وبها جبل النصبان وهو جبل فيه حيّات عظام تبلع البقر والجاموس ومنها ما يبلع الفيل وبها قردة بيض كأمثال الجواميس والكباش وبها صنف آخر بيض الصدر سود الظهر. وقال زكرياء بن محمّد بن خاقان: بجزيرة زانج ببغاء بيض وصفر وحمر يتكلّم بأيّ لغة يكون وبها طواويس رقط وخضر وبها طير يقال له الحوارى دون الفاختة أبيض البطن أسود الجناحين أحمر الرجلين أصفر المنقار وهو أفصح من الببغاء والله الموفق للصواب.


جزيرة سكسار


جزيرة بعيدة عن العمران في بحر الجنوب حكى يعقوب بن إسحاق السرّاج قال: رأيت رجلا في وجهه خموش فسألته عن ذلك فقال: خرجنا في مركب فألقتنا الريح إلى جزيرة لم نقدر أن نبرح عنها فأتانا قوم وجوههم وجوه الكلاب وسائر بدنهم كبدن الناس فسبق إلينا واحد ووقف الآخرون فساقنا إلى منازلهم فإذا فيها جماجم الناس وأسوقهم وأذرعهم فأدخلنا بيتا فإذا فيه إنسان أصابه مثل ما أصابنا فجعلوا يأتوننا بالفواكه والمأكول فقال لنا الرجل : إنّما يطعمونكم لتسمنوا فمن سمن أكلوه قال : فكنت أقصّر في الأكل حتى لا أسمن فأكلوا الكلّ وتركوني وذاك الرجل لأني كنت أقصّر في الأكل حتى لا أسمن فأكلوا الكلّ وتركوني وذاك الرجل لأني كنت نحيفًا والرجل كان عليلًا فقال لي الرجل: قد حضر لهم عيد يخرجون إليه بأجمعهم ويمكثون ثلاثًا فإن أردت النجاة فانج بنفسك! وأمّا أنا فقد ذهبت رجلاي لا يمكنني الذهاب.

واعلم أنّهم أسرع شيء طلبًا وأشدّ اشتياقًا وأعرف بالاثر إلّا من دخل تحت شجرة كذا فإنّهم لا يطلبونه ولا يقدرون عليه. قال: فخرجت أسير ليلًا وأكمن النهار تحت الشجرة فلمّا كان اليوم الثالث رجعوا وكانوا يقصّون أثري فدخلت تحت الشجرة فانقطعوا عني ورجعوا فأمنت.

حكى الرجل المخموش وقال: بينا أنا أسير في تلك الجزيرة إذ رفعت لي أشجار كثيرة فانتهيت إليها فإذا بها من كلّ الفواكه وتحتها رجال كأحسن ما يكون صورة فقعدت عندهم لا أفهم كلامهم ولا يفهمون كلامي فبينا أنا جالس معهم إذ وضع أحدهم يده على عاتقي فإذا هو على رقبتي ولوى رجليه عليّ وأنهضني فجعلت أعالجه لأطرحه فخمشني في وجهي فجعلت أدور به على الأشجار وهو يقطف ثمرها يأكل ويرمي إلى أصحابه وهم يضحكون فبينا أنا أسير به في وسط الأشجار إذ أصاب عينيه عيدان الأشجار فعمي فعمدت إلى شيء من العنب وأتيت نقرة في صخرة عصرته فيها ثمّ أشرت إليه أن اكرع فكرع منها فتحلّلت رجلاه فرميت به فأثر الخموش من ذلك في وجهي.

جزيرة القصار

حدّث يعقوب بن إسحاق السرّاج قال: رأيت رجلًا من أهل رومية قال: خرجت في مركب فانكسر وبقيت على لوح فألقتني الريح إلى بعض الجزائر فوصلت بها إلى مدينة فيها أناس قاماتهم قدر ذراع وأكثرهم عور فاجتمع عليّ جماعة وساقوني إلى ملكهم فأمر بحبسي فانتهوا بي إلى شيء مثل قفص الطير أدخلوني فيه فقمت فكسرته وصرت بينهم فآمنوني فكنت أعيش فيهم.

فإذا في بعض الأيّام رأيتهم يستعدّون للقتال فسألتهم عن ذلك فأومأوا إلى عدوّ لهم يأتيهم في هذا الوقت فلم تلبث أن طلعت عليهم عصابة من الغرانيق وكان عورهم من نقر الغرانيق أعينهم فأخذت عصا وشددت على الغرانيق فطارت ومشت فأكرموني بعد ذلك إلى أن وجدت جذعين وشددتهما بلحاء الشجر وركبتهما فرمتني الريح إلى رومية.

وقد حكى أرسطاطاليس في كتاب الحيوان تصحيح ما ذكر وقال: إن الغرانيق تنتقل من خراسان إلى ما بعد مصر حيث يسيل ماء النيل وهناك تقاتل رجالا قاماتهم قدر ذراع.

جزيرة النّساء

في بحر الصين فيها نساء لا رجل معهنّ أصلا وإنّهنّ يلقحن من الريح ويلدن النساء مثلهن وقيل: إنّهنّ يلقحن من ثمرة شجرة عندهن يأكلن منها فيلقحن ويلدن نساء.

حكى بعض التجّار أن الريح ألقته إلى هذه الجزيرة قال: فرأيت نساء لا رجال معهن ورأيت الذهب في هذه الجزيرة مثل التراب ورأيت من الذهب قضبانًا كالخيزران فهممن بقتلي فحمتني امرأة منهن وحملتني على لوح وسيّبتني في البحر فألقتني الريح إلى بلاد الصين فأخبرت صاحب الصين بحال الجزيرة وما فيها من الذهب فبعث من يأتيه بخبرها فذهبوا ثلاث سنين ما وقعوا بها فرجعوا.


جزيرة واق واق


إنّها في بحر الصين وتتّصل بجزائر زانج والمسير إليها بالنجوم قالوا: إنّها ألف وستّمائة جزيرة وإنّما سمّيت بهذا الاسم لأن بها شجرة لها ثمرة على صور النساء معلّقات من الشجرة بشعورها وإذا أدركت يسمع منها صوت واق واق وأهل تلك البلاد يفهمون من هذا الصوت شيئا يتطيّرون به.

قال محمّد بن زكرياء الرازي: هي بلاد كثيرة الذهب حتى ان أهلها يتّخذون سلاسل كلابهم وأطواق قرودهم من الذهب ويأتون بالقمصان المنسوجة من الذهب.

وحكى موسى بن المبارك السيرافي أنّه دخل هذه البلاد وقد ملكتها امرأة وأنّه رآها على سرير عريانة وعلى رأسها تاج وعندها أربعة آلاف وصيفة عراة أبكارًا.

جوف

واد بأرض عاد كان ذا ماء وشجر وعشب وخيرات كثيرة منها حمار بن مويلع كان له بنون خرجوا يتصيّدون فأصابتهم صاعقة فماتوا عن آخرهم فكفر حمار كفرًا عظيمًا وقال: لا أعبد ربّا فعل بي هذا! ودعا قومه إلى الكفر فمن عصاه قتله وكان يقتل من مرّ به من الناس فأقبلت نار من أسفل الجوف فأحرقته ومن فيه وغاض ماؤه فضربت العرب به المثل وقالوا: أكفر من حمار! وقالوا أيضًا: أخلى من جوف حمار. وقال شاعرهم:

ولشؤم البغي والغشم قديما
ما خلا جوف ولم يبق حمار

حرث

أرض واسعة باليمن كثيرة الرياض والمياه طيّبة الهواء عذبة الماء منها ذو حرث الحميري واسمه مثوّب؛ قال هشام بن محمّد الكلبي: كان ذو حرث من أهل بيت الملك يعجبه سياحة البلاد فأوغل في بعض أوقاته في بلاد اليمن فهجم على أرض فيحاء كثيرة الرياض فأمر أصحابه بالنزول وقال: يا قوم إن لهذه الأرض شأنا لما رأى من مياهها ورياضها ولم ير بها أنيسا فأوغل فيها حتى هجم على عين عظيمة نظيفة بها غاب ويكتنفها ثلاث آكام عظام فإذا على شريعتها بيت صنم من الصخر حوله من مسوك الوحش وعظامها تلال.

فبينا هو كذلك إذ أبصر شخصا كالفحل المقرم قد تجلّل بشعره وذلاذله تنوش على عطفه وبيده سيف كاللجّة الخضراء فنكصت منه الخيل وأصرّت بآذانها ونفضت بأبوالها فقلنا: من أنت؟ فأقبل يلاحظنا كالقرم الصّؤول ووثب وثبة الفهد على ادنانا فضربه ضربة فقطّ عجز فرسه وثنّى بالفارس جزله جزلتين.

فقال القيل: ليلحق فارسان برجالنا ليأتينا عشرون راميا.

فلم يلبث أن أقبلت الرماة ففرّقهم على الآكام الثلاث وقال: احشوه بالنبل وان طلع عليكم فدهدهوا عليه الصخر وليحمل عليه الخيل من ورائه ففرّقنا الخيل للحملة وإنّها تشمئزّ عنه فأقبل يدنو ويختل وكلّما خالطه سهم أمرّ عليه ساعده وكسره في لحمه فضرب فارسًا آخر فقطع فخذه بسرجه وما تحت السرج من فرسه فصاح به القيل: ويلك! من أنت؟ فقال بصوت الرعد: أنا حرث لا أراع ولا ألاع! فمن أنت؟ قال: أنا مثوّب قال: إنّك لهو؟ قال: نعم. فقهقر وقال: اليوم انقضت المدّة وبلغت نهايتها العدّة لك كانت هذه السرارة ممنوعة.

ثمّ جلس وألقى سيفه وجعل ينزع النبل من بدنه فقلنا للقيل: قد استسلم؟ قال: كلّا لكنّه اعترف دعوة فإنّه ميّت فقال: عهد عليكم لتحفرنّني! فقال القيل: آكد عهد ثمّ كبا لوجهه فأقبلنا إليه فإذا هو ميت فأخذنا سيفه فلم يقدر أحد منّا يحمله على عنقه فأمر مثوّب فحفر له اخدود ألقي فيه واتّخذ مثوّب تلك الأرض منزلا وسمّاها حرث وسمّي مثوّب ذا حرث.

ووجد على أكمة صخرة مكتوب عليها: باسمك اللهمّ إله من سلف ومن غبر إنّك الملك الكبّار الخالق الجبّار ملكنا هذه المدّة وحمى لنا أقطارها وأصبارها وأسرابها وحيطانها وعيونها وصيرانها إلى انتهاء عدّة وانقضاء مدّة ثمّ يظهر علينا غلام ذو الباع الرحب والمضاء العضب فيتّخذها معمرًا أعصرًا ثمّ يجوز كما بدا وكلّ محتوم آت وكلّ مترقّب قريب ولا بدّ من فقدان الموجود وخراب المعمور.

حضرموت

ناحية باليمن مشتملة على مدينتين يقال لاحداهما شبام وللأخرى تريم وهي بقرب البحر في شرقي عدن وانّها بلاد قديمة.

حكى رجل من حضرموت قال: وجدنا بها فخّارا فيه سنبلة حنطة وامتلأ الظرف منها وزنّاها كانت منّا وكلّ حبّة منها كبيضة دجاجة. وكان في ذلك الوقت شيخ له خمسمائة سنة وله ولد له أربعمائة سنة وولد ولد له ثلاثمائة سنة؛ فذهبنا إلى ابن الابن قلنا: إنّه أقرب إلى الفهم والعقل فوجدناه مقيّدًا لا يعرف الخير والشرّ. فقلنا: إذا كان هذا حال ولد الولد فكيف حال الأب والجدّ؟ فذهبنا إلى صاحب الأربعمائة سنة فوجدناه أقرب إلى الفهم من ولده فذهبنا إلى صاحب الخمسمائة سنة فوجدناه سليم العقل والفهم فسألناه عن حال ولد ولده فقال: أنّه كانت له زوجة سيّئة الخلق لا توافقه في شيء أصلا فأثر فيه ضيق خلقها ودوام الغمّ بمقاساتها وأمّا ولدي فكانت له زوجة توافقه مرّة وتخالفه أخرى فلهذا هو أقرب فهما منه. وأمّا أنا فلي زوجة موافقة في جميع الأمور مساعدة فلذلك سلم فهمي وعقلي! فسألناه عن السنبلة فقال: هذا زرع قوم من الأمم الماضية كانت ملوكهم عادلة وعلماؤهم أمناء وأغنياؤهم أسخياء وعوامّهم منصفة.

منها القاضي الحضرمي رحمه الله لمّا ولي القضاء أتى عليه سنتان لم يتقدّم إليه خصمان فاستعفى الملك وقال: إني آخذ معيشة القضاء ولا خصومة لأحد فالأجرة لا تحلّ لي! فاستبقاه الملك وقال: لعلّ الحاجة تحدث إلى أن تقدّمه خصيمان فقال أحدهما: اشتريت منه أرضا فظهر فيها كنز قل له حتى يقبضها! وقال الآخر: إني بعت الأرض بما فيها والكنز له! فقال القاضي: هل لكما من الأولاد؟ قالا: نعم. فزوّج بنت البائع من ابن المشتري وجعل الكنز لولديهما وصالحا على ذلك.

وبها القصر المشيد الذي ذكره الله في القرآن بناه رجل يقال له صدّ ابن عاد وذلك أنّه لمّا رأى ما نزل بقوم عاد من الريح العقيم بنى قصرا لا يكون للريح عليه سلطان من شدّة إحكامه وانتقل إليه هو وأهله وكان له من القوّة ما كان يأخذ الشجرة بيده فيقلعها بعروقها من الأرض ويأكل من الطعام مأكول عشرين رجلًا من قومه وكان مولعًا من النساء تزوّج بأكثر من سبعمائة عذراء وولد له من كلّ واحدة ذكر وأنثى فلمّا كثر أولاده طغى وبغى وكان يقعد في أعالي قصره مع نسائه لا يمرّ به أحد إلّا قتله كائنا من كان حتى كثر قتلاه فأهلكه الله تعالى مع قومه بصيحة من السماء وبقي القصر خرابًا لا يجسر أحد على دخوله لأنّه ظهر فيه شجاع عظيم وكان يسمع من داخله أنين كأنين المرضى وقد أخبر الله تعالى عنهم وأمثالهم بقوله: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ وقصر مشيد والبئر المعطّلة كانت بعدن سنذكرها إن شاء الله تعالى. وبها قبر هود النبيّ عليه السلام؛ قال كعب الأحبار: كنت في مسجد رسول الله في خلافة عثمان رضي الله عنه فإذا برجل قد رمقه الناس لطوله فقال: أيّكم ابن عمّ محمّد؟ قالوا: أيّ ابن عمّه؟ قال: ذاك الذي آمن به صغيرا فأومأوا إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال عليّ: ممّن الرجل؟ فقال: من اليمن من بلاد حضرموت. فقال عليّ: أتعرف موضع الأراك والسدرة الحمراء التي يقطر من أوراقها ماء في حمرة الدم؟ فقال الرجل: كأنّك سألتني عن قبر هود عليه السلام؟ فقال عليّ: عنه سألتك فحدّثني فقال: مضيت في أيّام شبابي في عدّة من شبّان الحيّ نريد قبره فسرنا إلى جبل شامخ فيه كهوف ومعنا رجل عارف بقبره حتى دخلنا كهفا فإذا نحن بحجرين عظيمين قد أطبق أحدهما على الآخر وبينهما فرجة يدخلها رجل نحيف وكنت أنا أنحفهم فدخلت بين الحجرين فسرت حتى وصلت إلى فضاء فإذا أنا بسرير عليه ميت وعليه أكفان كأنّها الهواء فمسست بدنه فكان علبًا وإذا هو كبير العينين مقرون الحاجبين واسع الجبهة أسيل الحدّ طويل اللحية وإذا عند رأسه حجر على شكل لوح عليه مكتوب: لا إله إلّا الله محمّد رسول الله وقضى ربّك ألّا تعبدوا إلّا إيّاه وبالوالدين إحسانًا أنا هود بن الحلود بن عاد رسول الله إلى بني عاد بن عوض ابن سام بن نوح جئتهم بالرسالة وبقيت فيهم مدّة عمري فكذّبوني فأخذهم الله بالريح العقيم فلم يبق منهم أحد وسيجيء بعدي صالح بن كالوة فيكذّبه قومه فتأخذهم الصيحة؛ قال له عليّ رضي الله عنه: صدقت هكذا قبر هود عليه السلام.

وبها بئر برهوت وهي التي قال النبيّ : ان فيها أرواح الكفّار والمنافقين وهي بئر عاديّة قديمة عميقة في فلاة وواد مظلم.

وعن عليّ رضي الله عنه قال: ابغض البقاع إلى الله تعالى وادي برهوت بحضرموت فيه بئر ماؤها أسود منتن يأوي إليه أرواح الكفّار.

وذكر الأصمعيّ عن رجل حضرميّ انّه قال: إنا نجد من ناحية برهوت رائحة منتنة فظيعة جدًّا فيأتينا الخبر أن عظيمًا من عظماء الكفّار مات.

وحكى رجل أنّه بات ليلة بوادي برهوت قال: فكنت أسمع طول الليل يا دومه يا دومه فذكرت ذلك لبعض أهل العلم فقال: إن الملك الموكّل بأرواح الكفّار اسمه دومه.

وبها ماء الخنوثة؛ قال ابن الفقيه: بحضرموت ماء بينها وبين النّوب من شربه يصير مخنّثًا.

دلان ودموران1

قريتان بقرب ذمار من أرض اليمن. قالوا: ليس بأرض اليمن أحسن وجها من نساء هاتين القريتين. وقالوا: الفواجر بهما كثيرة يقصدهما الناس من الأماكن البعيدة للفجور! قالوا: إن دلان ودموران كانا ملكين أخوين، وكلّ واحد بنى قرية وسمّاها باسمه، وكانا مشغوفين بالنساء وينافسان في الحسن والجمال، والناس يجلبون من الأطراف البعيدة ذوات الجمال لهما، فمن هناك أتى أهل القريتين الجمال، وإلّا فالجمال بأرض اليمن كالسمك على اليبس، والله الموفق.


دنقلة


مدينة عظيمة ببلاد النوبة ممتدّة على ساحل النيل طولها مسيرة ثمانين ليلة وعرضها قليل وهي منزل ملكهم كابيل وأهلها نصارى يعاقبة أرضهم محترقة لغاية الحرارة عندهم ومع شدّة احتراقها ينبت الشعير والحنطة والذرة. ولهم نخل وكرم ومقل وأراك. وبلادهم أشبه شيء باليمن وبيوتهم أخصاص كلّها وكذلك قصور ملكهم. وأهلها عراة مؤتزرون بالجلود، والنمر عندهم كثيرة يلبسون جلودها، والزرافة أيضا وهي دابّة عجيبة منحنية إلى خلفها لطول يديها وقصر رجليها، وعندهم صنف من الإبل صغيرة الخلق قصيرة القوائم.

ذات الشّعبين

مخلاف باليمن وقال محمّد بن السائب: حكى لنا رجل من ذي الكلاع أن سيلًا أقبل باليمن فخرق موضعًا فأبدى عن أزج فإذا فيه سرير عليه ميت عليه جباب وشي مذهبة وبين يديه محجن من ذهب في رأسه ياقوتة حمراء وإذا لوح فيه مكتوب: بسم الله ربّ حمير أنا حسّان بن عمرو القيل حين لا قيل إلّا الله متّ زمان خرهيد وماهيد هلك فيه اثنا عشر ألف قيل وكنت آخرهم قيلا فأتيت ذات الشّعبين ليجيرني فأجفرني قالوا: لعلّ كان ذلك وقت الطاعون فمات من مات لفساد الهواء فأتى حسّان ذات الشعبين ليكون الهواء فيه أصحّ بسبب هبوبها من الشعبين فيسلم من الطاعون وما سلم.

ذمار

مدينة ببلاد اليمن حكى أبو الربيع سليمان الزنجاني: انّه شاهد ذمار ورأى على مرحلة منها آثار عمارة قديمة قد بقي منها ستّة أعمدة من رخام وفوق أربعة منها أربعة أعمدة ودونها مياه كثيرة جارية قال: ذكر لي أهل تلك البلاد أن أحدًا لا يقدر على خوض تلك المياه إلى تلك الأعمدة وما خاض أحد إلّا عدم، وأهل تلك البلاد متّفقون على أنّها عرش بلقيس.

سبأ

مدينة كانت بينها وبين صنعاء ثلاثة أيّام بناها سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان كانت مدينة حصينة كثيرة الأهل طيّبة الهواء عذبة الماء كثيرة الأشجار لذيذة الثمار كثيرة أنواع الحيوان وهي التي ذكرها الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍۢ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍۢ وَشِمَالٍۢ ۖ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُۥ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ؛ ما كان يوجد بها ذباب ولا بعوض ولا شيء من الهوام كالحيّة والعقرب ونحوهما.

وقد اجتمعت في ذلك الموضع مياه كثيرة من السيول فيمشي بين جبلين ويضيع في الصحارى وبين الجبلين مقدار فرسخين فلمّا كان زمان بلقيس الملكة بنت بين الجبلين سدّا بالصخر والقار وترك الماء العظيم خارج السدّ وجعلت في السدّ مثاعب أعلى وأوسط وأسفل ليأخذوا من الماء كلّ ما احتاجوا إليه فجفّت داخل السدّ ودام سقيها فعمرها الناس وبنوا وغرسوا وزرعوا فصارت أحسن بلاد الله تعالى وأكثرها خيرا كما قال الله تعالى: ﴿جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍۢ وَشِمَالٍۢ. وكان أهلها اخوة وبنو عمّ بنو حمير وبنو كهلان فبعث الله تعالى إليهم ثلاثة عشر نبيًّا فكذّبوهم فسلط الله تعالى الجرذ على سدّهم.

منها عمران بن عامر وكانت سيادة اليمن لولد حمير ولولد كهلان، وكان كبيرهم عمران بن عامر، وكان جوادًا عاقلًا وله ولأقربائه من الحدائق ما لم يكن لأحد من ولد قحطان وكانت عندهم كاهنة اسمها طريفة قالت لعمران: والظلمة والضياء والأرض والسماء ليقبلنّ إليكم الماء كالبحر إذا طما فيدع أرضكم خلاء يسفي عليها الصّبا! فقالوا لها: فجعتنا بأموالنا فبيّني مقالتك! فقالت: انطلقوا إلى رأس الوادي لتروا الجرذ العادي يجرّ كلّ صخرة صيخاد بأنياب حداد وأظفار شداد! فانطلق عمران في نفر من قومه حتى أشرفوا على السدّ فإذا هم بجرذ أحمر فيقلع الحجر الذي لا يستقلّه رجال ويدفعه بمخاليب رجليه إلى ما يلي البحر ليفتح السدّ.

فلمّا رأى عمران ذلك علم صدق قول الكاهنة فقال لأهله: اكتموا هذا القول من بني عمّكم بني حمير لعلّنا نبيع حدائقنا منهم ونرحل عن هذه الأرض ثمّ قال لابن أخيه حارثة: إذا كان الغد واجتمع الناس أقول لك قولا خالفني وإذا شتمتك ردّها عليّ وإذا ضربتك فاضربني مثله! فقال: يا عم كيف ذلك؟ فقال عمران: لا تخالف فإن مصلحتنا في هذا.

فلمّا كان الغد واجتمع عند عمران أشراف قومه وعظماء حمير ووجوه رعيّته أمر حارثة أمرا فعصاه فضربه بمخصرة كانت بيده فوثب حارثة عليه واطمه فأظهر عمران الغضب وأمر بقتل ابن أخيه فوقع في حقّه الشفاعات.

فلمّا أمسك عن قتله حلف أن لا يقيم في أرض امتهن بها وقال وجوه قومه: ولا نقيم بعدك يوما! فعرضوا ضياعهم على البيع واشتراها بنو حمير بأعلى الأثمان فارتحل عن أرض اليمن فجاء السيل بعد رحيلهم بمدّة يسيرة وخربت البلاد كما قال تعالى: ﴿فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَٰهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍۢ وَأَثْلٍۢ وَشَىْءٍۢ مِّن سِدْرٍۢ قَلِيلٍۢ فتفرّقوا في البلاد ويضرب بهم المثل فيقال: تفرّقوا أيادي سبا.

وكانوا عشرة أبطن: ستّة تيامنوا وهم كندة والأشعريون والأزد ومذحج وانمار وحمير وأربعة تشاءموا وهم عامرة وجذام ولخم وغسّان. وكانت هذه الواقعة بين مبعث عيسى ونبيّنا صلّى الله عليهما وسلّم.


سجلماسة


مدينة في جنوب المغرب في طرف بلاد السودان في مقطع جبل درن في وسط رمل بها نهر كبير غرسوا عليه بساتين ونخيلًا مدّ البصر. حدّثني بعض الفقهاء من المغاربة وقد شاهدها: ان مزارعها اثنا عشر فرسخًا من كلّ جانب لكن لا يزرع في كلّ سنة إلّا خمسها ومن أراد الزيادة على ذلك منعوه، وذلك لأن الريع إذا كثر لا يبقى له قيمة فلا يشتري من الطّنّاء بشيء. وبها أصناف العنب والتمر وأمّا تمرها فستّة عشر صنفًا ما بين عجوة ودقل، ولنسائها يد صناع في غزل الصوف ويعمل منه كلّ عجيب حسن بديع من الأزر التي تفوق القصب ويبلغ ثمن الازار ثلاثين دينارًا وأربعين كأرفع ما يكون من القصب ويتّخذن منه عقارات يبلغ ثمنها مثل ذلك مصبوغة بأنواع الألوان وأهل هذه المدينة من أغنى الناس وأكثرهم مالًا لأنّها على طريق غانة التي هي معدن الذهب ولأهلها جرأة على دخول تلك البرية مع ما ذكر من صعوبة الدخول فيها وهي في بلاد التبر يعرف منها والله الموفق.

سرنديب

جزيرة في بحر هركند بأقصى بلاد الصين؛ قال محمّد بن زكرياء: هي ثمانون فرسخًا في ثمانين فرسخًا لها ثلاثة ملوك كلّ واحد عاص على الآخر.

ومن عاداتهم أن يأخذوا من الجاني سبعة دراهم على جنايته والمديون إذا تقاعد عن اداء الدين بعث الملك إليه من يخطّ حوله خطّا أي مكان وجده فلا يجسر أن يخرج من الخطّ حتى يقضي الدين أو يحصّل رضاء الغريم. فإن خرج من الخطّ بغير إذن أخذ الملك منه ثلاثة أضعاف الدين ويسلّم ثُلثه إلى المستحقّ ويأخذ الملك ثُلثيه.

وإذا مات الملك يجعل في صندوق من العود والصندل ويحرق بالنار وترافقه زوجته حتى يحتزقا معًا.

وبها أنواع العطر والافاويه والعود والنارجيل ودابّة المسك وأنواع اليواقيت ومعدن الذهب والفضّة ومغاص اللؤلؤ.

وعن رسول الله : خير بقعة ضربت إليها آباط الإبل مكّة ومسجدي هذا والمسجد الأقصى وجزيرة سرنديب فيها نزل أبونا آدم عليه السلام بها جبل أهبط عليه آدم عليه السلام وهو ذاهب في السماء يراه البحريّون من مسافة أيّام وفيه أثر قدم آدم عليه السلام وهي قدم واحدة مغموسة في الحجر. ويرى على هذا الجبل كلّ ليلة مثل البرق من غير سحاب وغيم ولا بدّ له كلّ يوم من مطر يغسل موضع قدم آدم عليه السلام.

ويقال إن الياقوت الأحمر يوجد على هذه الجبال يحدّره السيل منها إلى الحضيض وقطاع الماس أيضًا والبلّور. وقالوا: أكثر أهل سرنديب مجوس وبها مسلمون أيضًا ودوابّها في غاية الحسن لا تشبه دوابّنا إلّا بالنوع وبها كبش له عشرة قرون.

منها الشيخ الظريف سديد الدين السرنديبي ورد قزوين وأهل قزوين تبرّكوا به. وكان قاضي قزوين يدخل مع الولاة في الأمور الديوانيّة والعوامّ يكرهون ذلك فربّما عملوا غوغاة ونهبوا دار القاضي وخرّبوها فلمّا سكن السرنديبي قزوين وتبرّك القوم به كلّما كرهوا من القاضي وخرّبوها فلمّا سكن السرنديبي قزوين وتبرّك القوم به كلّما كرهوا من القاضي شيئا ذهبوا إلى السرنديبي وقالوا: قم ساعدنا على القاضي! فإذا خرج السرنديبي تبعه ألوف فالقاضي لقي من السرنديبي التباريح.

فطلبه ذات يوم فلمّا دخل عليه تحرّك له وانبسط معه وسأله عن حاله ثمّ قال : إني أرى في هذه المدينة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متروكا ولست أرى من لا يأخذه في الله لومة لائم غيرك. وأخرج من داره قميصًا غسل مرارا وعمامة عتيقة وأركبه على دابّة وغلمان الاحتساب في خدمته وكلّ من سمع بهذا استحسن وصار السرنديبي محتسبًا.

فإذا في بعض الأيّام جاء شخص إلى السرنديبي وقال: في موضع كذا جماعة يشربون. فقام بأصحابه وذهب إليهم فأراق خمورهم وكسر ملاهيهم.

وكان القوم صبيانًا جهّالًا قاموا إليه وضربوه وضربوا أصحابه ضربًا وجيعا فجاء السرنديبي إلى القاضي وعرّفه ذلك فالقاضي غضب وحولق وقال: ابصروا من كانوا أولئك فقالوا: ما نعرف منهم أحدًا. ثمّ بعد أيّام قالوا للسرنديبي: في بستان كذا جماعة يشربون فذهب إليهم بأصحابه وأراق خمورهم وكسر ملاهيهم فقاموا وقتاوا أصحاب السرنديبي وجرحوه فعاد السرنديبي إلى بيته وأخذ القميص والعمامة وذهب إلى القاضي وقال: اخلع هذا على غيري فإني لست أهلًا لذلك فقال القاضي: لا تفعل يا سديد الدين ولا تمنع الثواب! فقال له: دع هذا الكلام أنت غرضك اني أقتل وأجرح على يد غيرك وإني قد عرفت المقصود ولا أنخدع بعد ذلك.

سفالة

آخر مدينة تعرف بأرض الزنج بها معدن الذهب والحكاية عنها كما مرّ في بلاد التبر من أن التجّار يحملون إليها الأمتعة ويضعونها في أرض قريبة منهم ويرجعون. ثمّ ان أهل سفالة وهم سودان يأتون ويتركون ثمن كلّ متاع بجنبه والذهب السّفالي معروف عند تجّار الزنج، وبها الحواي وهو صنف من الطير يعيد ما سمع بصوت رفيع ولفظ صحيح أصحّ من الببغاء، ولا يبقى أكثر من سنة، وبها ببغاء بيض وحمر وخضر، وقال محمد بن الجهم: رأيت قوماً يأكلون الذباب ويزعمون أنه دافع للرمد ولا يرمدون شيئاً البتّة.

سلوق

مدينة بأرض اليمن؛ قال ابن الحايك: كانت مدينة عظيمة ولها آثار عظيمة باقية يوجد بها قطاع الذهب والفضّة والحليّ وكان بها صنّاع الدروع المحكمة النسج قال الشاعر:

نقل السّلوقيّ المضاعف نسجه
ويوقد بالصّفّاح نار الحباحب
وبها الكلاب الضّواري وذاك لأن الكلاب بها يسفدها الذئاب فتأتي بالكلاب السلوقيّة وهي أخبث الكلاب؛ قال الشاعر:
منهم ضوار من سلوق كأنّها
حصن تجول تجرّر الأرسانا

سمهر

قرية بالحبشة بها صنّاع الرماح السّمهريّة وهي أحسن الرّماح؛ قاله الصولي وقال غيره: إنّ هذه القرية في جوف النيل يأتيها من أرض الهند على رأس الماء كثير من القنا يجمعها أهل هذه القرية يستوقدون رذاله ويثقّفون جيّده ويبيعونه وهو بأرض الحبشة معروف يحمل منها إلى سائر البلاد، والله الموفّق.

سندابل

قصبة بلاد الصين ودار المملكة يشقّها نهر أحد شقيّه للملك والشقّ الآخر للعامّة؛ قال مسعر بن مهلهل: دخلتها وهي مدينة عظيمة قطرها مسيرة يوم ولها ستّون شارعًا كلّ شارع ينفذ إلى دار الملك ولها سور ارتفاعه تسعون ذراعًا وعلى رأس السور نهر عظيم يتفرّق ستّين جزءًا كلّ جزء ينزل على باب من أبوابها تلقاه رحى يصبّ إليها ثمّ إلى غيرها حتى يصبّ في الأرض. ثمّ يخرج نصفه تحت السور يسقي البساتين ويدخل نصفه المدينة ويدور في الشوارع كلّها وكلّ شارع فيه نهران: داخل يسقيهم وخارج يخرج بفضلاتهم.

وفيها من الزروع والبقول والفواكه والخيرات وأنواع الطيب كالقرنفل والدارصيني. وبها أنواع الجواهر كاليواقيت ونحوها والذهب الكثير. وأهلها حسان الوجوه قصار القدود عظام الرؤوس لباسهم الحرير وحليهم عظام الفيل والكركدن وأبوابهم آبنوس وفيهم عبدة الأوثان والمانويّة والمجوس ويقولون بالتناسخ.

ومنها خاقان ملك الصين الموصوف بالعدل والسياسة له سلسلة من ذهب أحد طرفيها خارج القصر والطرف الآخر عند مجلس الملك ليحرّكها المظلوم فيعلم الملك. ومن عادته ركوب الفيل كلّ جمعة والظهور للناس ومن كان مظلوما يلبس ثوبًا أحمر فإذا وقعت عليه عين الملك يحضره ويسأله عن ظلامته.

ومن ولد في رعيّته أو مات يكتب في ديوان الملك لئلّا يخفى عليه أحد.

وبها بيت عبادة عظيم فيه أصنام وتماثيل، ولأهلها يد باسطة في الصناعات الدقيقة يعبدون الأوثان ولا يذبحون الحيوان ومن فعل أنكروا عليه.

ولهم آداب حسنة للرعيّة مع الملك وللولد مع الوالد: فإن الولد لا يقعد في حضور أبيه ولا يمشي إلا خلفه ولا يأكل معه.

قال ابن الفقيه: أهل الصين يقولون بالتناسخ ويعملون بالنجوم ولهم كتب يشتغلون بها والزنا عندهم مباح ولهم غلمان وقفوهم للواطة. كما أن الهند وقفوا الجواري على البدّ للزنا وذلك عند سفلتهم لا عند أهل التمييز.

والملك وكلّ بالصّنّاع ليرفع إلى الملك جميع المعمول فما أراد من ذلك اشتراه لخزانته وإلّا يباع في السوق وما فيه عيب يمزّقه.

وحكي أنّه ارتفع ثوب إلى الملك فاستحسنه المشايخ كلّهم إلّا واحدا فسئل عن عيبه فقال: إن هذا الثوب عليه صورة الطاووس وقد حمل قنو موز والطاووس لا يقدر على حمل قنو الموز فلو بعث الملك هذا الثوب هدية إلى بعض الملوك يقولون: أهل الصين ما يعرفون أن الطاووس لا يقدر على حمل قنو الموز.

الشّحر

ناحية بين عدن وعمان على ساحل البحر. ينسب إليها العنبر الشّحريّ لأنّه يوجد في سواحلها. وبها غياض كثيرة يوجد بها النسناس.

حكى بعض العرب قال: قدمت الشحر فنزلت عند بعض رؤسائها وسألت عن النسناس فقال: إنّا لنصيده ونأكله وهو دابّة كنصف بدن الإنسان له يد واحدة ورجل واحدة وكذلك جميع الأعضاء فقلت: أنا أحبّ أن أراه فقال لغلمانه: صيدوا لنا شيئًا منه. فلمّا كان من الغد جاءوا بشيء له وجه كوجه الإنسان إلّا أنّه نصف الوجه وله يد واحدة في صدره وكذلك رجل واحدة فلمّا نظر إليّ قال: أنا بالله وبك. فقلت لهم: خلّوا عنه. فقالوا :لا تغترّ بكلامه فإنّه مأكولنا فلم أزل بهم حتى أطلقوه فمرّ مسرعًا كالريح.

فلمّا جاء الرجل الذي كنت عنده قال لغلمانه: أما قلت لكم صيدوا لنا شيئا؟ فقالوا: فعلنا لكن ضيفك خلّى عنه. فضحك وقال: خدعك والله! ثمّ أمرهم بالغدو إلى الصيد فغدوا بالكلاب وكنت معهم فصرنا إلى غيضة في آخر الليل فإذا واحد يقول: يا أبا مجمر إن الصبح قد أسفر واللّيل قد أدبر والقيض قد حضر فعليك بالوزر. فقال الآخر: كلي ولا تراعي فأرسلوا الكلاب عليهم فرأيت أبا مجمر وقد اعتوره كلبان وهو يقول:

الويل لي ممّا به دهاني
دهري من الهموم والأحزان
قفا قليلا أيّها الكلبان
واسمعا قولي وصدّقاني
إنّكما حين تحارباني
ألفيتماني خضلا عناني
لو بي شبابي ما ملكتماني
حتى تموتا أو تركتماني

فالتقياه وأخذاه فلمّا حضر الرجل على عادته أتوا بأبي مجمر مشويًّا وذكر خبر النسناس في وبار أبسط من هذا.

شعب

جبل باليمن فيه بلاد وقرى يقال لأهلها الشّعبيّون قتل بها الشّنفرى فقال تأبّط شرّا وهو خال الشنفرى:

إنّ بالشّعب من دون سلع
لقتيلا دمه ما يطلّ

منها أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبي كان عالما ورعا فريد دهره ولّي القضاء من قبل عبد الملك بن مروان بعثه إلى الروم رسولًا فأدخلوه على الملك من باب لصّ حتى ينحني للدخول فيقولون: خدّم للملك فعرف الشعبي ذلك فدخله من خلفه فلمّا رأى صاحب الروم كمال عقله وحسن جوابه وخطابه قال له: أمن بيت الخلافة أنت؟ قال: لا أنا رجل من العرب.

فكتب إلى عبد الملك: عجبت من قوم عندهم مثل هذا الرجل وولّوا غيره أمرهم! فقال عبد الملك للشعبي: حسدني عليك أراد أن أقتلك! فقال الشعبي: إنّما كهر أمير المؤمنين لأنّه لم يرك! فقال: لله درّك ما عدا ما في نفسي.

وحكي أن الشعبي جلس يوما للقضاء فاحتكم إليه زوجان وكانت المرأة من أجمل النساء فأظهرت المرأة حجّتها. فقال للزوج: هل لك ما تدفع هذه؟ فأنشأ يقول:

فتن الشّعبيّ لمّا رفع الطّرف إليها
فتنته بدلال وتخطّى حاجبيها
قال للجوّار قرّبها وقرّب شاهديها
فقضى جورا على الخصم ولم يقض عليها

قال الشعبي: دخلت على عبد الملك بن مروان فلمّا نظر إليّ تبسّم وقال:

فتن الشّعبيّ لمّا رفع الطّرف إليها

ثمّ قال: ما فعلت بقائل هذا؟ قلت: أوجعت ظهره ضربا يا أمير المؤمنين لما هتك حرمتي! فقال: أحسنت والله وأجملت!

وحكي أن الشعبي دخل على قوم وهم يذكرونه بالسوء فقال:

هنيئا مريئا غير داء مخامر
لعزّة من أعراضنا ما استحلّت

وسبّه رجل فقال: يا هذا إن كنت صادقًا غفر الله لي وإن كنت كاذبًا غفر الله لك!

توفي سنة أربع ومائة عن اثنتين وثمانين سنة.


شمخ


قرية بأرض اليمن من عجائبها أن بها شقّا ينفذ إلى الجانب الآخر فمن لم يكن ولد رشدة لا يقدر على النفوذ فيه.

حكى رجل من مراد قال: وليّت صدقات فبينا أنا أقسمها إذ قال لي رجل: ألا أريك عجبا؟ قلت: نعم. فأدخلني شعب جبل فإذا أنا بسهم من سهام عاد كأكبر ما يكون من رماحنا مفوّقا تشبّث بذروة الجبل وعليه مكتوب:

ألا هل إلى أبيات شمخ بذي اللوى
لوى الرّمل من قبل الممات معاد
بلاد بها كنّا وكنّا نحبّها
إذ النّاس ناس والبلاد بلاد

ثمّ أخذ بيدي إلى الساحل فإذا بحجر يعلوه الماء طورا ويظهر أخرى وعليه مكتوب: يا ابن آدم يا عبد ربّه اتّق الله ولا تعجل في رزقك فإنّك لن تسبق رزقك ولن ترزق ما ليس لك ومن لم يصدّق فلينطح هذا الحجر حتى ينفجر!

شيلا

بلدة من أواخر بلاد الصين في غاية الطيب لا يرى بها ذو عاهة من صحّة هوائها وعذوبة مائها وطيب تربتها.

أهلها أحسن الناس صورة وأقلّها أمراضًا وذكر أن الماء إذا رشّ في بيوتها تفوح منه رائحة العنبر وهي قليلة الآفات والعلل قليلة الذباب والهوام. إذا اعتلّ إنسان في غيرها ثم نقل إليها زالت علله.

قال محمّد بن زكرياء الرازي: من دخلها استوطنها ولا يخرج عنها لطيبها ووفور خيراتها وكثرة ذهبها، والله الموفق.

صنعاء

قصبة بلاد اليمن أحسن مدنها بناء وأصحّها هواء وأعذبها ماء وأطيبها تربة وأقلّها أمراضا ذكر أن الماء إذا رشّ في بيوتها تفوح منه رائحة العنبر وهي قليلة الآفات والعلل قليلة الذباب والهوام. إذا اعتلّ إنسان في غيرها ونقل إليها يبرأ وإذا اعتلّت الإبل وأرعيت في مروجها تصحّ واللحم يبقى بها أسبوعًا لا يفسد.

بناها صنعاء بن ازال بن عنير بن عابر بن شالح شبّهت بدمشق في كثرة بساتينها وتخرّق مياهها وصنوف فواكهها. قال محمّد بن أحمد الهمذاني: أهل صنعاء في كلّ سنة يشتّون مرّتين ويصيّفون مرّتين فإذا نزلت الشمس نقطة الحمل صار الحرّ عندهم مفرطًا فإذا نزلت أوّل السرطان زالت عن سمت رؤوسهم فيكون شتاء فإذا نزلت أوّل الميزان يعود الحرّ إليهم مرّة ثانية فيكون صيفًا وإذا صارت إلى الجدي شتّوا مرّة ثانية غير أن شتاءهم قريب من الصيف في كيفيّة الهواء.

قال عمران بن أبي الحسن: ليس بأرض اليمن بلد أكبر من صنعاء وهو بلد بخطّ الاستواء بها اعتدال الهواء لا يحتاج الإنسان إلى رحلة الشتاء والصيف وتتقارب ساعات نهارها.

وكان من عجائب صنعاء غمدان الذي بناه التبابعة؛ قالوا: بانيه ليشرخ ابن يحصب؛ قال ابن الكلبي: اتّخذه على أربعة أوجه: وجه أحمر ووجه أبيض ووجه أصفر ووجه أخضر وبنى في داخله قصرًا على سبعة سقوف بين كلّ سقفين أربعون ذراعًا فكان ظلّه إذا طلعت الشمس يرى على ماء بينهما ثلاثة أميال وجعل في أعلاه مجلسًا بناه بالرخام الملوّن وجعل سقفه رخامة واحدة وصيّر على كلّ ركن من أركانه تمثال أسد إذا هبّت الريح يسمع منها زئير الأسد وإذا أسرجت المصابيح فيه ليلا كان سائر القصر يلمع من ظاهره كما يلمع البرق وفيه قال ذو جدن الهمداني:

وغمدان الذي حدّثت عنه
بناه مشيّدا في رأس نيق
بمرمرة وأعلاه رخام
تحام لا يعيّب بالشّقوق
مصابيح السّليط يلحن فيه
إذا أمسى كتوماض البروق
فأضحى بعد جدّته رمادًا
وغيّر حسنه لهب الحريق
وقال أميّة بن أبي الصّلت يمدح سيف بن ذي يزن في قصيدة آخرها:
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا
في رأس غمدان دارا منك محلالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن
شيبا بماء فصارا بعد أبوالا

وذكر أن التبابعة إذا قعدوا على هذا القصر وأشعلوا شموعهم يرى ذلك على مسيرة أيّام. حكي أن عثمان بن عفّان رضي الله عنه لمّا أمر بهدم غمدان قالوا له: إن الكهنة يقولون هادم غمدان مقتول! فأمر بإعادته فقالوا له: لو أنفقت عليه خراج الأرض ما أعدته كما كان فتركه ولمّا خربه وجد على خشبة من أخشابها مكتوبًا: اسلم غمدان هادمك مقتول. فهدمه عثمان بن عفّان فقتل.

ووجد على حائط ايوان من مجالس تبع مكتوبًا:

صبرا الدّهر نال منك فهكذا مضت الدهور
فرح وحزن بعده لا الحزن دام ولا السّرور

وبصنعاء جبل الشبّ وهو جبل على رأسه ماء يجري من كلّ جانب وينعقد حجرًا قبل أن يصل إلى الأرض وهو الشبّ اليمانيّ الأبيض الذي يحمل إلى الآفاق.

ومن عجائب صنعاء ما ذكر أنّه كان بها قبّة عظيمة من جمجمة رجل.

وبها نوع البرّ حبّتان منه في كمام ليس في شيء من البلاد غيرها وبها الورس وهو نبت له خريطة كالسمسم زرع سنة يبقى عشرين سنة.

وحكي أن أمير اليمن لمّا آل إلى الحبشة بنى أبرهة بن الصبّاح بها كنيسة لم ير الناس أحسن منها وسمّاها القلّيس وزيّنها بالذهب والفضّة والجواهر وكتب إلى النجاشي: إني بنيت لك كنيسة ليس لأحد مثلها من الملوك وأريد أصرف إليها حجّ العرب. فسمع ذلك بعض بني مالك بن كنانة فأتاها وأحدث فيها فسأل أبرهة عنه فقالوا: إنّه من أهل البيت الذي يحجّ إليه العرب.

فغضب وآلى ليسيرنّ إلى الكعبة ويهدمنّها ثمّ جاء بعسكره وفيلته فأرسل الله تعالى ﴿عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ.

وبها الجنّة التي أقسم أصحابها لنصرمنّها مصبحين وهي على أربعة فراسخ من صنعاء وكانت تلك الجنّة لرجل صالح ينفق ثمراتها على عياله ويتصدّق على المساكين فلمّا مات الرجل عزم أصحابه على أن لا يعطوا للمساكين شيئا فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنّها اليوم عليكم مسكين فلمّا رأوها قالوا إنّا لضالّون يعني ما هذا طريق بستاننا فلمّا رأوا الجنّة محترقة قالوا: بل نحن محرومون. ويسمّى ذاك الوادي الضّروان وهو واد ملعون حجارته تشبه أنياب الكلاب لا يقدر أحد أن يطأها ولا ينبت شيئًا ولا يستطيع طائر أن يطير فوقه فإذا قاربه مال عنه قالوا: كانت النار تتّقد فيها ثلاثمائة سنة.

الصّين

بلاد واسعة في المشرق ممتدّة من الإقليم الأوّل إلى الثالث عرضها أكثر من طولها قالوا: نحو ثلاثمائة مدينة في مسافة شهرين. وإنّها كثيرة المياه كثيرة الأشجار كثيرة الخيرات وافرة الثمرات من أحسن بلاد الله وأنزهها وأهلها أحسن الناس صورة وأحذقهم بالصناعات الدقيقة لكنّهم قصار القدود عظام الرؤوس لباسهم الحرير وحليهم عظام الفيل والكركدن ودينهم عبادة الأوثان. وفيهم مانويّة ومجوس ويقولون بالتناسخ ولهم بيوت العبادات.

من عجائب الصين الهيكل المدوّر؛ قال المسعودي: هذا الهيكل بأقصى بلاد الصين وله سبعة أبواب في داخله قبّة عظيمة البنيان عالية السمك وفي أعلى القبّة شبه جوهرة كرأس عجل يضيء منها جميع أقطار الهيكل وان جمعا من الملوك حاولوا أخذ تلك الجوهرة فما تمكّنوا من ذلك فمن دنا منها قدر عشرة أذرع خرّ ميتا وإن حاول أخذها بشيء من الآلات الطوال فإذا انتهت إليها هذا المقدار انعكست. وكذلك إن رمى إليها شيئا وإن تعرّض أحد لهمدم الهيكل مات وفي هذا الهيكل بئر واسعة الرأس من أكبّ عليها وقع في قعرها وعلى رأس البئر شبه طوق مكتوب عليه: هذه البئر مخزن الكتب التي هي تاريخ الدنيا وعلوم السماء والأرض وما كان فيها وما يكون وفيها خزائن الأرض لكن لا يصل إليها إلّا من وازن علمه علمنا فمن قدر عليه علمه كعلمنا ومن عجز فليعلم أنّه دوننا في العلم.

والأرض التي عليها هذا الهيكل أرض حجريّة عالية كجبل شامخ لا يرام قلعه ولا يتأتى نقبه وإذا رأى الناظر إلى تلك الهيكل والقبّة والبئر وحسن بنيتها مال قلبه إليها وتأسف على فساد شيء منها.

ومن عجائب الصين ما ذكر صاحب تحفة الغرائب ان بها طاحونة يدور حجرها التحتاني والفوقاني ساكن ويخرج من تحت الحجر دقيق لا نخالة فيه ونخالة لا دقيق فيها كلّ واحد منهما منفرد عن الآخر. وبها قرية عندها غدير فيه ماء في كلّ سنة يجتمع أهل القرية ويلقون فرسا في ذلك الغدير والناس يقفون على أطرافه كلّما أراد الفرس الخروج من الماء منعوه وما دام الفرس في الماء يأتيهم المطر فإذا أمطروا قدر كفايتهم وامتلأ الغدير أخرجوا الفرس وذبحوه على قلّة جبل وتركوه حتى يأكله الطير فإن لم يفعلوا ذلك في شيء من السنين لم يمطروا.

وبأرض الصين الذهب الكثير والجواهر واليواقيت في جبل من جبالها وبها من الخيرات الكثيرة من الحبوب والبقول والفواكه والسكر وفي جزائرها أشجار الطيب كالقرنفل والدارصيني ونحوها قالوا: القرنفل تأتي بها السيول من جبال شامخة لا وصول إليها وبها من الهوام والحشرات والحيّات والعقارب شيء كثير ولا تظهر بالصيف لأنّها ملتفّة بأشجارها تأكل من ثمارها وأوراقها وتظهر في الشتاء. ولأهل الصين يد باسطة في الصناعات الدقيقة ولا يستحسنون شيئا من صناعات غيرهم وأيّ شيء رأوا أخذوا عليه عيبا ويقولون : أهل الدنيا ما عدانا عمي إلّا أهل كابل فإنّهم عور! وبالغوا في تدقيق صنعة النقوش حتى انّهم يصوّرون الإنسان الضاحك والباكي ويفصلون بين ضحك السرور والخجالة والشماتة. وإذا أراد ملكهم شيئا من المتاع يعرضه على أرباب الخبرة ولا يتركه في خزائنه إلّا إذا وافقوا على جودته.

وحكي أن صانعا اتّخذ ثوبا ديباجا عليه صورة السنابل وقعت عليها العصافير فعرضها الملك على أرباب الخبرة واستحسنوها إلّا صانع واحد قال : العصافير إذا وقعت على السنابل أمالتها وهذا المصوّر عملها قائمة لا ميل فيها. فصدّقه الحاضرون وتعجّبوا من دقّة نظره في الصنعة.

ومن خواص بلاد الصين انّه قلّما يرى بها ذو عاهة كالأعمى والزمن ونحوهما وان الهرّة لا تلد بها.

وقال محمّد بن أبي عبد الله : رأيت في غياض الصين إنسانا يصيح صياح القردة وله وبر كوبر القرد ويداه تنالان ساقيه إذا بسطهما قائما. ويكون على الأشجار يثب من شجرة إلى شجرة وبينهما عشرة أذرع.

وقال ابن الفقيه : بالصين دابّة المسك وهي دابّة تخرج من الماء في كلّ سنة في وقت معلوم فيصطاد منها شيء كثير وهي شديدة الشبه بالظباء فتذبح ويؤخذ الدم من سرّتها وهو المسك ولا رائحة له هناك حتى يحمل إلى غيرها من الأماكن.

وبها الغضائر الصيني التي لها خواصّ وهي بيضاء اللون شفّافة وغير شفّافة لا يصل إلى بلادنا منها شيء والذي يباع في بلادنا على أنّه صيني معمول بلاد الهند بمدينة يقال لها كولم والصيني أصلب منه وأصبر على النار وخزف الصين أبيض قالوا : يترشّح السمّ منه وخزف كولم أدكن.

وطرائف الصين كثيرة : الفرند الفائق والحديد المصنوع الذي يقال له طاليقون يشترى بأضعافه فضّة ومناديل الغمر من جلد السمندل والطواويس العجيبة والبرادين الغرّة التي لا نظير لها في البلاد.

ظفار


مدينة قرب صنعاء كان بها مسكن ملوك حمير وفيها قيل : من دخل ظفار حمّر أي تكلّم بالحميريّة وسببه أنّه دخل رجل من العرب على ملك من ملوك حمير وهو على موضع عال فقال له الملك : ثب فوثب الرجل من العلو فانكسرت رجله ومعنى ثب بالحميريّة اقعد فقال الملك : ليس عندنا عربيّة من دخل ظفار حمّر.

ينسب إليها الجزع الظفاري الجيّد وحكي انّه مكتوب على سور ظفار على حجر منها بقلم الأوائل : يوم شيّدت ظفار قيل لمن أنت؟ قالت : لحمير الأخيار! ثمّ سئلت بعد ذلك فقالت : للأحبش الأشرار! ثمّ سئلت بعد ذلك فقالت : للفرس الأخيار! ثمّ سئلت بعد ذلك فقالت : لقريش التجّار! ثمّ سئلت بعد ذلك فقالت : لحمير سنجار وقليلا ما يلبث القوم فيها ثمّ يأتيهم البوار من أسود يلقيهم في البحر ويشعل النار في أعلى الديار.

وبها اللّبان الذي لا يوجد في الدنيا إلّا في جبالها وانّه غلّة لسلطانها وانّه من شجر ينبت في تلك المواضع مسيرة ثلاثة أيّام في مثلها فيأتيها أهل ظفار ويجرحون أشجارها بالسكّين فيسيل منها اللبان فيجمعونه ويحملونه إلى ظفار فيأخذ السلطان قسطه ويعطيهم الباقي.

عمان


كورة على ساحل بحر اليمن في شرقي هجر تشتمل على مدن كثيرة سمّيت بعمان بن بغان بن إبراهيم الخليل عليه السلام والبحر الذي يليه منسوب إليه يقال بحر عمان.

روى ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال : إني لأعلم أرضا من أرض العرب يقال لها عمان على شاطىء البحر الحجّة منها أفضل أو خير من حجّتين من غيرها.

وعن الحسن البصري هو المراد من قوله تعالى : يأتين من كلّ فجّ عميق يعني من عمان وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم : من تعذّر عليه الرزق فعليه بعمان. وأمّا حرّها فممّا يضرب به المثل. بها اجتماع الخوارج الإباضية في زماننا هذا وليس بها من غير هذا المذهب إلّا غريب وهم أتباع عبد الله بن اباض الذي ظهر في زمن مروانابن محمّد آخر بني أميّة وقد قتل وكفي شرّه.

وحكى ابن الأثير في تاريخه : إنّه في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة خرج بعمان طائر من البحر أكبر من فيل ووقف على تلّ هناك وصاح بصوت عال ولسان فصيح : قد قرب! قد قرب! قد قرب! ثمّ غاص في البحر فعل ذلك ثلاثة أيّام ثمّ غاب ولم ير بعد ذلك.

غانة


مدينة كبيرة في جنوب بلاد المغرب متّصلة ببلاد التبر يجتمع إليها التجّار ومنها يدخلون بلاد التبر ولولاه لتعذّر عليهم ذلك وهي أكثر بلاد الله ذهبا لأنّها بقرب معدنها ومنها يحمل إلى سائر البلاد وبها من النمور شيء كثير وأكثر لباس أهلها جلد النمر.

وحكى الفقيه أبو الربيع الملتاني أن في طريق غانة من سجلماسة إليها أشجارا عظيمة مجوّفة يجتمع في تجاويفها مياه الأمطار فتبقى كالحياض والمطر في الشتاء بها كثير جدّا فتبقى المياه في تجاويف تلك الأشجار إلى زمان الصيف فالسابلة يشربونها في مرورهم إلى غانة ولولا تلك المياه لتعذّر عليهم المرور إليها ويتّخذون أقتاب البعران من خشب الصنوبر فإن مات البعير فقتب رحله يفيء بثمنه.

غدامس


مدينة بالمغرب في جنوبيّه ضاربة في بلاد السودان يجلب منها الجلود الغدامسيّة وهي من أجود الدباغ لا شيء فوقها في الجودة كأنّها ثياب الخزّ في النعومة.

بها عين قديمة يفيض الماء منها ويقسمها أهل البلد قسمة معلومة فإن أخذ أحد زائدا غاض ماؤها وأهل المدينة لا يمكنون أحدا يأخذ زائدا خوفا من النقصان. وأهلها بربر مسلمون صالحون.

قاع


برية بين عمان وحضر موت من العجائب أن التاجر يمرّ بها إلى عمان بسلعته ليبيعها فيسمع في تلك البرية : فلان بن فلان معه سلعة تساوي كذا دينارا أو درهما! فيدخل عمان لم يزد على ذلك شيء أصلا والله الموفق.

قلعة الشرف


قلعة حصينة باليمن قرب زبيد لا يمكن استخلاصها قهرا لأنّها بين جبال لا يوصل إليها إلّا في مضيق لا يسع إلّا رجلا واحدا مسيرة يوم وبعض يوم ودونه غياض أوى إليه عليّ بن المهدي الحميري المستولي على زبيّد سنة خمسين وخمسمائة والله الموفق.

كاكدم


مدينة بأقصى المغرب جنوبيّ البحر متاخمة لبلاد السودان منها صنّاع أسلحة.

منها الرماح والدرق اللمطية من جلد حيوان يقال له اللمط لا يوجد إلّا هناك وهو شبه الظباء أبيض اللون إلّا أنّه أعظم خلقا يدبغ جلده في بلادهم باللبن وقشر بيض النعام سنة كاملة لا يعمل فيه الحديد أصلا إن ضرب بالسيوف نسبت عنه وإن أصابه خدش أو بتر يبلّ بالماء ويمسح باليد فيزول عنه يتّخذ منه الدرق والجواشن قيمة كل واحد منها ثلاثون دينارا وحكى الفقيه علي الجنحاني : انّه مرّ بقرب كاكدم بتلّ عال والناس يقولون من صعد هذا التلّ اختطفه الجنّ وعنده مدينة النحاس التي اشتهر ذكرها وسيأتي ذكرها في موضعه إن شاء الله تعالى.

كله


بلدة بأرض الهند في منتصف الطريق بين عمان والصين موقعها في المعمورة في وسط خطّ الاستواء إذا كان منتصف النهار لا يبقى لشيء من الأشخاص ظلّ البتّة.

بها منابت الخيزران منها يحمل إلى سائر البلاد.

كنام


قال عبد الله بن عمرو بن العاص : هي أرض بين الصين والهند من عجائب الدنيا بها بطّة من نحاس على عمود من نحاس أيضا فإذا كان يوم عاشوراء نشرت البطّة جناحيها ومدّت رقبتها فيفيض من الماء ما يكفيهم لزروعهم ومواشيهم إلى القابل.

كوّار


ناحية من بلاد السودان جنوبي فزّان بها عين الفرس قيل : إن عقبة ابن عامر ذهب إلى كوّار غازيا فنزل ببعض منازلها فأصابهم عطش حتى أشرفوا على الهلاك فقام عقبة وصلّى ركعتين ودعا الله تعالى فجعل فرس عقبة يبحث في الأرض حتى كشف عن صفاة فانفجر منها الماء وجعل الفرس يمصّه فرأى عقبة ذلك فنادى في الناس أن احتفروا فحفروا وشربوا فسمّي ذلك الماء ماء الفرس وافتتح كوار وقبض على ملكها ومنّ عليه وفرض عليه مالا.

لنجوية


جزيرة عظيمة بأرض الزنج بها سرير ملك الزنج وإليها تقصد المراكب من جميع النواحي من عجائبها كروم بها تطعم في كلّ سنة ثلاث مرّات كلّما انتهى أحدها أخرج الآخر.

مأرب


كورة بين حضر موت وصنعاء لم يبق بها عامرا إلّا ثلاث قرى يسمّونها الدروب كلّ قرية منسوبة إلى قبيلة من اليمن وهم يزرعونها على الماء الذي جاء من ناحية السدّ يسقون أرضهم سقية واحدة ويزرعون عليه ثلاث مرّات في كلّ عام فيكون بين زرع الشعير وحصاده في ذلك الموضع نحو شهرين.

وكان بها سيل العرم الذي جرى ذكره في سبأ.

ذكروا أن مياه جبالها تجتمع هناك وسيول كثيرة ولها مخرج واحد فالأوائل قد سدّوا ذلك المخرج بسدّ محكم وجعلوا لها مثاعب يأخذون منها قدر الحاجة فاجتمعت المياه بطول الزمان وصار بحرا عظيما خارج السدّ وداخله عمارات وبساتين ومزارع فسلّط الله تعالى الجرذ على السدّ يحفره بأنيابه ويقلعه بمخاليبه حتى سدّ الوادي الذي نحو البحر وفتح ممّا يلي السدّ فغرقت البلاد حتى لم يبق إلّا ما كان على رؤوس الجبال وذهبت الحدائق والجنان والضياع والدور والقصور وجاء السيل بالرمل فطمّها وهي على ذلك إلى اليوم كما أخبر الله تعالى فجعلهم الله أحاديث ومزّقهم كلّ ممزّق.

والعرم المسنّاة بنتها ملوك اليمن بالصخر والقار حاجزا بين السيول والضياع ففجرته فأرة ليكون أظهر في الأعجوبة قال الأعشى :

ففي ذلك للمؤتسي أسوة
ومأرب عفّى عليها العرم
رخام بنته لهم حمير
إذا ما نأى ماؤهم لم يرم
فأروى الحروث وأعنابها
على سعة ماؤهم إن قسم
فكانوا بذلكم حقبة
فمال بهم جارف منهدم

مذيخرة


قلعة حصينة قرب عدن على قلّة جبل لا سبيل للفكر إلى استخلاصها إذ لا مصير إليها إلّا من طريق واحد وهو صعب جدّا وفيها عين عظيمة على رأس الجبل تسقي عدّة قرى.

قال الاصطخري : أعلى هذا الجبل نحو من عشرين فرسخا فيها مزارع ومياه كثيرة ونباتها الورس تغلّب عليها محمّد بن الفضل القرمطي الذي خرج من اليمن وقصّته مشهورة والله الموفق.

مرباط


مدينة بين حضر موت وعمان وهي فرضة ظفار لأن ظفار مرساها غير جيّد بها اللبان يحمل منها إلى سائر البلدان وهو غلّة للملك.

أهلها عرب موصوفون بقلّة الغيرة وذلك ان كلّ ليلة نساؤهم يخرجن إلى خارج المدينة ويسامرن الرجال الأجانب ويجالسنهم ويلاعبنهم إلى نصف الليل فيجوز الرجل على زوجته وأخته وأمّه وهي تلاعب آخر وتحادثه فيعرض عنها ويمشي إلى زوجة غيره يحادثها.

وقال صاحب معجم البلدان : رأيت بجزيرة قيس رجلا عاقلا أديبا من مرباط فقلت له : بلغني منكم حديث أنكرته. فقال : لعلّك تقول عن السمر؟ فقلت : نعم أخبرني أصحيح أم لا؟ فقال : إنّه صحيح! وبالله أقسم إنّه لقبيح ولكن على ذلك نشأنا ولو استطعنا لأزلناه ولكن لا سبيل إلى إزالته!

مسور


مخلاف باليمن بها قرى كثيرة ومزارع وأودية كثيرة من خواصّها العجيبة أن البرّ والشعير والذرة يبقى بها مدّة طويلة لا يتغيّر وذكر أنّهم ادّخروا حنطة فرأوها بعد ثلاثين سنة ولم يتغيّر منها شيء.

مقدشو


مدينة في أوّل بلاد الزنج في جنوبي اليمن على ساحل البحر. وأهلها عرباء لا سلطان لهم ويدبّر أمرهم المتقدّمون على الاصطلاح وحكى التجّار أنّهم يرون بها القطب الجنوبي مقاربا لوسط السماء وسهيلا ولا يرون القطب الشمالي البتّة وانّهم يرون هناك شيئا مقدار جرم القمر شبه قطعة غيم بيضاء لا يغيب أبدا ولا يبرح مكانه يحمل منها الصندل والآبنوس والعنبر والعاج إلى غيرها من البلاد.

مقرى


قرية على مرحلة من صنعاء بها معدن العقيق ونيله من أجود أنواع العقيق حكى معالجوه أنّهم يجدون قطعة نحو عشرين منّا فيكسر ويلقى في الشمس عند شدّة الحرّ ثمّ يسجر له التنّور بأبعار الإبل ويجعلونه في شيء يكنّه عن ملامسة النار فسيّر منه ماء يجري في مجرى وضعوه له ثمّ يستخرجونه لم يبق منه إلّا الجوهر وما عداه صار رمادا.

مهرة


أرض باليمن قال ابن الفقيه : بها شجرة إذا كانت الأشهر الحرم هطل منها الماء فيمتلئ منه الحياض والمصانع وإذا مرّت الأشهر الحرم انقطع الماء. منها النجائب المهريّة وانّها كريمة جدّا ذكر أن سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله باليمن ليشتري له نجائب مهرية فطلبوا فلم يجدوا شيئا فقدم رجل من بجيلة على جمل عظيم الهامة فساوموه فقال : لا أبيعه.

فقالوا : لا نغصبك ولا ندعك لكن نحبسك ونكاتب أمير المؤمنين حتى يأتينا أمره! فقال : هلّا خيرا من هذا؟ قالوا : وما هو؟ قال : معكم نجائب كرام وخيل سبّق دعوني حتى أركب جملي واتبعوني فإن لحقتموني فهو لكم بغير ثمن. ثمّ قال : تأهّبوا. فصاح في أذنه ثمّ أثاره فوثب وثبة شديدة فتبعوه فلم يدركوه.

وبار


قال اللّيث : هو أرض بين اليمن وجبال يبرين من محالّ عاد فلمّا أهلكوا أورث الله أرضهم الجنّ فلا يتقاربها أحد من الناس.

قال أهل السير : هي مسمّاة بوبار بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام وهي ما بين الشّحر إلى صنعاء زهاء ثلاثمائة فرسخ في مثلها.

قال أحمد بن محمّد الهمذاني : وبار كانت أكثر الأرضين خيرا وأخصبها ضياعا وأكثرها شجرا ومياها وثمرا فكثرت بها القبائل وعظمت أموالهم وكانوا ذوي أجسام فأشروا وبطروا لم يعرفوا حقّ نعم الله تعالى عليهم فبدّل الله تعالى خلقهم وصيّرهم نسناسا لأحدهم نصف رأس ونصف وجه وعين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة فخرجوا يرعون في تلك الغياض على شاطىء البحر كما ترعى البهائم وهم فيما بين وبار وأرض الشّحر وأطراف اليمن يفسدون الزرع فيصيدهم أهل تلك الديار بالكلاب ينفّرونهم عن زروعهم وحدائقهم.

حكى ابن الكيس النمري قال : كنّا في رفقة أضللنا الطريق فوقعنا في غيضة على ساحل البحر لا يدرك طرفاه فإذا أنا بشيخ طويل كالنخلة له نصف رأس ونصف بدن وعين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة فأسرع مثل حضر الفرس العتيق وهو يقول :

فررت من جور الشّراة شدّا
إذ لم أجد من الفرار بدّا
قد كنت دهرا في شبابي جلدا
فها أنا اليوم ضعيف جدّا
زعم العرب أن سكّان أرض وبار جنّ ولا يدخلها إنسي أصلا فإن دخلها غالطا أو عامدا حثوا في وجهه التراب فإن أبى إلّا الدخول خبّلوه أو قتلوه أو ضلّ فيها ولا يعرف له خبر ولهذا قال الفرزدق :
ولقد ضللت أباك تطلب دارما
كضلال ملتمس طريق وبار
لا تهتدي به أبدا ولو بعثت به
بسبيل واردة ولا آثار

منها الإبل الحوشية تزعم العرب أنّها التي ضربها إبل الجنّ وهي إبل لم ير أحسن منها قال الشاعر :

كأني على حوشيّة أو نعامة
لها نسب في الطّير أو هي طائر

حكي أن رجلا من أهل اليمن يوما رأى في إبله فحلا كأنّه كوكب بياضا وحسنا فأقرّه فيها حتى ضرب إبله فلمّا لقحها لم يره حتى كان العام المقبل وقد نتجت النوق أولادا لم ير أحسن منها وهكذا في السنة الثانية والثالثة. فلمّا ألقحها وأراد الانصراف هدر فاتبعه سائر ولده فتبعها الرجل حتى وصل إلى أرض وبار فرأى هناك أرضا عظيمة وبها من الإبل الحوشية والبقر والحمير والظباء ما لا يحصى كثرة ورأى نخلا كثيرا حاملا وغير حامل والتمر ملقى حول النخل قديما وحديثا بعضه على بعض ولم ير أحدا من الناس فبينا هو كذلك إذ أتاه آت من الجنّ وقال له : ما وقوفك هاهنا؟ فقصّ عليه قصّته وما كان من الإبل فقال له : لو كنت فعلت ذلك على معرفة لقتلتك!

وإياك والمعاودة فإن ذاك لفحل من إبلنا عمد إلى أولاده فجاء بها. وأعطاه جملا وقال : انج بنفسك وهذا الجمل لك.

قالوا : إن النجائب المهريّة من نسل ذلك الجمل.

ورور


حصن منيع في جبال صنعاء من استولى عليه يختلّ دماغه يدّعي نبوة أو خلافة أو سلطنة ولمّا استولى عليه عبد الله بن حمزة الزيدي ادّعى الإمامة وأجابه خلق من اليمن زعم أنّه من ولد أحمد بن الحسين بن القاسم بن إسمعيل ابن الحسن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ورواة الأنساب يقولون : ان أحمد لم يعقب وكان ذا لسان وبلاغة وله تصانيف في مذهب الزيدية وله أشعار منها :

لا تحسبوا أنّ صنعا جلّ مأربتي
ولا ذمار إذا أشمتّ حسّادي
واذكر إذا شئت تشجيني وتطريبي
كرّ الجياد على أبواب بغداد


اليمن


بلاد واسعة من عمان إلى نجران تسمّى الخضراء لكثرة أشجارها وزروعها تزرع في السنة أربع مرّات ويحصد كلّ زرع في ستّين يوما وتحمل أشجارهم في السنة مرّتين. وأهلها أرقّ الناس نفوسا وأعرفهم للحقّ سمّاهم الله تعالى الناس حيث قال : ثمّ أفيضوا من حيث أفاض الناس وقال صلّى الله عليه وسلّم :إني لأجد نفس الرحمن من صوب اليمن. أراد به نصرة الأوس والخزرج.

وقال أيضا : الإيمان يمان والحكمة يمانية.

قال الأصمعي : أربعة أشياء قد ملأت الدنيا ولا تكون إلّا باليمن : الورس والكندر والخطر والعقيق.

وبها الأحقاف وهي الآن تلال من الرمل بين عدن وحضر موت وكانت مساكن عاد أعمر بلاد الله وأكثرها عمارة وزرعا وشجرا فلمّا سلّط الله تعالى عليهم الريح طمّها بالرمل وهي إلى الآن تحت تلك الأحقاف جعلها الله تعالى عبرة للناظرين وخبرة للغابرين كما قال تعالى : أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشدّ قوّة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر ممّا عمروها.

وبها قصران من قصور عاد ولمّا بعث معاوية عبد الرحمن بن الحكم إلى اليمن واليا بلغه أن بساحل عدن قصرين من قصور عاد وان في بحرها كنزا فطمع فيه وذهب في مائة فارس إلى ساحل عدن إلى أقرب القصرين فرأى ما حولهما من الأرض سباخا بها آثار الآبار ورأى قصرا مبنيّا بالصخر والكلس وعلى بعض أبوابه صخرة عظيمة بيضاء مكتوب عليها :

غنينا زمانا في عراضة ذا القصر
بعيش رخيّ غير ضنك ولا نزر
يفيض علينا البحر بالمدّ زاخرا
وأنهارنا بالماء مترعة تجري
خلال نخيل باسقات نواضر
تأنّق بالقسب المجزّع والتّمر
ونصطاد صيد البرّ بالخيل والقنا
وطورا نصيد النّون من لجج البحر
ونرفل في الخزّ المرقّم تارة
وفي القزّ أحيانا وفي الحلل الحضر
يلينا ملوك يبعدون عن الحنا
شديد على أهل الخيانة والغدر
يقيم لنا من دين هود شرائعا
ويؤمن بالآيات والبعث والنّشر
إذا ما عدوّ حلّ أرضا يريدنا
برزنا جميعا بالمثقّفة السّمر
نحامي على أولادنا ونسائنا
على الشّهب والكمت المعانيق والشّقر
نقارح من يبغي علينا ويعتدي
بأسيافنا حتى يولّون بالدّبر

ثمّ مضى إلى القصر الآخر وبينهما أربعة فراسخ فرأى حوله آثار الجنان والبساتين. قال : فدنونا من القصر فإذا هو من حجارة وكلس غلب عليه ماء البحر ورأينا على بابه صخرة عظيمة عليها مكتوب :

غنينا بهذا القصر دهرا فلم يكن
لنا همّة إلّا التّلذّذ والقصف
يروح علينا كلّ يوم هنيدة
من الإبل يعشو في معاطنها الطّرف
وأضعاف تلك الإبل شاء كأنّها
من الحسن آرام أو البقر القطف
فعشنا بهذا القصر سبعة أحقب
بأطيب عيش جلّ عن ذكره الوصف
فجاءت سنون مجد بات قواحل
إذا ما مضى عام أتى آخر يقفو
فظلنا كأن لم تغن في الخير لمحة
فماتوا ولم يبق خفّ ولا ظلف
كذلك من لم يشكر الله لم تزل
معالمه من بعد ساحته تعفو

قال : فعجبنا من ذلك ثمّ مضينا إلى الساحل الذي ذكر أن فيه كنزا فأمرنا الغوّاصين فغاصوا وأخرجوا جرارا من صفر مطبقة بصفر فلم نشكّ انّه مال حتى جمعت جرار كثيرة ففتحنا بعضها فخرج منها شيطان وقال :يا ابن آدم إلى متى تحبسنا؟ فبينا نحن نتعجّب من ذلك إذ رأينا سوادا عظيما أقبل من جزيرة قريبة من الساحل ففزعنا فزعا فاقتحم الماء وأقبل نحونا فإذا هي قردة قد اجتمع منها ما لا يعلم عددها إلّا الله.

وكانت تلك الجزيرة مأواها وأمامها قرد عظيم في عنقه لوح حديد معلّق بسلسلة فأقبل إلينا ورفع اللوح نحونا فأخذنا اللوح من عنقه فإذا فيه كتابة بالسريانيّة وكان معنا من يحسن قراءتها فقرأها فإذا هي : بسم الله العظيم الأعظم. هذا كتاب من سليمان بن داود رسول الله لمن في هذه الجزيرة من القردة إني قد أمرتهم بحفظ هؤلاء الشياطين المحبّسين في هذه الناحية في هذه الجرار الصفر وجعلت لهن أمانا من جميع الجنّ والإنس فمن أرادهن أو عرض لهنّ فهو بريء مني وأنا بريء منه في الدنيا والآخرة.

فأردنا أن نمضي باللّوح إلى معاوية لينظر إليه فلمّا ولّينا وقفت القردة كلّها أمامنا وحاصرتنا وضجّت ضجّة فرددنا اللوح إليها فأخذته واقتحمت الماء وعادت إلى الجزيرة. ومن عجائب اليمن ما ذكر ابن فنجويه أن بأرض عاد تمثالا على هيئة فارس. ومياه تلك الأرض كلّها ملحة فإذا دخلت الأشهر الحرم يفيض من ذلك التمثال ماء كثير عذب لا يزال يجري إلى انقضاء الأشهر الحرم وقد تطفّحت حياضهم من ذلك الماء فيكفيهم إلى تمام السنة ؛ قال الشاعر :

وبأرض عاد فارس يسقيهم
بالعين عذبا كالفرات السّائح
في الأشهر الحرم العظيمة قدرها
يغنون عن شرب الزّعاق المالح
فإذا انقضى الشّهر الحرام تطفّحت
تلك الحياض بماء عين السّافح

وبها جبل الشّبّ وعلى رأس هذا الجبل ماء يجري من كلّ جانب وينعقد حجرا قبل أن يصل إلى الأرض والشبّ اليماني الأبيض من ذلك.

وبها جبل شبام ؛ قال محمّد بن أحمد بن إسحاق الهمذاني : إنّه جبل عظيم بقرب صنعاء بينها وبينه يوم واحد وهو صعب المرتقى ليس إليه إلّا طريق واحد وذروته واسعة فيها ضياع كثيرة ومزارع وكروم ونخيل والطريق إليها في دار الملك وللجبل باب واحد مفتاحه عند الملك فمن أراد النزول إلى السهل استأذن الملك حتى يأذن بفتح الباب له وحول تلك الضياع والكروم جبال شاهقة لا تسلك ولا يعلم أحد ما وراءها إلّا الله. ومياه هذا الجبل تنكسب إلى سدّ هناك فإذا امتلأ السدّ ماء فتح ليجري إلى صنعاء ومخاليفها.

وبها جبل كوكبان إنّه بقرب صنعاء عليه قصران مبنيان بالجواهر يلمعان بالليل كالكوكبين ولا طريق إليهما. قيل : إنّهما من بناء الجنّ.

وبها نهر اليمن ؛ قال صاحب تحفة الغرائب : بأرض اليمن نهر عند طلوع الشمس يجري من المشرق إلى المغرب وعند غروبها من المغرب إلى المشرق.

وبها العلس وهو نوع من الحنطة حبّتان منه في كمام لا يوجد إلّا باليمن وهو طعام أهل صنعاء.

وبها الورس وهو نبت له خريطة كما للسمسم ذكروا انّه يزرع سنة ويبقى عشرين سنة.

وبها الموز وهي ثمرة شبيهة بالعنب إلّا أنّه حلو دسم لا تحمل شجرتها إلّا مرّة واحدة.

وبها نوع من الكمثرى من أكل منها واحدة يطلق عشر مرّات وان أكل اثنتين يطلق عشرين مرّة وإن أكل ثلاثا يطلق ثلاثين. ويتّخذ منه عسل يلعق منه صاحب القولنج فينفتح في الحال.

ويجلب منها سيوف ليس في شيء من البلاد مثلها ويجلب منها البرود اليمانية وقرودها أخبث القرود وأسرع قبولا للتعليم. وبها الغدار وهو نوع من المتشيطنة يوجد بأكناف اليمن يلحق الإنسان ويقع عليه فإذا أصيب الإنسان منه يقول أهل تلك النواحي : أمنكوح هو أم مذعور؟ فإن قالوا منكوح أيسوا منه وإن كان مذعورا سكن روعه وشجع ومن الناس من لم يكترث به لشجاعة نفسه.

وحكي عن الشافعي أنّه قال : دخلت بلدة من بلاد اليمن فرأيت فيها إنسانا من وسطه إلى أسفله بدن امرأة ومن وسطه إلى فوقه بدنان متفرّقان بأربع أيد ورأسين ووجهين وهما يتلاطمان مرّة ويصطلحان أخرى ويأكلان ويشربان.

ثمّ غبت عنهما سنين ورجعت فسألت عنها فقيل لي : أحسن الله عزاءك في أحد الجسدين! توفي فربط من أسفله بحبل حتى ذبل ثمّ قطع والجسد الآخر تراه في السوق ذاهبا وجائيا.

ومنها أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان اليماني افتخار اليمن كان من أعلم الناس بالحلال والحرام له نسل بقزوين مشايخ وعلماء إلى الآن وهو جدّي من قبل الأم ذكر يوسف بن اسباط أن طاووسا مرّ بنهر سلطاني فهمّت بغلته أن تشرب منه فمنعها. وذكر بشر بن عبد الله أن طاووسا مرّ بالسوق فرأى رؤوسا مشويّة بارزة الأسنان فلم ينعس تلك الليلة وقال إن الله تعالى يقول : تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون. وقال منعم بن ادريس : صلّى طاووس اليماني صلاة الفجر بوضوء العتمة أربعين سنة. توفي سنة ستّ ومائة بمكّة قبل يوم التروية عن بضع وتسعين سنة.

وكان الناس يقولون : رحم الله أبا عبد الرحمن حجّ أربعين حجّة وصلّى عليه هشام بن عبد الملك وهو خليفة حجّ تلك السنة.

ومنها أويس بن عامر القرني. روى أبو هريرة عن رسول الله أن لله تعالى من خلقه الأصفياء الأحفياء الشعثة شعورهم الغبرة وجوههم الخمصة بطونهم الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذنوا وإن خطبوا المنعّمات لم ينكحوا وإن غابوا لم يفتقدوا وإن طلعوا لم يفرح بطلعتهم وإن مرضوا لم يعادوا وإن ماتوا لم يشهدوا.

قالوا : يا رسول الله كيف لنا برجل منهم؟ قال : ذاك أويس القرني! قالوا : وما أويس القرني؟ قال : أشهل ذو صهوبة بعيد ما بين الكتفين معتدل القامة آدم شديد الأدمة ضارب بذقنه إلى صدره رام ببصره إلى موضع سجوده واضع بيمينه على شماله يتلو القرآن يبكي على نفسه ذو طمرين لا يؤبه له متّزر بإزار صوف ورداء صوف مجهول في أهل الأرض معروف في أهل السماء لو أقسم على الله لأبرّ قسمه! الا وان تحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء الا وانّه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد : ادخلوا الجنّة وقيل لأويس : قف واشفع! يشفّعه الله عزّ وجلّ في مثل عدد ربيعة ومضر. يا عمر ويا عليّ إذا أنتما لقيتماه فاطلبا إليه أن يستغفر لكما. فكانا يطلبانه عشرين سنة فلمّا كان سنة هلك فيها عمر قام على أبي قبيس ونادى بأعلى صوته : يا أهل الحجيج من اليمن أفيكم أويس؟ فقام شيخ كبير وقال : إنّا لا ندري ما أويس لكن لي ابن أخ يقال له أويس هو أخمل ذكرا وأقلّ مالا وأهون أمرا من أن نرفعه إليك! وإنّه ليرعى إبلنا حقين بين أظهرنا! فقال له عمر : إن ابن أخيك هذا عزمنا! قال : نعم. قال : فأين يصاب؟ قال : بأراك عرفات.

فركب عمر وعليّ سراعا إلى عرفات فإذا هو قائم يصلّي إلى شجرة والإبل حوله ترعى فأقبلا إليه وقالا : السلام عليك ورحمة الله وبركاته! فردّ عليهما جواب السلام. قالا له : من الرجل؟ قال : راعي إبل وأجير قوم! قالا :ما اسمك؟ قال : عبد الله. قالا : اسمك الذي سمّتك أمّك به؟ قال : يا هذان ما تريدان إليّ؟ قالا : وصف لنا رسول الله أويسا القرني وقد عرفنا الصهوبة والشهولة أخبرنا أن تحت منكبك الأيسر لمعة بيضاء أوضحها لنا. فأوضح منكبه فإذا اللمعة فابتدار يقبّلانه وقالا : نشهد أنّك أويس القرني! فاستغفر لنا يغفر الله لك! فقال : ما أخصّ باستغفاري نفسي ولا أحدا من ولد آدم ولكنّه من في البحر والبرّ من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات. يا هذان قد شهر الله لكما حالي وعرّفكما أمري فمن أنتما؟ قال عليّ : أمّا هذا فعمر أمير المؤمنين وأمّا أنا فعليّ بن أبي طالب! فاستوى أويس وقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته وعليك يا عليّ بن أبي طالب فجزا كما الله عن هذه الأمّة خيرا! قالا : وأنت جزاك الله عن نفسك خيرا! فقال له عمر : مكانك يرحمك الله حتى أدخل مكّة وآتيك بنفقة من عطائي وفضل كسوة من ثيابي هذا المكان ميعاد بيني وبينك. فقال : يا أمير المؤمنين لا ميعاد بيني وبينك لا أراك بعد اليوم تعرفني ما أصنع بالنفقة وما أصنع بالكسوة؟ أما ترى عليّ إزارا ورداء من صوف متى تراني أبليهما؟ أما ترى أني أخذت رعائي أربعة دراهم متى تراني آكلها؟ يا أمير المؤمنين إن بين يديّ ويديك عقبة كؤودا لا يجاوزها إلّا ضامر مخفّ مهزول! فلمّا سمع عمر ذلك ضرب بدرّته الأرض ثمّ قال بأعلى صوته : يا ليت عمر لم تلده أمّه! يا ليتها كانت عاقرا لم تعالج حملها! قال : يا أمير المؤمنين خذ أنت هاهنا حتى آخذ أنا هاهنا ؛ فولّى عمر نحو ناحية مكّة وساق أويس إبله فأتى القوم بإبلهم وخلّى الرعاية وأقبل على العبادة.

وحكي أن أويسا إذا خرج يرميه الصبيان بالحجارة وهو يقول : إن كان لا بدّ فبالصغار حتى لا تدموا ساقيّ فتمنعوني من الصلاة. وحدّث عبد الرحمن ابن أبي ليلى أنّه نادى يوم صفّين رجل من أهل الشام : أفيكم أويس القرني؟ قلنا : نعم! ما تريد منه؟ قال : إني سمعت رسول الله يقول : أويس القرني خير التابعين بإحسان. وعطف دابته ودخل مع أصحاب عليّ فنادى مناد في القوم : أويس! فوجد في قتلى عليّ كرّم الله وجهه.

ومنها أبو عبد الله وهب بن منبّه وكان الغالب عليه قصص الأنبياء وأخبار القرون الماضية والوعظ ؛ قال : قرأت في بعض الكتب أن مناديا ينادي من السماء الرابعة كلّ صباح : أبناء الأربعين زرع قد دنا حصاده! أبناء الخمسين ماذا قدّمتم وماذا أخّرتم؟ أبناء الستّين لا عذر لكم! ليت الخلق لم يخلقوا وإذا خلقوا علموا لماذا خلقوا. قد أتتكم الساعة فخذوا حذركم ؛ قال منعم بن ادريس :

إن وهب بن منبّه صلّى أربعين سنة صلاة الفجر بوضوء العشاء. مات سنة أربع عشرة ومائة.
هذا آخر ما عرفناه من الإقليم الأوّل.
  1. وردت في معجم البلدان : ذموران، بالذال المعجمة.