السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية/1




الحمد لله الذي أرسل رسله بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز وختمهم بمحمد الذي أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وأيده بالسلطان النصير الجامع معنى العلم والقلم للهداية والحجة ومعنى القدرة والسيف للنصرة والتعزيز وأشهد أن لا إله إلى الله وحده ولا شريك له شهادة خالصة خلاص الذهب الإبريز وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وشهادة يكون صاحبها في حرز حريز

أما بعد فهذه رسالة مختصرة فيها جوامع من السياسة الإلهية والإنابة النبوية لا يستغني عنها الراعي والرعية اقتضاها من أوجب الله نصحه من ولاة الأمور كما قال النبي فيما ثبت عنه من غير وجه: [ إن الله يرضى لكم ثلاثة أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ]

وهذه رسالة مبنية على آية الأمراء في كتاب الله وهي قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا * يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}

قال العلماء نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك إلا أن يأمروا بمعصية الله فإن أمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله وإن لم تفعل ولاة الأمر ذلك أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله لأن ذلك من طاعة الله ورسوله وأديت حقوقهم إليهم كما أمر الله ورسوله {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}

وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة

فإن النبي لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شيبة طلبها نه العباس ليجمع له بين سقاية الحاج وسدانة البيت فأنزل الله هذه الآية بدفع مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل قال النبي صلى الله عليه: [ من ولي من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله ]

وفي رواية [ من قلد رجلا عملا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين ] رواه الحاكم في صحيحه وروى بعضهم أنه من قول عمر لابن عمر روى ذلك عنه وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من ولى من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله والمسلمين وهذا واجب عليه فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات من نوابه على الأمصار من الأمراء الذين هم نواب ذي السلطان والقضاة ومن أمراء الأجناد ومقدمي العساكر والصغار والكبار وولاة الأموال من الوزراء والكتاب والشادين والسعاة على الخراج والصدقات وغير ذلك من الأموال التي للمسلمين وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة والمؤذنين والمقرئين والمعلمين وأمير الحاج والبرد والعيون الذين هم القصاد وخزائن الأموال وحراس الحصون والحدادين الذين هم البوابون على الحصون والمدائن ونقباء العساكر الكبار والصغار وعرفاء القبائل والأسواق ورؤساء القرى الذين هم الدهاقون

فيجب على كل من ولي شيئا من أمر المسلمين من هؤلاء وغيرهم أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلح من يقدر عليه ولا يقدم الرجل لكونه طلب الولاية أو يسبق في الطلب بل ذلك سبب المنع فإن في الصحيحين عن النبي : [ أن قوما دخلوا عليه فسألوه ولاية فقال: إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه ] وقال لعبد الرحمن بن سمرة: [ يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإن إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليه ] أخرجاه في الصحيحين وقال : [ من طلب القضاء واستعان عليه وكل إليه ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه أنزل الله إليه ملكا يسدده ] رواه أهل السنن فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره لأجل قرابة بينهما أو ولاء عتاقة أو صداقة أو موافقة في بلد أو مذهب أوطريقة أو جنس كالعربية والفارسية والتركية والرومية أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة أو غر ذلك من الأسباب أو لضغن في قلبه على الأحق أو عداوة بينهما فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ودخل فيما نهى الله عنه في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} ثم قال {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم}

فإن الرجل لحبه لولده أو لعتيقه قد يؤثره في بعض الولايات أو يعطيه ما لا يستحقه فيكون قد خان أمانته كذلك قد يؤثره زيادة في ماله أو حفظه بأخذ ما لا يستحقه أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات فيكون قد خان الله ورسوله وخان أمانته

ثم أن المؤدي للأمانة مع مخالفة هواه يثبته الله فيحفظه في أهله وماله وبعده والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده فيذلك أهله ويذهب ماله وفي ذلك الحكاية المشهورة أن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدثه عما أدرك فقال: أدركت عمر بن عبد العزيز فقيل له: يا أمير المؤمنين أقفرت أفواه بنيك من هذا المال وتركتهم فقراء لا شيء لهم وكان في مرض موته فقال: أدخلوهم علي فأدخلوهم بضعة عشر ذكرا ليس فيهم بالغ فلما رآهم ذرفت عيناه ثم قال: يا بني والله ما منعتكم حقا هو لكم ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح فالله يتولى الصالحين وإما غير صالح فلا أترك له ما يستعين به على معصية الله قوموا عني قال: فلقد رأيت بعض ولده حمل على مائة فرس في سبيل الله يعني أعطاها لمن يغزو عليها

قلت: هذا وقد كان خليفة المسلمين من أقصى المشرق بلاد الترك إلى أقصى المغرب بلاد الأندلس وغيرها ومن جزائر قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها إلى أقصى اليمن وإنما أخذ كل واحد من أولاده من تركته شيئا يسيرا يقال: اقل من عشرين درهما - قال وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه فأخذ كل واحد منهم ستمائة ألف دينار ولقد رأيت بعضهم يتكفف الناس - أي يسألهم بكفه - وفي هذا الباب من الحكايات والوقائع المشاهدة في الزمان والمسموعة عما قبله ما فيه عبرة لكل ذي لب

وقد دلت سنة رسول الله على أن الولاية أمانة يجب أداؤها في مواضع مثل ما تقدم ومثل قوله لأبي ذر رضي الله عنه في الأمارة: [ إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها ] رواه مسلم وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي قال: [ إذا ضيعت الأمانة انتظر الساعة قيل يا رسول الله: وما إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غيره أهله فانتظر الساعة ] وقد أجمع المسلمون على معنى هذا فإن وصى اليتيم وناظر الوقف ووكيل الرجل في ماله عليه أن يتصرف له بالأصلح فالأصلح كما قال الله تعالى {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} ولم يقل إلا بالتي هي حسنة وذلك لأن الوالي راع على الناس بمنزلة راعي الغنم كما قال النبي [ كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها والولد راع في مال أبيه وهو مسئول عن رعيته والعبد راع في مال سيده وهو مسئول عن رعيته ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيت ] أخرجاه في الصحيحين وقال [ ما من راع يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لها إلى حرم الله عليه رائحة الجنة ] رواه مسلم

ودخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان فقال: السلام عليك أيها الأجير فقالوا: قل السلام عليك: أيها الأمير فقال السلام عليك أيها الأجير فقالوا: قل أيها الأمير فقال السلام عليك أيها الأجير فقالوا قل الأجير فقالوا قل الأمير فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول فقال: إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها فإن أنت هنأت جرباها وداويت مرضاها وحبست أولادها على أخراها وفاك سيدها أجرها وإن أنت لم تهنأ جرباها ولم تداو مرضاها ولم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سيدها

وهذا ظاهر الاعتبار فإن الخلق عباد الله الولاة نواب الله على عباده وهم وكلاء العباد على نفوسهم بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر ففيهم معنى الولاية والوكالة ثم الولي والوكيل متى استناب في أموره رجلا وترك من هو أصلح للتجارة أو المقار منه وباع السلعة بثمن وهو من حاباه وبينه مودة أو قربة فإن صاحبه يبغضه ويذمه أنه قد خان وداهن قريبه أو صديقه

إذا عرف هذا فليس أن يستعمل إلا أصلح الموجود وقد لا يكون في موجوده من هو صالح لتلك الولاية فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام وأخذه للولاية بحقها فقد أدى الأمانة وقام بالواجب في هذا وصار في هذا الموضع من أئمة العدل والمقسطين عند الله وإن اختل بعض الأمور بسبب من غيره إذا لم يمكن إلا ذلك فإن الله يقول: {فاتقوا الله ما استطعتم} ويقول {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} وقال {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} فمن أدى الواجب المقدور عليه فقد اهتدى وقال النبي [ إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ] أخرجاه في الصحيحين لكن إن كان منه عجز ولا حاجة إليه أو خيانة عوقب على ذلك وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب فإن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة كما قال تعالى {إن خير من استأجرت القوي الأمين} وقال صاحب مصر ليوسف عليه السلام {إنك اليوم لدينا مكين أمين} وقال تعالى في صفة جبريل: {إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين}

والقوة في كل ولاية بحسبها فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب وإلى الخبرة بالحروب والمخادعة فيها فإن الحرب خدعة وإلى القدرة على أنواع القتال: من رمي وطعن وضرب وركوب وكر وفر ونحو ذلك كما قال تعالى {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} وقال النبي : [ ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا ] وفي رواية: [ فهي نعمة جحدها ] رواه مسلم والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة وإلى القدرة على تنفي الأحكام

والأمانة ترجع إلى خشية الله وألا يشتري بآياته ثمنا قليلا وترك خشية الناس وهذه الخصال الثلاث التي اتخذها الله على كل حكم على الناس في قوله تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ولهذا قال النبي : [ القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة فرجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار ورجل قضى بين الناس على جهل فهو في النار ورجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ] رواه أهل السنن والقاضي اسم لكل من قضى بين اثنين وحكم بينهما سواء كان خليفة أو سلطانا أو نائبا أو واليا أو كان منصوبا ليقضي بالشرع أو نائبا له حتى يحكم بين الصبيان في الخطوط إذا تخايروا هكذا ذكر أصحاب رسول الله : وهو ظاهر

اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم أشكوا إليك جلد الفاجر وعجز الثقة فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة قدم أنفعهما لتلك الولاية: وأقلهما ضررا فيها فتقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور فيها على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينا كما سئل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو وأحدهما قوي فاجر ولآخر صالح ضعيف مع أيهما يغزي ؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين فيغزى مع القوي الفاجر وقد قال النبي : [ إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ] وروى [ بأقوام لا خلاق لهم ] فإذا لم يكن فاجرا كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده

ولهذا كان النبي يستعمل خالد بن الوليد على الحرب منذ أسلم وقال: [ إن خالدا سيف سله الله على المشركين ] مع أنه أحيانا كان قد يعمل ما ينكره النبي حتى إنه - مرة - رفع يديه إلى السماء وقال: [ اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد ] لما أرسله إلى جذيمة فقتلهم وأخذ أموالهم بنوع شبهة ولم يكن يجوز ذلك وأنكره عليه بعض من معه من الصحابة حتى وداهم النبي وضمن أموالهم ومع هذا فما زال يقدمه في إمارة الحرب لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره وفعل ما فعل بنوع تأويل

وكان أبو ذر رضي الله عنه أصلح منه في الأمانة والصدق ومع هذا فقال له النبي : [ يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمرن علي اثنين ولا تولين مال يتيم ] رواه مسلم نهى أبا ذر عن الإمارة والولاية لأنه رآه ضعيفا مع أنه قد روى: [ ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر ]

وأمر النبي مرة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل استعطافا لأقاربه الذين بعثه إليهم على من هم أفضل منه وأمر أسامة بن زيد لأجل ثأر أبيه ولذلك كان يستعمل الرجل لمصلحة مع أنه قد كان يكون مع الأمير من هو أفضل منه في العلم والإيمان

وهكذا أبو خليفة رسول الله رضي الله عنه ما زال يستعمل خالدا في حرب أهل الردة وفي فتوح العراق والشام وبدت منه هفوات كان له فيها تأويل وقد ذكر له عند أنه كان له فيها هوى فلم يعزله من أجلها بل عتبه عليها لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه وأن غيره لم يكن يقوم مقامه لأن المتولي الكبير إذا كان خلفه يميل إلى اللين فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة وإذا كان خلقه يميل إلى الشدة فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى اللين ليعتدل الأمر ولهذا كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يؤثر استنابة خالد وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يؤثر عزل خالد واستنابة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه لأن خالدا كان شديدا كعمر بن الخطاب وأبا عبيدة كان لينا كأبي بكر وكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه ليكون أمره معتدلا ويكون بذلك من خلفاء رسول الله الذي هو معتدل حتى قال النبي [ أنا نبي الرحمة أنا نبي الملحمة ]

وقال: [ أنا الضحوك القتال ] وأمته وسط قال الله تعالى فيهم: {أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا} وقال تعالى: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} ولهذا لما تولى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما صارا كاملين في الولاية واعتدل منهما ما كان ينسبان فيه إلى أحد الطرفين في حياة النبي من لين أحدهما وشدة الآخر حتى قال فيهما النبي : [ اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ] وظهر من أبي بكر من شجاعة القلب في قتال أهل الردة وغيرهم ما برز به على عمر وسائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين

وإن كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد قدم الأمين مثل حفظ الأموال ونحوها فأما استخراجها وحفظها فلا بد فيه من قوة وأمانة فيولي عليها شاد قوي يستخرجها بقوته وكاتب أمين يحفظها بخبرته وأمانته وكذلك في إمارة الحرب إذا أمر الأمير بمشاورة أولي العلم والدين جمع بين المصحلتين وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد جمع بين عدد فلا بد من ترجيح الأصلح أو تعدد المولى إذا لم تقع الكفاية بواحد تام

ويقدم في ولاية القضاء الأعلم الأورع الأكفأ فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع قدم - فيما قد يظهر حكمه ويخاف فيه الهوى - الأورع وفيما يدق حكمه ويخاف فيه الاشتباه: الأعلم ففي الحديث عن النبي أنه قال: [ إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ويحب العقل عند حلول الشهوات ]

ويقدمان على الأكفأ إن كان القاضي مؤيدا تأييدا تاما من جهة والي الحرب أو العامة

ويقدم الأكفأ إن كان القضاء يحتاج إلى قوة وإعانة للقاضي أكثر من حاجته إلى مزيد العلم والورع فإن القاضي المطلق يحتاج أن يكون عالما عادلا قادرا بل وكذلك كل وال للمسلمين فأي صفة من هذه الصفات نقصت ظهر الخلل بسببه والكفاءة: إما بقهر ورهبة وإما بإحسان ورغبة وفي الحقيقة فلا بد منهما

وسئل بعض العلماء: إذا لم يوجد من يولي القضاء إلا عالم فاسق أو جاهل دين فأيهما يقدم؟ فقال: إن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد قدم الدين وإن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لخفاء الحكومات قدم العالم وأكثر العلماء يقدمون ذا الدين فإن الأئمة متفقون على أنه لا بد في المتولي من أن يكون عدلا أهلا للشهادة واختلفوا في اشتراط العلم: هل يجب أن يكون مجتهدا أو يجوز أن يكون مقلدا أو الواجب تولية الأمثل فالأمثل كيفما تيسر؟ على ثلاثة أقوال وبسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع

ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة إذا كان أصلح الموجود فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال حتى يكمل في الناس ما لا بد منه من أمور الولايات والإمارات ونحوها كما يجب على المعسر السعي في وفاء دينه وإن كان في الحال لا يطلب منه إلا ما يقدر عليه وكما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب بخلاف الاستطاعة في الحاج ونحوها فإنه لا يجب تحصيلها لأن الوجوب هناك لا يتم إلا بها

والمهم في هذا الباب معرفة الأصلح وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية ومعرفة طريق المقصود فإذا عرفت المقاصد والوسائل تم الأمر فلهذا لما غلب على أكثر الملوك قصد الدنيا دون الدين قدموا في ولايتهم من يعينهم على تلك المقاصد وكان من يطلب رئاسة نفسه يؤثر تقديم من يقيم رئاسته وقد كانت السنة أن الذي يصلي بالمسلمين الجمعة والجماعة ويخطب بهم هم أمراء الحرب الذين هم نواب ذي السلطان على الجند ولهذا لما قدم النبي أبا بكر في الصلاة قدمه المسلمون في إمارة الحرب وغيرها

وكان النبي إذا بعث أميرا على حرب كان هو الذي يؤمره للصلاة بأصحابه وكذلك إذا استعمل رجلا نائبا على مدينة كما استعمل عتاب بن أسيد على مكة وعثمان بن أبي العاص على الطائف وعليا ومعاذا وأبا موسى على اليمن وعمرو بن حزم على نجران كان نائبه هو الذي يصلي بهم ويقيم فيهم الحدود وغيرها مما يفعله أمير الحرب وكذلك خلفاؤه بعده ومن بعدهم من الملوك الأمويين وبعض العباسيين وذلك لأن أهم أمر الدين الصلاة والجهاد ولهذا كانت أكثر الأحاديث عن النبي في الصلاة والجهاد وكان إذا عاد مريضا يقول: [ اللهم اشف عبدك يشهد لك صلاة وينكأ لك عدوا ]

ولما بعث النبي إلى اليمن قال: [ يا معاذ إن أهم أمرك عندي الصلاة ]

وكذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى عماله: إن أهم أموركم عندي الصلاة فمن حافظ عليها وحفظها حفظ دينه ومن ضيعها كان لما سواها من عمله أشد إضاعة

وذلك أن النبي قال: [ الصلاة عماد الدين ] فإذا أقام المتولي عماد الدين فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وهي التي تعين الناس على ما سواها من الطاعات كما قال الله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين}

وقال سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} وقال لنبيه: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى} وقال تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}

فالمقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا وإصلاح ما لا يقوم الدين إلى به من أمر دنياهم وهو نوعان: قسم المال بين مستحقيه وعقوبات المعتدين فمن لم يعتد أصلح له دينه ودنياه ولهذا كان عمر بن الخطاب يقولك: إنما بعثت عمالي إليكم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم ويقيموا بينكم دينكم فلما تغيرت الرعية من وجه والرعاة من وجه تناقضت الأمور فإذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان كان من أفضل أهل زمانه وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله فقد روى [ يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة ] وفي مسند الإمام أحمد عن النبي أنه قال: [ أحب الخلق إلى الله إمام عادل وأبغضهم إليه إمام جائر ] وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : [ سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها فقال: إني أخاف الله رب العالمين ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ]

وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد رضي الله عنه قال: قال رسول الله : [ أهل الجنة ثلاثة: سلطان مقسط ورجل رحيم القلب بكل ذي قربى ومسلم ورجل غني عفيف متصدق ] وفي السنن عنه أنه قال: [ الساعي على الصدقة بالحق كالمجاهد في سبيل الله ] وقد قال الله تعالى - لما أمر بالجهاد -: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} وقيل للنبي : يا رسول الله - الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله ؟ فقال: [ من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ] أخرجاه في الصحيحين

فالمقصود أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الله اسم جامع لكلماته التي تضمها كتابه وهكذا قال الله تعالى {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله وحقوق خلقه ثم قال تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} فمن عدل عن الكتاب قوم بالحديد ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف وقد روى عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أمرنا رسول الله أن نضرب بهذا - يعني السيف - من عدل عن هذا - يعني المصحف - فإذا كان هذا هو المقصود فإنه يتوسل إليه بالأقرب فالأقرب وينظر إلى الرجلين أيهما كان أقرب إلى المقصود ولي فإذا كانت الولاية مثلا إمامة صلاة فقط قدم من قدمه النبي حيث قال: [ يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا ولا يؤمن الرجل في سلطانه ولا يجلس في بيته على تكرمته إلا بإذنه ] رواه مسلم فإذا تكافأ رجلان أو خفي أصلحهما أقرع بينهما كما أقرع سعد بن أبي وقاص بين الناس يوم القادسية لما تشاجروا على الأذان متابعة لقوله : [ لو يعلم الناس في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ] فإذا كان التقديم بأمر الله إذا ظهر وبفعله - ما يرجحه بالقرعة إذا خفي الأمر - كان المتولي قد أدى الأمانات في الولايات إلى أهلها

ويدخل في هذا القسم: الأعيان والديون الخاصة والعامة مثل رد الودائع ومال الشريك والموكل والمضارب ومال المولى من اليتيم وأهل الوقف ونحو ذلك وكذلك وفاء الديون من أثمان المبيعات وبدل القرض وصدقات النساء وأجور المنافع ونحو ذلك وقد قال الله تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا * إلا المصلين * الذين هم على صلاتهم دائمون * والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم} إلى قوله: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} وقال تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما} أي لا تخاصم عنهم وقال النبي : [ أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ] وقال النبي : [ المؤمن من أمنه المسلمون على دمائهم وأموالهم والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله ] وهو حديث صحيح بعضه في الصحيحين وبعضه في سنن الترمذي وقال : [ من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ] رواه البخاري وإذا كان الله قد أوجب أداء الأمانات التي قبضت بحق ففيه تنبيه على وجوب أداء الغصب والسرقة والخيانة ونحو ذلك من المظالم وكذلك أداء العارية وقد خطب النبي في خطبة الوداع وقال في خطبته: [ العارية مؤداة والمنحة مردودة الدين مقضي والزعيم غارم إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ]

وهذا القسم يتناول الولاة والرعية فعلى كل منهما: أن يؤدي إلى الآخر ما يجب أداؤه إليه فعلى ذي السلطان ونوابه في العطاء أن يؤتوا كل ذي حق حقه وعلى جباة الأموال كأهل الديوان أن يؤدوا إلى ذي السلطان ما يجب إيتاؤه إليه وكذلك على الرعية الذين يجب عليهم الحقوق وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال مالا يستحقونه فيكونون من جنس من قال الله تعالى فيه: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون * ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون * إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم}

ولا لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه من الحقوق وإن كان ظالما كما أمر النبي لما ذكر جور الولاة فقال: [ أدوا إليهم الذي لهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم ] ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: [ كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء ويكثرون قالوا: فما تأمرنا ؟ فقال: أوفوا ببيعة الأول فالأول ثم أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم ]

وفيها عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله : [ إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال: أدوا إليهم حقهم واسألوا الله حقكم ]

وليس لولاة الأموال أن يقسموها بحسب أهوائهم كما يقسم المالك ملكه فإنما هم أمناء ونواب ووكلاء ليسوا ملاكا كما قال رسول الله : [ إني - والله - لا أعطي ولا أمنع أحدا وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت ] رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ونحوه فهذا رسول رب العالمين قد أخبر أنه ليس المنع والعطاء بإرادته واختياره كما يفعل ذلك المالك الذي أبيح له التصرف في ماله وكما يفعل ذلك الملوك الذين يعطون من أحبوا وإنما هو عبد الله يقسم المال بأمره فيضع حيث أمره الله تعالى

وهكذا قال رجل لعمل بن الخطاب: يا أمير المؤمنين - لو وسعت على نفسك في النفقة من مال الله تعالى فقال له عمر: أتدري ما مثلي ومثل هؤلاء ؟ كمثل قوم كانوا في سفر فجمعوا منه مالا وسلموه إلى واحد ينفقه عليهم فهل يحل لذلك الرجل أن يستأثر عنهم من أموالهم ؟ وحمل مرة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه مال عظيم من الخمس فقال: إن قوما أدوا الأمانة في هذه لأمناء فقال له بعض الحاضرين: إنك أديت الأمانة إلى الله تعالى فأدوا إليك الأمانة ولو رتعت لرتعت

وينبغي أن يعرف أن أولي الأمر كالسوق ما نفق فيه جلب إليه هكذا قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فإن نفق فيه الصدق والبر والعدل والأمانة جلب إليه ذلك وإن نفق فيه الكذب والفجور والجور والخيانة جلب إليه ذلك والذي على ولي الأمر أن يأخذ المال من حله ويضعه في حقه ولا يمنعه من مستحقه وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا بلغه أن بعض نوابه ظلم يقول: اللهم إني لم آمرهم أن يظلموا خلقك أو يتركوا حقك

الأموال السلطانية التي أصلها في الكتاب والسنة ثلاثة أصناف: الغنيمة والصدقة والفيء

فأما الغنيمة فهي المال المأخوذ من الكفار بالقتال ذكرها الله في سورة الأنفال التي أنزلها في غزوة بدر وسماها أنفالا لأنا زيادة في أموال المسلمين فقال: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} إلى قوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} الآية وقال: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم} وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي قال: [ أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ] وقال النبي : [ بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحي ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم ] رواه أحمد في المسند عن ابن عمر واستشهد به البخاري

فالواجب في المغنم تخميسه وصرف الخمس إلى من ذكره الله تعالى وقسمة الباقي بين الغانمين قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الغنيمة لمن شهد الوقعة وهم الذين شهدوها للقتال قاتلوا أو لم يقاتلوا ويجب قسمها بينهم بالعدل فلا يحابى أحد لا لرياسته ولا لنسبه ولا لفضله كما كان النبي وخلفاؤه يقسمونها وفي صحيح البخاري: أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه رأى له فضلا على من دونه فقال النبي : [ هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم ؟ ] وفي مسند أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال: [ قلت: يا رسول الله: الرجل يكون حامية القوم يكون سهمه وسهم غيره سواء ؟ قال: ثكلتك أمك ابن أم سعد وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟ ]

وما زالت الغنائم تقسم بين الغانمين في دولة بني أمية وبني العباس لما كان المسلمون يغزون الروم والترك والبربر لكن يجوز للإمام أن ينفل من ظهر منه زيادة نكاية كسرية تسرت من الجيش أو رجل صعد حصنا عاليا ففتحه أو حمل على مقدم العدو فقتله فهزم العدو ونحو ذلكن لأن النبي وخلفاءه كانوا ينفلون لذلك

وكان ينفل السرية في البداية الربع بعد الخمس وفي الرجعة الثلث بعد الخمس وقال بعضهم: إنه يكون من خمس الخمس لئلا يفضل بعض الفاتحين على بعض والصحيح أنه يجوز من أربعة الأخماس وإن كان فيه تفضيل بعضهم على بعض لمصلحة دينية لا هوى النفس كما فعل رسول الله غير مرة وهذا قول فقهاء الشام و أبي حنيفة و أحمد وغيرهم وعلى هذا فقد قيل: إنه ينفل الربع والثلث بشرط وغير شرط وينفل الزيادة على ذلك الشرط مثل أن يقول: من دلني على قلعة فله كذا ومن جاء برأس فله كذا ونحو ذلك وقيل: لا ينفل زيادة على الثلث ولا ينفله إلا بالشرط وهذان قولان لأحمد وغيرهن وكذلك - على القول الصحيح - للإمام أن يقول: من اخذ شيئا فهو له كما روى أن النبي كان قد قال ذلك في غزة بدر إذا رأي ذلك مصلحة راجحة على المفسدة

وإذا كان الإمام يجمع الغنائم ويقسمها لم يجز لأحد أن يغل منها شيئا {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} فإن الغلول خيانة ولا تجوز النهبة فإن النبي نهى عنها فإذا ترك الإمام الجمع والقسمة وأذن في الأخذ إذنا جائزا فمن أخذ شيئا بلا عدوان حل له بعد تخميسه وكل ما دل على الإذن فهو إذن وأما إذا لم يأذن أو أذن إذنا غير جائز جاز للإنسان أن يأخذ مقدار ما يصيبه بالقسمة متحريا للعدل في ذلك

ومن حرم على المسلمين جمع المغانم والحال هذه وأباح الإمام أن يفعل فيها ما يشاء فقد تقابل القولان تقابل الطرفين ودين الله وسط والعدل في القسمة: أن يقسم للراجل سهم وللفارس ذي الفرس العربي ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه هكذا قسم النبي عام خيبر ومن الفقهاء من يقول: للفارس سهمان والأول هو الذي دلت عليه السنة الصحيحة ولأن الفرس يحتاج إلى مئونة نفسه وسائسه - ومنفعة الفارس به أكثر من منفعة راجلين - ومنهم من يقول: يسور بين الفرس العرب والهجين في هذا ومنهم من يقول: بل الهجين يسهم له سهم واحد كما روى عن النبي وأصحابه والفرس الهجين الذي تكون أمه نبطية - ويسمى البرذون - وبعضهم يسميه التتري سواء كان حصانا أو خصيا ويسمى الإكديش أو رمكة وهي الحجر كان السلف يعدون للقتال الحصان لقوته وحدته وللإغارة والبيات الحجر لأنه ليس لها صهيل ينذر العدو فيحترزون وللسير الخصي لأنه أصبر على السير

وإذا كان المغنوم مالا - قد كان للمسلمين قبل ذلك من عقار أو منقول وعرف صاحبه قبل القسمة - فإنه يرد إليه بإجماع المسلمين وتفاريع المغانم وأحكامها فيها آثار وأقوال اتفق المسلمون على بعضها وتنازعوا في بعض ذلك ليس هذا موضعها وإنما الغرض ذكر الجمل الجامعة

وأما الصدقات فهي لمن سمى الله تعالى في كتابه فقد روى عن النبي : أن رجلا سأله من الصدقة فقال: [ إن الله لم يرض في الصدقة بقسم نبي ولا غيرهن ولكن جزاها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك ]

( فالفقراء والمساكين ) يجمعها معنى الحاجة إلى الكفاية فلا تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب ( والعاملين عليها ) هم الذين يجبونها ويحفظونها ويكتبونها ونحو ذلك ( والمؤلفة قلوبهم ) سنذكرهم - إن شاء الله تعالى - في مال الفيء ( وفي الرقاب ) يدخل فيه إعانة المكاتبين وافتداء الأسرى وعتق الرقاب هذا أقوى الأقوال فيها ( والغارمين ) هم الذين عليهم ديون لا يجدون وفاءهان فيعطون وفاء ديونهم ولو كان كثيرا إلا أن يكونوا غرموه في معصية الله تعالى فلا يعطون حتى يتوبوا ( وفي سبيل الله ) وهم الغزاة الذين لا يعطون من مال الله ما يكفيهم لغزوهم فيعطون ما يغزون به أو تمام ما يغزون به من خيل وسلاح ونفقة وأجرة والحج من سبيل الله كما قال النبي ( وابن السبيل ) هو المجتاز من بلد إلى بلد