الصارم المنكي في الرد على السبكي/الباب الرابع

الصارم المنكي في الرد على السبكي
الباب الرابع
ابن عبد الهادي

الباب الرابع

في نصوص العلماء على استحباب زيارة قبر سيدنا رسول الله ﷺ وبيان أن ذلك مجمع عليه بين المسلمين

قال المعترض

قال القاضي عياض ( رحمه الله ) زيارة قبره ﷺ سنة بين المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها.

قلت

هذا الإجماع الذي حكاه القاضي عياض رحمه الله تعالى حكاه شيخ الإسلام أيضا في غير موضع. وقد قدمنا غير مرة ذكر في مصنفاته وفتاويه ومناسكه استحباب زيارة قبر النبي ﷺ على الوجه المشروع، ولم يذكر في ذلك نزاعا بين العلماء، وإنما ذكر الخلاف بينهم في السفر لمجرد زيارة القبور، واختار المنع من ذلك كما هو مذهب مالك وغيره من أهل العلم، وهو الذي اختاره القاضي عياض مع حكايته هذا الإجماع.

ومقصود المعترض الاحتجاج على الشيخ بهذا الإجماع الذي ذكره القاضي عياض، والشيخ لا يخالف هذا الإجماع بل يوافقه ويذهب إليه ويحكيه في مواضع مع قوله بالنهي عن السفر لزيارة القبور، كما ذهب إليه القاضي عياض ناقل هذا الإجماع، وينبغي للمعترض وأمثاله أن يعرفوا الفرق بين مواقع الإجماع ومحال النزاع ولا يخلطوا بعضها ببعض.

ولا ريب أن الإنسان إذا أتى مسجد النبي ﷺ استحب له أن يفعل فيه ما يشرع له من الصلاة والصلاة على الرسول والتسليم والثناء ( عليه ) ونشر فضائله ومناقبه وسننه وما يوجب محبته وتعظيمه والإيمان به وطاعته، وهذا هو المقصود من الزيارة الشرعية والسفر إلى مسجده للصلاة فيه، وما يتبع ذلك مستحب بالنص والإجماع، والسفر لمجرد زيارة القبر فيه نزاع.

قال الشيخ في أثناء كلامه [1]: والقاضي عياض مع مالك وجمهور أصحابه يقولون إن السفر إلى غير المساجد الثلاث محرم كقبور الأنبياء، فقول القاضي عياض: إن زيارة قبره سنة مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها، المراد به الزيارة الشرعية، كما ذكره مالك وأصحابه من أنه يسافر إلى مسجده، ثم يسلم عليه ويصلي عليه كما ذكره في كتبهم، ثم أطال الكلام وقال:

والمقصود أن ما حكى القاضي عياض فيه الإجماع لم ينه عنه في الجواب، بل السفر إلى مسجده وزيارته على الوجه المشروع سنة مجمع عليها، كما ذكره القاضي عياض. وبعضهم يسميها زيارة لقبره، وبعضهم يكره أن يسميها زيارة، ولا يدخل في ذلك السفر إلى غير المساجد الثلاث، كالسفر إلى قبور الأنبياء والصالحين ومن سافر لمجرد قبورهم فلم يزر زيارة شرعية بل بدعية، فلهذا لا يقول أحد إنه مجمع على أنه سنة، ولكن هذا الموضع مما يشكل على كثير من الناس؛ فينبغي لمن أراد أن يعرف دين الإسلام أن يتأمل النصوص النبوية ويعرف ما كان يفعله الصحابة والتابعون وما قاله أئمة المسلمين ليعرف المجمع عليه من المتنازع فيه. فإن الزيارة فيها مسائل متعددة فيها، ولكن لم يتنازعوا فيها علمت في استحباب السفر إلى مسجده واستحباب الصلاة والسلام عليه فيه ونحو ذلك مما شرعه الله في مسجده. ولم يتنازع الأئمة الأربعة والجمهور في أن السفر إلى غير الثلاثة ليس بمستحب لا لقبور الأنبياء والصالحين ولا غير ذلك. فإن قول النبي ﷺ: « لا تشد الرحال » حديث متفق على صحته وعلى العمل به عند الأئمة المشهورين وعلى أن السفر إلى زيارة القبور داخل فيه؛ فإما أن يكون نهيا، وإما أن يكون نفيا للاستحباب، وقد جاء في الصحيح بصيغة النهي صريحا فتعين أنه نهي.

فهذان طرفان لا أعلم فيهما نزاعا بين الأئمة الأربعة والجمهور، والأئمة الأربعة وسائر العلماء لا يوجبون الوفاء على من نذر أن يسافر إلى أثر نبي من الأنبياء، قبورهم أو غير قبورهم، وما علمت أحدا أوجبه غير ابن حزم فإنه أوجب الوفاء على ما نذر مشيا أو ركوبا، أو نهوضا إلى مكة أو المدينة أو بيت المقدس. قال: وكذلك إلى أثر من آثار الأنبياء، قال: فإن نذر مشيا أو نهوضا أو ركوبا إلى مسجد من المساجد غير الثلاث لم يلزمه، وهذا عكس قول الليث بن سعد فإنه قال: من نذر المشي إلى مسجد من المساجد مشى إلى ذلك المسجد، وابن حزم فهم من قوله: « لاتشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد » أي لا تشد إلى مسجد، وهو لا يقول بفحوى الخطاب وتنبيهه، فلا يجعل هذا نهيا عما هو دون المساجد في الفضيلة بطريق الأولى بل يقول في قول النبي ﷺ « لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه »: إنه لو بال ثم صب البول فيه لم يكن منهيا عن الاغتسال فيه. وداود الظاهري عنه في فحوى الخطاب روايتان، هذه إحداهما. وابن حزم ومن قال بإحدى روايتي داود الظاهري يقولون: إن قوله: « ولا تقل لهما أف » لا يدل على تحريم الشتم والضرب، وهذا قول ضعيف جدا في غاية الفساد عند عامة العلماء، فإنهم يقولون: إذا كان البائل الذي يحتاج إلى البول قد نهي أن يبول فيه ثم يغتسل فيه، فالذي بال في إناء ثم صبه فيه أولى بالنهي، كما أنه لما نهي عن الاستجمار بطعام الجن وطعام دوابهم العظام والروث كان ذلك تنبها على النهي عن الاستجمار بطعام الإنس بطريق الأولى، وكل ما نهي عن الاستجمار به فتلطيخه بالعذرة أولى بالنهي، فإنه لا حاجة إلى ذلك، ولهذا فهم الصحابة من نهيه أن يسافر إلى غير المساجد الثلاث أن السفر إلى طور سيناء داخل في النهي وإن لم يكن مسجدا، كما جاء عن بصرة بن أبي بصرة وأبي سعيد وابن عمر وغيرهم.

وحديث بصرة معروف في السنن والموطأ. قال لأبي هريرة وقد أقبل من الطور: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: « لا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ».

وأما ابن عمر فروى أبو زيد [ عمر بن ] شبة النميري في كتاب أخبار المدينة حدثنا ابن أبي الوزير حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طلق عن قزعة قال: أتيت ابن عمر فقلت: إني أريد الطور. فقال: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى، فدع عنك الطور فلا تأته. رواه أحمد بن حنبل في مسنده. وهذا النهي من بصرة بن أبي بصرة وابن عمر ثم موافقة أبي هريرة يدل على أنهم فهموا من حديث النبي ﷺ النهي فلذلك نهوا عنه، لم يحملوه على مجرد نفي الفضيلة. وكذلك أبو سعيد الخدري وهو راويه أيضا، وحديثه في الصحيحين، فروى أبو زيد حدثنا هشام بن عبد الملك، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب، قال سمعت أبا سعيد وذكر عنده الصلاة في الطور فقال: قال رسول الله ﷺ: « لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد تبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ». فأبو سعيد جعل الطور مما نهي عن شد الرحال إليه، مع أن اللفظ الذي ذكره إنما فيه النهي عن شدها إلى المساجد، فدل على أنه علم أن غير المساجد أولى بالنهي.

والطور إنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة البقعة وأن الله سماها الوادي المقدس والبقعة المباركة وكلم الله موسى هناك، وما علمت المسلمين بنوا هناك مسجدا فإنه ليس هناك قرية للمسلمين، وإن كان هناك مسجد؛ فإذا نهى الصحابة عن السفر إلى تلك البقعة وفيها مسجد، فإذا لم يكن فيها مسجد كان النهي عنها أقوى.

وهذا ظاهر لا يخفى على أحد فالصحابة سمعوا الحديث من النبي ﷺ فهموا منه النهي وفهموا منه تناوله لغير المساجد، وهم أعلم الناس بما سمعوه، وبسط هذا له موضع آخر.

والمقصود هنا ذكر ما تنازع فيهما الأئمة المشهورين أو غيرهم وما لم يتنازعوا فيه، فإن بين الطرفين الذين لم يتنازع فيهما الأئمة مسائل متعددة فيها نزاع، ولكن طائفة من المتأخرين يستحبون السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين ويفعلون ذلك ويعظمونه، لكن هل في هؤلاء أحد من المجتهدين الذين تحكى أقوالهم وتجعل خلافا على من قبلهم من أئمة المسلمين؟ هذا مما يجب النظر فيه، والله أعلم.

قال المعترض

وقال القاضي أبو الطيب: ويستحب أن يزور قبر النبي ﷺ بعد أن يحج ويعتمر. ثم حكى كلام جماعة من الشافعية في الزيارة كالمحاملي [2] والحليمي [3] والماوردي [4] وصاحب المذهب [5] والقاضي حسن [6] والروياني [7]، ثم قال: ولا حاجة إلى تتبع كلام الأصحاب في ذلك مع العلم بإجماعهم وإجماع سائر العلماء عليه، ثم نقل كلام غير واحد من الحنفية في ذلك ثم قال: وكذلك نص عليه الحنابلة أيضا، قال: أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني [8] الحنبلي في كتاب الهداية في آخر باب صفحة الحج: فإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي ﷺ وقبره صاحبيه رضي الله عنهما. ثم ذكر كلام صاحب المستوعب، وقال بعد حكايته: وانظر هذا المنصف من الحنابلة الذين الخصم متمذهب بمذهبهم، كيف نص على التوجه بالنبي ﷺ، ثم نقل كلام صاحب المغني وابن حمدان، وذكر أن ابن الجوزي عقد لذلك بابا في كتاب مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن، ثم قال: وكذلك نص عليه المالكية، وقد تقدم حكاية القاضي عياض الإجماع، وفي كتاب تهذيب الطالب [9] لعبد الحق الصقلي عن الشيخ أبي عمران المالكي أن زيارة قبر النبي ﷺ واجبة، قال عبد الحق: يعني من السنن الواجبة.

وهذا الذي نقله المعترض عن هؤلاء الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة بمعزل عما ذكر فيه الشيخ النزاع بين العلماء، فلا حاجة إلى التطويل باستقصاء ذكر كلامهم، وما نقله عبد الحق الصقلي عن الشيخ أبي عمران فيه نظر وإيهام، والوجوب لم يذهب إليه أحد من العلماء. ثم ذكر فرعا فيمن استؤجر بمال وشرط عليه الزيارة، وحكى فيه بعض كلام المالكية والشافعية، ثم قال: وقد روى القاضي عياض في ( الشفاء ): قال حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الأشعري، وأبو القاسم أحمد بن بقي الحاكم وغير واحد فيما أجازونيه، قالوا: حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دلهاث، حدثنا أبو الحسن علي بن فهر، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج، حدثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب، حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا ابن حميد [10] قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين ملكا في مسجد رسول الله ﷺ فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله عز وجل أدب قومه فقال: { لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ } ومدح قوما فقال: { إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ } وذم قوما فقال: { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ } وأن حرمته ميتا كحرمته حيا، فاستكان لها أبو جعفر، وقال يا أبا عبد الله: استقبل القبلة وأدعو أم أستدبر رسول الله ﷺ، فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام ( إلى الله يوم القيامة )، بل استقبله واستشفع به يشفعه الله فيك قال الله تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ }

قال المعترض: فانظر هذا الكلام من مالك رحمه الله تعالى، وما اشتمل عليه من الزيارة والتوسل بالنبي ﷺ وحسن الأدب معه.

قلت: المعروف عن مالك أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء، وهذه الحكاية التي ذكرها القاضي عياض ورواها بإسناد عن مالك ليست بصحيحة عنه، وقد ذكر المعترض في موضع من كتابه أن إسنادها إسناد جيد، وهو مخطئ في هذا القول خطأ فاحشا، بل إسنادها إسناد ليس بجيد، بل هو إسناد مظلم منقطع، وهو مشتمل على من يتهم بالكذب وعلى من يجهل حاله. وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف كثير المناكير غير محتج بروايته، ولم يسمع من مالك شيئا ولم يلقه، بل روايته عنه منقطعة غير متصلة وقد ظن المعترض أنه أبو سفيان محمد بن حميد المعمري أحد الثقات المخرج لهم في صحيح مسلم قال: فإن الخطيب ذكره في الرواة عن مالك وقد أخطأ فيما ظنه خطأ فاحشا ووهم وهما قبيحا. فإن محمد بن حميد المعمري رجل متقدم لم يدركه يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل راوي الحكاية عن ابن حميد، بل بينهما مفازة بعيدة، وقد روى المعمري عن هشام بن حسان ومعمر الثوري، وتوفي سنة اثنتي وثمانين ومائة قبل أن يولد يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل. وأما محمد بن حميد الرازي فإنه في طبقة الرواة عن المعمري كأبي خيثمة وابن نمير وعمرو والناقد وغيرهم، وكانت وفاته سنة ثمان وأربعين ومائتين، فرواية يعقوب بن إسحاق عنه ممكنة بخلاف روايته عن المعمري فإنها غير ممكنة.

وقد تكلم في محمد بن حميد الرازي وهو الذي رويت عنه هذه الحكاية من غير واحد من الأئمة ونسبه بعضهم إلى الكذب:

قال يعقوب بن شيبة الدوسي [11]: محمد بن حميد الرازي كثير المناكير، وقال البخاري: [12] حديثه فيه نظر، وقال النسائي: [13] ليس بثقة، وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني [14]: رديء المذهب غير ثقة، وقال فضلك الرازي: [15] عندي عن ابن حميد خمسون ألف حديث، لا أحدث عنه بحرف. وقال أبو العباس أحمد بن محمد الأزهري [16]: سمعت إسحاق بن منصور يقول: أشهد على محمد بن حميد وعبيد بن إسحاق العطار بين يدي الله أنهما كذابان، وقال صالح بن محمد الحافظ [17]: كان كل ما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران وما بلغه من حديث منصور يحيله على عمرو بن ( أبي ) قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء وعلى عنبسة، ثم قال: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه. وقال في موضع آخر: كانت أحاديثه تزيد وما رأيت أحد أجرأ على الله منه، كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضها على بعض، وقال في موضع آخر: ما رأيت أحدا أحذق بالكذب من رجلين: سليمان الشاذكوني، ومحمد بن حميد الرازي كان يحفظ حديثه كله، وكان حديثه كل يوم يزيد. وقال أبو القاسم: عبد الله بن محمد بن عبد الكريم الرازي ابن أخي أبي زرعة: سألت أبا زرعة عن محمد بن حميد فأومأ بأصبعه إلى فمه فقلت له: كان يكذب؟ فقال برأسه: نعم. فقلت له: ( كان ) قد شاخ لعله يعمل عليه ويدلس عليه؟ فقال: لا، بني، كان يتعمد. وقال أبو حاتم [18] الرازي: حضرت محمد بن حميد وحضره عون بن جرير فجعل ابن حميد يحدث بحديث عن جرير فيه شعر فقال عون: ليس هذا الشعر في الحديث، إنما هو من كلام أبي فتغافل ابن حميد فمر فيه.

وقال أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي [19]: سمعت أبا حاتم محمد بن إدريس الرازي في منزله، وعنده عبد الرحمن بن يوسف بن خراش وجماعة من مشايخ أهل الرأي وحفاظهم للحديث، فذكروا ابن حميد فأجمعوا على أنه ضعيف في الحديث جدا وأنه يحدث بما لم يسمعه وأنه يأخذ أحاديث لأهل البصرة والكوفة فيحدث بها عن الرازيين. وقال ابن عباس بن سعيد: سمعت داود بن يحيى يقول: حدثنا عنه يعني محمد بن حميد أبو حاتم قديما، ثم تركه بآخرة، قال: سمعت عبد الرحمن بن يوسف بن خراش، يقول حدثنا ابن حميد، وكان والله يكذب. وقال أبو حاتم بن حبان البستي في كتاب الضعفاء [20]: محمد بن حميد الرازي كنيته أبو عبد الله، يروي عن ابن المبارك وجرير، حدثنا عنه شيوخنا، مات سنة ثمان وأربعين ومائتين، كان ممن ينفرد عن الثقات بالأشياء المقلوبات، ولا سيما إذا حدث عن شيوخ بلده، سمعت إبراهيم بن عبد الواحد البغدادي يقول: قال صالح بن أحمد بن حنبل كنت يوما عند أبي إذ دق عليه الباب، فخرجت فإذا أبو زرعة ومحمد بن مسلم بن واره يستأذنان على الشيخ فدخلت وأخبرته فأذن لهم فدخلوا وسلموا عليه، فأما ابن واره فباس يده فلم ينكر عليه ذلك، وأما أبو زرعة فصافحه فتحدثوا ساعة فقال ابن واره: يا أبا عبد الله إن رأيت تذكر حديث أبي القاسم بن أبي الزناد فقال: نعم حدثنا أبو القاسم ابن أبو الزناد عن إسحاق بن حازم عن ابن مقسم، يعني عبيد الله، عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ سئل عن ماء البحر؟ فقال: « الطهور ماؤه، الحلال ميتته » وقام فقالوا: ما له قلنا شك في شيء، ثم خرج والكتاب بيده فقال في كتابه ميتة بتاء واحدة والناس يقولون ميتتة، ثم تحدثوا ساعة فقال له ابن واره: يا أبا عبد الله رأيت محمد بن حميد، قال نعم، قال: كيف رأيت حديثه؟ قال: إذا حدث عن العراقيين يأتي بأشياء مستقيمة، وإذا حدث عن أهل بلده مثل إبراهيم بن المختار وغيره أتى بأشياء لا تعرف، لا يدرى ما هي. قال: فقال أبو زرعة وابن واره: صح عندنا أنه يكذب، قال: فرأيت أبي بعد ذلك إذا ذكر ابن حميد نفض يده.

وقال العقيلي في كتاب الضعفاء [21]: حدثني إبراهيم بن يوسف، قال: كتب أبو زرعة ومحمد بن مسلم عن محمد بن حميد حديثا كثيرا ثم تركا الرواية عنه، وقال الحاكم أبو أحمد في كتاب الكنى: أبو عبد الله محمد بن حميد الرازي ليس بالقوي عندهم، تركه أبو عبد الله بن يحيى الذهلي وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة.

فإذا كانت هذه حال محمد بن حميد الرازي عند أئمة هذا الشأن، فكيف يقال في حكاية رواها منقطعة: إسنادها جيد مع أن في طريقها إليه من ليس بمعروف.

وقد قال المعترض بعد أن ذكر هذه الحكاية وتكلم على رواتها: فانظر هذه الحكاية وثقة رواتها وموافقتها لما رواه ابن وهب عن مالك، هكذا قال، والذي حمله على ارتكاب هذه السقطة قلة علمه ومتابعته هواه، نسأل الله التوفيق. والذي ينبغي أن يقال: فانظر هذه الحكاية وضعفها وانقطاعها ونكارتها وجهالة بعض رواتها ونسبة بعضهم إلى الكذب ومخالفتها لما ثبت عن مالك وغيره من العلماء.

وقد قال شيخ الإسلام في كتاب: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم: [22] ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي أو غير نبي لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي ﷺ ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي ﷺ وعلى صاحبيه، واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي ﷺ لا يستقبل قبره وتنازعوا عند السلام عليه، فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل قبره ويسلم عليه وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي، وأظنه منصوصا عنه، وقال أبو حنيفة: بل يستقبل القبلة ويسلم عليه، هكذا في كتب أصحابه. وقال مالك فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في المبسوط والقاضي عياض وغيرهما: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو ولكن يسلم ويمضي، وقال أيضا في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج أن يقف على قبر النبي ﷺ ويدعو له ولأبي بكر وعمر [23]، فقيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر، فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده.

وقد تقدم في ذلك من الآثار عن السلف والأئمة ما يوافق هذا ويؤيده، من أنهم كانوا إنما يستحبون عند قبره ما هو من جنس الدعاء له والتحية كالصلاة والسلام ويكرهون قصده للدعاء والوقوف عنده للدعاء، ومن يرخص منهم في شيء من ذلك فإنه إنما يرخص فيما إذا سلم عليه ثم أراد الدعاء أن يدعو مستقبلا القبلة، إما مستدبرا القبر وإما منحرفا عنه وهو أن يستقبل القبلة ويدعو ولا يدعو مستقبل القبر، وهكذا المنقول عن سائر الأئمة ليس في أئمة المسلمين من استحب للمرء أن يستقبل قبر النبي ﷺ ويدعو عنده.

وهذا الذي ذكرناه عن مالك والسلف يبين حقيقة الحكاية المأثورة عنه، وهي الحكاية التي ذكرها القاضي عياض عن محمد بن حميد قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله ﷺ فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله أدب قوما فقال { لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ } وذكر باقي الحكاية، ثم قال: فهذه الحكاية على هذا الوجه، إما أن تكون ضعيفة أو مغيرة وإما أن تفسر بما يوافق مذهبه، إذا قد يفهم منها ما هو خلاف مذهبه المعروف بنقل الثقات من أصحابه، فإنه لا يختلف مذهبه أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء وقد نص على أنه لا يقف عند الدعاء مطلقا، وذكر طائفة من أصحابه أنه يدنو من القبر ويسلم على النبي ﷺ ثم يدعو مستقبلا القبلة ويوليه ظهره، وقيل لا يوليه ظهره. فاتفقوا في استقبال القبلة وتنازعوا في تولية القبر ظهره وقت الدعاء. ويشبه والله أعلم أن يكون مالك رحمه الله سئل عن استقبال القبر عند السلام عليه وهو يسمي ذلك دعاء، فإنه قد كان من فقهاء العراق من يرى أنه عند السلام عليه يستقبل القبلة أيضا، ومالك يرى استقبال القبر في هذه الحال كما تقدم وكما قال في رواية ابن وهب عنه: إذا سلم على النبي ﷺ يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنوا ويسلم ويدعو ولا يمس القبر بيده، وقد تقدم قوله أنه يصلي عليه ويدعو له.

ومعلوم أن الصلاة عليه والدعاء له يوجب شفاعته للعبد يوم القيامة كما قال في الحديث الصحيح: « إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا ينبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة ». فقول مالك في هذه الحكاية: إن كان ثابتا عنه معناه أنك إذا استقبلته وصليت عليه وسلمت عليه، وسألت الله له الوسيلة يشفع فيك يوم القيامة، فإن الأمم يوم القيامة يتوسلون بشفاعته واستشفاع العبد به في الدنيا هو فعلما يشفع به له يوم القيامة كسؤال الله تعالى له الوسيلة ونحو ذلك.

وكذلك ما نقل عنه من رواية ابن وهب، إذا سلم على النبي ﷺ ودعا يقف ووجه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدعوا ويسلم، يعني دعاء للنبي ﷺ وصاحبه، فهذا هو المشروع هناك كالدعاء عند زيارة قبور سائر المؤمنين وهو الدعاء لهم، فإنه أحق الناس أن يصلي عليه ويسلم عليه ويدعي له بأبي هو وأمي ﷺ وبهذا تتفق أقوال مالك ويفرق بين الدعاء الذي أحبه والدعاء الذي كرهه وذكر أنه بدعة، وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية: { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم } الآية فهو والله أعلم باطل، فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلم، ولم يذكر أحد منهم أنه يستحب أن يسأل بعد الموت لا استغفارا ولا غيره. وكلامه المنصوص عنه وعن أمثاله ينافي هذا، وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي أنه أتى قبر النبي ﷺ وتلا هذه الآية وأنشد بيتين:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ** فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ** فيه العفاف وفيه الجود والكرم

ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد مثل ذلك واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يثبت بها حكم شرعي لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعا مندوبا لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم، بل قضاء الله حاجة مثل هذا الأعرابي وأمثاله لها أسباب قد بسطت في غير هذا الموضع، وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعا مأمورا به، فقد كان رسول الله ﷺ يسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلا وتكون المسألة محرمة في حق السائل حتى قال: « إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا » قالوا: يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: « يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل » [24]. وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا ولا يكون عالما أنه منهي عنه فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه لعدم علمه، وهذا باب واسع وعامة العبادات المبتدعة المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس يحصل له بها نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها مشروعة، ولو لم تكن مفسدتها أغلب من مصلحتها لما نهى عنها، ثم الفاعل قد يكون متأولا أو مخطئا، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.

والمقصود هنا أنه قد علم أن مالكا من أعلم الناس بمثل هذه الأمور، فإنه مقيم بالمدينة يرى ما يفعله التابعون وتابعوهم ويسمع ما ينقلون عن الصحابة وأكابر التابعين، وهو ينهى عن الوقوف عند القر للدعاء ويذكر أنه لم يفعله السلف. وقد أجدب الناس على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاستسقى بالعباس. ففي صحيح البخاري [25] عن أنس أن عمر استسقى بالعباس، وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون فاستسقوا به، كما كانوا يستسقون بالنبي ﷺ في حياته. وهم إنما كانوا يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم فيدعو لهم ويدعون معه كالإمام والمأمومين من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق، كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق. ولما مات ﷺ توسلوا بدعاء العباس واستسقوا به، ولهذا قال الفقهاء يستحب الاستسقاء بأهل الخير والدين والأفضل أن يكونوا من أهل بيت النبي ﷺ. وقد استسقى معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي وقال: اللهم إنا نستسقي إليك بيزيد بن الأسود، يا يزيد ارفع يديك فرفع يديه ودعا ودعا الناس حتى أمطروا، ولم يذهب أحد من الصحابة إلى قبر نبي ولا غيره يستسقي عنده، ولا به العلماء استحبوا السلام على النبي ﷺ للحديث الذي في سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: « ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام ». هذا مع ما في النسائي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: « إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام » [26] وفي سنن أبي داود وغيره عنه ﷺ أنه قال: « أكثروا علي من الصلاة وليلة الجمعة ويوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي » فقالوا يا رسول الله: كيف تعرض صلاتنا وقد أرمت أي بليت، فقال: « إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء ».

فالصلاة عليه بأبي وأمي والسلام عليه مما أمر الله به ورسوله: وقد ثبت في الصحيح أنه قال: « من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا »، والمشروع لنا عند زيارة الأنبياء والصالحين وسائر المؤمنين هو من جنس المشروع عند جنائزهم، فكما أن المقصود بالصلاة على الميت الدعاء له فالمقصود بزيارة قبره الدعاء له كما ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح والسنن والمسند أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم: « السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم ». فهذا دعاء خاص للميت كما في دعاء الصلاة على الجنازة الدعاء العام والخاص.

وقال الشيخ: وقد قال الله تعالى في حق المنافقين: { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } الآية. فلما نهى سبحانه نبيه عن الصلاة عليهم والقيام على قبورهم لأجل كفرهم، دل ذلك بطريق التعليل والمفهوم على أن المؤمن يصلى عليه ويقام على قبره، ولهذا جاء في السنن أن النبي ﷺ كان إذا دفن الرجل من أصحابه يقوم على قبره ثم يقول: « سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل » [27].

فأما أن يقصد بالزيارة سؤال الميت والإقسام به على الله أو استجابة الدعاء عند تلك البقعة فهذا لم يكن من فعل أحد من سلف الأمة لا الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، وإنما حدث ذلك بعد ذلك، بل قد كره مالك وغيره من العلماء أن يقول القائل زرنا قبر النبي ﷺ ثم حكى ما ذكره القاضي عياض في تأويل قول مالك هذا وسيأتي.

قال المعترض

وقال القاضي عياض: قال ابن حبيب: ويقول إذا دخل مسجد الرسول ﷺ: بسم الله وسلام على رسول الله، السلام علينا من ربنا وصلى الله وملائكته على محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وجنتك واحفظني من الشيطان الرجيم. ثم اقصد إلى الروضة وهي ما بين القبر والمنبر فاركع فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر، ثم تقف بالقبر متواضعا متوقرا فتصلي عليه وتثني عليه بما يحضرك وتسلم على أبي بكر وعمر وتدعو لهما، ولا تدع أن تأتي مسجد قباء وقبور الشهداء.

ثم ذكر ما تقدم ذكره غير مرة مما حكاه القاضي عياض في الشفا عن مالك وبعض أصحابه في الصلاة والسلام عليه، ثم قال فهذه نقول المذاهب الأربعة، وكذلك غيرهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فقد صح من وجوه كثيرة عن عبد الله بن عمر أنه كان يأتي القبر فيسلم على النبي ﷺ. ثم روى بإسناده إلى دعلج قال: أنبأنا محمد بن علي بن زيد الصائغ، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يأتي القبر فيسلم على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر، قال دعلج: هذا الحديث في الموطأ عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر.

قلت

وما ذكره المعترض من نقول المذاهب الأربعة وغيرهم هو في غير المحل الذي ذكر الشيخ فيه النزاع بين العلماء كما بيناه غير مرة، وما نقله عن ابن عمر رضي الله عنهما من التسليم وإتيان القبر فهو عند القدوم من سفر، كما تقدم ذكره مرارا. وقد روى عبد الرزاق في مصنفه [28] عن معمر عن أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. قال معمر: فذكرت ذلك لعبيد الله بن عمر فقال: ما نعلم أحدا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر. وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتاب الصلاة على النبي ﷺ: حدثنا علي، حدثنا سفيان قال: حدثني عبد الله بن دينار قال: رأيت ابن عمر إذا قدم من سفر دخل المسجد فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، ويصلي ركعتين [29].

حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا قدم من سفر دخل المسجد ثم أتى القبر فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. وهذا إنما يعرف عن ابن عمر وحده كما قاله عبيد الله بن عمر وغيره.

قال شيخ الإسلام [30]: وروى الشيخ الصالح شيخ العراق في زمنه عند الخاصة والعامة أبو الحسن علي بن عمر القزويني في أماليه عن عبد الله الزهري عن أبيه عن عبد الله بن أحمد عن أبيه عن نوح بن يزيد قال: حدثنا أبو إسحاق - يعني إبراهيم بن سعد - قال: ما رأيت أبي قط يأتي قبر النبي ﷺ وكان يكره إتيانه، قال الشيخ نوح بن يزيد بن يسار المؤدب: هذا الراوي عن إبراهيم بن سعد هو ثقة معروف بصحة إبراهيم وله اختصاص به، روى عنه أحمد بن حنبل [31].

قلت: وروى أبو داود عن محمد بن يحيى الذهلي عنه قال أبو بكر الأثرم: ذكر لي أبو عبد الله نوح بن يزيد المؤدب فقال: هذا شيخ كيس أخرج إلي كتاب إبراهيم بن سعد فرأيت فيه ألفاظا.

قال أبو عبد الله: نوح لم يكن به بأس كان مستثبتا، وقال محمد بن المثنى البزار: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: اكتب عنه فإنه ثقة حج مع إبراهيم بن سعد، وكان يؤدب ولده [32]، وقال محمد بن سعد: [33] كان ثقة فيه عسر، وقال النسائي [34]: ثقة. وذكر ابن حبان في كتاب الثقات [35] قال: وأما إبراهيم بن سعد فإنه من أكابر علماء المدينة وأكثرهم علما وأوثقهم، وكان قد خرج إلى بغداد روى عنه الشافعي وأحمد بن حنبل وطبقتهما [36]، ومن سعة علمه روى عنه الليث بن سعد وهو أقدم وأجل منه.

وأما أبوه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري الذي ذكر عنه ابنه إبراهيم أنه قال: مارأيت أبي قط يأتي قبر النبي ﷺ وكان يكره إتيانه، فهو من أفضل أهل المدينة في زمن التابعين [37] ومن أصلحهم وأعبدهم، وكان قاضي المدينة في زمن التابعين، وقد أدرك بناء الوليد بن عبد الملك للمسجد وإدخال الحجرة فيه، وأدرك ما كان عليه السلف قبل ذلك من الصحابة والتابعين. قال أبو حاتم بن حبان البستي [38]: هو من جلة أهل المدينة وقدماء شيوخهم، كان على القضاء بها، وقد ذكروا أنه رأى عبد الله بن عمر وروى عن عبد الله بن جعفر، وقد خرج من المدينة غير مرة، تارة إلى الحج، وتارة كان قد استعمل على الصدقات، ومرة خرج على العراق، وروى عنه سفيان الثوري وشعبة والعراقيون، وقد أدرك بالمدينة جابر بن عبد الله وسهل بن سعد وغيرهما من الصحابة، ورأى أكابر التابعين مثل سعيد بن المسيب وسائر الفقهاء السبعة وغيرهم، ومعلوم أنه لم يكن ليخالفهم فيما اتفقوا عليه، بل قد يخالف ابن عمر فإن ما نقله عنه ابنه يقتضي أنه لا يأتيه لا عند السفر ولا غيره بل يكره إتيانه مطلقا، كما كان جمهور الصحابة على ذلك لما فهموا من نهيه عن ذلك وأنه أمر بالصلاة عليه والسلام في كل زمان ومكان، وقال: « لا تتخذوا قبري عيدا » وقال: « اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد » كما قد بين هذا في مواضع والله أعلم.

قال المعترض

وقال عبد الرزاق في مصنفه: [39] باب السلام على قبر النبي ﷺ، وروى فيه آثار منها بإسناد صحيح أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: « السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه ».

هكذا ذكره المعترض من مصنف عبد الرزاق، ولم يذكر في آخره ما رواه عبد الرزاق بن محمد عن عبيد الله بن عمر أنه قال: ما نعلم أحدا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر، ولو ذكر قول عبيد الله عقيب ذكر ما روى عن ابن عمر في ذلك، كما فعله عبد الرزاق، لكان أحسن وأتم فائدة، ولكن المعنى الذي ترك ذكره لأجله مفهوم. وعبيد الله بن عمر هو العمري الكبير، وكان من سادات أهل المدينة وأشراف قريش فضلا وعلما وعبادة وشرفا وحفظا وإتقانا، وكان في زمن التابعين. وروى عن خلق منهم كسالم بن عبد الله بن عمر والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ونافع مولى ابن عمر وسعيد المقبري وثابت البناني وعبد الله بن دينار وعطاء بن أبي رباح ومحمد بن المنكدر وأبي الزبير المكي ووهب بن كيسان وأبي حازم سلمة بن دينار الأعرج وعمرو بن دينار والزهري وغيرهم. وروى عنه مثل سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وابن جريح وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك والليث بن سعد ومعمر بن راشد وزائدة بن قدامة وعبد الله بن إدريس وعيسى بن يونس وفضيل بن عياض ويحيى بن سعيد القطان، وأشباههم وأمثالهم من الأئمة الأعلام.

وقد قال جعفر بن محمد بن أبي عثمان الطيالسي [40]: سمعت يحيى بن معين يقول: عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة الذهب المشبك بالدر، فقلت له هو أحب إليك أو الزهري عن عروة عن عائشة؟ فقال: هو أحب إلي.

وقال أبو حاتم [41]: سألت أحمد بن حنبل عن مالك وعبيد الله بن عمر وأيوب أيهم أثبت في نافع؟ فقال: عبد الله أثبتهم وأحفظهم وأكثرهم رواية، وقال علي بن الحسن الهسنجاني: سمعت أحمد بن صالح يقول: عبيد الله بن عمر أحب إلي من مالك في حديث نافع.

وقال قطن بن إبراهيم النيسابوري عن الحسين بن الوليد النيسابوري: كنا عند مالك بن أنس فقال: كنا عند الزهري ومعنا عبيد الله بن عمر ومحمد بن إسحاق، فأخذ الكتاب محمد بن إسحاق فقرأ فقال: انتسب، فقال: أنا محمد بن إسحاق بن يسار، فقال: ضع الكتاب في يدك، قال فأخذه مالك، فقال: انتسب؟ فقال: أنا مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، فقال: ضع الكتاب من يدك، قال: فأخذ عبيد الله بن عمر الكتاب، فقال: انتسب، فقال: أنا عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، فقال له، اقرأ. فجميع ما سمع أهل المدينة يومئذ قراءة عبيد الله بن عمر.

وروى عن سفيان بن عيينة قال: قدم علينا عبيد الله بن عمر الكوفة فاجتمعوا عليه فقال: شئتم العلم وأذهبتم نوره، لو أدركنا عمر وإياكم أوجعنا وإياكم ضربا. وقال أبو حاتم بن حبان البستي [42]: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عثمان من أشراف قريش وأفاضل أهل المدينة ومتقنيهم، مات سنة أربع أو خمس وأربعين ومائة.

فقد تبين أن عبيد الله بن عمر كان من كبار علماء أهل المدينة وقد أخذ العلم عن خلق من التابعين وأتباعهم وقد أدرك جماعة من كبار التابعين وأدرك ما كان عليه السلف، وهو من أقارب عبد الله بن عمر، وقد قال فيما فعله ابن عمر: ما نعلم أحدا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر، فلو كان ما فعله ابن عمر مأثورا عن غيره أو منقولا عن أحد من الصحابة والتابعين لم يخف على عبيد الله بن عمر وغيره من العلماء أهل المدينة الذين هم أعلم الناس بهذا الشأن والله أعلم.

قال المعترض

وروى عبد الرزاق في هذا الباب أيضا أن سعيد بن المسيب رأى قوما يسلمون على النبي ﷺ، فقال: ما مكث نبي في الأرض أكثر من أربعين يوما، ثم روى عبد الرزاق فيه قوله: « مررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم يصلي في قبره » كأنه قصد بذلك رد ما روي عن سعيد بن المسيب، وهو رد صحيح، وما ورد عن ابن المسيب ورد فيه حديث نذكره في باب حياة الأنبياء، وقد روي عثمان بن عفان أنه لما حصر أشار بعض الصحابة عليه بأن يلحق بالشام فقال: لن أفارق دار هجرتي، ومجاورة رسول الله ﷺ، وهو مخالف لما قال ابن المسيب وهو الصحيح وكذلك ما ذكرناه عن ابن عمر. ثم لو صح قول ابن المسيب لم يمنع من استحباب زيارة القبر لشرفه بحلوله فيه ونسبته إليه كما قال الشاعر:

أمر على الديار ديار ليلى ** أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي ** ولكن حب من سكن الديارا

قلت

هذا الذي رواه عبد الرزاق عن ابن المسيب لم يتابع عليه ابن المسيب، بل في صحته عنه نظر، وما بناه المعترض عليه على تقدير صحته عنه، ليس بمقبول منه، بل هو بناء ضعيف على ضعيف، ولم يذكر البيهقي في الجزء الذي جمعه في حياة الأنبياء بعد وفاتهم قول ابن المسيب هذا، وإنما روى بإسناد ضعيف غير ثابت عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: « إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكنهم يصلون بين يدي الله عز وجل حتى ينفخ في الصور »، وسنذكر علة هذا الحديث وسبب ضعفه فيما بعد إن شاء الله تعالى. وقد روى نحو هذا الحديث من وجه آخر بزيادة يختلف بها المعنى:

قال أبو حاتم بن حبان البستي في كتاب المجروحين [43]: أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا هشام بن خالد الأزرق، حدثنا الحسن بن يحيى الخشني، عن سعيد بن عبد العزيز، عن يزيد بن أبي مالك، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: « ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحا حتى ترد إليه روحه ».

هكذا رواه بهذه الزيادة، وقال هذا خبر باطل موضوع، والحسن بن يحيى الخشني منكر الحديث جدا؛ يروي عن الثقات ما لا أصل له، وعن المتقنين ما لا يتابع عليه، وقال النسائي [44]: الحسن بن يحيى الخشني ليس بثقة، وقال الدارقطني [45]: متروك، وقال عبد الغني بن سعيد المصري [46]: ليس بشيء، وذكر أبو الحسن بن الزاغوني في بعض كتبه حديثا متنه: « إن الله لا يترك نبيا في قبره أكثر من نصف يوم ». وحكى عن بعضهم أنه قال: أراد به نصف يوم من أيام الدنيا، ثم يعيد أرواحهم إلى أجسادهم فيكونون أحياء في قبورهم، وعن بعضهم أن المراد به نصف يوم من أيام الآخرة، وهذا الحديث الذي ذكره الزاغوني حديث منكر غير صحيح، وسنذكر ما ورد في هذا الباب، والكلام عليه فيما بعد إن شاء الله تعالى.

وسعيد بن المسيب رضي الله عنه، وإن كان من سادات التابعين علما وعملا وزهدا وورعا، فهذا الذي رواه عبد الرزاق عنه لا يعرف عن غيره من الصحابة والتابعين وأتباعهم، وعبد الرزاق يرويه عن الثوري عن أبي المقدام عنه، ولم يذكر الثوري السماع في روايته، وأبو المقدام هو ثابت بن هرمز [47] الكوفي الحداد والد عمرو بن أبي المقدام، وهو شيخ صالح لكن ما تفرد به ولم يتابعه غيره عليه لا ينبغي أن يقبل منه، والله أعلم.

قال المعترض

فإن قلت: قد كره مالك رحمه الله تعالى أن يقال: زرنا قبر النبي ﷺ، قلت: قال القاضي عياض، وقد اختلف في معنى ذلك فقيل كراهية الاسم لما ورد من قوله ﷺ « لعن الله زوارات القبور »، وهذا يرده قوله « كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزروها » وقوله: « من زار قبري » فقد أطلق اسم الزيارة وقيل: لأن ذلك لما قيل: إن الزائر أفضل من المزور، وهذا أيضا ليس بشيء إذ ليس كل زائر بهذه الصفة وليس عموما. وقد ورد في حديث أهل الجنة زيارتهم لربهم ولم يمنع هذا اللفظ في حقه، والأولى عندي أن منعه وكراهة مالك له لإضافته إلى قبر النبي ﷺ وأنه لو قال: زرنا النبي ﷺ لم يكرهه لقوله ﷺ: « اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبيه بفعل أولئك قطعا للذريعة وحسما للباب والله أعلم.

قال المعترض: هذا كلام القاضي وما اختاره يشكل عليه قوله: « من زار قبري » فقد أضاف الزيارة إلى القبر إلا أن يكون هذا الحديث لم يبلغ مالكا فحينئذ يحسن ما قاله القاضي في الاعتذار عنه، لا في إثبات هذا الحكم في نفس الأمر، ولعله يقول: إن ذلك من قول النبي ﷺ لا محذور فيه، والمحذور إنما هو في يقول غيره.

قلت

هذا الإشكال الذي ذكره المعترض على كلام القاضي ليس بشيء، وما ذكره من الخبر الذي فيه إضافة الزيارة إلى قبره ليس بثابت عند مالك ولا في نفس الأمر، بل هو حديث ضعيف غير ثابت عن أهل العلم بالحديث، كما قد بينا ذلك فيما تقدم، ولو كان ثابتا لم يحسن من عالم أن يفرق في إطلاق لفظه بين كونه من قول النبي ﷺ أو من قول غيره كما ذكره.

ثم قال: وقد قال عبد الحق الصقلي عن أبي عمران المالكي أنه قال: إنما كره مالك أن يقال: زرنا قبر النبي ﷺ لأن الزيارة من شاء فعلها، ومن شاء تركها وزيارة قبره ﷺ واجبة. قال عبد الحق: يعني من السنن الواجبة ينبغي أن لا تذكر الزيارة فيه كما تذكر في زيارة الأحياء الذين من شاء زارهم ومن شاء ترك، والنبي ﷺ أشرف وأعلى من أن يسمى أنه يزار.

قال المعترض: وهذا الجواب بينه وبين جواب القاضي بون في شيئين: أحدهما أنه يقتضي تأكيد نسبة معنى الزيارة إلى القبر، وأنه يجتنب لفظها، وجواب القاضي يقتضي عدم نسبتها إلى القبر. والثاني أنه يقتضي التسوية في كراهية اللفظ بين قوله زرت القبر وقوله وزرت النبي ﷺ وجواب القاضي يقتضي الفرق بينهما.

قلت: هذا الذي قال أبو عمران المالكي لم يتابع عليه، بل هو متضمن للغلو والكلام بغير حجة، ولم يذهب أحد من أهل العلم المتقدمين منهم والمتأخرين إلى القول بوجوب الزيارة، وإنما كره مالك والله أعلم إطلاق هذا اللفظ لأنه لم يثبت عنده فيه حديث ولم يصح فيه عنده خبر بخصوص، وقد ذكرنا الأحاديث المروية في ذلك وبينا عللها وسبب ضعفها وعدم ثبوتها، ولأن هذا اللفظ قد صار يستعمل في عرف كثير من الناس في الزيارة الشرعية، ولأن زيارة قبره لا يتمكن منها أحد كما يتمكن من الزيارة المعروفة عند قبر غيره.

قال الشيخ رحمه الله تعالى في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم [48] بعد أن ذكر قول مالك وما تأوله القاضي عياض به: قلت: غلب في عرف كثير من الناس استعمال لفظ زرنا في زيارة قبور الأنبياء والصالحين على استعمال لفظ زيارة القبور في الزيارة البدعية الشركية، لا في الزيارة الشرعية، ولم يثبت عن النبي ﷺ حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روى أحد في ذلك شيئا لا أهل الصحاح ولا أهل السنن ولا الأئمة المصنفون في المسند كالإمام أحمد وغيره. وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره، وأجل حديث روي في ذلك حديث رواه الدارقطني [49] وهو ضعيف باتفاق أهل العلم، بل الأحاديث المروية في زيارة قبره كقوله « من زارني وزار أبي إبراهيم الخليل في عام واحد ضمنت له على الله الجنة » و « من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي، ومن حج ولم يزرني فقد جفاني » [50] ونحو هذه الأحاديث كلها مكذوبة وموضوعة، ولكن النبي ﷺ رخص في زيارة القبور مطلقا بعد أن كان قد نهى عنها، كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها » وفي الصحيح عنه أنه قال: « استأذنت ربي في أن استغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة » فهذه زيارة لأجل تذكرة الآخرة. ولهذا تجوز زيارة قبر الكافر لأجل ذلك، وكان النبي ﷺ يخرج إلى البقيع فيسلم على موتى المسلمين ويدعو لهم، فهذه زيارة مختصة بالمسلمين، كما أن الصلاة على الجنازة تختص بالمؤمنين.

وقال أيضا في أثناء كلامه في بعض مصنفاته المتأخرة [51]: وذلك أن لفظ زيارة قبره ليس المراد بها نظير المراد بزيارة قبر غيره، فإن قبر غيره يوصل إليه ويجلس عنده ويتمكن الزائر مما يفعله الزائرون للقبور عندها من سنة ويدعة. وأما هو ﷺ فلا سبيل لأحد أن يصل إلا إلى مسجده لا يدخل أحد بيته ولا يصل إلى قبره، بل دفنوه في بيته بخلاف غيره، فإنهم دفنوه في الصحراء، كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال في مرض موته: « لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » [52] يحذر ما فعلوا - قالت عائشة - ولولا ذلك لأبرز قبره لكن كره أن يتخذ مسجدا. فدفن في بيته لئلا يتخذ قبره مسجدا ولا وثنا ولا عيدا، فإن في سنن أبي داود من حديث أحمد بن صالح عن عبد الله بن نافع أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي صالح عن عبد الله بن نافع أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: « لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ».

وفي الموطأ وغيره عنه أنه قال: « اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ».

وفي صحيح مسلم عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس: « إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك »

فلما لعن من يتخذ القبور مساجد تحذيرا لأمته من ذلك ونهاهم أن يتخذوا قبره عيدا دفن في حجرته لئلا يتمكن أحد من ذلك، وكانت عائشة ساكنة فيها فلم يكن في حياتها يدخل أحد لذلك، إنما يدخلون إليها هي، ولما توفيت لم يبق بها أحد، ثم لم أدخلت في المسجد سدت وبني الجدار البراني عليها، فما بقي أحد يتمكن من زيارة قبره كالزيارة المعروفة عند قبر غيره، سواء كان سنية أو بدعية، بل إنما يصل الناس إلى مسجده. ولم يكن السلف يطلقون على هذا زيارة لقبره، ولا يعرف عن أحد من الصحابة لفظ زيارة قبر البتة ولم يتكلموا بذلك، وكذلك عامة التابعين لا يعرف هذا في كلامهم فإن هذا المعنى ممتنع عندهم فلا يعبر عن وجوده، وهو قد نهى عن اتخاذ بيته وقبره عيدا، وسأل الله أن لا يجعله وثنا، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد بيته وقبره عيدا، وسأل الله أن لا يجعله وثنا، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد، فقال: « اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد »، ولهذا كره مالك وغيره أن يقال: زرنا قبر النبي ﷺ ولو كان السلف ينطقون بهذا لم يكرهه مالك، وقد باشر التابعين بالمدينة، وهم أعلم الناس بمثل ذلك. ولو كان في هذا حديث معروف عن النبي ﷺ لعرفه هؤلاء، ولم يكره مالك وأمثاله من علماء المدينة الإخبار بلفظ تكلم به النبي ﷺ، فقد كان رضي الله عنه يتحرى ألفاظ الرسول في الحديث فكيف يكره النطق بلفظه؟ ولكن طائفة من العلماء سموا هذا زيارة لقبره وهم لا يخالفون مالكا ومن معه في المعنى، بل الذي يستحبه أولئك من الصلاة والسلام وطلب الوسيلة ونحو ذلك في مسجده يستحبه هؤلاء، لكن هؤلاء سموا هذه زيارة لقبره وأولئك كرهوا أن يسموا هذه زيارة، وقد ذكرنا كلام الشيخ هذا وأمثاله في هذا المعنى فيما تقدم، والله أعلم.

قال المعترض

وقد قال أبو الوليد محمد بن رشد في البيان والتحصيل قال مالك: أكره أن يقال الزيارة لزيارة البيت الحرام، وأكره ما يقول الناس زرت النبي، وأعظم ذلك أن يكون ﷺ يزار. قال محمد بن رشد: ما كره مالك هذا والله أعلم إلا من جهة أن كلمة أعلى من كلمة، فلما كانت الزيارة تستعمل في الموتى، وقد وقع فيها من الكراهة ما وقع كره أن يذكر مثل هذه العبارة في النبي ﷺ، كما كره أن يقال أيام التشريق واستحب أن يقال الأيام المعدودات كما قال الله تعالى، وكما كره أن يقال العتمة ويقال العشاء الآخرة ونحو هذا، وكذلك طواف الزيارة كأنه استحب أن يسمى بالإفاضة، كما قال الله تعالى في كتابه { فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا } فاستحب أن يشتق له الاسم من هذا. وقيل إنه كره لفظ الزيارة في الطواف بالبيت والمضي إلى قبر النبي ﷺ، لأن المضي إلى قبره عليه السلام ليس ليصله بذلك ولا لينفعه، وكذلك الطواف بالبيت، وإنما يفعل تأدية لما يلزمه من فعله ورغبة في الثواب على ذلك من عند الله عز وجل، وبالله التوفيق، انتهى كلامه ابن رشد.

وقد وقع منه كراهة مالك قول الناس زرت النبي ﷺ، وهو يرد ما قاله القاضي عياض. فأما كراهة إسناده الزيارة إلى القبر، فيحتمل أن يكون العلة فيه ما قاله القاضي عياض، ويحتمل أن يكون العلة ما قاله أبو عمران وابن رشد، وأما إضافة الزيارة إلى النبي ﷺ إن ثبت ذلك عن مالك فيتعين أن يكون العلة فيه ما قاله أبو عمران وابن رشد. والمختار في تأويل كلام مالك رحمه الله ما قاله ابن رشد دون ما قاله القاضي عياض، لأن ابن المواز حكى في كتابه الحج في باب ما جاء في الوداع: قال أشهب: قيل لمالك فيمن قدم معتمرا ثم أراد أن يخرج إلى رباط أعليه أن يودع؟ قال: هو من ذلك في سعة، ثم قال: إنه لا يعجبني أن يقول أحد الوداع، وليس هو من الصواب، إنما هو الطواف، قال تعالى: { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } قال: وأكره ما يقال الزيارة، وأكره ما يقول الناس زرت النبي ﷺ، وأعظم ذلك أن يكون النبي ﷺ يزار. وقال مالك في وداع البيت: ما يعرف في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ الوداع، إنما هو الطواف بالبيت، قلت لمالك: أفترى هذا الطواف الذي يودع به أهو الالتزام؟ قال: بل الطواف، وإنما قال فيه آخر النسك الطواف بالبيت. قيل لمالك: الذي يلتزم أترى له أن يتعلق بأستار الكعبة عند الوداع؟ قال: لا ولكن يقف ويدعو، قيل له: وكذلك عند قبر النبي ﷺ؟ قال: نعم. انتهى ما أردت نقله من المؤازنة، وهي من أجل كتب المالكية القديمة المعتمد عليها. وسياقه حكاية أشهب عن مالك ترشد إلى المراد، وأن مالكا رحمه الله إنما كره اللفظ كما كره في طواف الوداع، أفترى يتوهم مسلم، أو عاقل أن مالكا كره طواف الوداع. وانظر في آخر كلام مالك كيف اقتضى أنه يقف ويدعو عند قبر النبي ﷺ كما يقف ويدعو عند الكعبة في طواف الوداع، فأي دليل أبين من هذا في أن إتيان قبر النبي ﷺ والوقوف والدعاء عنده من الأمور المعلومة التي نزل قبل مالك وبعده، لو عرف مالك رحمه الله أن أحدا يتوهم عليه ذلك من هذا اللفظ لما نطق به، ولا لوم على مالك، فإن لفظه لا إيهام فيه وإنما يلتبس على جاهل أو متجاهل. والمختار عندنا أنه لا يكره إطلاق هذا اللفظ أيضا، لقوله: من زار قبري وقد تقدم الاعتذار عن مالك فيه، ولا يرد عليه قوله، زوروا القبور، لأن زيارة قبور غير الأنبياء لينفعهم ويصلهم بها وبالدعاء والاستغفار، ولهذا قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عمر المالكي المعروف بالشارمساحي في كتاب تلخيص محصول المدونة من الأحكام الملقب بنظم الدر في كتاب الجامع في الباب الحادي عشر في السفر: إن قصد الانتفاع بالميت بدعة إلا في زيارة قبر المصطفى ﷺ وقبور المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين.

وهذا الذي ذكره في الانتفاع بقبور المرسلين صحيح، وكذلك سائر الأنبياء وأما ما ذكره في غير الأنبياء فستكلم عليه إن شاء الله تعالى في زيارة قبور غير الأنبياء.

وأما زيارة أهل الجنة لله تعالى، فإن صح الحديث فيها فلا يرد على شيء من المعاني التي قالها عبد الحق وابن رشد، لأنها ليست واجبة، فإن الآخرة ليست دار تكليف، وقد انقطع الالحاق بزيارة الموتى في توهم الكراهة.

فقد بان لك بهذا وجه كلام مالك رحمه الله وإنه على جواب القاضي عياض، إنما كره زيارة القبر لا زيارة النبي ﷺ، وعلى جواب غيره إنما كره اللفظ فيها دون المعنى، وكذلك أكثر ما حكيناه من كلام أصحابه أتوا فيه بمعنى الزيارة دون لفظها، فمن نقل عن مالك أن الحضور عند قبر النبي ﷺ لزيارة المصطفى والسلام عليه والدعاء عنده ليس بقربة فقد كذب عليه، ومن فهم عنه ذلك فقد أخطأ في فهمه وضل، وحاشى مالكا وسائر علماء الإسلام، بل وعوامهم، ممن وقر الإيمان في قلبه.

انتهى ما ذكره المعترض من النقل والتصرف فيه، ولا يخفى ما في كلامه وتصرفه في كلام غيره من الخطأ والتلبيس والقصور في الفهم والتقصير في النظر كفهمه من كلام العلماء ما لم يريدوه ومخالفته لهم فيما قصدوه وإلزامه لهم ما لم يعتقدوه وحكمه عليهم بالظن الكاذب، وقد قال النبي ﷺ « إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث » [53]، بل دأب هذا المعترض التمسك بالأمور المتشابهة الخفية والإعراض عن الأشياء المحكمة الواضحة، كما عادته الاعتماد على حديث ضعيف أو مكذوب أو خبر متشابه لا يدل على المطلوب. وليس هذا طريق العلماء القاصدين لإيضاع الدين وإرشاد المسلمين. نعوذ بالله من أتباع الهوى.

ولا ريب أن زيارة القبور منقسمة، فمنها شرعي ومنها بدعي، ولم ينقل أحد من العلماء لا شيخ الإسلام ولا غيره عن مالك أنه كره معنى الزيارة الشرعية لا لقبر النبي ﷺ ولا غيره من القبور. وإنما الذي نقل عنه أشياء منها كراهية قول القائل: زرنا قبر النبي ﷺ وإنما كره ذلك لشدة تمسكه بالأحاديث والآثار، فإنه لم يكن عنده في إطلاق حديث صحيح ولا أثر ثابت ولا له فيه سلف ولا غير ذلك من المعاني التي سبق ذكرها.

وأما قول المعترض: « والمختار عندنا أنه لا يكره إطلاق هذا اللفظ لقوله من زار قبري، وقد تقدم الاعتذار عن مالك فيه » فجواب قوله عندنا معروف، وأما دليله الذي ذكره وهو غاية عمدته فقد بين ضعفه ووهاءه، وعدم صحته فيما تقدم بالأدلة الواضحة والحجيج البينة.

وأما اعتذاره عن مالك فتركه أولى من ذكره، ومن الأمور المنقولة عن مالك ما تقدم ذكره غير مرة، وهو ما ذكره القاضي عياض في الشفاء قال: وقال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضي. فلأي معنى أعرض المعترض عن هذا النقل الصحيح الواضح عن إمام دار الهجرة، وتعلق بلفظ متشابه مذكور في الموازنة قائلا بعد حكايته: وانظر في آخر كلام مالك كيف يقتضي أنه يقف ويدعو عند قبر النبي ﷺ كما يقف ويدعو عند الكعبة في طواف الوداع، فأي دليل أبين من هذا في أن إتيان قبر النبي ﷺ والوقوف والدعاء عنده من الأمور المعلومة التي لم تزل قبل مالك وبعده.

فانظر أيها المنصف في قول هذا المعترض ودعواه ما لم يكن وإلزامه قول مالك ما لم يلزمه وإضافته إليه ما لم يقله بل كرهه ونهى عنه، وليس ذلك ببدع من صنعه، فإني سمعته يقول بحضرة بعض ولاة الأمر في شيء ثبت وصح عن مالك: هذا كذب على مالك. وسنذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى ونبين خطأه في قوله: « إنه كذب » هذا مع تصحيحه الحكاية المتقدمة عن مالك وهي باطلة عنه كما بينا ذلك، وهذا دأبه يصحح الضعيف، ويضعف الصحيح بلا حجة، ومن الأشياء المأثورة عن مالك ما تقدم ذكره مرارا وذكره القاضي عياض أيضا فقال: وقال مالك في المبسوط: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء. وقال فيه أيضا: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر، فقيل له إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة، وفي الأيام المرة والمرتين، أو أكثر عنده فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده.

فانظر إلى قول مالك رحمه الله "لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا" ومخالفته لقول المعترض، فأي دليل أبين من هذا في إتيان قبر النبي ﷺ والوقوف والدعاء عنده من الأمور المعلومة التي لم تزل قبل مالك وبعده. فهذا المعترض يزعم أن قول مالك يقتضي أن هذا الأمر من الأمور المعلومة التي لم تزل قبل مالك وبعده، ومالك يقول لم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك.

فأي حجة أوضح من هذه وأي دليل أبين من هذا في إبطال قول المعترض ودعواه والتزامه أقوال الأئمة نقيض مرادهم، وما أحسن قول مالك رضي الله عنه: « ولا يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها »، وأما قوله: ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده، فهذا إنما ذهب إليه اتباعا لابن عمر، فإنه قد صح عنه إنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول، السلام يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه، ثم ينصرف. وقد قال عبيد الله بن عمر العمري: ما نعلم أحدا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر. فهذا قاله عبيد الله فيما كان ابن عمر يفعله من السلام إذا قدم من سفر، وأما هذا الذي زعم المعترض أنه من الأمور المعلومة التي لم نزل قبل مالك وبعده فإنه لم ينقل عن أحد من السلف لا من الصحابة رضي الله عنهم ولا من التابعين لهم بإحسان، بل نحن نطالب هذا المعترض بالنقل، فنقول له: من روى هذا من الأئمة وأين إسناده وفي أي كتاب هو، وعمن تأثره من الصحابة والتابعين، وهل وقفت عليه في ديوان أو أنت تقوله برأيك وتلزمه بكلام من لم يلزمه.

وما أحسن قول سفيان الثوري: الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن له سلاح فبأي شيء يقاتل. وقول عبد الله بن المبارك، الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. ولكن إذا قيل من حدثك نفى.

وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم في أثناء كلامه، وأما ما ذكر في المناسك أنه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره، وذلك بعد تحيته والصلاة والسلام، وثم يدعو لنفسه.

وذكروا أنه إذا حياه وصلى عليه يستقبله بوجهه بأبي هو وأمي ﷺ، فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة ودعا، وهذا مراعاة منهم، لذلك فإن الدعاء عند القبر لا يكره مطلقا بل، يؤمر به للميت، كما جاءت به السنة فيما تقدم ضمنا وتبعا، وإنما المكروه أن يتحرى المجيء للقبر للدعاء عنده.

وكذلك ذكر أصحاب مالك قالوا: يدنوا من القبر فيسلم على النبي ﷺ، ثم يدعو مستقبل القبلة يوليه ظهره، وقيل لا يوليه ظهره، فإنما اختلفوا لما فيه من استدباره، فأما إذا جعل الحجرة عن يساره فقد زال المحذور بلا خوف، وصار في الروضة أو أمامها.

ولعل هذا الذي ذكره الأئمة أخذوه من كراهة الصلاة إلى القبر، فإن ذلك قد ثبت النهي فيه عن النبي ﷺ كما تقدم [54]، فلما نهى أن يتخذ القبر مسجدا أو قبلة أمروا بأن لا يتحرى الدعاء إليه كما لا يصلي إليه، ولهذا والله أعلم حرفت الحجرة وثلثت لما بنيت فلم يجعل حائطها الشمالي على سمت القبلة ولا جعل مسطحها، وكذلك قصدوا قبل أن تدخل الحجرة في المسجد. فروى ابن بطة بإسناد معروف عن هشام بن عروة، حدثني أبي قال: كان الناس يصلون إلى القبر، فأمر عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصلي إليه الناس، فلما هدم بدت قدم بساق وركبة قال: ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز فأتاه عروة فقال: هذه ساق عمر بن الخطاب رضي الله عه وركبته، فسرى عن عمر بن عبد العزيز. وهذا أصل مستمر فإنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه. ألا ترى أن الرجل [55] لما نهى عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها فإنه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء، ومن الناس من يتحرى وقت دعائه واستقبال الجهة التي يكون فيها الرجل الصالح سواء كانت المشرق أو غيره، وهذا ضلال بين وشرك واضح، وكما أن بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها الصالحون وهو يستدبر الجهة التي فيها بيت الله وقبر رسوله، وكل هذه الأشياء من البدع التي تضارع دين النصارى.

ومما يبين لك ذلك أن في [56] السلام على النبي ﷺ قد راعوا فيه السنة حتى لا يخرج إلى الوجه المكروه الذي قد يجر إلى إطراء النصارى عملا بقوله ﷺ: « لا تتخذوا قبري عيدا » وبقوله: « لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله » وكان بعضهم يسأل عن السلام على القبر خشية أن يكون من هذا الباب حتى قيل له: إن ابن عمر كان يفعل ذلك. ولهذا كره مالك رضي الله عنه وغيره من أهل العلم لأهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد أن يجيء فيسلم على قبر النبي ﷺ وصاحبه. قال: وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر أو أراد سفرً أو نحو ذلك، ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها، وأما قصده دائما للصلاة والسلام فما علمت أحدا رخص فيه، لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدا، مع أنا قد شرع لنا إذا دخلنا المسجد أن نقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته [57]، كما نقول ذلك في آخر صلاتنا، بل قد استحب ذلك لكل من دخل مكانا ليس فيه أحد أن يسلم على النبي ﷺ فيسلم لما تقدم من أن السلام عليه يبلغه في كل موضع، فخاف مالك وغيره أن يكون فعل ذلك عند القبر كل ساعة نوعا من اتخاذ القبر عيدا.

وأيضا فإن ذلك بدعة فقد كان المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم يجيئون إلى المسجد كل يوم خمس مرات يصلون، ولم يكونوا يأتون مع ذلك إلى القبر يسلمون عليه لعلمهم رضي الله عنهم بما كان النبي ﷺ يكرهه من ذلك وما نهاهم عنه وأنهم يسلمون عليه حين دخول المسجد والخروج منه وفي التشهد كما كانوا يسلمون عليه كذلك في حياته، والمأثور عن ابن عمر يدل على ذلك.

وقال سعيد في سننه: حدثنا عبد الرحمن بن زيد [58]، حدثني أبي عن ابن عمر أنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فسلم وصلى عليه، وقال: السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. وعبد الرحمن بن زيد وإن كان يضعف، لكن الحديث المتقدم عن نافع الصحيح يدل على أن ابن عمر ما كان يفعل ذلك دائما ولا غالبا، وما أحسن ما قال مالك: « لن يصلح هذه الأمة إلا ما أصلح أولها » ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوا من البدع والشرك وغيره انتهى ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.

ومن الأشياء المنقولة عن مالك ما ذكره إسماعيل بن إسحاق القاضي، وهو من أجل علماء المسلمين في كتابه المبسوط لما ذكر قول محمد بن مسلمة إن من نذر أن يأتي مسجد قباء فعليه أن يأتيه، قال: إنما هذا فيمن كان من أهل المدينة وقربها ممن لا يعمل المطي إلى مسجد قباء، لأن إعمال المطي اسم للسفر، ولا يسافر إلا إلى المساجد الثلاثة على ما جاء عن النبي في نذر ولا غيره، قال وقد روي عن مالك أنه سئل عمن نذر أن يأتي قبر النبي ﷺ فقال: إن كان أراد المسجد فليأته وليصل فيه، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل للحديث الذي جاء: « ولا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد » الحديث.

وهذا الذي نقله في المبسوط عن مالك لا يعرف عن أحد من الأئمة الثلاثة خلافه، ولم يذكره المعترض في موضع من كتابه، فإما أنه لم يقف عليه، وإما أنه وقف عليه وتركه عمدا.

وقد سمعت أخا شيخ الإسلام يذكر هذا النقص الذي حكاه القاضي إسماعيل في المبسوط عن مالك لهذا المعترض بحضرة بعض ولاة الأمر، فغضب المعترض غضبا شديدا، ولم يجبه بأكثر من قوله: هذا كذب على مالك. فانظر إلى جراءة هذا المعترض وإقدامه على تكذيب ما لم يحط بعلمه بغير برهان ولا حجة بمجرد الهوى والتخرص، وليس هذا ببدع منه، فإنه قد عرف منه مثل ذلك في غير موضع، وهو من أشد الناس مخالفة لمالك في هذه المواضع التي لا يعرف لأحد من كبار الأئمة أنه خالف مالكا فيها، بل قد حمله فرط غلوه ومتابعته هواه على نسبة أمور عظيمة لا أحب ذكرها إلى من قال بقول مالك في هذه المواضع التي لا يعرف عن إمام متبوع مخالفته فيها. نعوذ بالله من الخذلان.

ومن العجب أن هذا المعترض صحح الحكاية المنقولة عن مالك مع أبي جعفر المنصور، لأن فيها ما يتابع هواه مع أنها غير صحيحة بل هي باطلة موضوعة، وكذب هذا النقل الثابت الذي ذكره القاضي إسماعيل في المبسوط لشدة مخالفته لهواه وما ذهب إليه، وأعرض عما ذكره أيضا في المبسوط من قول مالك: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضي، لأنه مخالف لهواه، وتمسك بما تقدم ذكره في الموازنة [59] لمتابعته هواء في ظنه، وهكذا عادته ودأبه يكذب النصوص الثابتة أو يعرض عنها ويقبل الأشياء الواهية التي لم تثبت والأمور المجملة الخفية ويتمسك بها بكلتا يديه، وليس هذا شأن من يقصد الحق وإيضاح الدين للخلق. نسأل الله التوفيق.

وأما ما ذكره عن أبي محمد الشارمساحي المالكي من قوله "إن قصد الانتفاع بالميت بدعة إلا في زيارة قبر المصطفى وقبور المرسلين"، فهذا القول يحتاج إلى نظر كما سنذكر، وقد وافق المعترض الشارمساحي المالكي في الجملة الثانية، وأما في الأولى فقال: وهذا الذي ذكره في الانتفاع بقبور المرسلين صحيح، وكذلك سائر الأنبياء، وأما ما ذكره في غير الأنبياء، فسأتكلم عليه إن شاء الله تعالى في زيارة قبور غير الأنبياء.

ثم قال في موضع آخر: وهذا الذي استثناه من قبور الأنبياء والمرسلين صحيح، وأما حكمه في غيرهم بالبدعة ففيه نظر، ولا ضرورة بنا هنا في تحقيق الكلام فيه، هذا هو الذي وعد بذكره، ولم يأت بشيء غير قوله: وأما حكمه في غيرهم بالبدعة ففيه نظر، وكأنه يميل إلى أن قصد الانتفاع بالميت ليس ببدعة مطلقا، ولكنه لم يجسر على التفوه بذلك، مع أنه قد جسر على ما هو أشد من ذلك.

واعلم أن قول الشارمساحي إن قصد الانتفاع بالميت بدعة صحيح، وهو سر الفرق بين الزيارة المشروعة وغيرها، فإن الزيارة التي شرعها الله ورسوله مقصودها نفع الميت والإحسان إليه، وأن يفعل عند قبره من جنس ما يفعل على نعشه من الدعاء والاستغفار له والترحم عليه، فإن عمله قد انقطع وصار محتاجا إلى ما يصل إليه من نفع الأحياء له، ولهذا يقال عند زيارته ما علمه النبي ﷺ لأمته أن يقولوه إذا زاروا القبور ولو كان أهلها سادات أولياء الله وخيار عباده: « السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المتقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم ». فهذا من جنس الدعاء له عند الصلاة عليه، وهذا غير الدعاء به والدعاء عنده، فالمراتب ثلاثة، فالذي شرعه الله عزوجل ورسوله للأمة الدعاء للميت عند الصلاة عليه وعند زيارة قبره، دون الدعاء به والدعاء عنده، وهذه سنته بحمد الله، إليها التحاكم والتخاصم، ولا التفات إلى تحكيم غيرها البتة كائنا ما كان، وأما انتفاع الزائر فليس بالميت، بل بعمله هو وزيارته ودعائه له والترحم عليه والإحسان إليه كما ينتفع المحسن بإحسانه؛ يوضحه أن الميت قد انقطع عمله الذي ينتفع به نفسه ولم يبق عليه منه إلا ما تسبب في حياته في شيء يبقى نفعه كالصدقة وتعليم العلم النافع ودعاء الولد الصالح، فكيف يبقى نفعه للحي وهو عمل يعمله له، وهل هذا إلا باطل شرعا وقدرا، ومن جعل زيارة الميت من جنس زيارة الفقير للغني لينال من بره وإحسانه فقد أتى بما هو أعظم الباطل المتضمن لقلب الحقيقة والشريعة، ولو كان ذلك مقصود الزيارة لشرع من دعاء الميت والتضرع إليه وسؤال ما يناسب هذا المطلوب، ولكن هذا يناقض ما دعا إليه الرسول ﷺ من التوحيد وتجريده مناقضة ظاهرة، ولا ينبغي الاقتصار على ذلك بأنه بدعة، بل فتح لباب الشرك وتوسل إليه بأقرب وسيلة، وهل أصل عبادة الأصنام إلا ذلك كما قال ابن عباس [60] في قوله تعالى: { وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } قال: هؤلاء كانوا قوما صالحين في قومهم، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، فلما طال عليهم الأمد عبدوهم. فهؤلاء لما قصدوا الانتفاع بالموتى قادهم ذلك إلى عبادة الأصنام.

يوضحه أن الذين تكلموا في زيارة الموتى من أهل الشرك صرحوا بأن القصد هو انتفاع الزائر بالمزور، وقالوا من تمام الزيارة أن يعلق همته وروحه بالميت وقبره، فإذا فاض على روح الميت من العلويات الأنوار فاض منها على روح الزائر بواسطة ذلك التعليق والتوجه إلى الميت، كما ينعكس النور على الجسم المقابل للجسم الشفاف بواسطة مقابلته؛ وهذا المعنى بعنيه ذكره عباد الأصنام في زيارة القبور وتلقاه عنهم من تلقه ممن لم يحط علما بالشرك وأسبابه ووسائله.

ومن ههنا يظهر سر مقصود النبي ﷺ بنهيه عن تعظيم القبور واتخاذ المساجد عليها والسرج، ولعنه فاعل ذلك وإخباره بشدة غضب الله عليه ونهيه عن الصلاة إليها ونهيه عن اتخاذ قبره عيدا، وسؤاله ربه تعالى أن لا يجعل قبره وثنا يعبد، فهذا نهيه عن تعظيم القبور، وذلك تعليمه وإرشاده للزائر أن يقصد نفع الميت والدعاء له والإحسان إليه، ولا الدعاء به ولا الدعاء عنده.

وأما استثناؤه قبور المرسلين من ذلك فيقال أولا: قد ذكرنا الدليل على مقصود الشارع من زيارة القبور، وأنها تتضمن نفع المزور وانتفاع الزائر بعمله لا غير، فما الدليل على تخصيص زيارة قبور الأنبياء والمرسلين بأنها شرعت لانتفاع الزائر بهم وتوسله بزيارتهم إلى جلب المنافع له ودفع المضار عنه وجعلهم وسائط بين الزائر وبين الله في النفع والضر، وهل دل على ذلك دليل شرعي أو قاله أحد من سلف الأمة وخيار القرون.

ويقال ثانيا: بل الأدلة الشرعية مصرحة بخلاف ذلك، وإن نفع الأنبياء والرسل لأممهم هو بالهداية والإرشاد والتعليم وما يعين على ذلك، وأما النفع والضر بغير ذلك فقد قال تعالى: { قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا } فإذا كان هذا قوله لهم في حياته فكيف بعد وفاته؟

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } « يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا [61]، يا فاطمة بنت رسول الله سليني ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا » [62].

فدعوى المدعي أن الأنبياء والرسل يملكون لمن زارهم ودعا بهم أو دعاهم وأشرك بهم من الضر والنفع ما لم يملكوه في حياتهم من أبين الباطل المتضمن للكذب على الشرع والقدر.

ويقال ثالثا: دعوى ذلك مناقضة صريحة لما قصده الرسول، فإن هذا يوجب من تعظيم قبورهم وقصد انتيابها في الحاجات والرغبات وجعلها من أجل الأعياد واتخاذ المساجد والسرج عليها ما يكون أدعى إلى هذا المطلوب، وهذا ضد مقصود الرسول من كل وجه ودعاء إلى ما حذر منه وترغيب تام فيما نهى عنه، فليتدبر اللبيب هذا الموضع، فإنه سر الفرق بين التوحيد ووسائله والشرك ووسائله، ومن ظن أن ذلك تعظيم لهم فهو غالط جاهل، فإن تعظيمهم إنما هو بطاعتهم واتباع أمرهم ومحبتهم وإجلالهم، فمن عظمهم بما هو عاص لهم به لم يكن ذلك تعظيما، بل هو ضد التعظيم فإنه متضمن مخالفتهم ومعصيتهم، فلو سجد العبد لهم أو دعاهم من دون الله أو سبحهم أو طاف بقبورهم واتخذ عليها المساجد والسرج أو أثبت لهم خصائص الربوبية ونزهمم عن لوازم العبودية، وادعى أن ذلك تعظيم لهم، كان من أجهل الناس وأضلهم، وهو من جنس تعظيم النصارى للمسيح حتى أخرجوه عن العبودية. وكل من عظم مخلوقا بما يكرهه ذلك المعظم ويبغضه ويمقت فاعله، فلم يعظمه في الحقيقة، بل عامله بضد تعظيمه، فتعظيم الرسول ﷺ أن تطاع أوامره وتصدق أخباره، ولا يقدم على ما جاء به غيره.

فالتعظيم نوعان: أحدهما: ما يحبه المعظم ويرضاه ويأمره ويثني على فاعله، فهذا هو التعظيم في الحقيقة.

والثاني: ما يكره ويبغضه ويذم فاعله، فهذا ليس بتعظيم، بل هو غلو مناف للتعظيم، ولهذا لم يكن الرافضة معظمين لعلي بدعواهم فيه الإلهية والنبوة أو العصمة ونحو ذلك، ولم يكن النصارى معظمين للمسيح بدعواهم فيه ما ادعوا. والنبي ﷺ قد أنكر على من عظمه بما لم يشرعه، فأنكر على معاذ سجوده له، وهو محض التعظيم.

وفي المسند بإسناد صحيح على شرط مسلم عن أنس بن مالك أن رجلا قال: يا محمد، يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا. فقال رسول الله ﷺ: « عليكم بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل » [63]، وقال ﷺ: « لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله » وكان يكره من أصحابه أن يقوموا له إذا رأوه، ونهاهم أن يصلوا خلفه قياما وقال: « إن كنتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم » [64] وكل هذا من التعظيم الذي يبغضه ويكرهه.

ولقد غلا بعض الناس في تعظيم القبور حتى قال: إن البلاء يندفع عن أهل البلد أو الإقليم بمن هو مدفون عندهم من الأنبياء والصالحين.

قال شيخ الإسلام في أثناء كلامه في الجواب الباهر: وأما ما يظنه بعض الناس [65] أنه يدفع البلاء عن أهل بغداد بقبور ثلاثة: أحمد بن حنبل وبشر الحافي ومنصور بن عمار، ويظن بعضهم أنه يندفع البلاء عن أهل الشام بمن عندهم من قبور الأنبياء الخليل وغيره عليهم السلام، وبعضهم يظن أن يندفع البلاء عن أهل مصر بنفيسة أو غيرها، أو يندفع البلاء عن أهل الحجاز بقبر النبي ﷺ وأهل البقيع أو غيرهم، فكل هذا غلط مخالف لدين المسلمين مخالف للكتاب والسنة والإجماع، فالبيت المقدس كان عنده من قبور الأنبياء والصالحين ما شاء الله، فلما عصوا الأنبياء وخالفوا ما أمر الله به ورسله سلط عليهم منن انتقم منهم، والرسل الموتى ما عليهم إلا البلاغ المبين وقد بلغوهم رسالة ربهم. وكذلك نبينا قال الله تعالى في حقه إن عليك إلا البلاغ، وقال: { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } وقد ضمن الله لكل من أطاع الرسول أن يهديه وينصره، فمن خالف أمر الرسول استحق العذاب ولم يغن عنه أحد من الله شيئا كما قال النبي ﷺ: « يا عباس عم رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا » [66] وقال لمن ولاه من أصحابه: « لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك » [67].

وكان أهل المدينة في خلافة أبي بكر وعمر وصدر من خلافة عثمان على أفضل أمور الدنيا والآخرة لتمسكهم بطاعة الرسول ﷺ، ثم تغيروا بعض التغير فقتل عثمان وخرجت الخلافة خلافة النبوة من عندهم وصاروا رعية لغيرهم، ثم تغيروا بعض التغير فجرى علهم عام الحرة من النهب والقتل وغير ذلك من المصائب ما لم يجر عليهم قبل ذلك، والذي فعل بهم ذلك وإن كان ظالما متعديا فليس هو أظلم ممن فعل بالنبي ﷺ وأصحابه ما فعل وقد قال الله تعالى: { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } وقد كان النبي ﷺ والسابقون الأولون مدفونين بالمدينة.

وكذلك الشام كان أهله في أول الإسلام في سعادة الدنيا والدين، ثم جرت فتن وخرج الملك من أيديهم، ثم سلط عليهم المنافقون الملاحدة والنصارى بذنوبهم، واستولوا على بيت المقدس وقبر الخليل وفتحوا البناء الذي كان عليه وجعلوه كنيسة، ثم صلح دينهم فأعزهم الله ونصرهم على عدوهم لما أطاعوا الله ورسوله واتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم، فطاعة الله ورسوله هي قطب السعادة وعليها تدور: { ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين }.

وكان النبي ﷺ يقول في خطبته: « من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا » [68]، ومكة نفسها لا تدفع البلاء عن أهلها ويجلب لهم الرزق إلا بطاعتهم لله ورسوله، كما قال الخليل عليه السلام: { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } وكانوا في الجاهلية يعظمون حرمة الحرم ويحجون ويطوفون بالبيت، وكانوا خيرا من غيرهم من المشركين، والله لا يظلم مثقال ذرة، فكانوا يكرمون ما لا يكرم غيرهم ويؤتون ما لا يؤتاه غيرهم [69]. لكونهم كانوا متمسكين من دين إبراهيم بأعظم مما تمسك به غيرهم. وهم في الإسلام إن كانوا أفضل من غيرهم كان جزاؤهم بحسب فضلهم، وإن كانوا أسوأ عملا من غيرهم كان جزاؤهم بحسب سيآتهم.

فالمساجد والمشاعر إنما نفع فضيلتها لمن عمل فيها بطاعة الله، وإلا فمجرد البقاع لا يحصل بها ثواب ولا عقاب، وإنما الثواب والعقاب على الأعمال المأمور بها والمنهي عنها. وكان النبي ﷺ قد آخى بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء، وكان أبو الدرداء بدمشق وسلمان بالعراق، فكتب أبو الدرداء إلى سلمان هلموا إلى الأرض المقدسة فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدا، وإنما يقدس الرجل عمله.

والمقام بالثغور للجهاد أفضل من سكنى الحرمين باتفاق العلماء. ولهذا كان سكنى الصحابة بالمدينة أفضل للهجرة والجهاد، والله هو الذي خلق الخلق وهو الذي يهديهم ويرزقهم وينصرهم، وكل من سواه لا يملك شيئا من ذلك كما قال تعالى: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } وقد فسروها بأن يؤذن للشافع والمشفوع له جميعا، فإن سيد الشفعاء يوم القيامة محمد ﷺ، وإذا أراد الشفاعة قال: فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا فأحمده بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقال لي: « ارفع رأسك وقل يسمع، وسل تعطه واشفع تشفع »، قال فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، وكذلك ذكره في المرة الثانية والثالثة ولهذا قال: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ } فأخبر أنه لا يملكها أحد دون الله، وقوله: { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } استثناء منقطع، أي من شهد بالحق وهم يعلمون هم أصحاب الشفاعة منهم الشافع ومنهم المشفوع له.

وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول لله؟ فقال: « لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشافعي من قال لا إله إلا اله خالصا من قبل نفسه » رواه البخاري [70]، فجعل أسعد الناس بشفاعته أكملهم إخلاصا، وقال في الحديث: « إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإن من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ذلك العبد فمن سأل الله الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة » فالجزاء من جنس العمل.

فقد أخبر ﷺ أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا، قال: « ومن سأل لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة »، ولم يقل كان أسعد الناس بشفاعتي، بل قال: أسعد الناس بشفاعتي من قال: « لا إله إلا الله خالصا من قبل نفسه ». فعلم أن ما يحصل للعبد بالتوحيد والإخلاص من شفاعة الرسول وغيرها لا يحصل بغيره من الأعمال، وإن كان صالحا كسؤال الوسيلة للرسول، فكيف بما لم يأمر به من الأعمال، بل نهى عنه، فذلك لا ينال به خيرا لا في الدنيا ولا في الآخرة، مثل غلو النصارى في المسيح فإنه يضرهم ولا ينفعهم.

ونظير هذا في الصحيح عنه أنه قال: « إن لكل نبي دعوة مجابة، وإن اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا ». وكذلك في أحاديث الشفاعة كلها إنما يشفع في أهل التوحيد، فبحسب توحيد العبد لربه وإخلاصه دينه لله يستحق كرامة الله بالشفاعة وغيرها وهو سبحانه علق الوعد والوعيد والثواب والعقاب والحمد والذم بالإيمان وتوحيده وطاعته، فمن كان أكمل في ذلك كان أحق بتولي الله له بخير الدنيا والآخرة.

ثم جميع عبادة مسلمهم وكافرهم هو الذي رزقهم وهو الذي يدفع عنهم المكاره وهو الذي يقصدونه في الثواب قال تعالى: { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ } وقال تعالى: { قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ } أي بدلا عن الرحمن، هذا أصح القولين كقوله تعالى: { وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ } أي لجعلنا بدلا منكم كما قال عامة المفسرين ومنه قول الشاعر:

فليت لنا من ماء زمزم شربة ** مبردة باتت على طهيان

أي بدلا من ماء زمزم. فلا يكلأ الخلق بالليل والنهار فيحفظهم ويدفع عنهم المكاره إلا الله قال تعالى: { أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ } ومن ظن أرضا معينة تدفع عن أهلها البلاء مطلقا بخصوصها أو لكونها فيها قبور الأبياء والصالحين فهو غالط، فأفضل البقاع مكة، وقد عذب الله أهلها عذابا شديدا عظيما فقال: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ }

قال المعترض

فإن قلت: فقد روى عبد الرزاق في مصنفه بسنده إلى الحسن بن الحسن بن علي أنه رأى قوما عند القبر فنهاهم وقال إن النبي ﷺ قال: « لا تتخذوا قبري عيدا ولا تتخذوا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني ».

قلت: قد روى القاضي إسماعيل في كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ [71] بسنده إلى علي بن الحسين بن علي، وهو زين العابدين أن رجلا كان يأتي كل غداة فيزور قبر النبي ﷺ ويصلي عليه، ويصنع من ذلك ما انتهره عليه علي بن الحسين، فقال له علي بن الحسين: ما يحملك على هذا قال: أحب التسليم على النبي ﷺ، فقال له علي بن الحسين: هل لك أن أحدثك حديثا عن أبي؟ قال: نعم. فقال له علي بن الحسين: أخبرني أبي عن جدي أنه قال: قال رسول الله ﷺ: لا تجعلوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وصلوا علي وسلموا حيثما كنتم فسيبلغني سلامكم وصلاتكم ». وهذا الأثر يبين لنا أن ذلك الرجل زاد في الحد وخرج عن الأمر المسنون، فيكون كلام علي بن الحسين موافقا لما تقدم عن مالك، وليس إنكارا لأصل الزيارة، أو يكون أراد تعليمه أن السلام يبلغ من الغيبة لما رآه يتكلف الإكثار من الحضور، وعلى ذلك يحمل ما ورد عن حسن بن حسن وغيره من ذلك ولم يذكر هذا الأثر ليحتج به، بل للتأنيس به بأمر محتمل في ذلك الأثر المطلق وإبداء وجهه من وجوه التأويل، وكيف يتخيل في أحد من السلف منهم من زيارة المصطفى، وهم مجمعون على زيارة سائر الموتى، وسنذكر ذلك وما ورد من الأحاديث والآثار في زيارتهم، فالنبي ﷺ وسائر الأنبياء الذين ورد فيهم أنهم أحياء كيف يقال فيهم هذه المقالة، انتهى كلام المعترض.

والجواب من وجوه

أحدها: أن يقال هذا الحديث الذي ذكره القاضي إسماعيل قد رواه أبويعلي الموصلي والحافظ أبو عبدالله المقدسي في الأحاديث المختارة وهو حديث محفوظ عن علي بن الحسين زين العابدين، وله شواهد كثيرة وتقدم ذكرها، وهو وأمثاله من الأحاديث مناف لما ذهب إليه المعترض وأشباهه من الغلو في هذا الباب منافاة ظاهرة، وقول المعترض إن ذلك الرجل زاد في الحد وخرج عن الأمر المسنون، فيقال له: قد زدت أنت في الحد أكثر من زيادة ذلك الرجل وخرجت عن الأمر المسنون أبلغ من خروجه وقلت باستحباب قصد القبور للدعاء عندها وشد الرحال وإعمال المطي لمجرد زيارتها وغير ذلك من الأمور التي لم يقلها ذلك الرجل، فزيادتك في الحد وخروجك عن الأمر المشروع في هذا الباب أبلغ بكثير من زيادة ذلك الرجل وخروجه.

الوجه الثاني: أن قوله فيكون كلام علي بن الحسين موافقا لما تقدم عن مالك وليس إنكارا لأصل الزيارة كلام فيه تلبيس، فإن أصل الزيارة لم ينكرها شيخ الإسلام، وإنما أنكر الزيارة المبتدعة المتضمنة لترك مأمور وفعل محظور، وأما الزيارة الشرعية فلم ينكرها، بل ندب إليها وحض عليها كما تقدم ذكره غير مرة.

الوجه الثالث: قوله ولم يذكر هذا الأثر ليحتج به، بل للتأنيس بأمر محتمل في ذلك الأثر المطلق وإبداء وجه من وجوه التأويل، فيقال له لم لم تحتج بهذا الأثر، وأي شيء منعك من الاستدلال به، مع أنه خبر محفوظ مشهور وشواهده كثيرة، وهو أقوى بكثير مما احتجت به من الأحاديث المتقدمة ومعناه موافق لما ورد في الأحاديث الصحيحة والأخبار الثابتة التي سبق ذكرها غير مرة والله الموفق.

الوجه الرابع: أن قوله وكيف يتخيل في أحد من السلف منعهم من زيارة المصطفى [72] أو نقله عن أحد منهم أو اعتقده في طائفة منهم، ومن المعلوم أن شيخ الإسلام وغيره من العلماء الأعلام لم يمنعوا من زيارة المصطفى صلوات الله عليه، وإنما قالوا: الزيارة منها ما هو شرعي ومنها ما هو غير شرعي، فالشرعي مندوب إليه، والبدعي ممنوع منه، وتكلموا في شد الرحال لمجرد زيارة القبور، فمن مانع لذلك كمالك والجمهور، ومن مبيح له كطائفة من المتأخرين، وهذا المعترض يخالف القولين، فيقول إنه طاعة وقربة مع العلم بأن ما ذهب إليه ليس من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، ولا فرق عنده بين من قصد الحج فزار في طريقه وبين من سافر لمجرد الزيارة، بل كلاهما عنده مستحب وطاعة وقربة، وغيره من العلماء فرقوا بين الأمرين فقالوا إن من قصد الحج فزار في طريقه الزيارة الشرعية، فهو مثاب مأجور، واختلفوا فيمن سافر لمجرد زيارة القبر، فمنهم من قال سفره مباح، وهم الأقلون، ومنهم من قال سفره منهي عنه، وهم الأكثرون. والحجة معهم ولم يقل أحد من مجتهديهم إن سفره طاعة وقربة، وإنما ذهب إلى ذلك المعترض وأمثاله ممن ليس لهم سلف في ذلك ولا دليل عليه. وكفى هذا المعترض مخالفة لأهل العلم حتى نسب من قال منهم بالقول الذي عليه الجمهور إلى أنه منع من الزيارة ونهى عنها، وهذه النسبة إنما صدرت منه عن الفهم الفاسد والهوى المتبع. والله الموفق.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في أثناء كلامه في الجواب الباهر [73]: وأما السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين فهذا لم يكن موجودا في الإسلام في زمن مالك، وإنما حدث هذا بعد القرون الثلاثة قرن الصحابة والتابعين وتابعيهم، فأما هذه القرون التي أثنى عليها رسول الله ﷺ فلم يكن هذا ظاهر فيها، ولكن بعدها ظهر الإفك والشرك، ولهذا لما سأل سائل لمالك عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي، فقال: إن كان أراد المسجد فليأته وليصل فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل للحديث الذي جاء: « لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد »، وكذلك من يزور قبور الأنبياء والصالحين ليدعوهم أو يطلب منهم الدعاء أو يقصد الدعاء عندهم لكونه أقرب إجابة في ظنه، فهذا لم يكن يعرف على عهد مالك لا عند قبر النبي ﷺ ولا غيره، وإذا كان مالك يكره أن يطيل الوقوف عنده للدعاء، فكيف بمن لا يقصد لا السلام عليه والدعاء له، وإنما يقصد دعاءه وطلب حوائجه منه، ويرفع صوته عنده فيؤذي الرسول ويشرك بالله ويظلم نفسه.

ولم يعتمد الأئمة الأربعة ولا غير الأربعة على شيء من الأحاديث التي يرويها بعض الناس في ذلك مثل ما يروون أنه قال: « من زارني في مماتي فكأنما زارني في حياتي »، ومن قوله: « من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة »، ونحو ذلك، فإن هذا لم يروه أحد من أئمة المسلمين ولم يعتمدوا عليها ولم يروها لا أهل الصحاح ولا أهل السنن التي يعتمد عليها كأبي داود والنسائي، لأنها ضعيفة بل موضوعة، كما قد بين العلماء الكلام عليها، ومن زاره في حياته كان من المهاجرين إليه، والواحد بعدهم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، وهو إذا أتى بالفرائض لا يكون مثل الصحابة، فكيف يكون مثلهم في النوافل أو بما ليس قربة [74] أو بما هو منهي عنه.

وكره مالك رحمه الله تعالى أن يقول القائل: زرت قبر النبي ﷺ، كره هذا اللفظ، لأن السنة لم تأت به في قبره، وقد ذكروا في تعليل ذلك وجوها، ورخص غيره في هذا اللفظ للأحاديث العامة في زيارة القبور، ومالك يستحب ما يستحبه سائر العلماء من السفر إلى المدينة والصلاة في مسجده، وكذلك السلام عليه وعلى صاحبيه عند قبورهم اتباعا لابن عمر، ومالك رضي الله عنه من أعلم الناس بهذا، لأنه قد رأى التابعين الذين رأوا الصحابة بالمدينة، ولهذا كان يستحب اتباع السلف في ذلك ويكره أن يبتدع أحد هناك بدعة، فكره أن يطيل الرجل القيام والدعاء عند قبر النبي ﷺ، لأن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك وكره لأهل المدينة كلما دخل إنسان المسجد أن يأتي قبر النبي ﷺ لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك. قال مالك: ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. بل كانوا يأتون إلى مسجده فيصلون خلف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، فإن هؤلاء الأربعة صلوا أئمة في مسجده والمسلمون يصلون خلفهم كما كانوا يصلون خلفه، وهم يقولون في الصلاة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته كما كانوا يقولون ذلك في حياته، ثم إذا قضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا ولم يكونوا يأتون القبر للسلام لعلمهم بأن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكمل وأفضل وهي المشروعة.

وأما دخولهم عند قبره للصلاة والسلام عليه هناك أو الصلاة والدعاء فإنه لم يشرعه لهم، بل نهاهم وقال: « لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني » فبين أن الصلاة تصل إليه من البعيد وكذلك السلام، ومن صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا، ومن سلم عليه سلم الله عليه عشرا، وتخصيص الحجرة بالصلاة والسلام جعل لها عيدا، وهو قد نهاهم عن ذلك ونهاهم أن يتخذوا قبره أو قبر غيره مسجدا، ولعن من فعل ذلك ليحذروا أن يصيبهم مثل ما أصاب غيرهم من اللعنة.

وكان أصحابه خير القرون وهم أعلم الناس بسنته وأطوع الأمة لأمره، وكانوا إذا دخلوا إلى المسجد لا يذهب أحد منهم إلى قبره، لا من داخل الحجرة ولا من خارجها، وكانت الحجرة في زمانهم يدخل إليها من الباب إذ كانت عائشة فيها وبعد ذلك إلى أن بني الحائط الأخر، وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه لسلام ولا لصلاة عليه ولا لدعاء لأنفسهم ولا لسؤال عن حديث أو علم، ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلاما أو سلاما فيظنون أنه هو كلمهم، وأفتاهم وبين لهم الأحاديث أو أنه قد رد عليهم السلام بصوت يسمع من خارج، كما طمع الشيطان في غيرهم فأضلهم عند قبره وقبر غيره، حتى ظنوا أن صاحب القبر يحدثهم ويفتيهم ويأمرهم وينهاهم في الظاهر. وأنه يخرج من القبر ويرونه خارجا من القبر ويظنون أن نفس أبدان الموتى خرجت من القبر تكلمهم، أو أن روح الميت تجسدت لهم فرأوها كما رآهم النبي ﷺ ليلة المعراج يقظة لا مناما.

فإن الصحابة رضوان الله عليهم خير قرون هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، وهم تلقوا الدين عن النبي ﷺ بلا واسطة ففهموا من مقاصده وعاينوا من أفعاله،وسمعوا منه شفاها ما لم يحصل لمن بعدهم، ولذلك كان يستفيد بعضهم من بعض ما لم يحصل لمن بعدهم، وهم قد فارقوا جميع أهل الأرض وعادوهم وهاجروا جميع الطوائف وأديانهم وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم. قال ﷺ في الحديث الصحيح: « لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ». وهذا قاله لخالد بن الوليد لما تشاجر هو وعبد الرحمن بن عوف، لأن عبد الرحمن بن عوف كان من السابقين الأولين، وهم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا وهو فتح الحديبية، وخالد هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة أسلموا في مدة الهدنة بعد الحديبية وقبل فتح مكة، فكانوا من المهاجرين التابعين لا من المهاجرين الأولين. وأما الذين أسلموا عام فتح مكة فليسوا بمهاجرين، لأنه لا هجرة بعد الفتح، بل كان الذين أسلموا من أهل مكة يقال لهم الطلقاء، لأن النبي ﷺ أطلقهم بعد الاستيلاء عليهم عنوة كما يطلق الأسير. والذين بايعوه تحت الشجرة ومن كان من مهاجرة الحبشة هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.

وفي الصحيح عن جابر قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: « أنتم خير أهل الأرض » [75].وكنا ألفا وأربعمائة ولهذا لم يطمع الشيطان أن ينال منهم من الإضلال والإغواء ما نال ممن بعدهم، فلم يكن فيهم أحد من أهل البدع المشهورة كالخوارج والروافض والقدرية والمرجئة والجهمية، بل كل هؤلاء إنما حدثوا فيمن بعدهم، ولم يكن فيهم من طمع الشيطان أن يتراءى له في صورة بشر، ويقول: أنا الخضر، أو أنا إبراهيم، أو موسى، أو عيسى، أو المسيح، أو أن يكلمه عند قبره، حتى يظن أن صاحبه كلمه، بل هذا إنما ناله فيمن بعدهم، وناله أيضا من النصارى حيث أتاهم بعد الصلب وقال: أنا هو المسيح، وهذه مواضع المسامير، ولا يقول أنا شيطان، فإن الشيطان لا يكون جسدا، أو كما قال. وهذا هو الذي اعتمد عليه النصارى في أنه صلب لا في مشاهدته، فإن أحدا منهم لم يشاهد الصلب، وإنما حضره بعض اليهود وعلقوا المصلوب، وهم يعتقدون أنه المسيح، ولهذا جعل الله هذا من ذنوبهم وإن لم يكونوا صلبوه، ولكنهم قصدوا هذه الفعل وفرحوا به، قال تعالى: { وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ } وبسط هذا له موضع آخر.

والمقصود أن الصحابة رضي الله عنهم لم يطمع الشيطان أن يضلهم كما أضل به غيرهم من أهل البدع الذين تأولوا القرآن على غير تأويله وجهلوا السنة إذا رأوا أو سمعوا أمورا من الخوارق فظنوها من جنس آيات الأنبياء والصالحين وكانت من أفعال الشياطين، كما أضل النصارى وأهل البدع بمثل ذلك، فهم يتبعون المتشابه من الكتاب ويدعون المحكم، ولذلك يتمسكون بالمتشابه من الحجج العقلية والحسية كما يسمع ويرى أمورا فيظن أنه رحماني، وإنما هو شيطاني، ويدعون البين الحق الذي لا إجمال فيه، وكذلك لم يطمع الشيطان أن يتمثل في صورته ويغيث من استغاث به أو أن يحمل إليهم صوتا يشبه صوته، لأن الذين رأوه قد علموا أن هذا شرك لا يحل، ولهذا أيضا لم يطمع فيهم أن يقول أحد منهم لأصحابه "إذا كان لكن حاجة فتعالوا إلى قبري" ولا "استغيثوا بي" لا في محياه ولا في مماته، كما جرى مثل هذا لكثير من المتأخرين، ولا طمع الشيطان أن يأتي أحدهم، ويقول: أنا من رجال الغيب، أو الأوتاد الأربعة أو من السبعة أو الأربعين، أو يقول له: أنت منهم إذا كان هذا عندهم من الباطل الذي لا حقيقة له، ولا طمع الشيطان أن يأتي أحدهم فيقول: أنا رسول الله ويخاطبه عند القبر، كما وقع ذلك لكثير ممن بعدهم عند قبره وقبر غيره وعند غير القبور، كما يقع كثير من ذلك للمشركين، وأهل الكتاب يرون بعد الموت من يعظمونه، فأهل الهند يرون من يعظمونه من شيوخهم الكفار وغيرهم، والنصارى يرون من يعظمونه من الأنبياء والحواريين وغيرهم، والضلال من أهل القبلة يرون من يعظمونه إما النبي ﷺ وإما غيره من الأنبياء يقظة ويخاطبهم ويخاطبونه، وقد يستفتونه ويسألونه عن أحاديث فيجيبهم، ومنهم من يخيل له أن الحجرة قد انشقت وخرج منها النبي ﷺ وعانقه هو وصاحباه، ومنهم من يخيل إليه أنه رفع صوته بالسلام حتى وصل مسيرة أيام إلى مكان بعيد.

وهذا وأمثاله أعرف ممن وقع له هذا وأشباهه عددا كثيرا، وقد حدثني بما وقع له في ذلك، وبما أخبر به غيره من الصادقين من يطول هذا الموضع بذكرهم.

وهذا موجود عند خلق كثير، كما هو موجود عند النصارى والمشركين، لكن كثير من الناس يكذب بهذا، وكثير منهم إذا صدق به يعتقد أنه من الآيات الإلهية، وأن الذي رأى ذلك رآه لصالحه ودينه، ولم يعلم أنه من الشيطان وأنه أضل من فعل به ذلك وأنه بحسب قلة علم الرجل يضله الشيطان، ومن كان أقل علما قال له ما يعلم أنه مخالف للشريعة خلافا ظاهرا، ومن عنده علم بها لا يقول له ما يعلم أنه مخالف للشريعة ولا مفيد فائدة في دينه، بل يضله عن بعض ما كان يعرفه، فإن هذا فعل الشياطين، وهو وإن ظن أنه قد استفاد شيئا فالذي خسره من دينه أكثر، ولهذا لم يقل قط أحد من الصحابة أن الخضر أتاه ولا موسى ولا عيسى، ولا أنه سمع رد النبي ﷺ.

وابن عمر كان يسلم إذا قدم من سفر لم يقل قط أنه سمع الرد، وكذلك التابعون وتابعوهم، وإنما حدث هذا في بعض المتأخرين، وكذلك لم يكن أحد من الصحابة يأتيه فيسأله عند القبر عن بعض ما تنازعوا فيه وأشكل عليهم من العلم، لا خلفاؤه الأربعة ولا غيرهم، مع أنهم أخص الناس به، حتى ابنته فاطمة لم يطمع الشيطان أن يقول لها اذهبي إلى قبره فسليه هل يورث أم لا يورث، كما أنهم أيضا لم يطمع الشيطان فيهم فيقول لهم اطلبوا منه أن يدعو لكم بالمطر لما أجدبوا، ولا قال اطلبوا منه أن يستنصر لكم، ولا أن يستغفر لكم، كما كانوا في حياته يطلبونه منه أن يستسقي لهم وأن يستغفر لهم، فلم يطمع الشيطان فيهم بعد موته أن يطلبوا منه ذلك، ولا طمع بذلك في القرون الثلاثة، وإنما ظهرت هذه الضلالات ممن قل علمه بالتوحيد والسنة فأضله الشيطان كما أضل النصارى في أمور لقلة علمهم بما جاء به المسيح ومن قبله من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه.

وكذلك لم يطمع الشيطان أن يطير بأحدهم في الهواء، ولا أن يقطع به الأرض في مدة قريبة كما يقع مثل هذا لكثير من المتأخرين، لأن الأسفار التي كانوا يسافرونها كانت طاعات؛ كسفر الحج والعمرة والجهاد، وهم يثابون على كل خطوة يخطونها فيه، وكلما بعدت المسافة كان الأجر أعظم، كالذي يخرج من بيته إلى المسجد فخطواته إحداهما ترفع درجة، والأخرى تحط خطيئة، فلم يمكن الشيكان أن يفوتهم ذلك الأجر بأن يحملهم في الهواء أو يؤزهم في الأرض أزا حتى يقطعوا المسافة البعيدة بسرعة، وقد علموا أن النبي ﷺ إنما أسرى به الله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليريه من آياته وأنه أراه من آياته الكبرى وكان هذا من خصائصه، فليس لمن بعده مثل هذا المعراج، ولكن الشياطين تخيل إليه معارج شيطانية كما خيلتها لجماعة من المتأخرين.

وأما قطع النهر الكبير بالسير على الماء، فهذا قد يحتاج إليه المؤمنون أحيانا مثل أن لا يمكنهم العبور إلى العدو وتكميل الجهاد إلا بذلك، فلهذا كان الله يكرم من يحتاج إلى ذلك من الصحابة والتابعين بمثل ذلك، أكرم به العلاء بن الحضرمي وأصحابه وأبا مسلم الخولاني وأصحابه، وبسط هذا له موضع آخر غير هذا الكتاب.

لكن المقصود أن يعرف أن الصحابة خير القرون وأفضل الخلق بعد الأنبياء فما ظهر فيهم بعدهم مما يظن أنها فضيلة للمتأخرين ولم تكن فيهم فإنها من الشيطان وهي نقيصة لا فضيلة سواء كانت من جنس العلوم أو من جنس العبادات أو من جنس الخوارق والآيات أو من جنس السياسة والملك، بل خير الناس بعدهم أتبعهم لهم.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: من كان منكم مسننا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم، وبسط هذا له موضع آخر.

والمقصود هنا أن الصحابة تركوا البدع المتعلقة بالقبور بقبره وقبر غيره لنهيه ﷺ عن ذلك ولئلا يتشبهوا بأهل الكتاب الذين اتخذوا قبور الأنبياء أوثانا، وإنما كان بعضهم يأتي من خارج فيسلم عليه إذا قدم من سفر كما كان ابن عمر يفعل، بل كانوا في حياته يسلمون عليه ثم يخرجون من المسجد لا يأتون إليه عند كل صلاة، وإذا جاء أحد سلم عليه رد عليه النبي ﷺ، وكذلك من سلم عليه عند قبره رد عليه، وكانوا يدخلون على عائشة فكانون يسلمون عليه كما كانوا يسلمون في حياته، ويقول أحدهم السلام عليك يا أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وقد جاء هذا عاما في جميع قبور المؤمنين « ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه لروحه حتى يرد عليه السلام »، فإذا كان رد السلام موجودا في عموم المؤمنين، فهو في أفضل الخلق أولى، وإذا سلم المسلم عليه في صلاته، فإنه وإن لم يرد عليه لكن الله يسلم عليه عشرا، كما في الحديث: « من سلم علي مرة سلم الله عليه عشرا »، فالله يجزيه على هذا السلام أفضل مما يحصل بالرد، كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا، وكان ابن عمر يسلم عليه ثم ينصرف، ولا يقف لدعاء له أو لنفسه، ولهذا كره مالك ما زاد على فعل ابن عمر من وقوف ودعاء له أو لنفسه لأن ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة فكان بدعة محضة. قال مالك: « لن يصلح آخر الأمة إلا ما أصلح أولها »، مع أن فعل ابن عمر إذا لم يفعل مثله سائر الصحابة إنما يصلح للتسويغ كأمثال ذلك فيما يفعله بعض الصحابة، وأما القول بأن هذا الفعل مستحب أو منهي عنه أو مباح فلا يثبت إلا بدليل شرعي، فالجواب والندب والإباحة والاستحباب والكراهة والتحريم لا يثبت شيء منها إلا بالأدلة الشرعية، والأدلة الشرعية كلها مرجعها إليه صلوات الله وسلامه عليه، فالقرآن هو الذي بلغه والسنة هو الذي عملها، والإجماع بقوله عرف أنه معصوم، والقياس إنما يكون حجة إذا علمنا أن الفرع مثل الأصل أو أن علة الأصل في الفرع، وقد علمنا أنه ﷺ لا يتناقض، فلا يحكم في المتماثلين بحكمين متناقضين ولا يحكم بالحكم لعلة تارة ويمنعه أخرى مع وجود العلة إلا لاختصاص إحدى الصورتين بما يوجب التخصيص، فشرعه هو ما شرعه، وسنته هي ما سنها، لا يضاف إليه قول غيره وفعله وإن كان من أفضل الناس إذا وردت سنته، بل ولا يضاف إليه إلا بدليل يدل على الإضافة. ولهذا كان الصحابة كأبي بكر وعمر وابن مسعود يقولون باجتهادهم، ويكونون مصيبين موافقين لسنته، لكن يقول أحدهم: أقول في هذا برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه.

فإن كل ما خالف سنته فهو شرع منسوخ مبدل، لكن المجتهدين وإن قالوا برأيهم وأخطأوا فلهم أجر وخطأهم مغفور لهم، وكان الصحابة إذا أراد أحدهم أن يدعو لنفسه استقبل القبلة، ودعا لنفسه كما كانوا يفعلون في حياته، لا يقصدون الدعاء عند الحجرة ولا يدخل أحدهم إلى القبر.

والسلام عليه قد شرع للمسلمين في كل صلاة وشرع للمسلمين إذا دخل أحدهم المسجد أي مسجد كان، فالنوع الأول كل صلاة يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ثم يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، قال النبي ﷺ: « فإذا قلتم ذلك أصابت كل عبد صالح لله في السموات والأرض » فقد شرع للمسلمين في كل صلاة أن يسلموا على النبي ﷺ خصوصا وعلى عباد الله الصالحين من الملائكة والإنس والجن عموما.

وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كما نقول خلف النبي ﷺ في الصلاة: السلام على فلان وفلان، فقال النبي ﷺ: « إن الله هو السلام فإذا فقد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله » وقد روي عنه التشهد بألفاظ أخرى، كما رواه مسلم من حديث ابن عباس، وكما كان عمر يعلم الناس التشهد، ورواه مسلم من حديث أبي موسى، لكن مثل تشهد ابن مسعود، ولكن لم يخرج البخاري إلا تشهد ابن مسعود، وكل ذلك جائز فإن القرآن أنزل على سبعة أحرف فالتشهد أولى.

والمقصود أنه ﷺ ذكر أن المصلي إذا قال "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" أصابت كل عبد صالح لله في السموات والأرض، وهذا يتناول الملائكة وصالحي الإنس والجن، كما قال تعالى عنهم: { وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا }

والنوع الثاني: السلام عليه عند دخول المسجد، كما في المسند والسنن عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ قال: « إذا دخل أحدكم المسجد فليقل بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك ».

وروى مسلم في صحيحه الدعاء عند دخول المسجد بأن يفتح له أبواب رحمته وعند خروجه بسؤال الله من فضله، وهذا الدعاء مؤكد في دخول مسجد رسول الله ﷺ، ولهذا ذكره العلماء فيما صنفوه من المناسك لمن أتى إلى مسجده أن يقول ذلك، فإن السلام عليه مشروع عند دخول المسجد والخروج وفي نفس كل صلاة، وهذا أفضل وأنفع من السلام عند قبره وأدوم، وهذا مصلحة محضة، لا مفسدة فيها، يرضي الله ويوصل نفع ذلك إلى رسول الله وإلى المؤمنين. وهذا مشروع في كل صلاة وعند دخول المسجد والخروج منه، بخلاف السلام عند القبر مع أن قبره من حين دفن لم يمكن أحد من الدخول إليه لا لزيارة ولا لصلاة ولا لدعاء ولا غير ذلك، ولكن كانت عائشة فيه، لأنه بيتها، وكانت ناحية من القبور، لأن القبور في مقدم الحجرة وكانت هي في مؤخرة الحجرة، ولم يكن الصحابة يدخلون إلى هناك، وكانت الحجرة على عهد الصحابة خارجة عن المسجد متصلة به، وإنما دخلت فيه في خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان بعد موت العبادلة ابن عمر وابن عباس وابن الزبير، وابن عمرو، بل بعد موت جميع الصحابة الذين كانوا بالمدينة [76]، ولم يكن الصحابة يدخلون إلى عند القبر ولا يقفون عنده خارجا مع أنهم يدخلون إلى مسجده ليلا ونهارا. وقد قال ﷺ: « صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام ». وقال: « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد بيت المقدس » وكانوا يقدمون من الأسفار للاجتماع بالخلفاء الراشدين وغير ذلك فيصلون في مسجده ويسلمون عليه في الصلاة وعند دخول المسجد والخروج منه، ولا يأتون القبر إذا كان عندهم مما لم يأمرهم به ولم يسنه لهم، وإنما أمرهم وسن لهم الصلاة والسلام عليه في الصلاة وعند دخولهم المساجد وغير ذلك، ولكن ابن عمر كان يأتيه فيسلم عليه وعلى صاحبيه عند قدومه من السفر، وقد يكون فعله غير ابن عمر أيضا.

فهكذا رأى من رأى من العلماء هذا جائز، اقتداء بالصحابة رضي الله عنهم، وابن عمر كان يسلم ثم ينصرف ولا يقف. يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت. ثم ينصرف. ولم يكن جمهور الصحابة يفعلون كما فعل ابن عمر بل كان الخلفاء وغيرهم يسافرون للحج وغيره ويرجعون ولا يفعلون ذلك إذا لم يكن هذا سنة سنها لهم، وكذلك أزواجه كن على عهد الخلفاء وبعهدهم يسافرون للحج، ثم ترجع كل واحدة إلى بيتها كما وصاهن بذلك، وكانت أمداد اليمن الذين قال الله فليهم { فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } على عهد أبي بكر وعمر يأتون أفواجا من اليمن للجهاد في سبيل الله، ويصلون خلف أبي بكر وعمر في مسجده، ولا يدخل أحد منهم إلى داخل الحجرة ولا يقف في المسجد خارجا منها لا لدعاء ولا صلاة ولا سلام، ولا غير ذلك، وكانوا عالمين بسنته كما علمهم الصحابة والتابعون وأن حقوقه ملازمة لحقوق الله وأن جميع ما أمر الله به وأحبه من حقوقه وحقوق رسوله فإن صاحبها يؤمر بها في جميع المواضع والبقاع، فليس الصلاة والسلام عليه عند قبره بأوكد من ذلك في غير ذلك المكان، بل صاحبها مأمور بها حيث كان، إما مطلقا وإما عند الأسباب المؤكدة لها كالصلاة والدعاء والأذان، ولم يكن شيء من حقوقه ولا شيء من العبادات هو عند قبر أفضل منه في غير تلك البقعة، بل نفس مسجده له فضيلة لكونه مسجده. ومن اعتقد أنه قبل القبر لم يكن له فضيلة إذا كان النبي ﷺ يصلي فيه والمهاجرين والأنصار، وإنما حدثت له الفضيلة في خلافة الوليد بن عبد الملك لما أدخل الحجرة في مسجده، فهذا لا يقوله إلا جاهل مفرط في الجهل أو كافر، فهو مكذب لما جاء به مستحق للقتل، وكان الصحابة يدعون في مسجده كما كانوا يدعونه في حياته، لم يتجدد لهم شريعة غير الشريعة التي علمهم إياها في حياته، وهو لم يأمرهم إذا كان لأحدهم حاجة أن يذهب إلى قبر نبي أو صالح فيصلي عنده ويدعوه أو يدعو بلا صلاة أو يسأله حوائجه أو يسأله أن يسأل ربه. فقد علم الصحابة أن رسول الله ﷺ لم يأمرهم بشيء من ذلك ولا أمرهم أن يخصوا قبره أو حجرته إلى جوانب حجرته لا بصلاة ولا دعاء لا له ولا لأنفسهم، بل قد نهاهم أن يتخذوا بيته عيدا، فلم يقل لهم كما يقول بعض الشيوخ الجهال لأصحابه: إذا كان لكم حاجة فتعالوا إلى قبري! بل نهاهم عما هو أبلغ من ذلك أن يتخذوا قبره أو قبر غيره مسجدا يصلون فيه لله لسد ذريعة الشرك.

فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيا عن أمته قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه، فكان إنعام الله به أفضل نعمة أنعم بها على أهل الأرض، وقد دلهم ﷺ على أفضل العبادات وأفضل البقاع، كما في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: أي العمل أفضل قال: « الصلاة على مواقيتها » قلت: ثم أي: قال: « ثم بر الوالدين »، قلت ثم أي: « الجهاد في سبيل الله » سألته عنهن، ولو استزدته لزادني.

وفي المسند وسنن ابن ماجة عن ثوبان، عن النبي ﷺ أنه قال: « استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن » [77]، والصلاة قد سن للأمة أن تتخذ لها مساجد وهي أحب البقاع إلى الله، كما ثبت عنه في صحيح مسلم وغيره أنه قال: « أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق » [78]، ومع هذا فقد لعن من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد وهو في مرض الموت نصيحة للأمة وحرصا منه على هذا، كما نعته الله بقوله: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت، قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه،: « لعن الله اليود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا. وفي رواية: خشي أن يتخذ مسجدا.

وعان عائشة وابن عباس قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصه له على وجه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: « لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » يحذر ما صنعوا. ومن حكمة الله تعالى أن عائشة أم المؤمنين صاحبه الحجرة التي دفن فيها تروي هذه الأحاديث وقد سمعتها منه، وإن كان غيرها من الصحابة سمعها أيضا كابن عباس وأبي هريرة وجندب بن عبد الله وابن مسعود رضي الله عنهم.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ﷺ: « قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » وفي الصحيحين عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة فيها تصاوير لرسول الله ﷺ فقال: « إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ».

وفي صحيح مسلم عن جندب قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: « إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإن أنهاكم عن ذلك » [79]. وفي صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال: « لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها » [80] وفي المسند وصحيح أبي حاتم أنه قال: « إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذي يتخذون القبور مساجد » [81] وقد تقدم نهيه أن يتخذ قبره عيدا.

فلما علم الصحابة أنه قد نهاهم عن أن يتخذوه مصلى للفرائض التي يتقرب بها إلى الله لئلا يتشبهوا بالمشركين الذين يتخذونها ويصلون بها وينذرون لها كان نهيهم عن دعائها أعظم وأعظم، كما أنه لما نهاهم عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها لئلا يتشبهوا بمن يسجد للشمس كان نهيهم عن السجود للشمس أولى وأحرى. فكان الصحابة يقصدون الصلاة والدعاء والذكر في المساجد التي بنيت لله دون قبور الأنبياء والصالحين التي نهوا أن يتخذوها مساجد، وإنما هي بيوت المخلوقين، وكانوا يفعلون بعد موته ما كانوا يفعلون في حياته صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما.

قال المعترض: وأما قوله ﷺ « لا تجعلوا قبري عيدا » فرواه أبو داود السجستاني، وفي سنده عبد الله بن نافع الصائغ، روى له الأربعة ومسلم. قال البخاري: تعرف حفظه وتنكر، وقال أحمد بن حنبل لم يكن صاحب حديث كان ضيفا [82] فيه، ولم يكن في الحديث بذلك، وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ هو لين تعرف حفظه وتنكر، ووثقه يحيى بن معين، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال ابن عدي: روى عن مالك غرائب، وهو في رواياته مستقيم الحديث، فإن لم يثبت هذا الحديث فلا كلام، وإن ثبت وهو الأقرب فقال الشيخ زكي الدين المنذري: يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبره ﷺ، وأن لا يهمل حتى لا يزار إلا في بعض الأوقات كالعيد الذي لا يأتي في العام إلا مرتين.

وقال: ويؤيد هذا التأويل ما جاء في الحديث نفسه لا تجعلوا بيوتكم قبورا أي لا تتركوا الصلاة في بيوتكم حتى تجعلوا كالقبور التي لا يصلى فيها.

قلت: ويحتمل أن يكون المراد لا تتخذوا له وقتا مخصوصا لا تكون الزيارة إلا في كما ترى كثيرا من المشاهدة لزيارتها يوم معين كالعيد وزيارة قبره ﷺ ليس لها يوم بعينه بل أي يوم كان، ويحتمل أيضا أن يراد أن يجعل كالعبد في العكوف عليه وإظهار الزينة والاجتماع وغير ذلك مما يجعل في الأعياد، بل لا يؤتى إلا للزيارة والسلام والدعاء، ثم ينصرف عنه، والله أعلم بمراد نبيه، انتهى ما ذكره.

والجواب أن يقال: هذا الحديث الذي رواه أبو داود هو حديث حسن جيد الإسناد وله شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الصحة، وقد ذكرناه مع شواهد فيما تقدم، والمعترض قد اعترف بأن الأقرب ثبوته لكنه لم يقل بموجبه ومقتضاه، بل سلط عليه التحريف والتأويل المستنكر المردود، فأما ما حكاه عن عبد العظيم المنذري في تأويله فهو من أظهر الأشياء بطلانا، بل هو مناقض لمقصود الحديث ومخالف له، وآخر الحديث يبطله وهو قوله صلوا علي حيثما كنتم، والتأويل الثاني باطل أيضا، والثالث: متضمن للحق وغيره.

وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم [83] بعد أن ذكر هذا الحديث وقواه وذكر شواهده قال: ووجه الدلالة أن قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدا، فقبر غيره أولى بالنهي كائنا من كان. ثم أنه قرن ذلك بقوله ﷺ: « لا تتخذوا بيوتكم قبورا » [84]، أي لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم. ثم إنه ﷺ أعقب النهي عن اتخاذها عيدا بقوله: « وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم »، وفي الحديث: « فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم »، يشير بذلك ﷺ إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم منه، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا.

ثم إن أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين رضي الله عنهما نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ واستدل بالحديث، وهو راوي الحديث الذي سمعه من أبيه الحسين عن جده علي وأعلم بمعناه من غيره، فبين أن قصده للدعاء ونحوه اتخاذ له عيدا. وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند غير دخول المسجد ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدا.

فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت رضي الله عنهم، الذي لهم مع رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، فكانوا أضبط، والعيد إذا جعل اسما للمكان، فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة عنده أو لغير العبادة، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة جعلها الله عيدا مثابة للناس يحجون فيها وينتابونها للدعاء والذكر والنسك، وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها، فلما جاء الإسلام محا الله ذلك كله، وهذا النوع من الأمكنة يدخل فيه قبور الأنبياء والصالحين والقبور التي يجوز أن تكون قبورا لهم بتقدير كونها قبورا لهم، بل وسائر القبور أيضا داخلة في هذا.

انتهى ما أردت نقله من كلام الشيخ رحمه الله تعالى.

وقال غيره في الكلام على قوله ﷺ: « ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني » [85]، خرج هذا الحديث منه ﷺ مخرج نهيه عن اتخاذ القبور مساجد عن الصلاة إليها وإيقاد السرج، ومخرج دعائه ربه تبارك وتعالى أن لا يجعل قبره وثنا، ومخرج أمره بتسوية القبور المشرفة ونحو ذلك. كل هذا لئلا يحصل الافتتان بها ويتخذ العكوف عليها وإيقاد السرج والصلاة فيها وإليها وجعلها عيدا ذريعة إلى الشرك، لا سيما أصل الشرك وعبادة الأصنام في الأمم السابقة إنما هو من الافتتان بالقبور وتعظيمها، فاتخاذه القبر عيدا هو مثل اتخاذه مسجدا والصلاة وإليه، بل أبلغ وأحق بالنهي، فإن اتخاذه مسجدا يصلى فيه لله ليس فيه من المفسدة ما في اتخاذ نفسه عيدا بحيث يعتاد انتيابه والاختلاف إليه والازدحام عنده، كما يحصل في أمكنة الأعياد وأزمنتها، فإن العيد يقال في لسان الشارع على الزمان والمكان كما في حديث الذي نذر أن ينحر ببوانة وقول النبي ﷺ: « هل كان فيها وثن، هل كان فيها عيد؟ » قالوا: لا، قال: « أوف بنذرك » وهو حديث حسن صحيح، رواه أبو داود في سننه فقال: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو قلابة، قال: حدثني ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى النبي ﷺ: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة، فقال النبي ﷺ: « وهل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ » قالوا: لا. قال: « هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ » قالوا: لا. قال رسول الله ﷺ: « أوف بنذرك، فإن لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم » [86].

وفي هذا الحديث دلالة على أن تعظيم المكان المتخذ عيدا بالذبح عنده لا يجوز كما ذبح عند الوثن، كل هذا سد للذريعة المفضية إلى الشرك وحماية وصيانة لجانب التوحيد. فإذا كان ﷺ قد منع الذبح عند المكان المتخذ عيدا، سواء كان قبرا أو غيره، فنهيه عن اتخاذ القبر عيدا أولى وأحرى: إذ المفسدة في اتخاذ القبر عيدا أعظم بكثير من مفسدة الذبح عند المكان الذي اتخذه عيدا.

وهذه الأحاديث تدل كلها على تحريم تخصيص القبور بما يوجب انتيابها وكثرة الاختلاف إليها من الصلاة عندها واتخاذها مساجد واتخاذها عيدا وإيقاد السرج عليه والصلاة إليها والذبح عندها، ولا يخفى مقاصد هذه الأحاديث وما اشتركت فيه على من شم رائحة التوحيد المحض.

وبهذا يعلم بطلان تأويل من تأول قوله ﷺ: « لا تجعلوا قبري عيدا » أي لا تجعلوه في قلة الاختلاف إليه وانتيابه ومتابعة قصده بمنزلة العيد الذي إنما يكون في السنة مرتين، بل اقصدوه في كل وقت واحتشدوا للمجيء إليه وواظبوا على إتيانه من القرب والبعد واجعلوا ذلك دأبكم وعادتكم، ومعلوم أن هذا مناقض لما علم من سننه في قبره الكريم وغيره أشد مناقضة، وترغيب للنفوس في الوقوع فيما حذر منه أمته وخاف عليهم منه ومعاكسة له في قصده، ومن المعلوم أن من أراد هذا المعنى الذي ذكره المتأول بقوله: « لا تتخذوا قبري عيدا » فهو إلى الألغاز ضد البيان أقرب منه إلى الإرشاد والبيان. كيف والسنة المعلومة تناقضه أبين مناقضة، بل نفس هذا الحديث يرد هذا التأويل ويبطله، وهو قوله: « وصلوا علي حيثما كنتم ».

ثم لو كان هذا مراده وحاشاه من ذلك لأتى بلفظ صريح أو ظاهر في الترغيب في قصده وكثرة الاختلاف إليه كما جاء عنه الترغيب في كثرة الاختلاف إلى المساجد كقوله في الحديث المتفق على صحته: « من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح » [87] وقوله في الحديث الصحيح: « من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة » [88] وقوله في الحديث المخرج في السنن: « بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة » [89]، وقوله في الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما: « إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان » [90] قال تعالى: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ } إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على الترغيب في انتياب أمكنة المساجد والحث عليها، فمن تأملها وتأمل الأحاديث الواردة في القبر تبين له الفرق المبين بين الهدى والضلال والغي والرشاد والشك واليقين.

ومما يبين بطلان هذا التأويل الذي لم يعرف عن أحد من السلف والخلف قبل هذا المتأول أنه لو كان هو المراد لكان أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم بإحسان أحق الناس بالعكوف على قبره وكثر انتيابه والازدحام عنده وتقبيله والتمسح به، وكانوا أشد الناس ترغيبا للأمة في ذلك، بل المحفوظ عنهم الزجر عن مثل ذلك والنهي عنه.

وقد روى عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن ابن عجلان عن رجل يقال له سهيل عن الحسن بن الحسن بن علي أنه رأى قوما عند القبر فنهاهم وقال: إن النبي ﷺ قال: « لا تتخذوا قبري عيدا ولا تتخذوا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني ».

وروى سعيد بن منصور في سننه عن عبد العزيز بن محمد فقال: أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء فقال: فقلت: لا أريده، فقال: ما لي رأيتك عند القبر، فقلت: سلمت على النبي ﷺ فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: « لا تتخذوا بيتي عيدا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم »، ما أنتم من بالأندلس إلا سواء.

وروى أبو يعلي الموصلي في مسنده عن أبي بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب عن جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين عن علي بن عمر، عن أبيه عن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعوا فنهاه فقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: « لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم ».

وروى نوح بن يزيد المؤدب عن أبي إسحاق يعني إبراهيم بن سعد قال: ما رأيت أبي قط يأتي قبر النبي ﷺ وكان يكره إتيانه. وأبو إبراهيم سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري التابعي أحد الأئمة الأعلام، وكان قاضي المدينة في زمان التابعين. قال الإمام أحمد بن حنبل [91]: ولي قضاء المدينة وكان فاضلا، وقال يعقوب بن إبراهيم بن سعد [92]: سرد سعد الصوم قبل أن يموت بأربعين سنة. وقال حجاج بن محمد: كان شعبة إذا ذكر سعد بن إبراهيم قال: حدثني حبيبي سعد بن إبراهيم يصوم الدهر ويختم القرآن في كل يوم وليلة [93]. فهذا سعد بن إبراهيم من سادات أهل المدينة وعلمائهم وقضائهم، وكان لا يأتي القبر ويكره إتيانه، وقد قال مالك في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر، فقيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة أو المرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده والله أعلم.

هامش

  1. انظر الرد على الأخنائي ص167.
  2. هو الفقيه الإمام أبو الحسن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل الضبي المحاملي البغدادي من كبار الشافعية، انظر ترجمته في طبقات الشافعية 4/103 – 104 وشذرات الذهب 3/185 والعبر 3/97 وتاريخ بغداد 1/333 وسير أعلام النبلاء 17/265.
  3. هو القاضي العلامة رئيس المحدثين والمتكلمين، بما وراء النهر أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي. انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ 3/103 والعبر 3/48 وطبقات السبكي 4/333 وطبقات الأسنوي 1/404 –405 وطبقات ابن هداية الله 120 وسير أعلام النبلاء 17/231-232 وكشف الظنون 2/1047 وشذرات الذهب 3/407-408.
  4. هو الإمام العلامة أقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي الشافعي صاحب التصانيف، انظر ترجمته في تاريخ بغداد 12/102-103 والكامل لابن الأثير 9/651 ووفيات الأعيان 3/282-284 وميزان الاعتدال 3/155 وطبقات السبكي 5/267-285 وطبقات الأسنوي 2/387-388 والبداية والنهاية 12/80 وسير أعلام النبلاء 18*-64 ولسان الميزان 4/260-261 وطبقات المفسرين للداوودي 1/423-425 وطبقات المفسرين للسيوطي 25 وطبقات ابن هداية الله 151-152 وشذرات الذهب 3/285-287 وهداية العارفين 1/689 وانظر كشف الظنون وغيرها.
  5. هو يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن جمعة بن حزام الفقيه الحافظ الزاهد أحد الأعلام شيخ الإسلام محي الدين أبو زكريا النووي، انظرترجمته في طبقات السبكي 5/165 والبداية والنهاية 13/278 وشذرات الذهب 5/354 وطبقات ابن قاض شهبند 2/153.
  6. هو القاضي حسين بن محمد بن أحمد العلامة شيخ الشافعية بخراسان أبو علي المروذي انظر ترجمته في وفيات الأعيان 2/134-135 وطبقات السبكي 4/356-365 والعبر 3/249 وسير أعلام النبلاء 18/260-362 وطبقات الأسنوي 1/407-408 وطبقات ابن هداية الله 163-164 وشذرات الذهب 3/310 وكشف الظنون 1/424-517 وغيرها.
  7. هو القاضي العلامة فخر الإسلام شيخ الشافعية أبو المحسن عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد الروياني الطبري الشافعي. انظر ترجمته في الكامل في التاريخ 10/473 ووفيات الأعيان 3/198-199 والعبر 4/4-5 وطبقات السبكي 7/193 وطبقات الأسنوي 1/565-566 وشذرات الذهب 4/4 وكشف الظنون 1/266-355 وهداية العارفين 1/634 وسير أعلام النبلاء 19-260-262.
  8. هو الشيخ الإمام العلامة الورع شيخ الحنابلة أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن حسن بنحسن العراقي الكلوذاني ثم البغدادي الأزجي، انظر ترجمته في الكامل لابن الأثير 10/524 والعبر 4/21 وسير أعلام النبلاء 19/348-350 وشذرات الذهب 4/27-28.
  9. في كتاب السبكي " تهذيب الطالب " وهو خطأ والصحيح ما هاهنا كما في " معجم المؤلفين 5/94 لعمر رضا كحالة: قال: عبد الحق بن محمد بن هارون السهمي القرشي الصقلي أبو محمد فقيه حج مرات وتوفي بالإسكندرية من تصانيفه: كتاب النكت والفروق لمسائل مدونة وتهذيب الطالب استدراك على مختصر البرادعي وجزء في ضبط ألفاظ المدونة.
  10. هو محمد بن حميد الرازي ولم يشهد القصة ولو شهدها فلا يعتمد عليه فهو ضعيف وكذبه أبو زرعة وابن واره، انظر التوسل ص64 وسيأتي كلام المصنف ونقل أقوال أهل العلم فيه.
  11. انظر كلامه في التهذيب 9/129.
  12. انظر التاريخ الكبير 1/69 والضعفاء الصغير له ص205 رقم 315.
  13. الضعفاء والمتروكين ص32.
  14. انظر أحوال الرجال ص207 رقم 382.
  15. انظر التهذيب 9/129
  16. انظر التهذيب 9/129
  17. انظر التهذيب 9/129.
  18. انظر الجرح والتعديل 7/232 – 233.
  19. انظر الكامل 6/2277.
  20. 2/303.
  21. 4/61.
  22. ص393-394.
  23. في اقتضاء الصراط المستقيم ص394 ويصلي عليه ويدعو لأبي بكر وعمر.
  24. رواه أحمد في مسنده ¾ من حديث أبي سعيد بسند صحيح.
  25. أخرجه البخاري 2/494 رقم 1010 وأنظره أيضا برقم 3710.
  26. أخرجه النسائي في سننه كتاب السهو - باب السلام على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم 3/43 وأخرجه أيضا الدارمي 1/317 وأحمد في مسنده 1/387، 441، 452 وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي رقم 21 جميعا في حديث ابن مسعود لكنه لفظه، « وإن لله ملائكة سياحين يبلغونني من أمتي السلام » وسنده صحيح.
  27. أخرجه أبو داود 3/550 رقم 3221 من حديث عثمان بإسناد جيد.
  28. انظر المصنف 3/576
  29. أخرجه إسماعيل القاضي ص81-82 رقم 99 وسنده صحيح.
  30. انظر الرد على الأخنائي ص170
  31. في الرد على الأخنائي زيادة ( وأبو داود وغيرهما ).
  32. كلام أحمد انظره في التهذيب 10/489.
  33. انظر الطبقات 7/362
  34. انظر التهذيب 10/489.
  35. لم أقف على كلامه في الثقات.
  36. في الرد على الأخنائي ( روى عنه الناس أحمد بن حنبل وطبقتهما ).
  37. في الرد على الأخنائي بعد قوله: في زمن التابعين ما لفظه: ( في زمن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وأمثاله ).
  38. في الرد على الأخنائي الرازي بدلا من البستي ولم أقف على كلامه في الثقات.
  39. 3 / 576.
  40. انظر التهذيب 7/39.
  41. انظر الجرح والتعديل 5/326.
  42. انظر الثقات 7/149 والكلام هنا مختصر.
  43. انظر المجروحين لابن حبان 1/235.
  44. انظر الضعفاء والمتروكين للنسائي ص87 رقم 152.
  45. انظر الضعفاء والمتروكين للدارقطني ص82 رقم 190، وانظر التاريخ الكبير 2/309 والجرح والتعديل 3/44 والميزان 1/534 والمغني 1/168 والكاشف 1/167 والتهذيب 2/326.
  46. انظر التهذيب 2/326.
  47. قال فيه أحمد ثقة، وقال ابن معين ثقة وقال أبو حاتم صالح، انظر الجرح والتعديل 2/459 وقال فيه التقريب: صدوق يهم.
  48. 2/763 – 764 التي حققها الدكتور العقل.
  49. قال النووي في المجموع 8/481 وهذا باطل ليس هو مرويا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يعرف في كتاب صحيح ولا ضعيف بل وضعه بعض الفجرة أ ه وقد تقدم هذا.
  50. انظر المقاصد الحسنة ص427-428 وكشف الخفاء 2/346، 347، 348 والفوائد المجموعة 117-118.
  51. انظر الرد على الأخنائي ص136.
  52. أخرجه البخاري 1/532 وأخرجه في مواضع كثيرة ومسلم 1/377.
  53. أخرجه مسلم 4/1985.
  54. يعني قوله عليه الصلاة والسلام « لا تصل إلى قبر »
  55. في اقتضاء الصراط المستقيم: ( المسلم ) بدل قوله: الرجل.
  56. في الأصل: أن نفي
  57. انظر رسالتنا: إتحاف الراكع الساجد بأذكار الدخول والخروج من المساجد.
  58. عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف جدا.
  59. في المطبوعة: في الموازية
  60. انظر فتح الباري 8/667 والأثر متكلم فيه انظر مقدمة الفتح.
  61. هنا سقط وهو قبل قوله يا فاطمة. ونصه « يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا ».
  62. الحديث أخرجه مسلم في كتاب الإيمان 350 والترمذي في الزهد 7 من تفسيره سوره 26 وابن ماجه في الجهاد 16.
  63. رواه أبو داود 5/154 – 155 رقم 4806 وأحمد 3/153، 241، 4/25، 40.
  64. رواه مسلم 1/309 وأبو داود 1/405 رقم 606.
  65. بعد قوله: بعض الناس وقع سقط واستدركناه من الجواب الباهر ص83: وأما ما يظنه بعض الناس: من أن البلاء يندفع عن أهل بلدة أو إقليم بمن هو مدفون عندهم من الأنبياء والصالحين كما يظن بعض الناس أنه يندفع.
  66. وقع سقط قبل قوله يا فاطمة وهو قوله: يا صفية عمة رسول لا أغني عنك من الله شيئا، وهو هكذا بالزيادة في الجواب الباهر، والحديث تقدم تخريجه صفحة 282 حاشية (1)
  67. أخرجه أبو داود 5/12 رقم 4605 والترمذي رقمه 2665 وابن ماجه في المقدمة رقم13
  68. أخرجه أبو داود 2/592 رقم 2119 من حديث ابن مسعود وفي إسناده عمران بن داود إلى الضعف أقرب.
  69. يشير إلى قوله تعالى: { أولم نمكن لهم حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون }.
  70. أخرجه البخاري في كتاب العلم في صحيحه.
  71. ص 33-34 ووقع فيه: ما اشتهره عليه والصواب ما ها هنا.
  72. وقع سقط بعد قوله ( من زيارة المصطفى ) وهو قوله: وهم مجمعون على زيارة سائر الموتى كلام في إيهام عظيم وتلبيس شديد ومن الذي تخيل في أحد من السلف منعهم من زيارة المصطفى أو نقله.
  73. ص 50-62.
  74. في الجواب الباهر ( بفريضة ) بدلا من قوله: قربة.
  75. رواه البخاري 7/443 رقم 4154.
  76. في الجواب الباهر بعد قوله (.. الذين كانوا بالمدينة فإن آخر من مات بها جابر بن عبد الله في بضع وسبعين سنة ووسع المسجد في بضع وثمانين سنة ولم يكن الصحابة … )
  77. أخرجه أحمد في مسنده 5/276 وابن ماجدة في سننه رقم 277. كلاهما من طريق سالم بن أبي الجعد عن ثوبان به قال أحمد بن حنبل سالم بن أبي الجعد لم يلق ثوبان بينما معدان , نفى البخاري سماع سالم من ثوبان. انظر جامع التحصيل.
  78. أخرجه مسلم 1/464.
  79. أخرجه مسلم 1/377.
  80. أخرجه مسلم 2 /668.
  81. أخرجه أحمد 1/405 وابن حبان 8/299، وابن خزييمة 2/6 رقم 789 والطبراني في الكبير 10/232 رقم 10413.
  82. في كتاب السبكي: ضعيفا بدلا من قوله ضيفا، وفي التهذيب: ضعيفا كذلك وهو الصواب. في المطبوعة: ضيقا
  83. ص323.
  84. أخرجه أبو داود رقم 2042 وأحمد 2/367 وقد تقدم
  85. هو من تمام الحديث الذي قبله.
  86. أخرجه أبو داود 3/607 رقم 3313.
  87. أخرجه البخاري 2/148 رقم 662 ومسلم 1/463.
  88. رواه مسلم 1/462 وابن حبان 3/245. رواه مسلم 1/462 وابن حبان 3/245، وأخرج ابن ماجه نجوه 1/781 من حديث أنس.
  89. أخرجه أبو داود 1/379 رقم 561 وأخرج الترمذي رقم 223، وأخرج ابن ماجه نجوه 1/781 من حديث أنس.
  90. أخرجه الترمذي 5/12 رقم 2617 وابن ماجه 1/802 وأحمد 3/68 و 75-76 وابن حبان 3/110 جميعا من طريق دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري والحديث ضعيف من أجل دراج
  91. انظر كلامه في سير الأعلام 5/419.
  92. انظر السير 5/419.
  93. انظر السير 5/419 وانظر ترجمته في التاريخ الكبير 4/51 والصغير 1/324 وتاريخ الفسوي 1/411 وتاريخ الطبري 7/227 والجرح والتعديل 4/79 وتهذيب التهذيب 3/463 وشذرات الذهب 1/173.


الصارم المنكي في الرد على السبكي للحافظ ابن عبد الهادي
تقديم | مقدمة المؤلف | الباب الأول | الباب الثاني | الباب الثالث | الباب الرابع | الباب الخامس