المنتقى من منهاج الاعتدال/الفصل الثاني

في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال
  ► الفصل الأول الفصل الثاني الفصل الثالث ◄  



الفصل الثاني

(في المذهب الواجب الاتباع)


قال: "الفصل الثاني إن مذهب الإمامية واجب الاتباع لأنه أحق المذاهب وأصدقها ولأنهم باينوا جميع الفرق في أصول العقائد ولأنهم جازمون بالنجاة أخذوا دينهم عن المعصومين. وغيرهم اختلفوا وتعددت آراؤهم وأهواؤهم فمنهم من طلب الأمر لنفسه بغير حق وتابعه أكثر الناس طلبا للدنيا كما اختار عمر بن [سعد بن] مالك الذي لما خير بينه وبين قتال الحسين مع علمه بأن قتلته في النار فإنه قال:
فوالله ما أدري وإني لصادق ** أفكر في أمري على خطرين
أأترك ملك الري والري منيتي ** أو أصبح مأثوما بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس دونها ** حجاب ولي في الري قرة عين
وبعضهم اشتبه عليه الأمر ورأى طالب الدنيا فقلده وقصر في النظر فخفي عليه الحق فاستحق المؤاخذة من الله تعالى. وبعضهم قلد لقصور فطنته ورأى الجم الفقير فبايعهم وتوهم أن الكثرة تستلزم الصواب وغفل عن قوله تعالى: {وقليل ما هم}. وبعضهم طلب الأمر لنفسه بحق وبايعه الأقلون الذين أعرضوا عن زينة الدنيا وأخلصوا واتبعوا ما أمروا به من طاعة من يستحق التقديم فوجب النظر في الحق واعتماد الإنصاف وأن يقر الحق بمستقره فقد قال تعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين}"

فجعل المصنف الناسَ بعد نبيهم أربعة أصناف فكذب. فإنه لم يكن في الصحابة المعروفين أحد من هذه الأصناف. أما طالب الأمر بغير حق كأبي بكر في زعمه وأما طالب الأمر بحق علي في زعمه؛ فهذا كذب عليهما فلا علي طلب الأمر لنفسه ولا أبو بكر. وجعل القسمين الآخرين إما مقلدا للدنيا وإما مقلدا لقصوره في النظر. فالإنسان يجب عليه أن يعرف الحق ويتبعه. فإن اليهود عرفوا الحق وما تبعوه فهم مغضوب عليهم وأما النصارى فجهلوا الحق وضلوا. وهذه الأمة خير الأمم فقال تعالى: {كنتم خير أمة} فخيرها القرن الأول الذي يليه بقوله : خير الناس قرني ثم الذين يلونهم. وهؤلاء الرافضة يقولون فيهم ما قد علمتم ويجعلونهم أقل الناس علما وأتبعهم للهوى، فلزم من قولهم أن الأمة ضلت بعد نبيها. فإذا كان في هذا حكايتك لما جرى عقيب نبيك فكيف سائر ما تنقله وتحتج به؟

وقولك: "تعددت آراؤهم بعدد أهوائهم" فحاشاهم من ذلك. أتدري من تعني يا جويهل؟ عنيت الذين قال الله فيهم: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} وقال: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} والثناء على المهاجرين والأنصار في غير آية وعلى الذين يجيئون من بعدهم فيقولون: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} ويسألونه أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم. والرافضة لم يستغفروا لهم وفي قلوبهم الغل لهم. وروى الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: أمر الله بالاستغفار لأصحاب محمد وهو يعلم أنهم يقتتلون. وقال عروة عن عائشة: أمروا أن يستغفروا لأصحاب محمد فسبوهم. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله : «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». وفي مسلم عن أبي هريرة نحوه مرفوعا. وفي مسلم عن جابر قال: قيل لعائشة رضي الله عنها إن ناسا يتناولون أصحاب رسول الله حتى أبا بكر وعمر فقالت: وما تعجبون من هذا انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر. وروى الثوري عن نسير بن ذعلوق: سمعت ابن عمر يقول: لا تسبوا أصحاب محمد فلمقام أحدهم ساعة -يعني مع رسول الله - خير من عمل أحدكم أربعين سنة. وقال تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} أخبر سبحانه برضاه عنهم وبأنه علم ما في قلوبهم وكانوا ألفا وأربعمائة، فهم أعيان من بايع أبا بكر. وقال [فيما ثبت عنه في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله]: «لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار». 1 وقال تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} يعني غزوة تبوك. وقال: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} وقال: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} فأمر بموالاتهم والرافضة تبرأ منهم.

وقد قال بعض الجهلة إن قوله تعالى: {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} نزلت في علي رضي الله عنه وذكر في ذلك خبرا موضوعا وأنه تصدق بخاتمه في الصلاة فنزلت؛ قيل: لا لأن الآية صيغة جمع وعلي واحد. ومن ذلك أن الواو ليست في {وهم راكعون} واو الحال إذ لو كان كذلك لتعين بالبء إعطاءُ الزكاة في الصلاة حال الركوع. ومنها أن المدح إنما يكون بعمل واجب أو مستحب وإيتاء الزكاة في نفس الصلاة ليس كذلك بالاتفاق و«إن في الصلاة شغلا» ومنها أن عليا لم يكن عليه زكاة زمن النبي ولا كان له خاتم أو كان له فالخاتم زكاة ماذا لأن أكثر الفقهاء لا يجوزون إخراج الخاتم في الزكاة. وفي حديثهم أنه أعطاه سائلا والمدح في الزكاة أن يخرجها ابتداء وعلى الفور. ومنها أن الكلام في سياق النهي عن موالاة الكفار والأمر بموالاة المؤمنين؛ والرافضة يعادون المؤمنين ويوالون المنافقين مشركي التتار كما شاهدنا. وقال الله تعالى لنبيه: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم} والرافضة تريد أن تفرق بين قلوب خيار الأمة بالأكاذيب. وقال تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} إلى قوله: {ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا} فهذا الصنف هم أشرف الأمة وقد وعدهم بأنه يكفر عنهم أسوأ أعمالهم، وعلي فعندهم معصوم فقولوا لم يدخل في الآية. وقال: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} الآية فوعدهم الاستخلاف وأخبر برضاه عنهم وبأنهم متقون وبأنه أنزل السكينة عليهم وهذه النعوت منطبقة على الصحابة الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان فإنه إذ ذاك الزمان حصل لهم الاستخلاف وتمكين الدين والأمن بعد الخوف إلى أن قهروا فارس والروم وافتتحوا الشام والعراق ومصر والمغرب وخراسان وأذربيجان وغير ذلك. فلما قتل عثمان وحصلت الفتنة لم يفتحوا شيئا بل طمع فيهم الروم وغيرهم، وحدثت البدع من الخوارج والروافض والنواصب وأريقت الدماء. فأين ما بعد قتله مما قبله.

فإن قيل: فالمنافقون كانوا مسلمين في الظاهر؛ قلنا: ما كانوا متصفين بخير ولا كانوا مع الرسول ولا كانوا مع المؤمنين. قال الله فيهم: {ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين} وقال: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون} وقال: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} أخبر تعالى أن المنافقين ليسوا من المؤمنين ولا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء بل مذبذبين وكذا ترى الرافضة. وقال: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين} فلما لم يغره الله بهم ولم يقتلهم تقتيلا دل على أنهم انتهوا. وما كان معه يوم الشجرة منهم إلا الجد بن قيس فإنه اختبأ خلف بعيره.

فبالجملة كان المنافقون مغمورين مقهورين مع الصحابة ولا سيما في آخر أيام النبي وبعد تبوك لأن الله تعالى قال فيهم: {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} ثم قال الله: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} فتبين أن العزة للمؤمنين لا للمنافقين، فعلم أن العزة والقوة كانت لأصحاب محمد وأن المنافقين كانوا أذلة بينهم. قال تعالى: {يحلفون بالله لكم ليرضوكم} {يحلفون لكم لترضوا عنهم} وقال: {ولكنهم قوم يفرقون} هذه صفات الذليل المقهور. وأما السابقون الأولون من المهاجرون والأنصار فما زالوا أعز الناس بعد نبيهم وقبل موته، فلا يجوز أن يكون الأعزاء من خاصة أصحاب محمد منافقين ولا أذلاء؛ بل هذه صفة الرافضة فشعارهم الذل ودثارهم النفاق والتقية ورأس مالهم الكذب والأيمان الفاجرة إن لم يقعوا في الغلو والزندقة يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ويكذبون على جعفر الصادق أنه قال: التقية ديني ودين آبائي. وقد نزه الله أهل البيت عن ذلك ولم يحوجهم إليه فكانوا من أصدق الناس وأعظمهم إيمانا، فدينهم التقوى لا التقية.

فأما قوله تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة} فهذا أمر بالاتقاء من الكفار لا أمر بالكذب والتقية؛ والله قد أباح لمن أكره على الكفر التكلم به فأهل البيت ما أكرههم أحد على شيء. حتى إن أبا بكر لم يكره أحدا منهم على بيعته بل بايعوه لما أرادوا طوعا منهم ولا كان علي ولا غيره يذكرون فضل الصحابة والثناء عليهم خوفا من أحد ولا أكرههم أحد باتفاق الناس. وقد كان في زمن بني أمية وبني العباس خلق كثير دون علي في الإيمان والتقوى يَكرهون من الخلفاء أشياء فلا يمدحونهم ولا يثنون عليهم ولا يحبونهم ولا كان أولئك يُكرهونهم. ثم إن الخلفاء الراشدين كانوا أبعد عن قهر الناس وعقوبتهم على طاعتهم من سائر الخلفاء. ثم هؤلاء أسرى المسلمين ملء أيدي النصارى وسائرهم يظهرون دينهم، فكيف يظن بعلي وبنيه أنهم كانوا أضعف دينا من الأسرى ومن رعية ملوك الجور، وقد علمنا بالتواتر أن عليا وبنيه ما أكرههم أحد على ذكر فضل الخلفاء الثلاثة وقد كانوا يقولون ذلك ويترحمون عليهم ويتكلمون بذلك مع خاصتهم.

فقولك: "فبعضهم طلب الأمر لنفسه بغير حق وبايعه أكثر الناس للدنيا" يشير إلى أبي بكر. ومن المعلوم أن أبا بكر لم يطلب الأمر لنفسه بل قال: قد رضيت لكم إما عمر وإما عبد الرحمن وإما أبا عبيدة. قال عمر: فوالله لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر. وإنما اختاره عمر وأبو عبيدة وسائر المسلمين وبايعوه لعلمهم بأنه خيرهم وقد قال النبي : يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر.

ثم هب أنه طلبها وبايعوه فزعمك أنه طلبها وبايعوه للدنيا كذب ظاهر. فإنه ما أعطاهم دنيا وقد كان أنفق في حياة الرسول وقلَّ ما بيده. والذين بايعوه فأزهد الناس في الدنيا قد علم القاصي والداني زهد عمر وأبي عبيدة وأسيد بن حضير وأمثالهم. ثم لم يكن عند موت النبي بيت مال يبذله لهم. ثم كانت سيرته ومذهبه التسوية في قسم الفيء؛ وكذلك سيرة علي. فلو بايعوا عليا أعطاهم كعطاء أبي بكر مع كون قبيلته أشرف من بني تيم وله عشيرة وبنو عم هم أشرف الصحابة من حيث النسب كالعباس وأبي سفيان والزبير وعثمان ابني عمته وأمثالهم. وقد كلم أبو سفيان عليا في ذلك ومتَّ بشرفه فلم يجبه علي لعلمه ودينه. فأي رياسة وأي فائدة دنيوية حصلت لجمهور الأمة بمبايعة أبي بكر لا سيما وهو يسوي بين كبار السابقين وبين آحاد المسلمين في العطاء ويقول إنما أسلموا لله وأجورهم على الله وإنما هذا المتاع بلاغ.

فأهل السنة مع الرافضة كالمسلمين مع النصارى؛ فإن المسلمين يؤمنون بنبوة عيسى ولا يغلون فيه ولا ينالون منه نيل اليهود. والنصارى تغلو فيه حتى تجعله إلها وتفضله على نبينا بل تفضل الحواريين على المرسلين. فكذا الروافض تفضل من قاتل مع علي كالأشتر ومحمد بن أبي بكر على أبي بكر وعمر والسابقين. فالمسلم إذا ناظر النصراني لا يمكنه أن يقول في عيسى إلا الحق بخلاف النصراني. فدع اليهودي يناظره فإنه لا يقدر أن يجيب اليهودي عن شبهته إلا بما يجيب به المسلم وينقطع. فإنه إذا أمر بالإيمان بمحمد ثم قدح في نبوته بأمر لم يمكنه أن يقول شيئا إلا قال له اليهودي في المسيح ما هو أعظم من ذلك؛ فإن البينات لمحمد أعظم من البينات لعيسى وبعده عن الشبهة أعظم من بعد عيسى عن الشبهة. ومن هذا أمر السني مع الرافضي في أبي بكر وعلي. فإن الرافضي لا يمكنه أن يثبت إيمان علي وعدالته ودخوله الجنة إن لم يثبت ذلك لأبي بكر وعمر. وإلا فمتى أثبت ذلك لعلي وحده خذلته الأدلة. كما أن النصراني إذا أراد إثبات نبوة المسيح دون محمد عليهما السلام لم تساعده الأدلة. فإذا قالت له الخوارج الذين يكفرون عليا والنواصب الذين يفسقونه إنه كان ظالما طالبا للدنيا والخلافة وقاتل بالسيف عليها وقَتل في ذلك ألوفا مؤلفة من المسلمين حتى عجز عن انفراده بالخلافة وتفرق عليه أصحابه وكفروا به وقاتلوه يوم النهروان؛ فهذا الكلام إن كان فاسدا ففساد كلام الرافضي في أبي بكر أعظم فسادا؛ فإن كان كلامكم في أبي بكر وعمر متوجها فهذا مثله وأولى.

ولما ذهب أبو بكر بن الباقلاني في الرسلية بالقسطنطينية عرفوا قدره وخافوا أن يمتنع من السجود للملك فأدخلوه من باب صغير ليدخل محنيا، ففطن لها فدخل مستدبرا بعجزه. ولما أراد بعضهم القدح في المسلمين فقال: ما قيل في امرأة نبيكم؟ يريد شأن الإفك، فقال: نعم ثنتان رميتا بالزنا إفكا وكذبا مريم وعائشة، فأما مريم فجاءت بولد وهي عذراء وأما عائشة فلم تأت بولد مع أنه كان لها زوج. فبُهت النصراني وظهر أن براءة عائشة أظهر من براءة مريم.

فإذا قلت يا رافضي إن أبا بكر ومبايعيه طلبوا الدنيا والرياسة مع كونه بويع باختيارهم بلا سيف ولا عصا واستوثق له الأمر فلم يول أحدا من أقاربه ولا خلف لورثته مالا وأنفق مالا كثيرا في سبيل الله وأوصى إلى بيت مالهم ما كان لهم عنده -وهو جرد قطيفة وأمة وبَكر ونحو ذلك- حتى قيل: يرحمك الله أبا بكر لقد أتعبت الأمراء بعدك. وما قتل مسلم على إمارته بل قاتل بالمسلمين المرتدين والكفار. فلما احتضر استخلف على الأمة القوي الأمين العبقري عمر لا لقرابة ولا لنسابة ولا لدنيا بل اجتهد للمسلمين فحمدت فراسته وشكر نظره بالذي افتتح الأمصار ونصب الديوان وملأ بيت المال وعمّ الناس بالعدل مع ملازمته لهدي صاحبه وخشونة عيشه وعدم توليته أقاربه ثم ختم الله له بالشهادة. فإن ساغ للرافضي أن يقول كل ذا طلبٌ للرياسة والدنيا ساغ للناصبي نظير قوله في علي إنه كان طالبا للرياسة والدنيا فقاتل على الإمرة ولم يقاتل الكفار ولا افتتح مدينة. فإن قلت كان مريدا لوجه الله غير مداهن في أمر الله مجتهدا مصيبا وغيره كان مخطئا قلنا وكذلك من قبله كان أبلغ وأبعد عن شبهة طلب الرياسة. وأين شبهة أبي موسى الذي وافق عمرا على عزل علي ومعاوية ورد الأمر شورى من شبهة عبد الله بن سبأ وأمثاله الذين يدعون عصمته [أو ألوهيته] أو نبوته. وكل هذا مما يبين عجز الرافضي عن إثبات إيمان علي وعدالته مع نفي ذلك عمن قبله. فإن احتج بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده فقد تواتر مثل ذلك عن أبي بكر. وإن قلت كانوا منافقين في الباطن معادين مفسدين للدين بحسب إمكانهم أمكن الخارجي أن يقول في علي ذلك ويقول كان يحسد ابن عمه والعداوة في الأهل وأنه كان يريد فساد دينه فلما تمكن أراق الدماء وسلك التقية والنفاق، ولهذا قالت الباطنية من أتباعه عنه أشياء قد أعاذه الله منها كما أعاذ الشيخين. ثم ما من آية يدعون أنها مختصة بعلي إلا أمكن اختصاصها بصاحبيه؛ فباب الدعوى مفتوح. وإن ادعوا ثبوت فضله بالآثار فثبوت فضلهما أكثر وأصح. وهذا كمن أراد أن يثبت فقه ابن عباس دون علي أو فقه عمر دون ابن مسعود، فما له طريق إلا بالظلم والجهل كدأب الرافضة.

ثم تمثيلك ذلك بقصة عمر بن سعد لما خيره عبيد الله بن زياد بين حرب الحسين وبين عزله من أقبح القياس. فإن عمر بن سعد كان طالبا للرياسة مقدما على المحرم معروفا بذلك. أفيلزم من تمثيلك به أن يكون السابقون بمثابته؟

وهذا أبوه سعد بن أبي وقاص كان من أزهد الناس في الإمارة والولاية بعد ما فتح الله على يديه الأمصار. ولما وقعت الفتنة اعتزل الناس بالعقيق في قصره وجاءه ابنه هذا فلامه وقال له: الناس يتنازعون الملك وأنت هنا! فقال: اذهب فإني سمعت رسول الله يقول: «إن الله يحب العبد التقي الخفي الغني». [هذا ولم يكن قد بقي أحد من أهل الشورى غيره وغير علي رضي الله عنهما، وهو الذي فتح العراق وأذل جنود كسرى، وهو أخر العشرة موتا. فإذا لم يحسن أن يُشبه بابنه عمر أيشبه به أبو بكر وعمر وعثمان؟ هذا وهم لا يجعلون محمد بن أبي بكر بمنزلة أبيه بل يفضلون محمدا ويعظمونه ويتولونه لكونه آذى عثمان وكان من خواص أصحاب علي لأنه كان ربيبه ويسبون أباه أبا بكر ويلعنونه. فلو أن النواصب فعلوا بعمر بن سعد مثل ذلك فمدحوه على قتل الحسين لكونه كان من شيعة عثمان ومن المنتصرين له وسبوا أباه سعدا لكونه تخلف عن القتال مع معاوية والانتصار لعثمان، هل كانت النواصب لو فعلت ذلك إلا من جنس الرافضة؟ بل الرافضة شر منهم فإن أبا بكر أفضل من سعد، وعثمان كان أبعد عن استحقاق القتل من الحسين، كلاهما مظلوم شهيد رضي الله تعالى عنهما. ولهذا كان الفساد الذي حصل في الأمة بقتل عثمان أعظم من الفساد الذي حصل في الأمة بقتل الحسين. وعثمان من السابقين الأولين وهو خليفة مظلوم طُلب منه أن يعزل بغير حق فلم ينعزل ولم يقاتل عن نفسه حتى قتل. والحسين رضي الله عنه لم يكن متوليا وإنما كان طالبا للولاية حتى رأى أنها متعذرة وطلب منه أن يُستأسر ليحمل إلى يزيد مأسورا فلم يجب إلى ذلك وقاتل حتى قتل مظلوما شهيدا. فظلم عثمان كان أعظم وصبره وحلمه كان أكمل؛ وكلاهما مظلوم شهيد. ولو مثل ممثل طلب علي والحسين الأمر بطلب الإسماعيلية كالحاكم وأمثاله وقال إن عليا والحسين كانا ظالمين طالبين للرياسة بغير حق بمنزلة الحاكم وأمثاله من ملوك بني عبيد، أمَا كان يكون كاذبا مفتريا في ذلك لصحة إيمان علي والحسين ودينهما ولنفاق هؤلاء وإلحادهم؟ وكذلك من شبّه عليا والحسين ببعض من قام من الطالبيين أو غيرهم بالحجاز أو الشرق أو الغرب يطلب الولاية بغير حق ويظلم الناس في أموالهم وأنفسهم، أمَا كان يكون ظالما كاذبا؟ فالمشبه لأبي بكر وعمر بعمر بن سعد أولى بالكذب والظلم.]

ثم إن عمر بن سعد على بعده من الخير اعترف بكبير ذنبه وباء بمعصيته، وهو خير من المختار الكذاب الذي ادعى أن جبريل يأتيه بالوحي وأظهر الانتصار للحسين وتتبع قاتليه. فهذا الشيعي شر من عمر بن سعد ومن الحجاج الناصبي لأن الشيعي كذب على الله ورسوله. [وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي أنه قال: «سيكون في ثقيف كذاب ومبير». فكان الكذاب هو المختار بن أبي عبيد وكان المبير هو الحجاج بن يوسف الثقفي. ومن المعلوم أن عمر بن سعد أمير السرية التي قتلت الحسين مع ظلمه وتقديمه الدنيا على الدين لم يصل في المعصية إلى فعل المختار بن أبي عبيد الذي أظهر الانتصار للحسين وقتل قاتله، بل كان هذا أكذب وأعظم ذنبا من عمر بن سعد، فهذا الشيعي شر من ذلك الناصبي، بل والحجاج بن يوسف خير من المختار بن أبي عبيد. فإن الحجاج كان مبيرا كما سماه النبي يسفك الدماء بغير حق، والمختار كان كذابا يدعي الوحي وإتيان جبريل إليه. وهذا الذنب أعظم من قتل النفوس فإن هذا كفر وإن كان لم يتب منه كان مرتدا والفتنة أعظم من القتل. وهذا باب مطرد لا تجد أحدا ممن تذمه الشيعة بحق أو باطل إلا وفيهم من هو شر منه ولا تجد أحدا ممن تمدحه الشيعة إلا وفيمن تمدحه الخوارج من هو خير منه. فإن الروافض شر من النواصب؛ والذين تكفرهم أو تفسقهم الروافض هم أفضل من الذين تكفرهم أو تفسقهم النواصب. وأما أهل السنة فيتولون جميع المؤمنين ويتكلمون بعلم وعدل؛ ليسوا من أهل الجهل ولا من أهل الأهواء؛ ويتبرأون من طريقة الروافض والنواصب جميعا ويتولون السابقين الأولين كلهم ويعرفون قدر الصحابة وفضلهم ومناقبهم ويرعون حقوق أهل البيت التي شرعها الله لهم، ولا يرضون بما فعله المختار ونحوه من الكذابين ولا ما فعل الحجاج ونحوه من الظالمين؛ ويعلمون مع هذا مراتب السابقين الأولين فيعلمون أن لأبي بكر وعمر من التقدم والفضائل ما لم يشاركهما فيه أحد من الصحابة لا عثمان ولا علي ولا غيرهما؛ وهذا كان متفقا عليه في الصدر الأول إلا أن يكون خلاف شاذ لا يعبأ به حتى إن الشيعة الأولى أصحاب علي لم يكونوا يرتابون في تقديم أبي بكر وعمر عليه، كيف وقد ثبت عنه من وجوه متواترة أنه كان يقول: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر. ولكن كانت طائفة من شيعة علي تقدمه على عثمان وهذه مسألة أخفى من تلك. ولهذا كان أئمة أهل السنة متفقين على تقديم أبي بكر وعمر كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد بن حنبل والثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسائر أئمة المسلمين من أهل الفقه والحديث والزهد والتفسير من المتقدمين والمتأخرين. وأما عثمان وعلي فكان طائفة من أهل المدينة يتوقفون فيهما وهي إحدى الروايتين عن مالك. وكان طائفة من الكوفيين يقدمون عليا وهي إحدى الروايتين عن سفيان الثوري، ثم قيل إنه رجع عن ذلك لما اجتمع به أيوب السختياني وقال: من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. وسائر أئمة السنة على تقديم عثمان. وهو مذهب جماهير أهل الحديث وعليه يدل النص والإجماع والاعتبار. وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين من تقديم جعفر أو تقديم طلحة أو نحو ذلك فذلك في أمور مخصوصة لا تقديما عاما وكذلك ما ينقل عن بعضهم في علي.

وأما قوله: "وبعضهم اشتبه الأمر عليه ورأى لطالب الدنيا مبايعا فقلده وبايعه وقصر في نظره فخفي عليه الحق فاستحق المؤاخذة من الله تعالى بإعطاء الحق لغير مستحقه" قال: "وبعضهم قلد لقصور فطنته ورأى الجم الغفير فتابعهم وتوهم أن الكثرة تستلزم الصواب وغفل عن قوله تعالى: {وقليل ما هم} {وقليل من عبادي الشكور}"

فيقال لهذا المفتري الذي جعل الصحابة الذين بايعوا أبا بكر ثلاثة أصناف: أكثرهم طلبوا الدنيا وصنف قصروا في النظر وصنف عجزوا عنه؛ لأن الشر إما أن يكون لفساد القصد وإما أن يكون للجهل، والجهل إما أن يكون لتفريط في النظر وإما أن يكون لعجز عنه. وذكر أنه كان في الصحابة وغيرهم من قصر في النظر حين بايع أبا بكر ولو نظر لعرف الحق وهذا يؤاخذ على تفريطه بترك النظر الواجب. وفيهم من عجز عن النظر فقلد الجم الغفير يشير بذلك إلى سبب مبايعة أبي بكر. فيقال له: هذا من الكذب الذي لا يعجز عنه أحد. والرافضة قوم بهت. فلو طلب من هذا المفتري دليل على ذلك لم يكن له على ذلك دليل. والله تعالى قد حرم القول بغير علم؛ فكيف إذا كان المعروف ضد ما قاله. فلو لم نكن نحن عالمين بأحوال الصحابة لم يجز أن نشهد عليهم بما لا نعلم من فساد القصد والجهل بالمستحق قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} وقال تعالى: {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} فكيف إذا كنا نعلم أنهم كانوا أكمل هذه الأمة عقلا وعلما ودينا.]

وقد قال ابن مسعود: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه ثم نظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيء، وقد رأى أصحاب محمد أن يستخلفوا أبا بكر. وعن ابن مسعود قال: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد كانوا والله أفضل هذه الأمة وأبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. رواه ابن بطة بإسناد عن قتادة، وروى هو وغيره عن زر بن حبيش.

فهذا بضد ما ادعاه هذا الجاهل عليهم من طلب الدنيا والجهل والعجز والتفريط، بل لهم كمال العلم وحسن القصد وهم خير القرون. ولكن يا ما فعل الجهل والرفض بأهله، فنحمد الله على العافية، فإن الرفض مأوى شر الطوائف كالنصيرية والإسماعيلية والملاحدة الطرقية وأهل الجبل والبوادي والقرامطة الذين ما بينهم وبين العلم معاملة. قال ابن القاسم: سئل مالك عن أبي بكر وعمر فقال: ما رأيت أحدا ممن أهتدي به يشك في تقديمهما.

ثم قلتَ: "وبعضهم -تعني عليا- طلب الأمر لنفسه بحق وبايعه الأقلون" فهذا باطل بلا ريب. اتفقت السنة والشيعة على أن عليا لم يدع إلى مبايعته إلا بعد مقتل عثمان ولا بايعه أحد إلا ذلك الوقت. أكثر ما يقال كان فيهم من يختار مبايعته.

قال: "وإنما كان مذهبنا واجب الاتباع لأنه أحق المذاهب وأصدقها وأخلصها عن شوائب الباطل وأعظمها تنزيها لله ولرسوله وأوصيائه. اعتقدنا أن الله هو المخصوص بالقدم وأنه ليس بجسم ولا في مكان وإلا لكان محدثا -إلى أن قال- وأنه غير مرئي بالحواس ولا في جهة وأن أمره ونهيه حادث لاستحالة أمر المعدوم ونهيه وأن الأئمة معصومون كالأنبياء من الصغائر والكبائر أخذوا الأحكام عن جدهم رسول الله ولم يلتفتوا إلى الرأي والقياس والاستحسان".

فيقال: ما ذكرته لا تعلق له بالإمامة. بل نقول في مذهب الإمامية من ينكر هذا فإن هذا طريقه العقل وتعين الإمام طريقه السمع. ثم ما في هذا من حق فأهل السنة يقولون به وما فيه من باطل فمردود، وغالبه قواعد الجهمية والمعتزلة ومضمونه أن الله ليس له علم ولا قدرة ولا حياة وأنه لا يتكلم ولا يرضى ولا يسخط ولا يحب ولا يبغض.

وأما أهل السنة فيثبتون لله ما أثبته لنفسه من الصفات وينفون عنه مماثلة المخلوقات، إثباتٌ بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل {ليس كمثله شيء} ردا على المشبهة {وهو السميع البصير} ردا على المعطلة. والله منزه عن مشاركة العبد في خصائصه، وإذا اتفقا في مسمى الوجود والعلم والقدرة فهذا المشترك مطلق كلي في الذهن لا وجود له في الخارج، والموجود في الأعيان مختص لا اشتراك فيه. وهنا زلَّ خلق حيث توهموا أن الاتفاق في مسمى هذه الأشياء يوجب أن يكون الوجود الذي للرب هو الوجود الذي للعبد، فظنت طائفة أن لفظ الوجود يقال للاشتراك اللفظي وكابروا عقولهم، فإن هذه الأسماء عامة قابلة للتقسيم كما يقال الوجود ينقسم إلى واجب وممكن وقديم وحادث، واللفظ المشترك كلفظ المشتري الواقع على الكوكب وعلى المبتاع لا ينقسم معناه، ولكن يقال لفظ المشتري يقال على كذا وعلى كذا. وطائفة ظنت أنها إذا سمت هذا اللفظ ونحوه مشككا لكون الوجود بالواجب أولى منه بالممكن نجت من هذه الشبهة؛ وليس كذلك فإن تفاضل المعنى المشترك الكلي لا يمنع أن يكون مشتركا بين اثنين. وطائفة ظنت أن من قال الوجود متواطئ عام فإنه يقول وجود الخالق زائد على حقيقته ومن قال حقيقته هي وجوده قال إنه مشترك اشتراكا لفظيا.

فأصل خطأ الناس توهمهم أن هذه الأسماء العامة يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتا في هذا المعين وهذا المعين؛ وليس كذلك فإن ما لا يوجد في الخارج لا يوجد مطلقا كليا ولا يوجد إلا معينا مختصا، [وهذه الأسماء إذا سمي الله تعالى بها كان مسماها مختصا] به وإذا سمي بها العبد كان مسماها مختصا به. فإذا قيل قد اشتركا في مسمى الوجود فلا بد أن يتميز أحدهما عن الآخر بما يخصه وهو الماهية والحقيقة؟ [قيل: اشتراكا في الوجود المطلق الذهني لا اشتراكا في مسمى] الماهية والحقيقة والذات والنفس، فالغلط نشأ من جهة أخذ الوجود مطلقا وأخذ الحقيقة مختصة، وكل واحد منهما يمكن أخذه مطلقا ومختصا. فالمطلق مساو للمطلق والمختص مساو للمختص فالوجود المطلق مطابق للحقيقة المطلقة والوجود المختص مطابق لحقيقتة المختصة والمسمى بهذا وهذا واحد وإن تعددت جهة التسمية كما يقال هذا هو ذاك فالمشار إليه واحد لكن بوجهين مختلفين.

والمقصود أن إثبات الصفات والأسماء لله لا يستلزم أن يكون الخالق مماثلا لخلقه ولا مشبها لهم فهو تعالى موصوف بصفات الكمال اللازمة لذاته وهي قديمة أزلية واجبة بقدم الموصوف ووجوبه، وهذا حق لا محذور فيه [فإثبات الأسماء دون الصفات سفسطة في العقليات وقرمطة في السمعيات.] قال الجمهور: هذا خطأ وبدعة أعني هذا التقسيم فالذي عليه أهل الحق من السنة أنه تعالى لا يوصف بالجسمية أصلا بل ولا في فطرة العرب العرباء جاهليتها وإسلاميتها أن الله جسم أبدا تعالى الله عن ذلك.

وقولك: "ليس بجسم" فالجسم فيه إجمال قد يراد به المركب الذي كانت أجزاؤه مفرقة فجمعت أو ما يقبل التفريق والانفصال أو المركب من مادة وصورة والله منزه عن ذلك كله. وقد يراد بالجسم ما يشار إليه أو ما يرى أو ما تقوم به الصفات فالله يشار إليه في الدعاء وبالقلوب والعيون ويرى في الآخرة عيانا وتقوم به الصفات، فإن أردت ليس بجسم هذا المعنى قيل لك هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول وأنت لم تقم دليلا على نفيه. وأما اللفظ فبدعة نفيا وإثباتا فما في النصوص ولا في قول السلف إطلاق لفظ الجسم على الله ولا نفيه، وكذلك لفظ الجوهر والمتحيز.

وكذلك قولك: "لا في مكان" قد يراد بالمكان ما يحوي الشيء ويحيط به ويحتاج إليه وقد يراد به ما فوق العالم وإن يكن أمرا موجودا فالأول الله [منزه] عنه، والثاني فنعم الله فوق خلقه. وإذا لم يكن إلا خالق أو مخلوق فالخالق بائن من المخلوق. فهو الظاهر ليس فوقه شيء وهو فوق سماواته فوق عرشه بائن من خلقه كما دل عليه الكتاب والسنة واتفقت عليه الأئمة.

وقولك: "وإلا لكان محدثا" أي لو كان جسما أو في مكان لكان محدثا، فما الدليل على ما ادعيت فكأنك اكتفيت بالدليل المشهور لسلفك المعتزلة من أنه لو كان جسما لم يخل عن الحركة والسكون وما لم يخل عن الحوادث فحادث لامتناع حوادث لا أول لها. ويقولون لو قام به علم وحياة وقدرة وكلام لكان جسما. والجواب إنه عندك حي عليم قدير ومع هذا فليس بجسم مع أنك لا تعقل حيا عالما قادرا إلا جسما. فإن كان قولك حقا أمكن أن يكون له حياة وعلم وقدرة وأن يكون مباينا للعالم عاليا عليه وليس بجسم. فإن قلت لا أعقل مباينا عاليا إلا جسما، قيل لك: ولا يعقل حي عليم قدير إلا جسم. وأيضا فإنه ليس إذا كان هذا الحادث ليس بدائم وهذا ليس بدائم باق يجب أن يكون نوع الحوادث ليس دائمة باقية. وأيضا فإن ذلك يستلزم حدوث الحوادث بلا سبب وذلك ممتنع في صريح العقل.

ولكن على الناس أن يؤمنوا بالله ورسوله ويصدقوه ويطيعوه فهذا أصل السعادة كلها. قال الله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} فالله سبحانه بعث الرسل بما يقتضي الكمال من إثبات أسمائه وصفاته المقدسة على وجه التفصيل والنفي على طريق الإجمال للنقص والتمثيل. فالرب تعالى موصوف بنعوت الكمال التي لا غاية فوقها منزه عن النقص بكل وجه ممتنع أن يكون له مثل في شيء من صفات الكمال. وقد أخبر النبي أن في الجنة ما لم يخطر على قلب بشر. فإذا كان هذا في المخلوق فما الظن بالخالق. وقال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. فإذا كان هذان المخلوقان متفقين في الاسم مع أن بينهما في الحقيقة تباينا لا يعرف قدره في الدنيا فمن المعلوم أن ما يتصف به الرب من صفات الكمال أعظم مباينة لما يتصف به العبد.

إلى أن قال شيخنا: فما ثبت عن الرسول وجب الإيمان به وما لم يثبت عنه فلا يجب الحكم فيه بنفي ولا إثبات حتى يعلم مراد المتكلم وتعلم صحة نفيه وإثباته. فالكلام في الألفاظ المجملة بالنفي والإثبات دون الاستفصال يوقع في الجهل والضلال والقيل والقال. وقد قيل: أكثر اختلاف العقلاء من جهة الاشتراك في الأسماء.

ومثبتو الجسم ونفاته موجودون في الشيعة وفي السنة. وأول ما ظهر إطلاق لفظ الجسم من متكلم الرافضة هشام بن الحكم، كذلك نقل ابن حزم وغيره. قال الأشعري في مقالات الإسلاميين: اختلف الروافض في التجسيم وهم ست فرق فالأولى الهشامية أصحاب هشام بن الحكم يزعمون أن معبودهم جسم وله نهاية وحد طوله كعرضه وعمقه وأنه نور ساطع كالسبيكة يتلألأ كاللؤلؤة المدروة ذو لون وطعم وريح ومجسّة. الفرقة الثانية زعموا أنه ليس بصورة ولا كالأجسام وإنما يذهبون في قولهم إنه جسم إلى أنه موجود وينفون عنه الأجزاء والأبعاض ويزعمون أنه على العرش بلا مماسة ولا كيف. الفرقة الثالثة من الرافضة يزعمون أنه على صورة الإنسان ويمنعون أن يكون جسما. الفرقة الرابعة أصحاب هشام بن سالم الجواليقي يزعمون أنه على صورة الإنسان وينكرون أن يكون لحما ودما ويقولون هو نور يتلألأ وأنه ذو حواس خمس وله يد ورجل وأنف وفم وعين وسائر حواسه متغايرة. وحكى أبو عيسى الوراق أن هشام بن سالم كان يزعم أن لربه وفرة سوداء وأن ذلك نور أسود. الفرقة الخامسة يزعمون أن له ضياء خالصا ونورا كالمصباح من حيث ما جئته يلقاك بأمر واحد وليس بذي صورة ولا اختلاف في الأجزاء. الفرقة السادسة من الرافضة يزعمون أنه ليس بجسم ولا صورة ولا يتحرك ولا يسكن ولا يماس وقالوا في التوحيد بقول المعتزلة. قال الأشعري: وهؤلاء قوم من متأخريهم [فأما أوائلهم فإنهم كانوا يقولون بما حكيناه عنهم من التشبيه.] ولقد طول شيخنا هنا إلى الغاية وأطنب وأسهب واحتج بمسألة القدر والرؤية والكلام إلى أن قال:

وأما قوله: "إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الخطأ والسهو والصغائر من أول العمر إلى آخره" فيقال: الإمامية متنازعون في هذا. قال الأشعري في المقالات: اختلف الروافض في الرسول هل يجوز أن يعصي ففرقة قالت يجوز ذلك وأن النبي عصى في أخذ الفداء يوم بدر. قالوا والأئمة لا يجوز عليهم ذلك فإن الرسول إذا عصى جاءه الوحي ورجع والأئمة لا يوحى إليهم فلا يجوز عليهم سهو ولا غلط. قال بهذا هشام بن الحكم. فنقول: اتفق المسلمون على أنهم معصومون فيما يبغلونه فلا يقرون على سهو فيه وبهذا يحصل المقصود من البعثة. أما وجوب كونه قبل النبوة لا يذنب ولا يخطئ فليس في النبوة ما يستلزم هذا فمن اعتقد أن كل من لم يكفر ولم يقتل ولم يذنب أفضل من كل من آمن بعد كفره واهتدى بعد ضلاله وتاب بعد ذنوبه فهو مخالف لما علم بالاضطرار من الدين. فمن المعلوم أن السابقين أفضل من أولادهم الذين ولدوا في الإسلام. وهل يشبه أبناء المهاجرين والأنصار بآبائهم عاقل، وأين المنتقل بنفسه من الكفر إلى الإيمان ومن السيئات إلى الحسنات بنظره واستدلاله وصبره وتوبته ومفارقته عاداته ومعاداته لرفاقه إلى من وجد أبويه وأقاربه وأهل بلده على دين الإسلام ونشأ في العافية؟ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما ينقض عرى الإسلام من لم يعرف الجاهلية. وقد وعد الله من تاب من الموبقات وآمن وعمل صالحا بأن يبدل سيئاتهم حسنات. وجمهور الأمة ممن يقول بجواز الصغائر على الأنبياء عليهم السلام يقولون: هم معصومون من الإقرار عليها فما يزدادون بالتوبة إلا كمالا. فالنصوص والآثار وإجماع السلف مع الجمهور. والمنكرون لذلك يقولون في تحريف القرآن ما هو من جنس قول أهل البهتان، كقولهم في {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك} أي ذنب آدم {وما تأخر} ذنب أمتك، فأما آدم فنبي كريم فوقعوا فيما فروا منه فنفوا الذنب عن نبينا وألصقوه بآدم. ثم إن آدم تاب الله عليه قبل أن يهبط إلى الأرض وقبل أن يولد نوح وإبراهيم والله يقول: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} فكيف يضاف ذنب هذا إلى ذنب هذا؟ ثم إن هذه الآية لما نزلت قال أصحابه: يا رسول الله هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} ثم كيف يقول من له مسكة عقل إن الله غفر ذنوب أمته جميعها وقد علم أن منهم من يدخل النار بذنوبه فأين المغفرة.

وأما قولك: "إن هذا ينفي الوثوق بهم ويوجب التنفير" فليس بصحيح، بل إذا اعترف الكبير بما هو عليه من الحاجة إلى توبته ومغفرة الله ورحمته دل ذلك على صدقه وتواضعه وبعده من الكبر والكذب. بخلاف من يقول ما لي حاجة إلى شيء من هذا فما صدر مني ما يحوجني إلى مغفرة ولا توبة، فإن مثل هذا إذا عرف من رجل نسبه الناس إلى الكبر والجهل والكذب. وثبت أن النبي قال: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» وثبت عنه أنه قال: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطأي وعمدي وكل ذلك عندي» متفق عليه، وقال : «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون»

وما ذكرتَه من عدم الوثوق والتنفير يحصل مع الإصرار والإكثار لا مع ندور الذنوب المتبوعة بكثرة الاستغفار والتوبة. أما من ادعى البراءة والسلامة فما أحوجه إلى الرجوع إلى الله والتوبة والإنابة. وما علمنا أن بني إسرائيل ولا غيرهم قدحوا في نبي من الأنبياء بتوبته في أمر من الأمور.

إلى أن قال: فأما ما تقوله الرافضة من أن النبي قبل النبوة وبعدها لا يقع منه خطأ ولا ذنب صغير وكذلك الاثني عشر؛ فهذا مما انفردوا به عن الأمة كلها. وقد كان داود عليه السلام بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة. وقال بعض المشايخ لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه ما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه. ولهذا تجد التائب الصادق أثبت على الطاعة وأشد حذرا من الذنوب من كثير ممن لم يبتل بذنب. فمن جعل التائب الذي اجتباه الله وهداه منقوصا فهو جاهل.

وقولك: "والأئمة معصومون كالأنبياء" فهذه خاصة الرافضة الإمامية التي ما شركهم فيها أحد إلا من هو شر منهم كالإسماعيلية القائلين بعصمة بني عبيد المنتسبين إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر، قالوا بأن الإمامة بعد جعفر في محمد بن إسماعيل دون موسى بن جعفر وهم ملاحدة زنادقة.

وأما قولك: "لا يجوز على الأنبياء سهو" فما علمت أحدا قاله.

وأما أخذ المعصومين عن جدهم فيقال أولا القوم إنما تعلموا حديث جدهم من العلماء، وهذا متواتر، فعلي بن الحسين يروي عن أبان بن عثمان عن أسامة بن زيد ومحمد بن علي يروي عن جابر وغيره. وثانيا فما فيهم من أدرك النبي إلا علي وولداه. وهذا علي يقول إذا حدثتكم عن رسول الله فوالله لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أكذب عليه وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة. ولهذا كان يقول القول ويرجع عنه. وكتب الشيعة مملوءة بالروايات المختلفة عن الأئمة.

وقولك: "إنكم تتناقلون ذلك خلفا عن سلف إلى أن تتصل الرواية بأحد المعصومين"؛ فإن كان ما تقول حقا فالنقل عن المعصوم الواحد كاف فأي حاجة في كل زمان إلى معصوم، وإذا كان النقل كافيا موجودا فأي فائدة في المنتظر الذي لا ينقل عنه كلمة، وإن لم يكن النقل كافيا فأنتم في نقصان وجهل من أربعمائة وستين سنة. ثم الكذب من الرافضة على هؤلاء يتجاوزون [به] الحد لا سيما على جعفر الصادق حتى كذبوا عليه كتاب الجفر والبطاقة وكتاب اختلاج الأعضاء وأحكام الرعود والبروق ومنافع القرآن وصارت هذه معايش للطرقية. فكيف يثق القلب بنقل [من كثر منهم الكذب] إن لم يعلم صدق الناقل واتصال السند. [وقد تعدى شرهم إلى غيرهم من أهل الكوفة وأهل العراق حتى كان أهل المدينة يتَوقون أحاديثهم. وكان مالك يقول: نزلوا أحاديث أهل العراق منزلة أحاديث أهل الكتاب لا تصدقوهم ولا تكذبوهم. وقال له عبد الرحمن ابن مهدي: يا أبا عبد الله سمعنا في بلدكم أربعمائة حديث في أربعين يوما ونحن في يوم واحد نسمع هذا كله، فقال له: يا عبد الرحمن من أين لنا دار الضرب التي عندكم دار الضرب تضربون بالليل وتنفقون بالنهار. ومع هذا إنه كان في الكوفة وغيرها من الثقات الأكابر كثير. ومن كثرة الكذب الذي كان أكثره في الشيعة صار الأمر يشتبه على من لا يميز بين هذا. وهذا بمنزلة الرجل الغريب إذا دخل إلى بلد نصف أهله كذابون خوانون فإنه يحترس منهم حتى يعرف الصدوق الثقة، وبمنزلة الدراهم التي كثر فيها الغش يحترس عن المعاملة بها من لا يكون نقادا. ولهذا كُره لمن لا يكون له نقد وتمييز النظر في الكتب التي يكثر فيها الكذب في الرواية والضلال في الآراء ككتب البدع. وكره تلقي العلم من القصاص وأمثالهم الذين يكثر الكذب في كلامهم وإن كانوا يقولون صدقا كثيرا. فالرافضة أكذب من كل طائفة باتفاق أهل المعرفة بأحوال الرجال.]

وقولك: "فلم يلتفتوا إلى القول بالرأي والاجتهاد وحرموا القياس" فالشيعة في ذا كالسنة فيهم أهل رأي وأهل قياس، وفي السنة من لا يرى ذلك، والمعتزلة البغداديون لا يقولون بالقياس وخلق من المحدثين يذمون القياس. وأيضا فالقول بالرأي والقياس خير من الأخذ بما ينقله من عرف بالكذب نقلَ غير مصدق عن قائل غير معصوم. ولا ريب أن الاجتهاد في تحقيق الأئمة الكبار لمناط الأحكام وتنقيحها وتخريجها خير من التمسك بنقل الرافضة عن العسكريين؛ فإن مالكا والليث والأوزاعي والثوري وأبا حنيفة والشافعي وأحمد وأمثالهم رضي الله عنهم أعلم من العسكريين بدين الله، [والواجب على مثل العسكريين أن يتعلموا من الواحد من هؤلاء. ومن المعلوم أن علي بن الحسين وأبا جعفر وجعفر بن محمد كانوا هم العلماء الفضلاء وأن من بعدهم لم يعرف عنه من العلم ما عُرف عن هؤلاء ومع هذا فكانوا يتعلمون من علماء زمانهم ويرجعون إليهم.]

قال: "أما باقي المسلمين فقد ذهبوا كل مذهب فقال [بعضهم وهم جماعة من] الأشاعرة إن القدماء [كثيرون] مع الله وهي المعاني التي يثبتونها موجودة في الخارج كالقدرة والعلم وغير ذلك، فجعلوه مفتقرا في كونه عالما إلى ثبوت معنى هو العلم وفي كونه قادرا إلى ثبوت معنى هو القدرة وغير ذلك ولم يجعلوه قادرا لذاته ولا عالما لذاته ولا حيا لذاته بل لمعان قديمة يفتقر في هذه الصفات إليها. واعترض شيخهم فخر الدين الرازي عليهم بأن قال النصارى كفروا بأن قالوا القدماء ثلاثة والأشاعرة أثبتوا قدماء تسعة".

فيقال: الكلام على هذا من وجوه:

أحدها أن هذا كذب على الأشعرية، ليس فيهم من يقول إن الله كامل بغيره ولا قال الرازي ما ذكرته بل ذكره الرازي عمن اعترض به واستهجن الرازي ذكره. وهو اعتراض قديم من اعتراضات نفاة الصفات الجهمية ذكره الإمام أحمد في الرد على الجهمية ثم قال: لا نقول إن الله لم يزل وقدرته ولم يزل ونوره بل نقول لم يزل الله بقدرته ونوره لا متى قدر ولا كيف قدر. فقالوا: لا تكونون موحدين حتى تقولوا كان الله ولا شيء. فقلنا: نحن نقول قد كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما تصف إلها واحدا بجميع صفاته؟ وضربنا لهم في ذلك مثلا فقلنا أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار واسمها اسم واحد وسميت نخلة بجميع صفاتها فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد، لا نقول إنه كان في وقت من الأوقات ولا يقدر حتى خلق قدرة ولا كان ولا يعلم حتى خلق لنفسه علما؛ والذي لا يقدر ولا يعلم عاجز جاهل، ولكن نقول لم يزل الله عالما قدارا مالكا لا متى ولا كيف.

الثاني أن يقال هذا القول المذكور ليس قول الأشعرية كلهم وإنما هو قول مثبتي الحال منهم الذين يقولون إن العالِمية حال معطلة بالعلم فيجعلون العلم يوجب حالا آخر ليس هو العلم بل هو كونه عالما. وهذا قول الباقلاني والقاضي أبي يعلى وأول قولي أبي المعالي. وأما جمهور مثبتة الصفات فيقولون إن العلم هو كونه [عالما] ويقولون لا يكون عالما إلا بعلم ولا قادرا إلا بقدرة أي يمتنع أن يكون عالما من لا علم له أو قادرا من لا قدرة له أو حيا من لا حياة له، فإن وجود اسم الفاعل بدون المصدر ممتنع وهذا كما لو قيل مصل بلا صلاة وصائم بلا صيام وناطق بلا نطق، فإذا قيل لا يكون مصل إلا بصلاة لم يكن المراد أن هنا شيئين أحدهما الصلاة والثاني حال معلل بالصلاة بل المصلي لا بد أن يكون له صلاة. وهم أنكروا قول نفاة الصفات الذين يقولون هو حي لا حياة له وعالم علم له وقادر لا قدرة له. فمن قال هو حي عليم قدير بذاته وأراد بذلك أن ذاته مستلزمة لحياته وعلمه وقدرته لم يحتج في ذلك إلى غيره. ومن تدبر كلام هؤلاء وجدهم مضطرين إلى إثبات الصفات وأنهم لا يمكنهم أن يفرقوا بين قولهم وقول المثبتة بفرق محقق لأنهم أثبتوا كونه تعالى حيا وكونه عالما وكونه قادرا ولا يجعلون هذا هو هذا ولا هذا هو هذا ولا هذه الأمور هذه الذات، فقد أثبتوا معاني زائدة على الذات المجردة. فقولك أثبتوا قدماء كثيرة لفظ مجمل يوهم أنهم أثبتوا آلهة غير الله في الأزل وأثبتوا مع الله غيره وهذا بهتان عليهم؛ وإنما أثبتوا صفات قائمة به قديمة بقدمه. فهل ينكر هذا إلا مخذول مسفسط. واسم الله يتناول الذات المتصفة بالصفات ليس هو اسما للذات المجردة.

وقولك: "يجعلونه مفتقرا في كونه عالما إلى ثبوت معنى هو العلم" فهذا يرد على مثبتة الحال وأما الجمهور فعندهم كونه عالما هو العلم، وبتقدير أن يقال كونه عالما مفتقر إلى العلم الذي هو لازم لذاته ليس في هذا إثبات فقر له إلى غير ذاته فإن ذاته مستلزمة للعلم والعلم مستلزم لكونه عالما فذاته هي الموجبة لهذا فالعلم كمال وكونه عالما كمال فإذا أوجبت ذاته هذا وهذا كان كما لو أوجبت الحياة والقدرة.

وقولك: "لم يجعلوه عالما لذاته [قادرا لذاته]" إن أردت أنهم لم يجعلوه عالما قادرا لذات مجردة عن العلم والقدرة كما يقول نفاة الصفات إنه ذات مجردة عن الصفات فهذا حق لأن الذات المجردة عن العلم والقدرة لا حقيقة لها في الخارج ولا هي الله. وإن أردت أنهم لم يجعلوه عالما قادرا لذاته المستلزمة للعلم والقدرة فهذا غلط عليهم بل نفس ذاته الموجبة لعلمه وقدرته هي التي أوجبت كونه عالما قادرا وأوجبت علمه وقدرته فإن هذه الأمور متلازمة.

وقولك: "فجعلوه محتاجا ناقصا في ذاته كاملا بغيره" كلام باطل فإنه هو الذات الموصوفة بالصفات اللازمة لها. وما في الخارج ذات مجردة عن صفات. وليست صفات الله غير الله.

[وقول القائل: إن النصارى قد كفروا بأن قالوا القدماء ثلاثة والأشاعرة أثبتوا قدماء تسعة.] والنصارى لم يكفرهم الله بقولهم القدماء ثلاثة بل بقولهم: {إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد} فبين تعالى أنهم كفروا بأن قالوا الله ثالث ثلاثة آلهة ولم يقل وما من قديم إلا قديم واحد، ثم أتبع ذلك بكشف حال الآخرين فقال: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} والإله يطعم ولا يطعم. وقال: {يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك} فليس في الكتاب والسنة ذكر لفظ القديم في أسماء الله وإن كان المعنى صحيحا. ثم النصارى معترفون بأن مريم وعيسى عليهما السلام ولدا وحدثا فكيف يقولون قديمان.

ثم إن الذين أثبتوا الصفات لا يقولون إن الله تاسع تسعة قدماء بل اسم الله عندهم يتضمن الذات والصفات، ولا أطلقوا على الصفات أنها غير الله. وقال النبي : «من حلف بغير الله فقد أشرك» وثبت في الصحيح الحلف بعزة الله وعمر الله. فالحلف بذلك ليس حلفا بغير الله. والصواب أن الصفات لا تنحصر في ثمانية كما قال بعض الأشعرية بل ولا تنحصر بعدد.

ثم إن النصارى أثبتوا ثلاثة أقانيم وقالوا إنها ثلاثة جواهر يجمعها جوهر واحد وإن كل واحد منها [إله] يخلق ويرزق، والمتحد بالمسيح هو أقنوم الكلمة والعلم. وهذا متناقض فإن المتحد إن كان صفة فالصفة لا تخلق ولا ترزق ولا تفارق الموصوف وإن كان الصفة هو الموصوف فهو الجوهر الواحد وهو الأب فيكون المسيح هو الأب. وليس هذا قولهم فأين هذا ممن يقول الإله واحد وله الأسماء الحسنى الدالة على صفاته العلى ولا خالق غيره ولا معبود سواه.

ومما افترته الجهمية على ابن كُلّاب لما صنف كتابا في الرد عليهم [أنهم] وضعوا على أخته حكاية أنها نصرانية وأنه لما أسلم هجرته فقال لها يا أختي إني أريد أفسد دين المسلمين، فرضيت عنه بذلك. ومقصود المفتري لهذه الحكاية أن يجعل قوله بإثبات الصفات هو قول النصارى، وبين القولين من الفرق كما بين القدم والفرق.

قال الرافضي: "وقالت الحشوية المشبهة إن لله جسما له طول وعرض وعمق ويجوز عليه المصافحة وأن الصلحاء يعاينونه في الدنيا. وحكي عن داود أنه قال: اعفوني عن الفرج واللحية وسلوني عما وراء ذلك. وقال: معبودي جسم ولحم ودم وله جوارح، حتى قالوا: اشتكت عيناه فعادته الملائكة وبكى على الطوفان حتى رمد".

فيقال هذا بعينه قول هشام بن الحكم الرافضي كما قدمنا، نقله الناقلون للمقالات عنه مثل أبي عيسى الوراق وزرقان وابن النوبختي والأشعري وابن حزم والشهرستاني وطائفة وقالوا أول من قال إنه جسم هشام بن الحكم. ونقلوا عن بيان بن سمعان التميمي أحد غلاة الشيعة أن الله على صورة الإنسان وأنه يهلك كله إلا وجهه، فقتله خالد بن عبد الله القسري. ونقلوا عن المغيرة بن سعيد أن معبوده رجل من نور على رأسه تاج من نور وله أعضاء كالرجل وله جوف وقلب وأن حروف أبي جاد على عدد أعضائه، وزعم أنه يحيي الموتى وأراهم نيرنجيات ومخاريق فادعوا نبوته فقتله خالد بن عبد الله. وذكروا عن المنصورية أصحاب أبي منصور أنه قال: آل محمد هم السماء والشيعة هم الأرض وأنه عرج به إلى السماء فمسح معبوده رأسه ثم قال اذهب فبلغ عني، ويمين أصحابه إذا حلفوا لا والكلمة، وزعم أن عيسى أول من خلق الله ثم علي وأن الرسل لا تنقطع، وزعم أن الجنة اسم رجل والنار كذلك، واستحل المحارم والدم والميتة والخمر وأن هذه أسماء أقوام حرم الله ولايتهم، وأسقط الفرائض وقال هي أسماء رجال تجب ولايتهم. قتله يوسف بن عمر. والنصيرية يشبهون المنصورية. وذكروا عن الخطابية أصحاب أبي الخطاب بن أبي زينب أنهم يزعمون أن الأئمة أنبياء مرسلون لا يزال منهم رسولان واحد ناطق وآخر صامت؛ فالناطق محمد والصامت علي وعبدوا أبا الخطاب ثم خرج أبو الخطاب على المنصور فقتله عيسى بن موسى بأرض الكوفة وهم يدينون بشهادة الزور لمن وافقهم، وذكروا عن البزيعية أنهم يقولون إن جعفر بن محمد هو الله وأن كل مؤمن يوحى إليه. قال الأشعري: وقد قال قوم بإلهية سلمان الفارسي. قال: وفي النساك من الصوفية من يقول بالحلول وأن الباري يحل في الأشخاص وأنهم إذا رأوا ما يعجبهم قالوا ما ندري لعل الله حل فيه. ومالوا إلى إطراح الفرائض وزعموا أن العبد إذا وصل إلى معبوده سقطت عنه الواجبات. قال: ومن الغالية من يزعم أن روح القدس هو الله كانت في النبي ثم في علي ثم في الحسن إلى أن ذكر المنتظر. قال: وهؤلاء آلهة عندهم كل واحد إله على التناسخ. ومنهم صنف يزعمون أن عليا هو الله ويشتمون النبي ويقولون إن عليا وجه به ليبين أمره فادعى الأمر لنفسه. ومنهم من يقول إن الله [حلَّ] في خمسة في النبي وعلي والحسن والحسين وفاطمة رضي الله عنهم أجمعين، ولهم خمسة أضداد أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية وعمرو. ومنهم السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ يزعمون أن عليا لم يمت وأنه يرجع إلى الدنيا فيملأ الأرض عدلا. وكان السيد الحميري يقول برجعة الأموات وهو القائل:

إلى يوم يؤوب الناس فيه ** إلى دنياهم قبل الحساب

ومنهم من يزعم أن الله وكل الأمور إلى محمد فخلق الدنيا ودبرها ويزعمون [أن] الأئمة ينسخون الشرائع وتهبط عليهم الملائكة بالوحي، ومنهم من يسلم على السحاب ويقول إذا مرت سحابة إن عليا فيها. وذكر الأشعري أشياء سوى ذلك، ولم تكن حدثت النصيرية ولا الإسماعيلية بعد. ومن قول النصيرية:

أشهد ألا إله إلا ** حيدرة الأنزع البطين

ولا حجاب عليه إلا ** محمد الصادق الأمين

ولا طريق إليه إلا ** سلمان ذو القوة المتين

ويقولون إن رمضان أسماء ثلاثين رجلا. وهذه المصائب أبوجادها الرفض.

وأما ما نقلتَ فلا يعرف عن إمام معروف بالسنة ولا من الفقهاء ولا حفاظ الحديث ولا مشايخ الطرق. فما علمنا من قال فيهم بالجسم والطول والعمق. واتفقوا على أن الله لا يرى في الدنيا بل في الآخرة كما ثبت في الصحاح قال النبي : «واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت» ومن أراد أن ينقل مقالة عن طائفة [فليسم القائل]، وإلا فكل أحد يمكنه الكذب.

وأما لفظ الحشوية فليس فيه ما يدل على شخص معين، فلا يدرى من هم هؤلاء. وإن أردت بالحشوية أهل الحديث فاعتقادهم هو السنة المحضة وما ثبت نقله. وما فيهم من يعتقد وله الحمد ما قلت. فبان كذبك في هذا وغيره.

وأما لفظ المشبهة فلا ريب أن أهل السنة متفقون على تنزيه الله عن مماثلة الخلق فالمشبهة هم الذين يمثلون صفاته بصفات خلقه وأهل السنة يصفون الله بما وصف به نفسه أو رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل؛ بل إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل. قال الله تعالى: {ليس كمثله شيء} يرد على الممثلة {وهو السميع البصير} يرد على المعطلة. وينزهون الله عن صفات النقص مطلقا كالنوم والسنة والنسيان والعجز والجهل ونحو ذلك. ويصفونه بصفات الكمال الواردة في الكتاب والسنة. ولكن نفاة الصفات يسمون كل من أثبت صفة مشبها حتى إن الباطنية يقولون من سمى الله بأسمائه الحسنى فهو مشبه ويقولون من قال حي عليم فقد شبهه بالأحياء العالمين ومن وصفه بأنه سميع بصير فقد شبهه بالآدمي وإذا قال هو رؤوف رحيم فقد شبهه بالنبي حتى قالوا لا نقول هو موجود حتى لا نشبهه بسائر الموجودات لاشتراكها في مسمى الوجود، وقالوا لا نقول معدوم ولا حي ولا ميت. فقيل لهم: فقد شبهوه بالممتنع بل جعلوه في نفسه ممتنعا، فإنه كما يمتنع اجتماع النقيضين يمتنع ارتفاعهما، فرجع الواجب الوجود إلى أنه ممتنع الوجود. ويقال للذين يقولون لا نقول هذا ولا هذا: عدم قولكم لا يبطل الحقائق في أنفسها بل هذا نوع من السفسطة. ومن قال لا موجود ولا معدوم فقد جزم بعد الجزم. فالسفسطة أنواع ثلاثة نفي الحقائق أو الوقف فيها أو جعلها تابعة لظنون الناس. وقد قيل بنوع رابع وهو القول بأن العالم في سيلان فلا يثبت.

[وأصل ضلال هؤلاء أن] لفظ التشبيه فيه إجمال، فما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك يتفق فيه الشيئان في الذهن ولا يجب تماثلهما فيه، بل الغالب تفاضل الأشياء في ذلك القدر المشترك، فإذا قيل في المخلوقات حي وحي وعليم وعليم لم يلزم تماثلهما في الحياة والعلم ولا أن يكون نفس حياة هذا وعلمه حياة الآخر وعلمه ولا يكونا مشتركين في موجود في الخارج عن الذهن. وكان جهم لا يسمي الله باسم يتسمّى به الخلق إلا بالقادر والخالق لأنه كان جبريا يرى أن العبد لا قدرة له. وربما قالوا ليس بشيء كالأشياء فقصدوا أن حقيقة التشبيه منتفية عنه.

[وتحقيق هذا الموضع بالكلام في معنى التشبيه والتمثيل. والتمثيل] قد نطق الكتاب بنفيه في غير موضع كقوله: {ليس كمثله شيء} {هل تعلم له سميا} {ولم يكن له كفوا أحد} {فلا تجعلوا لله أندادا} {فلا تضربوا لله الأمثال} وأما الجسم والجوهر والتحيز والجهة فلا نطق بها كتاب ولا سنة نفيا ولا إثباتا ولا الصحابة والتابعون. فأول من تكلم بذلك نفيا وإثباتا الجهمية والمعتزلة ومجسمة الرافضة والمبتدعة. فالنفاة نفوا هذه الأسماء وأدخلوا في النفي ما أثبته الله ورسوله من صفاته كعلمه وقدرته ومشيئته ومحبته ورضاه وغضبه وعلوه وقالوا إنه لا يرى ولا يتكلم بالقرآن ولا غيره؛ والمثبتة أدخلوا في ذاك ما نفاه الله ورسوله حتى أثبتوا رؤيته في الدنيا بالأبصار وأنه يصافح ويعانق وينزل عشية عرفة على جمل وقال بعضهم إنه يندم ويبكي ويحزن. وذلك وصف للرب بصفات يختص بها الآدميون فكل ما اختص به المخلوق فهو صفة نقص تعالى الله عن النقص أحد صمد فالأحد يتضمن نفي المثل والصمد يتضمن جميع صفات الكمال. فالجسم في اللغة الجسد كما ذكره الأصمعي وأبو زيد وغيرهما وهو البدن. قال الله تعالى: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم} وقال: {وزاده بسطة في العلم والجسم} وقال: {عجلا جسدا له خوار} وقد يراد به الكثافة تقول هذا أجسم من هذا. ثم صار الجسم في اصطلاح أهل الكلام أعم من ذلك فسموا الهواء جسما وإن كانت العرب لا تسمي ذلك جسما. ثم بينهم نزاع فيما يسمى جسما وهو مركب من جواهر منفردة متناهية كما يقوله أكثر القائلين بالجوهر الفرد وإما متناهية كما يقوله النظام والتزم "الطفرة" المعروفة به أو هو مركب من مادة وصورة كقول بعض المتفلسفة أو ليس مركبا لا من هذا ولا من هذا كما يقوله الهشامية والكلابية والنجارية والضرارية وكثير من الكرامية وكثير من الكتب ليس فيها هذا القول الثالث والصواب [أنه ليس مركبا من هذا ولا من هذا. وينبني على هذا أن ما] يحدثه الله من الحيوان والنبات والمعادن فهي أعيان مخلوقة على قول نفاة الجوهر الفرد. فأما على قول من يثبته فإنما يحدث أعراضا وصفات. وإلا فالجواهر باقية [ولكن] اختلف تركيبها ويقولون لا تستحيل حقيقة إلى حقيقة أخرى ولا تنقلب الأجناس بل الجواهر يغير الله تركيبها وهي باقية. والأكثرون يقولون باستحالة بعض الأجسام إلى بعض وانقلاب جنس إلى جنس كما تنقلب النطفة إلى علقة والعلقة إلى مضغة ثم إلى عظام، وهذا قول الفقهاء والأطباء. فالنظار كلهم متفقون فيما أعلم على أن الجسم يشار إليه وإن اختلفوا في كونه مركبا من الأجزاء المنفردة أو من المادة والصورة أو لا من هذا ولا من هذا. وقد تنازع العقلاء أيضا هل يمكن وجود موجود قائم بنفسه لا يشار إليه ولا يمكن أن يرى على ثلاثة أقوال فقيل لا يمكن ذلك بل هو ممتنع، وقيل هو ممتنع في المحدثات [الممكنة] التي تقبل الوجود والعدم، وقيل بل ذلك ممكن في الممكن والواجب، وهذا قول بعض الفلاسفة ما علمت قاله أحد من أهل الملل. ومثبتو ذلك يسمونها المجردات والمفارقات. وأكثر العقلاء يقولون وجود هذه في الأذهان لا في الأعيان وإنما يثبت ذلك من وجود نفس الإنسان التي تفارق بدنه. أما الملائكة فالمتفلسفة يقولون هي العقول والنفوس المجردات وهي الجواهر العقلية. وأما المسلمون وغيرهم من أهل الملل فيثبتون الملائكة وأنهم مخلوقون من نور كما صح عن النبي [في الحديث] و[هم] كما قال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} وقد ذكر الملائكة في غير موضع. وهؤلاء يقولون إن جبريل هو العقل الفعال أو هو ما يتخيل في نفس النبي من الصور الخيالية وكلام الله كما يوجد في نفس النائم. ومن عرف ما جاء به الرسول عَلِمَ ضلال هؤلاء وأنهم أبعد عن الإيمان من المشركين.

فإذا عرف تنازع النظام في حقيقة الجسم فلا ريب أن الله سبحانه ليس مركبا من الأجزاء المنفردة ولا من المادة والصورة ولا يقبل الانقسام ولا التفريق ولا الانفصال ولا كان مفرقا فاجتمع بل هو أحد صمد. والمعاني المعقولة من التركيب كلها منتفية عن الله تعالى. لكن المتفلسفة ومن وافقهم يزيدون على ذلك ويقولون إذا كان موصوفا بالصفات كان مركبا وإذا كانت له حقيقة ليست هي مجرد الوجود كان مركبا فقال لهم المسلمون المثبتون للصفات النزاع ليس في لفظ المركب فإن هذا اللفظ يقتضي أن غيره ركبه ولا يقول عاقل إن الله مركب لهذا الاعتبار، أما كونه ذاتا مستلزمة لصفات الكمال من العلم والقدرة والحياة فهذا لا يسمى مركبا فيما نعلم ولا عرف ذلك في اللغة، وإنما المركب ما كانت أجزاؤه متفرقة فجمع جمع امتزاج أو غير جمع امتزاج كتركيب الأطعمة والأشربة والأدوية والأبنية واللباس والحلية، ثم إن جميع العقلاء مضطرون إلى إثبات معاني متعددة لله [فالمعتزلي يسلم] أنه حي عالم قادر، فكونه حيا غير كونه قادرا، والفلسفي يقول إنه عاقل ومعقول وعقل ولذيذ ومتلذذ ولذة. وقال الطوسي في شرح الإشارات: "العلم هو المعلوم" ومعلوم فساد هذا بصريح العقل وبمجرد تصوره التام. وليس فرارهم إلا من معنى التركيب. وليس لهم قط حجة على نفي مسمى التركيب بجميع هذه المعاني بل عمدتهم أن المركب يفتقر إلى أجزائه وأجزاؤه غيره والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبا بنفسه بل يكون معلولا. وهذه الحجة جميع ألفاظها معلولة. فلفظ الواجب بنفسه يراد به الذي لا فاعل له ولا له علة فاعلة ويراد به الذي لا يحتاج إلى شيء مباين له ويراد به القائم بنفسه الذي لا يحتاج إلى مباين له، فعلى الأول والثاني فالصفات واجبة الوجود وعلى الثالث فالذات الموصوفة هي الواجبة والصفة وحدها لا يقال إنها واجبة الوجود ولا تنفك عن الذات. فقولهم إذا كان له ذات وصفات كان مركبا والمركب مفتقر إلى أجزائه وأجزاؤه غيره فلفظ الغير مجمل يراد به المباين. فالغيران ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان [أو مكان] أو وجود، ويراد بالغيرين ما ليس أحدهما الآخر أو ما جاز العلم بأحدهما مع الجهل بالآخر. وهذا اصطلاح أكثر المعتزلة وغيرهم. وأما السلف كالإمام أحمد وغيره فلفظ الغير عندهم يراد به هذا ويراد به هذا. ولهذا لم يطلقوا القول بأن علم [الله] غيره ولا أنه ليس بغيره فلا يقولون هو هو ولا هو غيره، لأن الجهمية يقولون ما سوى الله مخلوق وكلامه سواه فيكون مخلوقا. وقد ثبت في السنة جواز الحلف بالصفات كعزته وعظمته مع قول النبي : «من حلف بغير الله فقد أشرك» فعلم أن الصفات لا تدخل في مسمى الغير عند الإطلاق. وإذا أريد بالغير أنه ليس هو إياه فلا ريب أن العلم غير العالم والكلام غير المتكلم. ويراد بالافتقار التلازم بمعنى أنه لا يوجد أحدهما إلا مع الآخر وإن لم يكن أحدهما [مؤثرا] في الآخر مثل الأبوة والبنوة. والمركب قد عرف ما فيه من الاشتراك فإذا قيل لو كان عالما لكان مركبا من ذات وعلم فليس المراد به أن الذات والعلم كانا مفترقين فاجتمعا وتركبا ولا أنه يجوز مفارقة أحدهما الآخر، بل المراد أنه إذا كان عالما فهناك ذات وعلم قائم بها.

وقوله: "والمركب مفتقر إلى أجزائه" فمعلوم أن افتقار المجموع إلى أبعاضه ليس بمعنى أن أبعاضه فعلته أو وجدت دونه أو أثرت فيه بل بمعنى أنه لا يوجد إلا بوجود المجموع، فإذا قيل الشيء مفتقر إلى نفسه بهذا المعنى لم يكن هذا ممتنعا بل هذا هو الحق فإن نفس الواجب لا يستغني عن نفسه. وإذا قيل هو واجب بنفسه فليس المراد أن نفسه أبدعت وجوبه بل المراد أن نفسه موجودة بنفسها لم تفتقر إلى غير. وإذا قيل العشرة مفتقرة إلى العشرة لم يكن في هذا افتقار لها إلى غيرها. وإذا قيل هي مفتقرة إلى الواحد الذي هو جزؤها لم يكن افتقارها إلى بعضها بأعظم من افتقارها إلى المجموع الذي هو هي. فكون المبدع مستلزما لصفاته. فهذا لم ينف حجة أصلا ولا هذا التلازم ينبغي أن يسمى فقرا.

وأيضا فتسمية الصفات القائمة بالموصوف جزءا ليس هو من اللغة المعروفة، إنما ذا اصطلاح لهم، ولو تنزلنا وسميناه باصطلاحهم لم يكن فيه محذور فلا عبرة بتهويل الفلاسفة وأتباعهم. فالذين نفوا علمه بالأشياء قالوا لئلا يلزم التكثير، والذين نفوا علمه بالجزئيات قالوا لئلا يلزم التغير؛ فيهولون بلفظ التكثير والتغير وهما لفظان مجملان منكران يوهمان أنه يتكثر الآلهة و[أن] الرب يتغير كما يتغير الإنسان وكما تتغير الشمس إذا اصفر لونها ولا يدري السامع أنه عندهم إذا أحدث ما لم يكن [محدثا] سموه تغيرا وإذا سمع دعاء عباده سموه تغيرا وإذا رأى ما خلقه سموه تغيرا وإذا كلم موسى سموه تغيرا وإذا رضي عن الطائع سموه تغيرا. ثم إنهم ينفون ذلك بغير دليل أصلا كما اعترف به غير واحد والأدلة الشرعية والعقلية توجب ثبوت ذلك. فدعوى المدعي على اللغة أن ما يشار إليه جسم مركب غير صحيح. وجمهور المسلمين القائلين ليس بجسم يقولون من قال إنه جسم وأراد بذلك أنه موجود أو قائم بنفسه ونحو ذلك أو قال إنه جوهر وأراد بذلك أنه قائم بنفسه فهو مخطئ في اللفظ لا المعنى. أما إذا قال إنه مركب من جواهر منفردة ففي كفره تردد. ثم القائلون بأن الجسم مركب من جواهر قد تنازعوا في مسماه فقيل الجوهر الواحد بشرط انضمام غيره إليه يكون جسما، كقول ابن الباقلاني وأبي يعلى وغيرهما؛ وقيل بل الجوهران فصاعدا وقيل بل أربعة فصاعدا وقيل بل ستة فصاعدا وقيل بل ثمانية فصاعدا وقيل ستة عشر وقيل بل اثنان وثلاثون.

فقد تبين أن في هذا اللفظ من المنازعات اللغوية والاصطلاحية والعقلية والشرعية ما يبين أن الواجب الاعتصام بالكتاب والسنة. قال الله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} وقال تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} وقال تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل به أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} الآيات. فما أثبته الله ورسوله أثبتناه وما نفاه الله ورسوله نفيناه. فالنصوص نعتصم بها في الإثبات والنفي لفظا ومعنى. أما ألفاظ تنازع فيها من ابتدعها كالجسم والجوهر والتحيز والجهة والتركيب والتعين فلا تطلق نفيا ولا إثباتا حتى ينظر في مقصود قائلها؛ فإن أراد بالنفي أو الإثبات معنى صحيحا موافقا للنصوص صوب المعنى الذي قصده بلفظه وزجر عن اللفظ المبتدع المجمل إلا عند الحاجة في محاورة الخصم مع قرائن تبين المراد بها، مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها. وأما أن يراد بها معنى باطل فهذا ضلال. وإن أريد بها حق وباطل عرف الخصم وفسر له هذا من هذا. وإن اتفق شخصان على معنى وتنازعا في دلائله فأقربهما إلى الصواب من وافق اللغة المنقولة.

وأما المتحيز ففي اللغة ما تحيز إلى غيره كقوله تعالى: {أو متحيزا إلى فئة} وهذا لا بد أن يحيط به حيز وجودي. فالباري تعالى لا يحيط به شيء من مخلوقاته فلا يكون متحيزا في اللغة. وأما أهل الكلام فاصطلاحهم في المتحيز أعم من هذا يجعلون كل جسم متحيزا والجسم عندهم ما يشار إليه فتكون السماوات والأرض وما فيهما متحيزا على اصطلاحهم لا في اللغة؛ ويريدون بالحيز أمرا معدوما والمكان أمرا موجودا يخالف الحيز العدمي. فمجموع الأجسام ليست في شيء موجود فليست في مكان. والفخر الرازي يجعل الحيز تارة موجودا وتارة معدوما. وقد علم بالعقل والنقل أن الله بائن من خلقه لأنه كان قبل خلق السماوات والأرض فلما خلقها إما أن يكون قد دخل فيها أو دخلت فيه وكلاهما ممتنع فتعين أنه بائن عنها، والنفاة يدعون أنه [ليس مباينا] لخلقه ولا مداخلا له، وهذا ممتنع في العقول لكن يدعون أن القول بامتناع ذلك هو من حكم الوهم لا من حكم العقل. ثم إنهم تناقضوا فقالوا لو كان فوق العرش لكان جسما لأنه لا بد أن يتميز مما يلي هذا الجانب. فقيل لهم: معلوم بضرورة العقل أن إثبات موجود فوق العالم ليس بجسم أقرب إلى العقل من إثبات قائم بنفسه ليس بمباين للعالم ولا بمداخل له.

وكذلك لفظ الجهة يراد به أمر موجود كالفلك الأعلى ويراد به أمر عدمي كما وراء العالم. فإذا أريد به الثاني أمكن أن يقال كل جسم في جهة وإذا أريد الأول امتنع أن يكون كل جسم في جسم آخر. فمن قال الباري في جهة وأراد بها أمرا موجودا فكل ما سواه مخلوق له [في جهة بهذا التفسير] فهذا مخطئ. وإن أراد بالجهة أمرا عدميا وهو ما فوق العالم وقال إن الله فوق العالم فقد أصاب. [وليس فوق العالم موجود غيره، فلا يكون سبحانه في شيء من الموجودات.]

وقد تنازع المتكلمون في الأسماء التي تَسمّى الله بها وتُسمى بها عباده كالموجود والحي والعليم والقدير. فقال بعضهم هي مقولة بالاشتراك اللفظي حذرا من إثبات قدر مشترك بينهما، لأنهما إذا اشتركا في مسمى الوجود لزم أن يمتاز الواجب عن الممكن بشيء آخر فيكون مركبا، وهذا قول بعض المتأخرين كالشهرستاني والرازي في أحد قوليهما وكالآمدي مع توقفه أحيانا، ونقل ذلك عن الأشعري وأبي الحسين البصري وهو غلط عليهما وإنما ذكروا ذلك عنهما لأنهما لا يقولان بالأحوال ويقولان وجود الشيء عين حقيقته فظنوا أن من قال ذلك يلزمه أن يقول إن لفظ المشترك الموجود يقال بالاشتراك اللفظي عليهما لأنه لو كان متواطئا لكان بينهما قدر مشترك فيمتاز أحدهما عن الآخر بخصوص حقيقته والمشترك ليس هو المميز فلا يكون الوجود المشترك هو الحقيقة المميزة. والرازي والآمدي ونحوهما ظنوا أنه ليس في المسألة إلا هذا القول وقول من يقول بأن اللفظ متواطئ ويقول وجوده زائد على حقيقته، كما هو قول أبي هاشم وأتباعه من المعتزلة والشيعة أو قول ابن سينا بأنه متواطئ مع أنه الوجود المفيد لسلب الأمور الثبوتية. وذهب بعض الباطنية و[غلاة] الجهمية إلى أن هذه الأسماء حقيقة في العبد مجاز في الرب. قالوا هذا في الحي ونحوه. وذهب أبو العباس الناشئ إلى ضد ذلك. وزعم ابن حزم أن أسماء الله لا تدل على المعاني فلا يدل عليم على علم ولا قدير على قدرة، بل هي أعلام محضة. وكل هذا غلو في [نفي] التشبيه لزم منه نفي صفات الرب وظنوا أن ثبوت الكليات المشتركة بني في الخارج، كما غلط الرازي فظن أنه إذا كان هذا موجودا وهذا موجودا والوجود شامل لهما كان بينهما موجود مشترك كلي في الخارج فلا بد من مميز يميز هذا عن هذا والمميز إنما هو الحقيقة فيجب أن يكون هناك وجود مشترك وحقيقة مميزة. ثم إن هؤلاء يتناقضون فيجعلون الوجود ينقسم إلى واجب وممكن كما تنقسم سائر الأسماء العامة الكلية لا كما تنقسم الألفاظ المشتركة كلفظ سهيل المقول على الكوكب وعلى ابن عمرو إذ لا يقال فيها تنقسم إلى كذا وكذا لكن يقال إن هذا اللفظ يطلق على هذا وهذا على هذا، وهذا أمر لغوي لا تقسيم عقلي. وهناك تقسيم عقلي تقسيم المعنى الذي هو مدلول اللفظ العام. وظن بعض الناس أنه يخلص من هذا بأن جعل لفظ الوجود مشككا لكون الوجود الواجب أكمل كما يقال في لفظ السواد والبياض المقول على سواد القار وسواد الحدقة وبياض الثلج وبياض العاج. ولا ريب أن المعاني الكلية قد تكون متفاضلة في مواردها وتخصيص هذا القسم بلفظ المشكك أمر اصطلاحي ولهذا كان من الناس من قال هو نوع من المتواطئ لأن واضع اللغة لم يضع اللفظ بإزاء التفاوت الحاصل لأحدهما بل بإزاء القدر المشترك.

وبالجملة فالنزاع في هذا لفظي فالمتواطئة العامة تتناول المشككة فأما المتواطئة التي تتساوى معانيها فهي قسيم المشككة. فالجمهور على أن هذه الأسماء عامة كلية سواء سميت متواطئة ومشككة، ليست ألفاظا مشتركة اشتراكا لفظيا فقط وهذا مذهب أهل السنة والمعتزلة والأشعرية والكرامية. ولقد طول شيخنا ابن تيمية هنا وما أبقى ممكنا، إلى أن قال:

[وإذا تبين هذا فقول هذا المصنف وأشباهه: "قول المشبهة" إن أراد بالمشبهة من أثبت من الأسماء ما يسمى به الرب والعبد فطائفتة وجميع الناس مشبهة، وإن أراد به من جعل صفات الرب مثل صفات العبد فهؤلاء مبطلون ضالون وهم فيهم أكثر منهم في غيرهم. وأنت تتكلم بألفاظ لا تفهم معانيها ولا موارد استعمالها وإنما تقوم بنفسك صورة تبنى عليها، وكأنك والله أعلم عنيت بالحشوية المشبهة من ببغداد والعراق من الحنبلية دون غيرهم، وهذا من جهلك فإنه ليس للحنبلية قول انفردوا به عن غيرهم من أهل السنة والجماعة، بل كل ما يقولونه قد قاله غيرهم من طوائف أهل السنة. ومذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد؛ فإنه مذهب الصحابة الذي تلقوه عن نبيهم ومن خالف ذلك كان مبتدعا عند أهل السنة والجماعة فإنهم متفقون على أن إجماع الصحابة حجة ومتنازعون في إجماع من بعدهم. وأحمد بن حنبل إن كان قد اشتهر بإمامة السنة والصبر في المحنة فليس ذلك لأنه انفرد بقول أو ابتدع قولا بل لأن السنة التي كانت موجودة معروفة قبله علمها ودعا إليها وصبر على ما امتحن به ليفارقها، وكان الأئمة قبل قد ماتوا قبل المحنة فلما وقعت محنة الجهمية نفاة الصفات في أوائل المائة الثالثة على عهد المأمون وأخيه المعتصم ثم الواثق ودعوا الناس إلى التجهم وإبطال صفات الله وهو المذهب الذي ذهب إليه متأخرو الرافضة وكانوا قد أدخلوا معهم من أدخلوه من ولاة الأمر فلم يوافقهم أهل السنة والجماعة حتى هددوا بعضهم بالقتل وقيدوا بعضهم وعاقبوهم بالرهبة والرغبة. وثبت أحمد بن حنبل على ذلك الأمر حتى حبسوه مدة ثم طلبوا أصحابهم لمناظرته فانقطعوا معه في المناظرة يوما بعد يوم. ولما لم يأتوا بما يوجب موافقته لهم وبين خطأهم فيما ذكروا من الأدلة وكانوا قد طلبوا أئمة الكلام من أهل البصرة وغيرهم مثل أبي عيسى محمد بن عيسى برغوث صاحب حسين النجار وأمثاله ولم تكن المناظرة مع المعتزلة فقط بل كانت مع جنس الجهمية من المعتزلة والنجارية والضرارية وأنواع المرجئة.] فكل معتزلي جهمي وليس كل جهمي معتزليا. لكن جهم أشد تعطيلا لأنه ينفي الأسماء والصفات، والمعتزلة تنفي الصفات. وبشر المريسي كان من كبار الجهمية وكان مرجئا لم يكن معتزليا. وبسبب محنة الإمام أحمد كثر الكلام والتدقيق والبحث في هذه الأشياء ورفع الله قدر الإمام أحمد وأتباعه. ولكن الرافضي أخذ ينكت على كل طائفة بما ظن أنه يخرجها به من الأصول والفروع وظن أن طائفته هي السليمة من القدح. [وقد اتفق عقلاء المسلمين على أنه ليس في طوائف أهل القبلة أكثر جهلا وضلالا وكذبا وبدعا وأقرب إلى كل شر وأبعد من كل خير من طائفته. ولهذا لما صنف الأشعري كتابه في المقالات ذكر أولا مقالتهم وختم بمقالة أهل السنة والحديث وذكر أنه بكل ما ذكر من أقوال أهل السنة والحديث يقول وإليه يذهب.]

فتسميته لأهل الآثار والإثبات مشبهة كتسميتهم لمن أثبت خلافة الثلاثة ناصبيا بناء على اعتقادهم أنه لا ولاية لعلي إلا بالبراءة من الثلاثة. وإنما النصب هو بغض أهل البيت ومعاداتهم. والتشبيه هو جعل صفات الرب مثل صفات العبد. ومن أراد أن يمدح أو يذم فعليه أن يبين دخول الممدوح والمذموم في تلك الأسماء التي علق الله ورسوله بها المدح والذم. أما إذا كان الاسم ليس له أصل في الشرع ودخول الداخل فيه مما ينازع فيه المدخل بطلت كل من المقدمتين. والكتاب والسنة ليس فيهما لفظة ناصبة ولا مشبهة ولا حشوية بل ولا فيهما لفظ رافضي. فنحن إذا قلنا رافضة نذكره للتعريف لدخول أنواع مذمومة بالنص فيه، فبقي علما على هؤلاء الجهلة الذين عدموا الصدق والتوفيق.

وقولك: "داود الطائي" فجهل وإنما هو الجواربي، فقد قال الأشعري: وقال داود الجواربي ومقاتل بن سليمان إن الله جسم وإنه جثة وأعضاء على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم له جوارح وأعضاء، وهو مع هذا لا يشبهه شيء. وقال هشام بن سالم الجواليقي إنه على صورة الإنسان، وأنكر أن يكون لحما ودما وأنه نور يتلألأ وأنه ذو حواس خمس سمعه غير بصره وكذلك سائر حواسه وله يد ورجل وعين وفم وأنف وأن له وفرة سوداء.

قلت: الأشعري ينقل هذه المقالات من كتب المعتزلة وفيهم انحراف عن مقاتل فلعلهم زادوا عليه، وإلا فما أظنه يصل إلى هذا الحد. وقد قال الشافعي: من أراد التفسير فهو عيال على مقاتل ومن أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة. وأما داود الطائي فكان فقيها زاهد عابدا ما قال شيئا من هذا الباطل ولا دخل في هذا.

قال: "وذهب بعضهم إلى أن الله ينزل كل ليلة جمعة بشكل أمرد راكبا على حمار حتى أن بعضهم ببغداد وضع على سطحه معلفا يضع فيه شعيرا كل ليلة جمعة الجواز أن ينزل الله على سطحه فيشتغل الحمار بالأكل ويشتغل الرب بالنداء هل من تائب"

قلنا: هذا وأمثاله إما كذب أو وقع لجاهل مغمور ليس بقول عالم ولا معروف. وقد صان الله علماء السنة بل وعامتهم من قول هذا الهذيان الذي لا ينطلي على الصبيان. ثم لم يرو في ذلك شيء لا بإسناد ضعيف ولا بإسناد مكذوب. ولا قال أحد إنه تعالى ينزل ليلة الجمعة إلى الأرض ولا أنه في شكل أمرد. وهذا مثل حديث الجمل الأورق وأنه تعالى ينزل عشية عرفة فيعانق المشاة ويصافح الركبان؛ قبح الله من وضعه. وما أكثر الكذب في العالم ولكن تسعة أعشاره أو أقل أو أكثر بأيدي الرافضة. وأما أحاديث النزول إلى سماء الدنيا فمتواترة، وحديث دنوه عشية عرفة فأخرجه مسلم. ولا نعلم كيف ينزل ولا كيف استوى.

قال: "وقالت الكرامية إن الله في جهة فوق ولم يعلموا أن كل ما هو في جهة فهو محدث محتاج إلى تلك الجهة"

فيقال له: نعم هذا مذهبهم ومذهب كبار الشيعة المتقدمين وأنت لم تذكر حجة على إبطاله. وجمهور الخلق على أن الله فوق العالم وإن كان أحدهم لا يلفظ بلفظ الجهة فهم مفطورون مجبولون على أن معبودهم فوق. كما قال أبو جعفر الهمداني لأبي المعالي [ما معناه: إن الاستواء علم بالسمع ولو لم يرد به لم نعرفه وأنت قد تتأوله فدعنا من هذا و] أخبرنا عن هذه الضرورة [التي نجدها في قلوبنا فإنه ما قال عارف قط يا الله إلا وقبل أن ينطق لسانه يجد في قلبه معنى يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فهل عندك من حيلة في دفع هذه الضرورة [عن قلوبنا؟ فلطم المتكلم رأسه وقال: حيرني الهمداني] يعني أن الدليل على نفي الفوقية نظري فكيف يعارض ضرورة الفطر، بل وتواتر النصوص، فإن دفع الضروريات بالنظريات غير ممكن. ولو قدح في الضروريات لكان ذلك قدحا في أساس النظريات وهو من باب قدح الفرع في أصله فتبطل الضروريات والنظريات. وأيضا فإن هؤلاء قرروا ذلك بأدلة عقلية كقولهم كل موجودين إما متباينان وإما متداخلان وقالوا إن العلم بذلك بضروري وقالوا إثبات موجود لا يشار إليه مكابرة للحس والعقل. وهذا القرآن ينطق بالعلو [في مواضع كثيرة جدا] حتى قيل إنها نحو ثلاثمائة موضع. والسنن ملأى بذلك وكلام السلف يقتضي اتفاقهم على ذلك. فمن يريد التشنيع على الناس ودفع الدلائل القاطعة لا بد أن يذكر حجة. فقولكَ: "إن كل ما هو في جهة فهو محدث ومحتاج إليها" إنما يستقيم إذا كانت الجهة أمرا ثبوتيا وجوديا وكانت لازمة له. فلا ريب أن من قال إن الباري لا يقوم إلا بمحل يحل فيه لا يستغني عنه فقد جعله محتاجا. وهذا لم يقله أحد ولا علمنا أحدا قال إنه محتاج إلى شيء من مخلوقاته لأنه خلق العرش فدل على أنه غني عنه قبل وبعد وإذا كان فوقه لم يجب أن يكون محتاجا إليه. بل الله قد خلق العالم بعضه فوق بعض ولم يجعل عاليه محتاجا إلى سافله فالأرض فوقها الهواء والسحاب ثم السماوات ثم العرش. ونحن نعلم أنه لا قوة إلا بالله وأن القوة التي في حملة العرش هو خالقها. ولو احتج عليك سلفك مثل علي بن يونس القمي الرافضي القائل بأن العرش يحمله، لم يكن عندك حجة فإنهم يقولون لم نقل إنه محتاج إليه ولكن قلنا إنه على كل شيء قدير وإذا جعلناه قادرا على أن خلق شيئا يحمله كان ذلك وصفا له بكمال الاقتدار لا بالحاجة.

وقد قدمنا أن لفظ الجهة يراد به أمر موجود مخلوق وأمر معدوم. فمن قال إنه تعالى فوق العالم جميعه لم يقل إنه في جهة موجودة إلا أن يراد بالجهة العرش ويراد بكونه فيها أنه عليها كما جاء أنه في السماء أي على السماء. وهؤلاء أخذوا لفظ الجهة بالاشتراك وأوهموا أنه إذا كان في جهة كان في شيء غيره كما يكون الإنسان في بيته، ثم رتبوا على ذلك أن يكون محتاجا إلى غيره وهذه مقدمات باطلة. وقالوا إنه لو كان في جهة لكان جسما وكل جسم محدث لأن الجسم لا يخلو من الحوادث فهو حادث. وكل هذه مقدمات متنازع فيها. فمن الناس من يقول قد يكون في الجهة من ليس بجسم. فإذا قيل له هذا خلاف المعقول قال هذا أقرب إلى العقول من موجود لا داخل العالم ولا خارجه. ومن الناس من لا يسلم أن كل جسم محدث كالكرامية وقدماء الشيعة ولا يسلمون أن الجسم لا يخلو من الحوادث، وكثير من أهل الحديث والكلام والفلسفة ينازعون في قولهم إن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث.

قال: "وذهب الأكثر منهم إلى أن الرب يفعل القبائح والكفر وأن جميع ذلك واقع بقضاء الله وقدره وأن العبد لا تأثير له في ذلك وأن الله يريد المعاصي من الكافر ولا يريد منه طاعة".

قلنا: قد تقدم أن مسائل القدر والتعديل والتجوير ليست ملزومة لمسائل الإمامة ولا لازمة لها وأنت تعيدها وتبدئها. فإن خلقا ممن يقر بإمامة أبي بكر وعمر قدرية وخلقا من الرافضة بعكس ذلك. فليس أحد البابين مرتبطا بالآخر أصلا. والمنقول عن أهل البيت في إثبات القدر والصفات لا ينحصر؛ ولكن متأخرو الرافضة جمعوا إلى رفضهم التجهم والقدر [كصاحب هذا الكتاب].

وقولك عنهم: "إن العبد لا تأثير له في الكفر والمعاصي" فنقل باطل، بل جمهور من أثبت القدر يقول إن العبد فاعل لفعله حقيقة وإن له قدرة واستطاعة، ولا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعية بل يقرون بما دل عليه الشرع والعقل من أن الله يخلق السحاب بالرياح وينزل الماء بالسحاب وينبت النبات بالماء والله خالق السبب والمسبب، ومع أنه خالق السبب فلا بد له من سبب آخر يشاركه ولا بد له من معارض يمانعه فلا يتم أثره مع خلق الله له إلا بأن يخلق الله السبب الآخر ويزيل الموانع. ولكن ما قلته هو قول الأشعري ومن وافقه لا يثبتون في المخلوقات قوى ولا طبائع ويقولون إن الله فعل عندها لا بها ويقولون قدرة العبد لا تأثير لها في الفعل. وأبلغ من ذلك قول الأشعري إن الله فاعل فعل العبد وإن فعل العبد ليس فعله بل كسب له وإنما هو فعل الله فقط. وجمهور الناس والسنة على خلاف قوله وعلى أن العبد فاعل لفعله حقيقة.

وقولك: "يريد المعاصي من الكافر" هو قول طائفة، وهم الذين يجعلون الإرادة نوعا واحدا ويجعلون المحنة والرضا والغضب بمعنى الإرادة وهو أشهر قولي الأشعري وقول أكثر أصحابه. وأما جمهور السنة فيفرقون بين الإرادة والمحبة والرضا ويقولون إنه وإن كان يريد المعاصي فهو لا يحبها ولا يرضاها بل يبغضها. والمحققون يقولون الإرادة في القرآن نوعان: إرادة قدرية كونية وإرادة شرعية دينية. فالشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضا. والقدرية هي الشاملة لجميع الحوادث. فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. قال الله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} وقال: {إن كان الله يريد أن يغويكم} فهذه الإرادة تعلقت بالإضلال والإغواء. وأما الشرعية فكقوله: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم} وقوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} فهذه غير تيك.

قال: "وهذا يستلزم أشياء شنيعة منها أن يكون الله أظلم من كل ظالم لأنه يعاقب الكافر على كفره وهو قدره عليه ولم يخلق فيه قدرة على الإيمان فكما أنه يلزم الظلم لو عذبه على كونه طوله وقصره يلزم أن يكون ظالما لو عذبه على المعصية التي جعلها فيه".

فيقال: قد مر أن الجمهور في تفسير الظلم على قولين. أحدهما أن الظلم ممتنع لذاته غير مقدور كما صرح به الأشعري والقاضي أبو بكر وأبو المعالي والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني، ويقولون إنه غير قادر على الكذب والظلم والقبيح ولا يصح وصفه بشيء من ذلك، ودلالتهم على استحالة وقوع ذلك منه أن الظلم والقبيح ما شرع الله وجوب ذم فاعله وذم الفاعل لما ليس له فعله، ولن يكون كذلك حتى يكون متصرفا فيما غيره أملك به وبالتصرف فيه منه، فوجب استحالة ذلك في حقه من حيث لم يكن أمر الناس بذمه ولا كان ممن يجوز دخول أفعاله تحت تكليف من نفسه لنفسه ولا يكون فعله تصرفا في شيء غيره أملك به، فثبت بذلك استحالة تصوره في حقه. وحقيقة قول هؤلاء أن الذم إنما يكون لمن تصرف في ملك غيره ومن عصى الأمر، والله يمتنع أن يأمره أحد ويمتنع أن يتصرف في ملك غيره فإن الأشياء له. وهذا القول يروى عن إياس بن معاوية قال: ما خاصمت بعقلي كله إلا القدرية قلت: أخبروني ما الظلم؟ قالوا أن يتصرف الإنسان فيما ليس له، قلت: فلله كل شيء. ثم هؤلاء يجوزون التعذيب لا لجرم، فلا يرد عليه المعارضة بتعذيب القصير لقصره ولا الأسود للونه لأنهم يجوزون ذلك لمحض المشيئة.

القول الثاني أن الظلم مقدور لله منزه عنه كتعذيب الإنسان بذنب غيره، كما قال تعالى: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما} وهؤلاء يقولون الفرق بين تعذيب الإنسان على فعله الاختياري وغير فعله الاختياري مستقر في فطر العقول. ويقولون الاحتجاج بالقدر على الذنوب مما يعلم بطلانه بالعقل فإن الظالم لغيره لو احتج بالقدر لاحتج ظالمه بالقدر أيضا، فالاحتجاج على فعل المعاصي بالقدر باطل باتفاق الملل والعقلاء، وإنما يحتج به من اتبع هواه كما قيل أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري أي مذهب وافق هواك تمذهبت به. ولو كان القدر حجة لفاعل الفواحش لم يحسن أن يلوم أحد أحدا ولا أن يعاقب أحد أحدا. وقد يعرض ذلك لكثير من المدعين الحقيقة [من الفقراء والصوفية والعامة وغيرهم] فيُشهدون القدر ويعرضون عن الأمر والنهي. فلا عذر لأحد في ترك مأمور ولا فعل محظور بكون ذلك مقدرا عليه بل لله الحجة البالغة على خلقه. فالمحتجون بالقدر على المعاصي شر من القدرية المكذبين بالقدر. ومن ثم اتُّهم بالقدر جماعة لم يكونوا قدرية لكن كانوا لا يقبلون الاحتجاج على المعاصي بالقدر، كما قيل للإمام أحمد: كان ابن أبي ذئب قدريا؟ فقال: الناس كل من شدد عليهم المعاصي قالوا هو قدري. ولهذا تجد الذين يُشهدون القدر ينكرون على من أنكر المنكر ويقولون هؤلاء قُدِّر عليهم. فيقال لهذا: وإنكار المنكر أيضا بقدر الله فنقضت قولك بقولك. ومن جهلة مشايخهم من يقول أنا كافر برب يعصى، ولو قتلت سبعين [نبيا] ما كنت مخطئا. ويقول آخر:

أصبحت منفعلا لما يختاره ** مني ففعلي كله طاعات

ومن الناس من يظن أن احتجاج آدم على موسى بالقدر كان من هذا الباب؛ وهذا جهل فإن الأنبياء من أعظم الناس أمرا بما أمر الله به ونهيا عما نهى عنه، فكيف يسوغ لأحد منهم أن يعصي الله بالقدر. وأيضا فإن آدم كان قد تاب من الذنب وتيب عليه. ولو كان القدر حجة لكان حجة لإبليس وفرعون وغيرهما. ولكن كان ملام موسى لآدم لأجل المصيبة التي لحقتهم بسبب أكله ولهذا قال له لماذا أخرجتنا وبنيك من الجنة. والعبد مأمور أن يرجع إلى القدر عند المصائب لا عند الذنوب والمعايب؛ فيصبر على المصائب ويتوب من الذنوب. قال الله تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك} ومعلوم أن الأفعال الاختيارية تكسب نفس الإنسان صفات محمودة وصفات مذمومة بخلاف لونه وقصره فإنها لا تكسبه ذلك. قال ابن عباس: إن للحسنة نورا في القلب وضياء في الوجه وسعة في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق. فالله تعالى جعل أفعال العبد سببا لهذا وهذا كما جعل أكل السم سببا للمرض والموت، لكن قد يدفع ذلك بالترياق كما أن السيئات قد يدفع مقتضاها بالتوبة والأعمال الصالحة الماحية والمصائب المكفرة.

وإذا قيل خلقُ الفعل مع حصول العقوبة عليه ظلم كان بمنزلة قولك خلق السم ثم حصول التلف به ظلم، وقد دلت الدلائل اليقينية على أن كل حادث فالله خالقه، وفعل العبد من جملة الحوادث فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وإذا قيل حدث الفعل بإرادة العبد، قلنا: الإرادة أيضا حادثة فلا بد لها من سبب. وإن شئت قلت: الفعل ممكن فلا ترجيح لوجوده على عدمه إلا بمرجح، وكون العبد فاعلا له [حادث] ممكن، فلا بد له من محدث مرجح، ولا فرق في ذلك بين حادث وحادث، ومن المخلوقات ما قد يحصل به ضرر للبعض كالأمراض والآلام، وفي ذلك حكمة لله. فإذا كان العقاب على فعل العبد الاختياري لم يكن ظلما فالحادث بالنسبة إلى الرب له فيه حكمة يحسن لأجل تلك الحكمة وذلك بالنسبة إلى العبد عدل لأنه عوقب على فعله فما ظلمه الله ولكن هو الظالم. ولو عاقبه الوالي وقطع يده ورد إلى رب المال سرقته لعد حاكما بالعدل. ولو قال له السارق: "أنا قُدِّر عليَّ" لم يكن هذا حجة له ولا مانعا لحكم الوالي. فإذا اقتص الله من الظالم يوم القيامة كان عادلا ولا ينفع الظالم قوله أنت قدرت علي وليس القدر بعذر له. وإذا كان الله هو الخالق لكل شيء فذاك لحكمة أخرى له في الفعل، فخلقه حسن بالنسبة لما فيه من الحكمة.

ولقد أنكر الأئمة على من قال: "جبر الله العباد" كالثوري والأوزاعي والزبيدي وأحمد بن حنبل وقالوا: الجبر لا يكون إلا من عاجز كما يجبر الأب ابنته على خلاف مرادها، والله تعالى خالق الإرادة والمراد فيقال: جبل الله العباد، كما جاءت به السنة، ولا يقال جبر. قال النبي لأشج عبد القيس: «إن فيك لخلتين يحبهما الله الحلم والأناة» فقال: أخلقين تخلقت بهما أم جُبلتُ عليهما؟ قال: «بل جبلت عليهما» فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله.

فجهة خلق الله وتقديره غير جهة أمره وتشريعه، فإن أمره وتشريعه مقصوده بيان ما ينفع العباد إذا فعلوه وما يضرهم بمنزلة أمر الطبيب المريض بما ينفعه وحميته مما يضره. فأخبر الله على ألسن رسله بمصير السعداء والأشقياء وأمر بما يوصل إلى السعادة ونهى عما يوصل إلى الشقاوة. وأما خلقه وتقديره فيتعلق به وبجملة المخلوقات، فيفعل ما له فيه حكمة متعلقة بعموم خلقه وإن كان في ضمن ذلك مضرة للبعض، كما أنه ينزل الغيث رحمة وحكمة وإن كان في ضمن ذلك ضرر للبعض بسقوط منزله أو انقطاعه عن سفره أو تعطيل معيشته، ويرسل الرسل رحمة وحكمة وإن كان في ضمن ذلك أذى قوم وسقوط رياستهم. فإذا قَدَّرَ على الكافر كفره قدره لما في ذلك من الحكمة والمصلحة العامة وعاقبه لاستحقاقه ذلك بفعله الاختياري ولما في عقوبته من الحكمة والمصلحة العامة. وقياس أفعاله تعالى على أفعالنا خطأ ظاهر لأن السيد يأمر عبده بأمر لحاجته إليه ولغرضه، فإذا أثابه على ذلك كان من باب المعاوضة وليس هو الخالق لفعل المأمور، والله غني عن العباد إنما أمرهم بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم أمرَ إرشاد وتعليم، فإن أعانهم على فعل المأمور فقد تمت نعمته وإن خذل ولم يعن العبد حتى فعل الذنب كان له في ذلك حكمة أخرى وإن كانت مستلزمة تألم هذا فإنما يألم بأفعاله التي من شأنها أن تورثه نعيما أو عذابا وإن ذلك الإيراث بقضاء الله وقدره. فلا منافاة بين هذا وهذا.

بقي الكلام في نفس تلك الحكمة الكلية فهذه ليس على الناس معرفتها ويكفيهم التسليم لمن قد عرفوا حكمته ورحمته وقدرته، فمن المعلوم ما لو علمه كثير من الناس لضرهم علمه فحكمته أكبر من العقول. قال تعالى: {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} وهذه المسألة مسألة غايات أفعال الله تعالى ونهاية حكمته و[لعلها] أجل المسائل الإلهية، وما ضلت القدرية إلا من جهة قياس الله بخلقه في عدلهم وظلمهم كما ضلت الجبرية الذين لا يجعلون لأفعال الله حكمة ولا ينزهونه عن ظلم. ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه.

وقولكَ عنهم: "ولم يخلق فيه قدرة على الإيمان" فهذا قاله من يقول إن القدرة لا تكون إلا مع الفعل فمن لم يفعل شيئا لم يكن قادرا عليه ولكن لا يكون عاجزا عنه. وليس ذا قول جمهور السنة بل يثبتون للعبد قدرة هي مناط الأمر والنهي غير القدرة المقارنة للفعل، وتلك القدرة تكون متقدمة على الفعل بحيث تكون لمن [لم] يطع كما قال الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من تستطاع إليه سبيلا} فأوجب الحج على المستطيع فلو لم يستطع إلا من حج لم يكن الحج إلا على من حج ولا عوقب أحد على ترك الحج. وقال: {فاتقوا الله ما استطعتم} فأوجب التقوى بحسب الاستطاعة فلو كان من لم يتق الله لم يستطع التقوى لم يكن قد أوجب التقوى إلا على من اتقى. وأهل السنة متفقون على أن لله على عبده المطيع نعمة دينية خصه بها دون الكافر وأنه أعانه على الطاعة. قال تعالى: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} وعند القدرية هذا التحبب والتزين عام في كل الخلق والآية تقتضي أنه خاص بالمؤمنين. وقال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} الآية وقال: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} وقال: {بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان} وقد أمرنا الله أن نقول: {اهدنا الصراط المستقيم} والدعاء إنما يكون لمستقبل غير حاصل وهذه الهداية غير الهدى الذي هو بيان الرسول وتبليغه. قال الله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء} وقال تعالى: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا} وقال: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} وهذا كثير جدا.

ومما ورد في الاستطاعة قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات} وقال: {وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم} وقال: {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} وقال [لعمران بن حصين]: «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب» فإنما نفى استطاعة لا فعل معها، فالاستطاعة المشروطة في الشرع أخص من الاستطاعة المعلومة بالعقل. فإن الشارع ييسر على عباده ويريد بهم اليسر فالمريض يستطيع القيام مع تأخر برئه، فهذا في الشرع غير مستطيع لأجل حصول الضرر عليه وإن كان قد تسمى مستطيعا. فالشارع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد الإمكان بل يراعي لوازم ذلك فإذا كان [الشارع قد اعتبر في المكنة عدم المفسدة الراجحة] فكيف يكلف مع العجز. ولكن هذه الاستطاعة مع بقائها إلى حين الفعل لا تكفي [في وجود الفعل] إذ لو كفت لكان التارك كالفاعل، بل لا بد من إحداث إعانة أخرى تقارن هذه مثل جعل الفاعل مريدا، فإن الفعل لا يتم إلا بقدرة وإرادة، والاستطاعة المقارنة للفعل تدخل فيها الإرادة الجازمة بخلاف المشروطة في التكليف فإنه لا يشترط فيها الإرادة. فالله يأمر بالفعل من لا يريده لكن لا يأمر به من يعجز عنه، كما أن السيد يأمر عبده بما لا يريده ولا يأمره بما يعجز عنه. وإذا اجتمعت الإرادة الجازمة والقوة التامة لزم وجود الفعل. ومن قال القدرة لا تكون إلا مع الفعل يقول كل كافر وفاسق قد كلف ما لا يطاق. وليس هذا الإطلاق قول جمهور أئمة السنة بل يقولون أوجب الله الحج على المستطيع حج أو لم يحج، وأوجب صيام الشهرين في الكفارة كفّر أو لم يكفر، وأوجب العبادة على القادر دون العاجز فعل أو لم يفعل. وما لا يطاق يفسر بشيئين: بما لا يطاق للعجز عنه فهذا ما كلفه أحد، أو بما لا يطاق للاشتغال بضده، فهذا الذي وقع به التكليف كما في أمر العباد بعضهم لبعض، فإنهم يفرقون بين هذا وهذا فلا يأمر السيد عبده الأعمى بنقط المصاحف ويأمر عبده القاعد أن يقوم. والفرق بينهما ضروري.

قال: ومنها إفحام الأنبياء وانقطاع حجتهم لأن النبي إذا قال للكافر آمن بي وصدقني يقول له قل لربك يخلق فيَّ الإيمان والقدرة المؤثرة حتى أفعل وإلا فكيف تكلفني الإيمان ولا قدرة لي عليه بل خلق في الكفر وأنا لا أتمكن من مقاهرته فينقطع النبي [ولا يتمكن من جوابه.]

فيقال: هذا مقام يكثر الخوض فيه، وكثير من البطالين إذا أمر بما يجب عليه تعلل بالقدر وقال حتى يقدرني الله على ذلك، وكذا إذا نهي قال قد قضي علي بذلك، أي جبلة فيَّ. والاحتجاج بالقدر حجة داحضة لا يعذر بها العبد. ولهذا لما قال المشركون: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} قال الله تعالى: {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} فإن هؤلاء علموا بفطرهم أن حجتهم داحضة؛ فإن أحدهم لو ظلم الآخر في ماله أو فجر بامرأته أو قتل ولده [أو كان مصرا على الظلم] فنهاه الناس فقال: "لو شاء الله لم أفعل" لم يقبلوا منه هذه الحجة ولا هو يقبلها من غيره ولوجبت عقوبته؛ وإنما يحتج بها المحتج دفعا للوم بلا وجه. ولو كان الاحتجاج بالقدر عذرا لما حصل فرق بين الطائع والعاصي. فأثبت الله عليهم الحجة بقوله: {قل فلله الحجة البالغة} ثم أثبت القدر بقوله: {فلو شاء لهداكم أجمعين} وكلاهما حق.

قال: "ومنها تجويز أن يعذب الله سيد المرسلين على طاعته ويثيب إبليس على معصيته لأنه يفعل لا لغرض فيكون فاعل الطاعة سفيها لأنه يتعجل بالتعب في الاجتهاد [في العبادة] وإخراج ماله في عمارة المساجد والربط والصدقات من غير نفع يحصل له لأنه قد يعاقبه على ذلك ولو فعل عوض ذلك ما يتلذذ به من المعاصي قد يثيبه وهذا يؤدي إلى خراب العالم واضطراب الدين".

فيقال: هذا باطل، لم ينقل أحد منهم أن الله يعذب أنبياءه ولا أنه قد يعذبهم؛ بل اتفقوا على أنه يثيبهم لا محالة لأنه وعد بذلك وهو لا يخلف الميعاد. بل من الناس من يقول علمت إثابتهم بالسمع ومنهم من قال بالعقل. وقال تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} وهذا استفهام إنكار على من يظن ذلك. فعلم أن التسوية بين أهل الطاعة وأهل الكفر مما يعلم بطلانه وإن ذلك من الحكم السيء الذي تنزه الله عنه. وقال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} {أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون}

وقولك: "منها تجويز تعذيب الأنبياء" إن أردت أنهم يقولون إنه قادر على ذلك فأنت لا تنازع في القدرة، وإن أردت أنا نشك هل يفعله أو لا يفعله فمعلوم أنا لا نشك بل نقطع بدخول أنبياء الله وأوليائه جنته وبدخول إبليس وحزبه النار، وإن أردت أن من قال يفعل لا لحكمة يلزمه تجويز هذا، فهذا قول لبعض المتكلمين لكن أكثر أهل السنة لا يقولون ذلك/ ثم الكل متفقون على أن وجود الطاعة نافع وعدمها مضر.

قال: "ومنها أنه لا يتمكن أحد من تصديق نبي لأن التوصل إلى ذلك إنما يتم بمقدمتين: إحداهما أن الله فعل المعجز على يد النبي لأجل التصديق. والثانية أن كل من صدقه الله فهو صادق. فكلا المقدمتين لا تتم على قولهم، لأنه إذا استحال أن يفعل لغرض استحال أن تظهر المعجزات لأجل التصديق وإذا كان فاعلا للقبيح ولأنواع الضلال والمعاصي والكذب جاز أن يصدق الكذاب فلا يصح الاستدلال على صدق نبي ولا نذير".

قلنا: قد تقدم أن أكثر أهل السنة المثبتين للقدر وغيرهم يقولون إن الله يفعل لحكمة، فهذا القول وضده لا يخرج عن أقوال السنة. وأيضا فلا نسلم أن تصديق النبي لا يمكن إلا بطريق الاستدلال بالمعجزات، بل الطرق الدالة على صدقه متعددة غير المعجزات. ومن قال لا طريق إلا ذلك فعلى النافي الدليل. ثم إن دلالة المعجزة على الصدق دلالة ضرورية لا تحتاج إلى نظر، فإن اقتران المعجزة بدعوى النبوة يوجب علما ضروريا أن الله أظهرها لصدقه، كما أن من قال لملك من الملوك إن كنت أرسلتني إلى هؤلاء فانقض عادتك وقم واقعد ثلاث مرات ففعل ذلك الملك علمنا بالضرورة أنه فعل ذلك لأجل تصديقه.

وقولك: "إذا كان فاعلا للقبيح جاز أن يصدق الكذاب" قلنا: ما في المسلمين من يقول إن الله يفعل قبيحا. ومن قال إنه خالق أفعال العباد يقول ذلك الفعل قبيح منهم لا منه كما أنه ضار لهم لا له. ثم الآخرون يقولون إن ذلك الفعل مفعول له وهو فعل للعبد. وأما نفس خرق العادة فليست فعلا للعباد حتى يقال إنها قبيحة منهم. وتصديق الكذاب إنما يكون بإخباره أنه صادق سواء كان ذلك بقول أو فعل يجري مجرى القول، وذلك ممتنع منه لأنه صفة نقص والله منزه عن الناقص.

قال: "ومنها أنه لا يصح أن يوصف الله أنه غفور حليم عفو لأن وصفه بهذا إنما يثبت لو كان مستحقا لعقاب الفساق بحيث إذا أسقطه عنهم كان غفورا عفوا وإنما يستحق العقاب إذا كان العصيان من العبد لا من الله".

فنقول الجواب من وجوه:

أحدها أن كثيرا من أهل السنة يقول لا نسلم أن وصفه بهذه إنما يثبت لو كان مستحقا بل الوصف بها يثبت إذا كان قادرا على العقاب مع قطع النظر عن الاستحقاق فيفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

الثاني أن قول القائل يستحق العقاب يعني به أن عقابه للعصاة عدل منه أو يعني به أنه محتاج إلى ذلك. أما الأول فمتفق عليه، فعفوه ومغفرته بفضل وإحسان منه [وهذا يقول به من يقول إنه خالق أفعالهم والقائلون بأنها أفعال له كسب لهم متفقون على أن العقاب عدل منه.]

الثالث أن يقال المغفرة والعفو والرحمة إما أن يوصف بها مع كون العقاب قبيحا على قول من يقول بذلك، وإما أن لا يوصف بها إلا إذا كان العقاب سائغا. فإن كان الأول لزم أن لا يكون غفارا لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى لأن عقاب هؤلاء قبيح والمغفرة لهم واجبة عند أهل هذا القول، ويلزم أن لا يكون رحيما ولا غفورا للأنبياء ويلزم أن لا يكون رحيما غفورا لمن ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء. وقد ثبت أنه غفار للتوابين رحيم بالمؤمنين فعلم أنه موصوف بالمغفرة والرحمة مطلقا.

الرابع أن العصيان من العبد بمعنى أنه فاعله عند الأكثر وبمعنى أنه كاسبه عند البعض، وبهذا القول يستحق الآدمي أن يعاقب الظالم فاستحقاق الله عقاب الظالم أولى بذلك. وأما كونه خالقا لذلك فذاك أمر يعود إليه وله فيه حكمة [عند الجمهور القائلين بالحكمة] أو لمحض المشيئة عند من لا يعلل بالحكمة.

قال: "ومنها أنه يلزم تكليف ما لا يطاق لأنه تكليف الكافر بالإيمان ولا قدرة له عليه وهو قبيح عقلا وقال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}"

فالجواب أن المثبتين للقدر لهم في قدرة العبد قولان. أحدهما أن قدرته لا تكون إلا مع الفعل، وعلى هذا فالكافر الذي قد سبق في علم الله أنه لا يؤمن لا يقدر على الإيمان أبدا. الثاني أن القدرة المشروطة في التكليف تكون قبل الفعل وبدونه وإلى حين وقوعه، والقدرة المستلزمة للفعل فلا بد أن تكون معه. وأصل قولهم أن الله خص المؤمن بنعمة يهتدي بها لم يعطها الكافر وأن العبد لا بد أن يكون قادرا حين الفعل خلافا لمن زعم أنه لا يكون قادرا إلا قبل الفعل وأن النعمة على الكافر والمؤمن سواء. إلى أن قال: وعلى قول جمهور السنة القائلين بأن الكافر يقدر على الإيمان يبطل هذا الإيراد وعلى قول الآخرين فيلتزمونه. وأي القولين كان الصواب فهو غير خارج عن أقوال أهل السنة. وأيضا فتكليف ما لا يطاق كتكليف الزمن المشي وتكليف الآدمي الطيران فغير واقع في الشريعة [عند جماهير أهل السنة المثبتين للقدر وليس فيما ذكره ما يقتضي لزوم وقوع هذا]. وأما ما لا يطاق للاشتغال بضده كاشتغال الكافر بالكفر الصاد عن الإيمان وكالقاعد في حال قعوده، فإن اشتغاله بالقعود يمنع أن يكون قائما والإرادة الجازمة لأحد الضدين تنافي إرادة الآخر، وتكليف الكافر الإيمان من هذا الباب. ومثل هذا لا نسلم أنه قبيح عقلا بل العقلاء متفقون على [أن] أمر الإنسان ونهيه بما لا يقدر عليه حال الأمر والنهي لاشتغاله بضده إذا أمكن أن يترك ذلك الضد ويفعل المأمور به ممكن سائغ.

الخامس أن تكليف ما لا يطاق إذا فسر بأنه الفعل الذي ليس له قدرة عليه تقارن مقدورها كان دعوى امتناعه بهذا التفسير مورد نزاع فيحتاج نفيه إلى دليل.

قال: "ومنها أن تكون أفعالنا الاختيارية الواقعة بحسب قصودنا ودواعينا مثل حركتنا يمنة ويسرة [كالأفعال الاضطرارية مثل] حركة النبض وحركة الواقع من شاهق والفرق بينهما ضروري".

قلنا: هذا يلزم من يقول العبد لا قدرة له على أفعاله الاختيارية وليس هذا قول إمام معروف ولا طائفة من السنة والمثبتة للقدر، إلا ما يحكى عن الجهم بن صفوان وغلاة المثبتة أنهم سلبوا العبد قدرته وقالوا حركته كحركة الأشجار. وأشد الطوائف قربا من هؤلاء الأشعري وهو مع هذا يثبت للعبد قدرة محدثة ويقول الفعل كسب العبد لكنه يقول لا تأثير لقدرته في إيجاد المقدور، فما أثبته من الكسب لا يعقل. ونحن لا ننكر أن بعض أهل السنة قد يخطئ، لكن لا يتفقون على الخطأ [كما تتفق الإمامية على الخطأ. بل كل مسألة خالفت فيها الإمامية أهل السنة فالصواب فيها مع أهل السنة.] فالجمهور على أن العبد له قدرة حقيقة وهو فاعل حقيقة والله خالق فعله لقوله تعالى: {خالق كل شيء} وقال تعالى عن إبراهيم: {ربنا واجعلنا مسلمين لك} وقال: {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي} وقال تعالى: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا} وقال: {وجعلني مباركا أين ما كنت} وقال: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} وقال تعالى: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} أثبت مشيئة العبد وأخبر أنها لا تكون إلا بمشيئة الرب تعالى. وقد أخبر أن العباد يفعلون ويعملون ويؤمنون ويكفرون ويصدقون ويكذبون في مواضع جمة وأن لهم قوة واستطاعة. وشناعاته تلزم من لا يفرق بين فعل الرب ومفعوله أو يقول إن أفعال العباد فعل الله أو يقول ليس في المخلوقات قوى ولا طبائع. وقد دلت النصوص على ذلك والعقول. قال تعالى: {سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات} وقال: {فأحيا به الأرض بعد موتها} وقال تعالى: {يهدي به الله من اتبع رضوانه} وقال: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} وقال: {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة} وقال: {خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة} وقال لأشج عبد القيس: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة» إلى أن قال شيخنا: فأفعال العباد حادثة بعد أن لم تكن، فحكمها حكم سائر الحوادث، وهي ممكنة من الممكنات [فحكمها حكم سائر الممكنات] فما من دليل استدل به على أن بعض الحوادث الممكنات مخلوقة لله تعالى إلا وهو يدل على أن أفعالنا مخلوقة لله تعالى، فإنه قد علم أن المحدث لا بد له من محدث وهذه مقدمة ضرورية عند الجمهور وكذلك الممكن لا بد له من مرجح تام، فإذا كان فعل العبد حادثا فلا بد له من محدث وإذا قيل المحدِث هو العبد يكون العبد صار محدِثا له بعد أن لم يكن فهو أيضا أمر حادث فلا بد له من محدِث إذ لو كان العبد لم يزل محدِثا له لزم دوام ذلك الفعل الحادث وإذا كان إحداثه له حادثا من فلا بد له من محدِث وإذا قيل المحدث إرادة العبد قيل فإرادته أيضا حادثة لا بد لها من محدث، وإن قيل حدثت بإرادة من العبد قيل وتلك الإرادة لا بد لها أيضا من محدث. [فأي محدث] فرضته في العبد فالقول فيه كالقول في الحادث الأول؛ وإن جعلته قديما أزليا كان هذا ممتنعا لأن ما يقوم بالعبد لا يكون قديما. وإن قلت هو وصف العبد وهي قدرته المخلوقة فيه -والقول فيها كالقول في الإرادة- فلا بد أن يكون المرجح التام من الله تعالى. ودقق العلامة شيخنا النظر هنا واستوعب وساق تسلسل الحوادث.

قال المصنف: "ومنها أنه لا يبقى فرق بين من أحسن غاية الإحسان عمره وبين من أساء غاية الإساءة عمره ولم يحسن منا شكر الأول وذم الثاني لأن الفعلين صادران من الله تعالى".

فيقال: هذا باطل، فإن اشتراك الفعلين في كون الرب خلقهما لا يستلزم اشتراكهما في الحكم، فإن جميع ما سوى الله مشترك في كون الله خلقه قال تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور} الآية والله خالق الجنة والنار وخالق العالم والجاهل وخالق العسل والسم واللذة والألم وخالق آدم وإبليس. وإذا كان الشرع والعقل متطابقين على أن ما جعل الله فيه منفعة ومصلحة يجب مدحه وإن كان جمادا فكيف لا يكون من جعله محسنا غاية الإحسان إلى الخلق أحق بالمدح؛ وكذلك في جانب الشر. والقدري يقول لا يكون العبد محمودا على إحسانه ولا مذموما على إساءته إلا بشرط ألا يكون الله جعله محسنا إلينا ولا منّ به علينا إذا فعل الخير ولا ابتلانا به إذا فعل الشر. وحقيقة قولهم إنه حيث يُشكر العبد لا يشكر الرب وحيث يشكر الرب لا يشكر العبد، وأنه لا منة لله علينا في تعليم الرسول وتبليغه إلينا/ والله تعالى يقول: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} الآية، ويقول لا تكون لله نعمة على عباده باستغفار الملائكة لهم وتعليم العلماء وعدل الولاة عليهم ويقولون لا يقدر الله أن يجعل الملوك عادلين ولا جائرين ولا يقدر أن يصير أحدا محسنا إلى أحد ولا مسيئا إلى أحد. وعلى لازم قولهم لا يستحق الله أن يشكر بحال لأن الشكر إنما يكون على النعم الدينية أو الدنيوية [أو الأخروية]، فالدنيوية [عنده] واجبة على الله، والدينية فما فعلها بنا ولا يقدر أن يجعل أحدا مؤمنا ولا يهدي أحدا ولا يجعل برا ولا تقيا ولا يقدره على خير أصلا، وأما النعم الأخروية فالجزاء واجب عليه. فالحمد لله الذي هدانا للحق وجنبنا هذه الضلالات. فالمقرون بالقدر يمدحون المحسن ويذمون المسيء مع اتفاقهم على أن الله خالق الفعلين. فقوله: "يلزمهم أن لا يفرقوا بين هذه وهذا" لزوم ما لا يلزم، وغاية الأمر أن يكون الله جعل هذا مستحقا للمدح والثواب وهذا مستحقا للذم والعقاب فإذا كان كذلك لم يمتنع أن يمدح ذا ويذم ذا.

قال: "ومنها التقسيم الذي ذكره مولاي الإمام موسى الكاظم وقد سأله أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- وموسى صبي فقال: المعصية ممن؟ فقال: إما من العبد أو من الله أو منهما، فإن كانت من الله فالله أنصف من أن يظلم عبده ويؤاخذه بما لا يفعل، وإن كانت منهما فهو شريكه والقوي أولى بإنصاف عبده الضعيف، وإن كانت من العبد وحده فعليه وقع الأمر وإليه يتوجه الذم. فقال أبو حنيفة: ذرية بعضها من بعض".

فيقال: ما ذُكرت بسندها فنعلم صحتها، ولعلها كذب فإن أبا حنيفة مقر بالقدر وقد رد على القدرية في الفقه الأكبر، فكيف يستصوب قول من يقول إن الله لم يخلق أفعال العباد؟ ثم موسى بن جعفر وسائر علماء أهل البيت مثبتون القدر وكذلك قدماء الشيعة وإنما قالوا بالقدر في دولة بني بويه حين خالطوا المعتزلة. [وأيضا فهذا الكلام المحكي عن موسى بن جعفر يقوله أصاغر القدرية وصبيانهم، وهو معروف من حين حدثت القدرية قبل أن يولد موسى بن جعفر. والقدرية حدثوا زمن ابن الزبير وعبد الملك.] وقول القائل: "المعصية ممن؟" لفظ مجمل فإن المعصية والطاعة عمل وعرض قائم بغير فلا بد له من محل يقوم به وهي قائمة بالعبد لا محالة وليست قائمة بالله تبارك وتعالى بلا ريب. ومعلوم أن كل مخلوق يقال هو مِن الله بمعنى أنه خلقه بائنا عنه لا بمعنى أنه قام به واتصف به كما في قوله تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} وقوله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله}

قال: "ومنها أنه يلزم أن يكون الكافر مطيعا بكفره لأنه فعل ما هو مراد الله" فهذا مبني على أن الطاعة هل هي موافقة للأمر أو موافقة للإرادة وهي مبنية على أن الأمر هل يستلزم الإرادة أم لا. وقد قدمنا أن الله خالق أفعال العباد بإرادته وقد يخلق ما لم يأمر به. وأجمع العلماء أن الرجل لو حلف ليقضينه حقه في غد إن شاء الله فخرج الغد ولم يقضه مع قدرته على القضاء لم يحنث، ولو كانت مشيئة الله بمعنى أمره لحنث لأنه مأمور بذلك. وكذلك سائر الحلف على فعل مأمور إذا علقه بالمشيئة. قال الله تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} مع أنه قدر أمرهم بالإيمان فعلم أن الأمر غير المشيئة. كذلك قوله: {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا} دليل على أنه أراد إضلاله وهو لم يأمره بالضلالة. وقد ذكرنا أن الإرادة وردت بمعنيين إرادة قدرية وإرادة شرعية فهذه متضمنة للمحبة والرضا لا الأولى.

قال: "ومنها أنه يلزم نسبة السفه إليه [تعالى] لأنه يأمر الكافر بالإيمان ولا يريده منه"

قلنا: قد قررنا أن الإرادة نوعان: إرادة الخلق وإرادة الأمر.

قال: "ومنها أنه يلزم أن نستعيذ بإبليس من الله ولا يحسن قوله تعالى: {فاستعذ بالله من الشيطان} لأنهم نزهوا إبليس والكافر عن المعاصي وأضافوها إلى الله فيكون شرا على عبده من إبليس تعالى الله عن ذلك".

فيقال: هذا كلام ساقط. فإما أن يكون لأبليس فعل أو لا. فإن لم يكن له فعل امتنع أن يستعاذ به فإنه لا يفعل شيئا فلا يعيذ [حينئذ] أحدا. وإن كان له فعل بطل تنزيهه عن المعاصي فسقط الاعتراض به على قول من أثبت القدر أو نفاه. ويقال: إنما تحسن الاستعاذة بإبليس لو كان يمكنه أن يعيذهم من الله، سواء كان الله خالقا لأفعال العباد أو لا. [وهؤلاء القدرية كالمصنف وأمثاله] مع قولهم إن إبليس يفعل ما لا يقدره [الله] ويفعل بغير إرادة الله وإن [الله] لا يقدر على أن يغير أحدا من عمل إلى عمل لا من خير إلى شر ولا من شر إلى خير. وفي الصحيح عن النبي أنه كان يقول: «أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك» فاستعاذ ببعض صفاته وأفعاله من بعض، حتى استعاذ به منه، فكيف يمتنع أن يستعاذ به من بعض مخلوقاته. ثم أهل السنة لا ينكرون أن يكون دعاء العبد لربه واستعاذته به سببا لنيل المطلوب ودفع المرهوب، والله أرحم لعباده من الوالدة بولدها، فيستعاذ به من شر أسباب الشر التي قضاها بحكمته. فمن قال بالحكمة والعلة يقولون خلق إبليس كما خلق الحيات والعقارب والنار لما في خلقه ذلك من الحكمة وأمرنا أن ندفع الضرر عنا بكل ما نقدر عليه، ومن أعظم الأسباب استعاذتنا به حكمة ورحمة. ومن لا يقول بالعلة والحكمة فإنه يقول خلق إبليس الضار لعباده وجعل استعاذتنا طريقا إلى دفع ضرره كما جعل إطفاء النار طريقا إلى دفع حريقها والترياق طريقا إلى دفع السم، فهو خالق النافع والضار، وأمرنا بما ينفعنا ثم إن أعاننا كان محسنا وإلا فله أن يفعل ما شاء.

وقوله: "نزهوا إبليس والكافر من المعاصي" فهذا فرية. فإنهم متفقون على أن العاصي هو المتصف بالمعصية والمذموم عليها، وأن الأفعال يوصف بها من قامت به لا من خلقها، وأن إضافة الصفة إلى الموصوف بها الذي قامت به من إضافة المخلوق إلى خالقه.

ثم أخذ القدري يسهب في هذيانه وغيه فقال: "ومنها أنه لا يبقي وثوق بوعد الله ووعيده لأنهم جوزوا إسناد الكذب في العالم إليه فجاز أن يكذب في إخباراته كلها فتنتفي فائدة بعثة الرسل"

قلت: الفرق بين الخالق وبين الفاعل معلوم بين العقلاء، فإذا خلق الله لغيره حركة لم يكن هو المتحرك وإذا خلق للرعد صوتا لم يكن هو المصوت وإذا خلق الألوان في النبات والحيوان لم يكن هو المتصف بتلك الألوان وإذا خلق في غيره علما وحياة وقدرة لم تكن [تلك المخلوقات في غيره] صفات له وإذا خلق في غيره عمى وصمما لم يكن هو الموصوف بالعمى والصمم وإذا خلق في غيره صوما وطوافا وخشوعا لم يكن هو الصائم ولا الطائف ولا الخاشع.

أما قوله تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} معناه ما أصبت إذ حذفت ولكن الله هو الذي أصاب، فمنه [ ] الحذف باليد ومن الله الإيصال إلى العدو كلهم. و[ليس المراد بذلك ما يظنه بعض الناس أنه لما خلق الرامي والرمي كان هو الرامي في الحقيقة؛ فإن ذلك] لو صار في كل فعل لكنت تقول ما مشيت إذ مشيت ولكن الله مشى وما ركبت إذ ركبت ولكن الله ركب وما لا نهاية له، وبطلان ذلك معلوم بالضرورة. ولهذا يروى أن عثمان كانوا يرمونه بالحجارة [لما حصر] فقال: علام ترمونني؟ فقالوا: ما رميناك ولكن الله رماك، فقال: إن الله لو رماني لأصابني ولكن أنتم ترمونني فتخطئونني.

الوجه الآخر أنهم يجوزون أنه تعالى يخلق القدرة على الكذب مع علمه بأن صاحبها يكذب، وكذا القدرة على الظلم والفحش. ومعلوم أن الواحد منا يجري تمكينه من القبائح وإعانته عليها مجرى فعله لها، فمن أعان غيره على الكذب والظلم كان الفاعل قال تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} فإن قالوا: إنما أعطاه القدرة ليطيع لا ليعصي، قيل: إذا كان عالما بأنه يعصي كان بمنزلة من أعطى آخر سيفا ليقاتل به الكفار مع علمه بأنه يقتل نبيا [وهذا لا يجوز في حقنا] فتعالى الله عن ذلك.

الثالث أن يقال ليس كل ما كان قادرا عليه وهو ممكن نشك في وقوعه بل نعلم أنه لا يفعل أشياء مع أنه قادر عليها [وهي ممكنة] فلا يقلب البحر زئبقا والجبال ياقوتا وعلمنا بأنه [تعالى] منزه عن الكذب وأنه ممتنع عليه قطعا.

الرابع: نحن نعلم بأنه موصوف بصفات الكمال وأن كل كمال ثبت لموجود فهو أحق به وكل نقص منزه عنه. ونعلم أن الحياة والعلم والقدرة صفات كمال فهو أحق بها وكذلك الصدق. كما قال تعالى: {ومن أصدق من الله حديثا} وقال النبي : «إن أصدق الكلام كلام الله».

الخامس أن كلامه قائم بذاته غير مخلوق عند أهل السنة، فإن الكلام صفة كمال فلا بد أن يتصف بها سواء قالوا إنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته وهو معنى [قائم بالنفس] أو حروف أو أصوات قديمة أو قالوا إنه متعلق بمشيئته وأنه تكلم بعد أن لم يكن متكلما أو أنه لم يزل متكلما إذا شاء. والكذب صفة نقص كالصمم والبكم والعمى ومع أنه يخلق خلقه متصفين بذلك ولا يقوم به فكذلك يخلق الكذب في الكاذب ولا يقوم به.

السادس أن هذا السؤال وارد عليكم فإنكم تقولون يخلق في غيره كلاما يكون كلامه مع كونه قائما بغيره وهو مخلوق وأن الكلام الذي يتكلم به العباد ليس هو كلامه ولا مخلوقا له، فإذا كان هذا صدقا وهذا صدقا فلا بد أن يعترفوا أن هذا كلامه وهذا ليس بكلامه.

وقولك: "وجاز إرسال الكذاب" فنقول لا ريب أن [الله] يرسل الكذاب كقوله: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} وكقوله: {بعثنا عليكم عبادا لنا} لكن لا يكون ذا إلا مقرونا بما يبين كذبهم كما في مثل مسيلمة والأسود [العنسي] وليس في إرسالهم ما يمنع التمييز بين الصادق والكاذب. وإذا خلق من يدعي النبوة وهو كاذب فإن قالوا يجوز [إظهار] أعلام الصدق عليه كان [هذا] ممنوعا [وهو باطل بالاتفاق]، وإن قالوا لا لم يكن مجرد ادعاء النبوة بلا علم على الصدق ضارا فإن مدعي الطب أو [أنه] صانع بلا علم يدل [على صدقه] لم يلتفت إليه فكيف مدعي النبوة. وإن قالوا إذا جوزتم عليه أن يخلق الكذب في الكذاب فجوزوا عليه أن يظهر على يديه أعلام الصدق، قيل هذا ممتنع لأن أدلة الصدق تستلزم الصدق إذ الدليل مستلزم للمدلول وإظهار أعلام الصدق على الكذاب ممتنع لذاته. وإن قالوا جوزوا أن يظهر على يديه خارق، قلنا نعم فنحن نجوز ذلك لمدعي الإلهية كالدجال ويجوز الخارق لمدعي النبوة لكن على وجه لا يدل على صدقه كالساحر والكاهن.

السابع أن دلائل النبوة وما به يعرف صدق النبي لم يتخصص في الخوارق بل يتنوع كما تتنوع معرفة الكذب.

قال: "ومنها أنه يلزم تعطيل الحدود والزواجر عن المعاصي فإن الزنا إذا كان واقعا بإرادة الله والسرقة [إذا صدرت عن الله وإرادته هي المؤثرة] لم يجز للسلطان المؤاخذة عليها لأنه يصد السارق عن مراد الله فلو صد أحدنا عن مراده لتألم ويلزم أن يكون الرب مريدا للنقيضين لأن المعصية مرادة له والزجر عنها مراد له".

قلنا: قد مر ما يبين هذا. ونقول: ما قدره وقضاه من ذلك هو ما وقع دون ما لم يكن، وما وقع لم يقدر أحد أن يرده، وإنما يرد بالحدود والزواجر ما لم يقع بعد. فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فقولك: "يصد السارق عن مراد الله" كذب، لأنه إنما يصده عما لم يقع، وما لم يقع يرده الله. ولهذا لو حلف ليسرقن هذا المال إن شاء الله ولم يسرقه لم يحنث بالإجماع، لأن الله لم يشأ سرقته. ولكن القدرية لا تكون عندهم الإرادة إلا بمعنى الأمر فيزعمون أن السرقة إذا كانت مرادة كانت مأمورا بها. وقد تيقنا أن الله لم يأمر بالسرقة ومن قال أمر بها فقد كفر. وأيضا فإن من المقدور بالاتفاق ما يحسن رده وزواله كالمرض، فإنه من فعل الله ويحسن بنا دفعه بالتداوي والاجتناب لأسبابه، ففي هذا إزالة لمراد الله، وكذا إطفاء النار التي تريد أن تحرق وإقامة الجدار الذي يريد أن يقع وكذا رد البرد بالدفء والحر بالظل؛ فيدفع مراد بمراد والكل من قدر الله. وقد قيل للنبي : أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: «هي من قدر الله» وقال تعالى: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله}

وقولك: "يلزم أن يكون مريدا للنقيضين" [كلام ساقط، فإن النقيضين] ما لا يجتمعان ولا يرتفعان أو ما لا يجتمعان وهما المتضادان. والزجر ليس عما وقع [وأريد] بل عقوبة على الماضي وزجر عن المستقبل. والزجر الواقع [بإرادته] إن حصل مقصوده لم يحصل المزجور عنه [فلم يرده فيكون المراد الزجر فقط]، وإن لم يحصل مقصوده لم يكن زجرا تاما بل يكون المراد فعل هذا الزجر وفعل ذاك كما يراد ضرب هذا لهذا بالسيف وحياة هذا وكما يراد المرض المخوف الذي قد يكون سببا للموت ويراد معه الحياة.

قال: "ومنها قد تقدم بالضرورة استناد أفعالنا إلينا ووقوعها بحسب إرادتنا فإذا أردنا الحركة يمنة لم تقع يسرة وبالعكس والشك في ذلك سفسطة".

فيقال: جمهور أهل السنة قائلون بهذا، فإن أفعالنا مستندة إلينا ونحن محدثون لها والنصوص بذلك كثيرة في القرآن. فاعلم أن كون العبد مريدا فاعلا بعد أن لم يكن مريدا فاعلا أمر حادث؛ فإما أن يكون له محدث أو لا فإن لم يكن له محدث لزم حدوث الحوادث بلا محدث وإن كان له محدث فإما أن يكون العبد أو الله فإن كان العبد، فالقول في إحداثه لتلك الفاعلية كالقول في إحداثها ويلزم التسلسل، وهو هنا باطل لأن العبد كان بعد أن لم يكن فيمتنع أن تقوم به حوادث لا أول لها فتعين أن يكون الله هو الخالق لكون العبد مريدا فاعلا. فأهل السنة يقولون بهذا العلم الضروري فيقولون العبد فاعل والله خلقه فاعلا وإنه مريد والله خلقه مريدا. قال تعالى: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} وقال: {رب اجعلني مقيم الصلاة} فإرادة العبد ثابتة لكن لا توجد إلا بمشيئة الله. ومن زعم أن الإرادة لا تعلل كان قوله لا حقيقة له لأن الإرادة أمر حادث فلا بد له من محدث. وقالوا: "إن الباري يحدث إرادة لا في محل بلا سبب اقتضى حدوثها ولا إرادة" فارتكبوا ثلاث محالات حدوث حادث بلا إرادة من الله، وحدوث حادث بلا سبب حدث، وقيام الصفة بنفسها لا في محل. فإن قيل: كيف يكون الله محدثا لها والعبد محدث لها؟ قيل: إحداث الله لها هو خلقها فيصير العبد فاعلا لها بقدرته ومشيئته التي خلقت فيه وكل من الإحداثين مستلزم للآخر، فخلق الرب لفعل العبد يستلزم وجود الفعل وكون العبد فاعلا له بعد أن لم يكن يستلزم كون الرب خالقا له.

قال الإمامي: "والقرآن مملوء من إسناد أفعال البشر إليهم كقوله: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها}" وذكر آيات.

قلنا: هذا كله حق، والقرآن أيضا مشحون بما يدل على أن أفعالنا حادثة بمشيئة الله كقوله {ولو شاء الله ما اقتتلوا} {ولو شاء الله ما أشركوا} {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره} فلا يجوز أن تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض. ولو كانت المشيئة بمعنى الأمر لحنث من حلف وقال: إن شاء الله. وقال تعالى: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه}

قال الإمامي: "فقال الخصم القادر يمتنع أن يرجح [أحد مقدوريه] من غير مرجح، ومع الترجيح يجب الفعل، فلا قدرة، ولأنه يلزم أن يكون الإنسان شريكا لله، ولقوله: {والله خلقكم وما تعملون}"

فقلنا: الجواب عن [الأول] المعارضة بالله فإنه قادر، فإن افتقرت القدرة إلى المرجح وكان المرجح موجبا للأثر لزم أن يكون الله موجبا لا مختارا فليزم الكفر. والجواب عن الثاني: أي شركة هنا والله هو القادر على قهر العبد وإعدامه؟ والجواب عن قوله تعالى: {والله خلقكم} أنها إشارة إلى الأصنام التي كانوا ينحتونها فأنكر عليهم فقال: {أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون}

قال شيخنا ابن تيمية رحمه الله تعالى: لم يذكر [من أدلة أهل الإثبات] إلا يسيرا، ومع هذا فالأدلة الثلاثة ليس لهم عنها جواب صحيح. أما الأول فإن المستدل بذلك الدليل لا يقول إذا وجب الفعل فلا قدرة، فإن عامة أهل السنة يقولون إن العبد له قدرة حتى الجبرية لكن يقولون لا تأثير لها، وقد مر أن لها تأثيرا من جنس تأثير الأسباب في مسبباتها ليس لها تأثير الخلق والإبداع. [ويوجب هذا الدليل] أن القادر يمتنع أن يرجح مقدوره إلا بمرجح وذلك المرجح لا يكون من العبد، فتعين أن يكون من الرب. وعند وجود المرجح التام يجب وجود الفعل ويمتنع عدمه فإنه إذا كان بعد وجود المرجح يمكن وجود الفعل وعدمه كما كان قبل المرجح [كان] ممكنا والممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح تام. وأما معارضة ذلك بفعل الله فالجواب أن هذا برهان عقلي يقيني واليقينيات لا تعارض ولا يوجد لها معارض. وأيضا فإن قدرة الرب تفتقر إلى مرجح لكن المرجح هو إرادة الله وإرادة الله لا يجوز أن تكون من غيره بخلاف إرادة العبد. وإذا كان المرجح إرادة الله كان فاعلا باختياره لا موجبا بذاته بدون اختياره وحينئذ فلا يلزم الكفر. ثم نقول ما تعني بقولك يلزم أن يكون الله موجبا بذاته؟ أتعني بذلك أن يكون موجبا للأثر بلا قدرة ولا إرادة أو تعني به أن يكون الأثر واجبا عند وجود المرجح الذي هو الإرادة مثلا مع القدرة؟ فإن عنيت الأول لم نسلم التلازم فإن الفرض أنه قادر وأنه مرجح بمرجح فهنا شيئان قدرة وأمر آخر، وقد فسرنا ذلك بالإرادة فكيف يقال إنه مرجح بلا قدرة ولا إرادة. وإن أردت أنه يجب وجود الأثر إذا حصلت الإرادة مع القدرة فهذا حق وهو مذهب المسلمين؛ فما شاء الله وجوده وجب وجوده بمشيئته وقدرته وما لم يشأ وجوده امتنع وجوده لعدم مشيئته وقدرته. فالأول واجب بالمشيئة والثاني ممتنع لعدمها. وأما ما يقوله القدرية من أن الله يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء فهذا ضلال. فإذا أراد حدوث مقدور فإما أن يجب وجوده أو لا، فإن وجب حصل المطلوب وتبين وجود الأثر عند المرجح، وسواء سميت ذا موجبا بالذات أو لم تسمه. وإن لم يجب وجوده كان ممكنا قابلا للوجود والعدم فلا بد له من مرجح وهكذا هلم جرا. ثم نقول ما ذكرته من الحجة العقلية [وهو استناد أفعالنا الاختيارية إلينا ووقوعها بحسب اختيارنا] معارض بما ليس من أفعالنا كاللون، فإن الإنسان يحصل اللون الذي يريد حصوله في الثوب بحسب اختياره وهو مستند إلى صنعته ومع هذا فليس اللون مفعولا له. وأيضا فما ينبت [من الزرع والشجر] قد يحصل بحسب اختياره وهو مستند إلى ازدراعه وليس الإنبات من فعله. فليس كل ما استند إلى العبد ووقع بحسب اختياره كان مفعولا له. وهذه معارضة عقلية.

وأما قوله: "أي شركة ها هنا؟" فيقال: إذا كانت الحوادث حادثة بغير فعل الله ولا قدرته فهذه مشاركة لله صريحة، [ولهذا شُبه هؤلاء بالمجوس الذين يجعلون فاعل الشر غير فاعل الخير فيجعلون لله شريكا آخر. ولهذا قال ابن عباس: الإيمان بالقدر نظام التوحيد. وقول القدرية يتضمن الإشراك والتعطيل، فإنه يتضمن إخراج بعض الحوادث عن أن يكون لها فاعل ويتضمن إثبات فاعل مستقل غير الله؛ وهاتان شعبتان من شعب الكفر. فإن أصل كل كفر التعطيل والشرك.] وهذا كما تقول الفلاسفة من أن الأفلاك تفعل بطريق الاستقلال وأنها هي المحدثة للحوادث التي في الأرض. والعجب إنكارهم على القدرية قولهم: ما زال الرب عاطلا عن الفعل حتى أحدث العالم، وهم يقولون: ما زال ولا يزال معطلا عن الإحداث بل عن الفعل، فإن ما لزم ذاته كالعقل والفلك ليس هو في الحقيقة فعلا له، إذ الفعل لا يعقل إلا شيئا بعد شيء، فأما ما لزم الذات فهو من باب الصفات كلون الإنسان وطوله فإنه يمتنع أن يكون فعلا له بخلاف حركاته فإنها فعل له، وإن قدر أنه لم يزل متحركا كما يقال في [نفس الإنسان] إنها لم تزل تتحرك من حال إلى حال وإن القلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا، فكون الفاعل الذي هو في نفسه يقوم به فعل يحدث شيئا بعد شيء مفعولا بخلاف ما لزمه لازم يقارنه في الأزل فهذا لا يعقل أن يكون مفعولا له. فتبين أنهم في الحقيقة لا يثبتون للرب فعلا أصلا فهم معطلة حقا. وأرسطو وأتباعه إنما أثبتوا العلة الأولى من جهة كونها علة غائية لحركة الفلك، فإن حركة الفلك عندهم بالاختيار كحركة الإنسان فلا بد لها من مراد فيكون هو مطلوبها فقالوا إن العلة الأولى هي التي يتحرك الفلك لأجلها أي للتشبيه بها، بل غاية ما يثبتونه أن يكون شرطا في وجود العالم فهي علة له تحركه كما يحرك المعشوق العاشق بمنزلة الرجل الذي اشتهى طعاما فمد يده إليه أو رأى من يحب فذلك المحبوب هو المحرك لكون المتحرك أحبه. وحيئنذ فلا يكونون قد أثبتوا لحركة الفلك محدثا أحدثها غير الفلك، كما لم تثبت القدرية لأفعال الحيوان محدثا غير الحيوان، فلهذا كان الفلك عندهم حيوانا كبيرا. فتبين أن الفلاسفة قدرية في جميع حوادث العالم وأنهم أصل الشر. ولهذا يضيفون الحوادث إلى الطبائع التي في الأجسام كما تقول القدرية في الحيوان ولا يثبتون محدث الحوادث، وغايتهم أن جعلوا الرب شرطا في وجود العالم ومنهم من قال الفلك واجب الوجود لكن أثبتوا علة إما غائية وإما فاعلية، وعند التحقيق لا حقيقة لما أثبتوه فهم أجهل الناس بالله. ومن دخل في أهل الملل منهم -كالفارابي وابن سينا وموسى بن ميمون اليهودي ويحيى بن عدي النصراني ومتّى- فهم مع إلحادهم أسد عقلا ونظرا من أرسطو وأتباعه المشائين. ودخل بعض المتكلمة معهم في الباطل وخرجوا عن الحق كتوحيد الإلهية وإثبات حقائق أسماء الله وصفاته ولم يعرفوا من التوحيد إلا توحيد الربوبية وهو الإقرار بأن الله خالق كل شيء وربه؛ وهذا توحيد أقر به المشركون، قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} وقال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} وإنما التوحيد المطلوب توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية؛ وإن توحيد الله أن يُعبد وحده فلا يخاف إلا هو ولا يدعى إلا هو. والعبادة تجمع غاية الحب والذل. والتوحيد يتضمن إثبات نعوت الكمال لله والإخلاص له {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}

[وأصل الشرك إما تعطيل -مثل تعطيل فرعون موسى والذي حاج إبراهيم في ربه- وإما الإشراك، وهو كثير في الأمم أكثر من التعطيل، وأهله خصوم جميع الأنبياء. وفي خصوم إبراهيم ومحمد معطلة ومشركة لكن التعطيل المحض للذات قليل، وأما الكثير فهو تعطيل صفات الكمال وهو مستلزم لتعطيل الذات، فإنهم يصفون واجب الوجود بما يجب أن يكون ممتنع الوجود. ثم إن كل من كان إلى الرسول وأصحابه والتابعين لهم بإحسان أقرب كان أقرب إلى كمال التوحيد والإيمان والعقل والعرفان؛ وكل من كان عنهم أبعد كان عن ذلك أبعد. فمتأخرو متكلمة الإثبات الذين خلطوا الكلام بالفلسفة كالرازي والآمدي ونحوهما هم دون أبي المعالي الجويني وأمثاله في تقرير التوحيد وإثبات صفات الكمال؛ وأبو المعالي وأمثاله دون القاضي أبي بكر بن الطيب وأمثاله في ذلك؛ وهؤلاء دون أبي الحسن الأشعري في ذلك؛ والأشعري في ذلك دون أبي محمد بن كلاب؛ وابن كلاب دون السلف والأئمة في ذلك. ومتكلمة أهل الإثبات الذين يقرون بالقدر هم خير في التوحيد وإثبات صفات الكمال من القدرية من المعتزلة والشيعة وغيرهم، لأن أهل الإثبات يثبتون لله كمال القدرة وكمال المشيئة وكمال الخلق وأنه منفرد بذلك فيقولون إنه وحده خالق كل شيء من الأعيان والأعراض، ولهذا جعلوا أخص صفات الرب تعالى القدرة على الاختراع. والتحقيق أن القدرة على الاختراع من جملة خصائصه ليس هي وحدها أخص صفاته. وأولئك يخرجون أحوال الحيوان عن أن تكون مخلوقة له؛ وحقيقة قولهم تعطيل هذه الحوادث عن خالق لها وإثبات شركاء لله يفعلونها. وكثير من متأخرة القدرية يقولون إن العباد خالقون لها ولكن سلفهم يحترزون عن ذلك.]

وطول الشيخ هنا بعبارات منطقية وبحوث دقيقة إلى أن ذكر دليل التمانع في قوله {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} فقال: إن دليل التمانع أنه لو كان للعالم صانعان لكان أحدهما إذا أراد أمرا وأراد الآخر خلافه مثل أن يريد أحدهما إطلاع الشمس من مشرقها ويريد الآخر إطلاعها من مغربها امتنع أن يحصل مرادهما إذ ذلك جمع بين الضدين فيلزم أن لا يحصل مراد واحد منهما فلا يكون ربا؛ وكذا إذا أراد أحدهما تحريك شيء وأراد الأخر تسكينه. فإن قيل يجوز أن تتفق الإرادتان فنقول إذا فرض ربان فإما أن يكون كل منهما قادرا بنفسه أو لا يكون قادرا إلا بالآخر؛ فإن لم يكن قادرا إلا بالآخر كان هذا ممتنعا لذاته مقتضيا للدور في العلل والفاعلين فإنه يستلزم أن يكون كل منهما جعل الآخر قادرا ولا يكون أحدهما فاعلا حتى يكون قادرا؛ فاذا كان كل منهما جعل الاخر قادرا فقد جعله فاعلا ويكون كل منهما جعل الآخر ربا وهذا ممتنع من ربين واجبين بأنفسهما قديمين لأن هذا لا يكون قادرا ربا فاعلا حتى يجعله الآخر كذلك وكذلك الآخر؛ وهذا ممتنع ضرورة؛ فالدور القبلي ممتنع لذاته كالدور في الفاعلين والعلل؛ فيمتنع أن يكون كل من الشيئين علة للآخر وفاعلا له أو جزءا من العلة. فإذا كان كل منهما لا يكون قادرا أو فاعلا إلا بالآخر لزم أن يكون كل منهما علة فاعلة وعلة لتمام ما به يصير الآخر قادرا فاعلا؛ وذلك ممتنع ضرورة؛ فلزم أن الرب لا بد أن يكون قادرا بنفسه، فإن أمكنه إرادة خلاف ما يريد الآخر أمكن اختلافهما وإن لم يمكنه أن يريد إلا ما يريد الآخر لزم العجز، فمتى فرض لزوم اتفاقهما أبدا كان ذلك ممتنعا لذاته، وقد يمكن هذا في مخلوقين بأن يجعلهما ثالث قادرين فيكونان متعاونين كاليدين فإنه تحدث لهما قوة باجتماعهما ويمتنع ذلك في حالتين فإنه إن كان أحدهما قادرا على الاستقلال والانفراد ولم يشترط في فعله معاونة الآخر أمكن أحدهما أن يفعل ما لا يريده الآخر أو ما يريد خلافه وإن لم يكن قادرا على الانفراد امتنع أن يحصل لهما عند الاجتماع قوة لما في ذلك من الدور، لأن هذا لا يقدر حتى يقدر ذاك ولا يقدر ذاك حتى يقدر هذا. وإذا قيل أحدهما يقدر على ما يوافقه عليه الآخر لم يكن قادرا إلا بموافقته. وإذا قيل يقدر على ما يخالفه الآخر فيه كان كل منهما مانعا الآخر من مقدوره فلا يكون واحد منهما قادرا. وإذا كان كل منهما مانعا ممنوعا لزم منه الجمع بين النقيضين. فيتبين امتناع ربين سواء. وامتنع وقوع مؤثرين تامين مستقلين يجتمعان على أثر واحد بأن يقول كل منهما [إنه] خاط هذا الثوب وحده. وهذا بخلاف المشتركين على عمل فعل واحد قال تعالى: {وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} فذكر سبحانه وجوب امتياز المفعولين ووجوب قهر أحدهما الآخر ولو اختلط مفعولهما لكانا كالحاملين خشبة كل منهما مفتقر إلى الآخر حال الاجتماع فإذا قدر أن إرادة هذا وفعله مقارن لإرادة الآخر وفعله فالتقدير أنه لا يمكنه أن يريد وأن يفعل إلا مع الآخر فتكون إرادته وفعله مشروطا بإرادة الآخر وفعله فيكون بدون ذلك عاجزا عن الإرادة والفعل فيكون كل منهما عاجزا حال الانفراد.

قال الرافضي: "وذهبت الأشاعرة إلى أن الله يرى بالعين مع أنه مجرد عن الجهات وقد قال تعالى: {لا تدركه الأبصار} وخالفوا الضرورة من أن المدرك بالعين يكون مقابلا أو في حكمه، وقالوا يجوز أن يكون بين أيدينا جبال شاهقة مختلفة الألوان لا نراها وأصوات هائلة لا نسمعها وعساكر متحاربة بحيث نمسهم ويمسوننا ولا نشاهد صورهم وحركاتهم ويجوز أن نشاهد أصغر شيء كالذرة في المشرق ونحن في المغرب. وهذه سفسطة".

قلنا: أما رؤيته في الآخرة بالأبصار فهو قول السلف والأئمة وتواترت به الأحاديث. ثم جمهور القائلين بالرؤية يقولون يرى عيانا مواجهة كما هو المعروف بالعقل. قال عليه السلام: «إنكم سترون ربكم عز وجل يوم القيامة كما ترون الشمس لا تضامون في رؤيته» وفي لفظ: «كما ترون الشمس والقمر صحوًا» وفي لفظ: «هل تضارون في رؤية الشمس صحوا ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا، قال: «فهل تضارون في رؤية القمر صحوا ليس دونه سحاب؟» قالوا: لا، قال: «فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر»

والذين قالوا يرى بلا مقابلة هم الذين يقولون إنه ليس فوق العالم، فلما كانوا مثبتين للرؤية نافين للعلو احتاجوا إلى الجمع بين هاتين المسألتين، وهو قول طائفة من الأشعرية وأئمتهم يقولون بأن الله فوق العرش. والمعتزلة نفت الفوقية والرؤية. فإذا عرضنا وجود موجود لا يشار إليه ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه أمر ولا هو داخل العالم ولا خارجه ولا ترفع الأيدي إليه على أي الفطر والعقول أنكرت ذلك جدا. وأما قول الأشعرية فقالوا إنه تعالى قادر على أن يخلق بحضرتنا ما لا نراه ولا نسمعه]من الأجسام والأصوات] وأن يرينا ما بعد منا من الذر؛ فلا يقولون هذا واقع، وتجويز وقوع الشيء غير الشك في الوقوع.

قال: "وذهبت الأشعرية إلى أن الله أمرنا ونهانا في الأزل ولا مخلوق عنده قائلا: [{يا أيها الناس اتقوا ربكم}] {يا أيها النبي اتق الله} [{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله}] ولو جلس شخص وحده ولا غلام عنده فقال: يا غانم قم، يا نجاح كل، قيل: لمن تنادي فيقول لعبيد أشتريهم بعد سنة؛ لنُسِب إلى الحمق والسفه".

قلنا: هذا قول الكلابية [وهم طائفة من الذين يقولون القرآن مخلوق كالمعتزلة؛ لا من يقول هو كلام الله غير مخلوق كالكرامية والسالمية والسلف وأهل الحديث من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم. فليس في ذكر مثل هؤلاء حصول مقصود الرافضي.] ثم كثير من الرافضة يقول به وهو الثابت عن أئمة أهل البيت. ثم إن الكلابية والأشعرية قالوا هذا لموافقتهم للمعتزلة في الأصل لاتفاقهم على صحة دليل حدوث الأجسام فلزمهم القول بحدوث ما لا يخلو عن الحوادث ثم قالوا وما تقوم به الحوادث لا يخلو منها فإذا قيل الجسم لم يخل من الحركة والسكون قالوا والسكون الأزلي يمتنع زواله لأنه موجود [أزلي وكل موجود أزلي يمتنع زواله،] وكل جسم يجوز عليه الحركة فإذا جاز عليه الحركة وهو أزلي وجب أن تكون حركته أزلية لامتناع زوال السكون الأزلي ولو جاز عليه الحركة الأزلية لزم حوادث لا أول لها وذاك ممتنع فلزم أنه تعالى لا تقوم به الحوادث. وقد علموا قطعا أن الكلام يقوم بالمتكلم كما يقوم العلم بالعالم والحركة بالمتحرك، وأن الكلام الذي يخلقه الله في غيره ليس كلاما له بل لذلك المحل. فلما ثبت عندهم أن الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم وقد وافقوا المعتزلة على أن الحوادث لا تقوم بالقديم لزم من الأصلين أن يكون الكلام قديما. قالوا: وقدم الأصوات ممتنع لأن الصوت لا يبقى زمانين فتعين أن يكون الكلام القديم معنى ليس بحرف ولا صوت وإذا كان كذلك كان معنى واحدا لأنه لو زاد على واحد لم يكن له حد محدود ويمتنع وجود معاني لا نهاية لها. فهم يقولون نحن وافقناكم على امتناع أن يقوم بالرب ما هو مراد له مقدور وخالفناكم في كون كلامه مخلوقا منفصلا عنه فلزمت المناقضة، فإن كان الجمع بين هذين ممكنا لم نتناقض وإن تعذر لزم خطأنا في إحدى المسألتين ولم يتعين الخطأ فيما خالفناكم فيه بل قد نكون أخطأنا فيما وافقناكم عليه من كونه لا يتكلم بمشيئته وقدرته بكلام يقوم به -مع أن إثبات هذا القول هو قول جمهور أهل الحديث وطوائف من المتكلمين والكرامية والشيعة بل لعله قول أكثر الطوائف- وإذا اضطررنا إلى موافقة إحدى الطائفتين كانت موافقتنا لمن يقول إن الرب يتكلم إذا شاء خير من موافقتنا لمن يقول إن كلامه إنما هو ما يخلقه في غيره لظهور فساده عقلا وشرعا.

ووجه آخر أن يقال: الخطاب لمعدوم لم يوجد بعد بشرط وجوده أقرب إلى العقل من متكلم لا يقوم به كلامه ومن كون الرب مسلوبا صفات الكمال، فما خلق الله عرضا في جسم إلا كان صفة للجسم لا للخالق. وأما خطاب من لم يوجد بشرط وجوده فإن الموصي قد يوصي بأشياء ويقول أنا آمر الوصي بعد موتي أن يعمل كذا ويعمل كذا وإذا بلغ [ولدي فلان] يكون هو الوصي وأنا آمره بكذا وكذا؛ بل يقف وقفا يبقى دهرا ويأمر الناظر الذي لم يخلق بعد بأشياء.

وأما القائل: يا غانم، يا نجاح؛ فإن قصد به خطاب حاضر فهذا قبيح، وإن قصد به خطاب من سيكون مثل أن يقول قد أخبرني الصادق أن أمتي تلد غلاما ويسمى غانما فإذا ولدته فهو حر وقد جعلته وصيا على أولادي وأنا آمرك يا غانم بكذا وكذا لم يكن هذا ممتنعا لأنه خطاب لحاضر في العلم وإن كان مفقودا في العين. والإنسان يخاطب من يستحضره في نفسه ويذكر أشياء له ويقول يا فلان أما قلت لك كذا. وروى عن علي كرم الله وجهه ورضي عنه أنه لما مر بكربلاء قال صبرا أبا عبد الله - يعني الحسين رضي الله عنه. والنبي ذكر الدجال وخروجه وقال: «يا عباد الله اثبتوا» ولم يوجد بعد عباد الله أولئك.

قلتُ: وذا كثيرٌ في القرآن من إخباره تعالى عن نفسه وعن عباده وملائكته بصيغة الماضي بما سيكون بعد الساعة. كقوله تعالى: {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار} {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} {وقال الذين في النار لخزنة جهنم}

قال الرافضي: "وذهب من عدا الإمامية والإسماعيلية إلى أن الأنبياء والأئمة غير معصومين فجوزوا بعثة من يجوز عليه الكذب والسهو والسرقة".

فيقال: ما ذكرته عن الجمهور في تجويز ذلك على الأنبياء كذب، فإنهم متفقون على عصمة الأنبياء عليهم السلام في تبليغ الرسالة، وطاعتهم واجبة إلا عند الخوارج. والجمهور يجوزون عليهم الصغائر وأنهم لا يقرون عليها. وأما عصمة الأئمة فنعم كما قال لم يقل بها إلا من ذكر وناهيك بقول عري عن الحجة.

قالوا: إن الله لم يخل العالم من أئمة معصومين لما في ذلك من المصلحة واللطف. قلنا: فهذا الغائب المنتظر المفقود لم يحصل به شيء من المصلحة واللطف، سواء كان ميتا كما نقول أو حيا كما تزعمه الإمامية. وكذلك أجداده لم يحصل بهم ذلك كما حصل بالنبي . ثم لم يحصل بعده أحد من الاثني عشر له سلطان إلا علي كرم الله وجهه. ومن المعلوم بالضرورة أن حال اللطف والمصلحة التي كان المؤمنون فيها زمن الخلفاء الثلاثة أعظم مما كان في زمانه من الفرقة والفتنة والقتال. والله قد أمرنا بالرد عند التنازع إلى الله والرسول ولو كان للناس معصوم غير الرسول لوجَّه الرد إليه. وفي الصحيحين أن أبا ذر قال: أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف. ولمسلم عن أم الحصين أنها سمعت النبي في حجة الوداع يقول: «ولو استعمل عليكم عبد أسود مجدع يقودكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا» وللبخاري عن أنس بنحوه.

والإمامية وغيرهم يجوزون أن يكون نواب الإمام غير معصومين وأن لا يكون الإمام عالما بعصمتهم، بدليل أن النبي قد ولّى الوليد بن عقبة ثم أخبر بمحاربة الذين أرسله إليهم. وعلي كرم الله وجهه ورضي عنه كان كثير من نوابه يخونونه وفيهم من هرب عنه. فاشتراط العصمة في الأئمة ليس بمقدور ولا مأمور ولم تحصل به منفعة.

قال: "وهم يرون القول بالقياس والرأي فأدخلوا في دين الله ما ليس منه وحرفوا أحكام الشريعة وأحدثوا مذاهب أربعة لم تكن في زمن النبي وأهملوا أقاويل الصحابة".

فالجواب: إن هذا وارد عليكم، فالزيدية تقول بالقياس. ثم القياس خير من تقليد من لم يبلغ في العلم مبلغ المجتهدين كمالك والثوري والشافعي وأحمد وأبي عبيد؛ وهم أعلم وأفقه من العسكريين وأمثالهما. ثم قوله: "أدخلوا في دين الله ما ليس منه وحرفوا" فهذا ليس في طائفة أكثر من الرافضة، فإنهم كذَبوا على الرسول ما لم يكذُبه غيرهم، وردوا من الصدق ما لا يحصى، وحرفوا حيث قالوا: {مرج البحرين} علي وفاطمة {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} الحسن والحسين {في إمام مبين} علي {وآل عمران على العالمين} أل أبي طالب وسموا أبا طالب عمران {والشجرة الملعونة} بنو أمية {أن تذبحوا بقرة} عائشة {لئن أشركت ليحبطن عملك} لئن أشركت بين أبي بكر وعمر؛ ونحو ذلك مما وجدته في كتبهم. ومن ثم دخلت الإسماعيلية في تأويلات الواجبات والمحرمات؛ فهم أئمة التحريف.

وأما قوله: "وأحدثوا مذاهب أربعة [وأهملوا أقاويل الصحابة]" فيقال له: متى كانت مخالفة الصحابة منكرا عندكم، ومن الذي يخالف إجماع الصحابة نحن أو أنتم، ومن الذي كفرهم وضللهم؟ [إن أهل السنة لا يتصور أن يتفقوا على مخالفة إجماع الصحابة. وأما الإمامية فلا ريب أنهم متفقون على مخالفة إجماع العترة النبوية مع مخالفة إجماع الصحابة، فإنه لم يكن في العترة النبوية -بني هاشم- على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم من يقول بإمامة اثني عشر ولا بعصمة أحد بعد النبي ولا بكفر الخلفاء الثلاثة بل ولا من يطعن في إمامتهم بل ولا من ينكر الصفات ولا من يكذب بالقدر. فالإمامية بلا ريب متفقون على مخالفة العترة النبوية مع مخالفتهم لإجماع الصحابة. فكيف ينكرون على من لا يخالف إجماع الصحابة ولا إجماع العترة.]

وأما المذاهب فإن أراد أنهم اتفقوا على إحداثها مع مخالفة الصحابة فهذا كذب عليهم، فإن الأربعة لم يكونوا في وقت واحد ولا كان فيهم من يقلد الآخر ولا من أمر الناس اتباعه، بل كل منهم يدعو إلى متابعة الكتاب والسنة ويرد على صاحبه. وإن قلت إن الناس اتبعوا الأربعة فهذا أمر اتفاقي. وأما الشيعة فكل ما خالفوا فيه الجمهور فهم مخطئون فيه. والأربعة لم يخترعوا علما لم يكن بل جمعوا العلم فأضيف ذلك إلى الواحد منهم كما تضاف كتب الحديث إلى من جمعها كالبخاري ومسلم وأبي داود وكما تضاف القراءات إلى من اختارها كنافع وعاصم. ثم لم يقل أهل السنة إن إجماع الأربعة حجة معصومة ولا إن الحق منحصر في قولهم وإن ما خرج عنه باطل. والمجتهدون يتنازعون ويختلفون في فهم كلام الرسول. ثم الصحابة قد ثبت عنهم القول بالرأي والقياس كما ثبت عنهم ذم ما ذموه من القياس. فالمذموم منه ما عارض النص وكذلك القياس الذي لا يكون فيه الفرع مشاركا للأصل في مناط الحكم، ولا شك أن القياس فيه فاسد وليس ذلك يوجب بطلان جميعه، كما أن وجود الموضوعات في المرويات لا يوجب بطلان جميع الحديث.

قال: "وذهبوا بسبب ذلك إلى أمور شنيعة كإباحة البنت من الزنا، وسقوط الحد عمن نكح أمه وأخته عالما بالتحريم وعن اللائط، وإلحاق نسب المشرقية بالمغربي فإذا زوج الرجل بنته وهي في المشرق برجل هو وأبوها في المغرب ولم يفارقه لحظة حتى مضت له ستة أشهر فولدت البنت ألحق المولود بالرجل، وإباحة النبيذ والوضوء به مع مشاركته الخمر في الإسكار، والصلاة في جلد الكلب وعلى العذرة اليابسة، وأباحوا الغصوب فقالوا لو دخل سارق طاحونا فطحن القمح ملك ذلك فلو جاء الملك فنازعه كان ظالما فلو تقاتلا فقتل السارق كان شهيدا ولو قتل اللص المالك [كان هدرا]. وأوجبوا الحد على الزاني إذا كذب الشهود وأسقطوه إذا صدقهم فأسقطوا الحد مع اجتماع الإقرار والبينة. وأباحوا [أكل] الكلب واللواط بالعبيد وأباحوا الملاهي".

والجواب: ما من مسألة من هذه المسائل إلا وجمهور السنة على خلافها. ثم يقال: وأنتم يوجد فيكم معشر الرافضة إما اتفاقا وإما اختلافا أضعاف ذلك كترك الجمعة والجماعة وتعطلون المساجد وتعمرون المشاهد التي على القبور، كما صنف منكم المفيد كتابا سماه مناسك حج المشاهد وفيه الكذب والشرك، ومنها تأخير صلاة المغرب، وتحريم ذبائح الكتابيين، وتحريم نوع من السمك، وتحريم بعضهم لحوم الإبل، وجعلهم الميراث كله للبنت دون العم، وصوم بعضهم بالعدد لا بالأهلة، وإحلال المتعة، وأن الطلاق المعلق بشرط لا يقع مع قصد إيقاعه عند الشرط، وأنه لا يقع بكتابة ويشترط فيه الإشهاد.

فأما المخلوقة من الزنا فمردة للشافعي رضي الله عنه، ولم يكن أحمد بن حنبل رضي الله عنه يظن فيها خلافا بحيث أنه أفتى بقتل من يفعل ذلك. وأما عقده على ذوات المحارم فأبو حنيفة رضي الله عنه جعل ذلك شبهة لدرء الحد لوجود صورة العقد؛ وأكثر السلف يقتلون اللائط وقيل ذلك إجماع الصحابة وهو مذهب مالك رضي الله عنه وأصح الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي رضي الله عنه، والآخر هو زنا وهو قول أبي يوسف ومحمد؛ وسقوط الحد من مفردات أبي حنيفة رضي الله عنه. وكذا إلحاق ولد المشرقية بالذي بالمغرب، وعنده أن النسب يقصد به الميراث. وهذه الشناعات إن كانت باطلا فجمهور الأئمة على خلافها، وإن كانت حقا لم تخرج عن قول أهل السنة. وأبو حنيفة لم يجعل الأبوة لكونه خلق من مائه.

ثم يا رافضي، منذ ساعة [كنت] تنكر القياس وهنا تحتج به على أبي حنيفة وتقول في النبيذ: "مع مشاركته للخمر في الإسكار"، فهلا احتججت بالنص: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام».

وأما جلد الكلب المدبوغ فقالت طائفة من العلماء بعموم الحديث: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» فلو قيل لك هات دليل التحريم لوقفت. واما ما قلت من مقاتلة الغاصب والمالك فكذب، بل إذا تنازعا رفعا إلى الحاكم. وأما الحد مع الشهود فمأخذ أبي حنيفة أنه إذا أقر سقط حكم الشهادة ولا يؤخذ بالإقرار إلا بأربع مرات؛ وأما الجمهور فيقولون الإقرار يؤكد حكم الشهادة. وأما اللواط بالعبيد فكذب ما قاله، وكأنه قصد التشنيع فإن بعض الجهلة يرويه عن مالك اشتبه عليه بمسألة الحشوش، ولا يختلف مذهب مالك والأئمة رضي الله عنهم أجمعين أن من استحل المماليك يكفر.

قال: "الوجه الثاني في الدلالة على وجوب اتباع مذهب الإمامية: ما قاله شيخنا الأعظم خواجه نصير الدين محمد بن حسن الطوسي وقد سألته عن المذاهب فقال: بحثنا عنها وعن حديث ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة فوجدنا الفرقة الناجية الإمامية لأنهم باينوا جميع المذاهب".

فيقال: لا تنس أنك قد كفّرت من قال إن الله موجب بالذات؛ وشيخك هذا ممن يقول بأن الله موجب بالذات، ويقول بقدم العالم، قرره في شرح الإشارات له. وقد كان وزير الملاحدة الإسماعيلية بالألموت، ثم صار منجما مسيرا لهولاكو فأشار عليه بقتل الخليفة والعلماء - إلى غير ذلك من الطامات. وأمر النصير وأتباعه أشهر عند المسلمين. وقد قيل إنه انصلح في أواخر عمره وكان يحافظ على الصلوات ويشتغل بتفسير البغوي وبالفقه.

وأما قوله: "باينوا جميع المذاهب" فهذيان، وكذا الخوارج باينوا جميع المذاهب وكذا المعتزلة وغيرهم. وإن عنى أنهم اختصوا بجميع أقوالهم فليس كذلك، فقد وافقوا في التوحيد المعتزلة وفي القدر، ووافقوا الجهمية؛ ثم بينهم من الاختلاف ما لا يوصف.

[ومن العجب أن هذا المصنف الرافضي الكذاب المفتري يذكر أبا بكر وعمر وعثمان وسائر السابقين والتابعين وسائر أئمة المسلمين من أهل العلم والدين بالعظائم التي يفتريها عليهم هو وإخوانه ويجيء إلى من اشتهرت عند المسلمين محاربته لله ورسوله يقول عنه: "قال شيخنا الأعظم" ويقول "قدس الله روحه" مع شهادته له بالكفر، ومع لعنه طائفةَ خيار المؤمنين من الأولين والآخرين. وهؤلاء داخلون في معنى قوله تعالى: {ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا * أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا}

ويقال: مباينتهم لجميع المذاهب هو على فساد قولهم أدلُّ منه على صحة قولهم، فإن مجرد انفراد طائفة عن جميع الطوائف بقول لا يدل على أنه هو الصواب واشتراك أولئك في قول لا يدل على أنه باطل.]

قال الرافضي: "الثالث أن الإمامية جازمون بحصول النجاة لهم [ولأئمتهم] قاطعون [بذلك]، وأهل السنة لا يجزمون بذلك" وضرب لذلك مثلا ثم قال: "فمتابعة هؤلاء أولى"

[والجواب أن يقال: إن كان أتباع أئمته الذين تدعى لهم الطاعة المطلقة [صوابا] وأن ذلك يوجب لهم النجاة، كان أتباع خلفاء بني أمية -الذين كانوا يوجبون طاعة أئمتهم مطلقا ويقولون إن ذلك يوجب النجاة- مصيبين، لأنهم كانوا يعتقدون أن طاعة الأئمة واجبة في كل شيء وأن الإمام لا يؤاخذه الله بذنب وأنهم لا ذنب لهم فيما أطاعوا فيه الإمام. بل أولئك أولى بالحجة من الشيعة لأنهم كانوا مطيعين أئمة أقامهم الله ونصبهم وأيدهم وملّكهم. فإذا كان من مذهب القدرية أن الله لايفعل إلا ما هو الأصلح لعباده كان تولية أولئك مصلحة لعباده. ومعلوم أن اللطف والمصلحة التي حصلت بهم أعظم من اللطف والمصلحة التي حصلت بإمام معدوم أو عاجز. ولهذا حصل لأتباع خلفاء بني أمية من المصلحة في دينهم ودنياهم أعظم مما حصل لأتباع المنتظر؛ فإن هؤلاء لم يحصل لهم إمام يأمرهم بشيء معروف ولا ينهاهم عن شيء من المنكر ولا يعينهم على شيء من مصلحة دينهم ولا دنياهم، بخلاف أولئك فإنهم انتفعوا بأئمتهم منافع كثيرة في دينهم ودنياهم أعظم مما انتفع هؤلاء بأئمتهم. فتبين أنه إن كان حجة هؤلاء المنتسبين إلى مشايعة علي رضي الله عنه صحيحة فحجة أولئك المنتسبين إلى مشايعة عثمان رضي الله عنه أولى بالصحة وإن كانت باطلة فهذا أبطل منها. فإذا كان هؤلاء الشيعة متفقين مع سائر أهل السنة على أن جزم أولئك بنجاتهم إذا ادعوا لتلك الأئمة طاعة مطلقة خطأ وضلال، فخطأ هؤلاء وضلالهم إذا جزموا بطاعتهم لمن يدعي أنه نائب المعصوم -والمعصوم لا عين له ولا أثر- أعظم وأعظم. فإن الشيعة ليس لهم أئمة يباشرونهم بالخطاب إلا شيوخهم الذين يأكلون أموالهم بالباطل ويصدون عن سبيل الله.

ويقال: قوله "إنهم جازمون بحصول النجاة لهم دون أهل السنة" فإنه إن أراد بذلك أن كل واحد ممن اعتقد اعتقادهم يدخل الجنة وإن ترك الواجبات وفعل المحرمات فليس هذا قول الإمامية ولا يقوله عاقل. وإن أراد أن حب علي حسنة لا يضر معها سيئة فلا يضره ترك الصلوات ولا الفجور بالعلويات ولا نيل أغراضهم بسفك دم بني هاشم إذا كان يحب عليا. فإن قالوا: المحبة الصادقة تستلزم الموافقة عاد الأمر إلى أنه لا بد من أداء الواجبات وترك المحرمات. وإن أراد بذلك أنهم يعتقدون أن كل من اعتقد الاعتقاد الصحيح وأدى الواجبات وترك المحرمات دخل الجنة، فهذا اعتقاد أهل السنة، فإنهم جزموا بالنجاة لكل من اتقى الله تعالى كما نطق به القرآن، وإنما توقفوا في شخص معين لعدم العلم بدخوله في المتقين. فإذا علم أنه مات على التقوى علم أنه من أهل الجنة. ولهذا يشهدون بالجنة لمن شهد له الرسول . ولهم فيمن استفاض في الناس حسن الثناء عليه قولان. فتبين أنه ليس في الإمامية جزم محمود اختصوا به عن أهل السنة والجماعة. فإن قالوا إنما نجزم لكل شخص رأيناه ملتزما للواجبات عندنا تاركا للمحرمات بأنه من أهل الجنة من غير أن يخبرنا بباطنه معصوم؛ قيل هذه المسألة لا تتعلق بالإمامية، بل إن كان إلى هذا طريق صحيح فهو طريق أهل السنة وهم بسلوكه أحذق، وإن لم يكن هناك طريق صحيح إلى ذلك كان ذلك قولا بلا علم ولا فضيلة فيه، بل في عدمه. ففي الجملة لا يدعون علما صحيحا إلا واهل السنة أحق به وما ادعوه من الجهل فهو نقص وأهل السنة أبعد عنه.

والقول بكون الرجل المعين من أهل الجنة قد يكون سببه إخبار المعصوم، وقد يكون سببه تواطؤ شهادة المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض، كما في الصحيح عن النبي أنه مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال: «وجبت وجبت» ومر عليه بجنازة فأثنوا شرا فقال: «وجبت وجبت» فقالوا: يا رسول الله ما قولك وجبت وجبت؟ قال: «هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض»

وإن أهل السنة يجزمون بحصول النجاة لأئمتهم أعظم من جزم الرافضة. وذلك أن أئمتهم بعد النبي هم {السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} وهم جازمون بحصول النجاة لهؤلاء. فإنهم يشهدون أن العشرة المبشرة في الجنة. ويشهدون أن الله تعالى قال لأهل بدر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» بل يقولون إنه: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي ، فهؤلاء أكثر من ألف وأربعمائة إمام لأهل السنة يشهدون أنه لا يدخل النار منهم أحد، وهي شهادة بعلم كما دل على ذلك الكتاب والسنة. وأهل السنة يشهدون بالنجاة إما مطلقا وإما معينا شهادة مستندة إلى علم. وأما الرافضة فإنهم إن شهدوا شهدوا بما لا يعلمون وشهدوا بالزور الذي يعلمون أنه كذب، فهم كما قال الشافعي رحمه الله تعالى: ما رأيت قوما أشهد بالزور من الرافضة.

وإن الإمام الذي شُهد له بالنجاة إما أن يكون هو المطاع في كل شيء وإن نازعه غيره من المؤمنين، أو هو مطاع فيما يأمر به طاعة الله ورسوله وفيما يقوله باجتهاد إذا لم يعلم أن غيره أولى منه ونحو ذلك.

فإن كان الإمام هو الأول فلا إمام لأهل السنة بهذا الاعتبار إلا رسول الله ، فإنه ليس عندهم من يجب أن يطاع في كل شيء إلا رسول الله وهم يقولون كما قال مجاهد والحكم ومالك وغيرهم: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله . ويشهدون لإمامهم أنه خير الخلائق، ويشهدون بأن كل من ائتم به ففعل ما أمر به وترك ما نهى عنه دخل الجنة. وهذه الشهادة بهذا وهذا هي أتم من شهادة الرافضة للعسكريين وأمثالهما بأن من أطاعهما دخل الجنة. فثبت أن إمام أهل السنة أكمل وشهاداتهم له إذا أطاعوه أكمل، ولا سواء.

وإن أرادوا بالإمام الإمام المقيد فذاك لا يوجب أهل السنة طاعته إن لم يكن ما أمر به موافقا لأمر الإمام المطلق رسول الله ، وهم إذا أطاعوه فيما أمر الله بطاعته فيه فإنما هم مطيعون لله ورسوله فلا يضرهم توقفهم في الإمام المقيد هل هو في الجنة أم لا، كما لا يضر أتباع المعصوم إذا أطاعوا نوابه، مع أن نوابه قد يكونون من أهل النار لا سيما ونواب المعصوم عندهم لا يعلمون أنهم يأمرون بما يأمر به المعصوم لعدم العلم بما يقوله معصوم. وأما أقوال الرسول فهي معلومة، فمن أمر بها فقد علم أنه وافقها ومن أمر بخلافها علم أنه خالفها. وما اختلف فيه منها فاجتهد فيه نائبه فهذا خير من طاعة نائب لمن يدعى [له] العصمة ولا أحد يعلم بشيء مما أمر به هذا الغائب المنتظر، فضلا عن العلم بكون نائبه موافقا أو مخالفا.

فإن ادعوا أن النواب عاملون بأمر من قبلهم، فعلم علماء الأمة بأمر رسول الله أتم وأكمل من علم هؤلاء بقول من يدعون عصمته. ولو طولب أحدهم بنقل صحيح ثابت بما يقولونه عن علي أو عن غيره لما وجدوا إلى ذلك سبيلا. وليس لهم من الإسناد والعلم بالرجال الناقلين ما لأهل السنة.]

قال الرافضي: "الرابع أنهم أخذوا مذهبهم عن المعصومين وقد كان كرم الله وجهه يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة مع شدة ابتلائه بالحروب، وكان زين العابدين وكان الباقر.." وعدد لهم مناقب بعضها مكذوب.

فيقال: لا نسلم أنكم أخذتم مذهبكم عن أهل البيت؛ فإنكم تخالفون عليا وأئمة أهل بيته في الأصول والفروع، فإنهم يثبتون الصفات والقدر وخلافة الثلاثة وفضلهم إلى غير ذلك. وليس لكم أسانيد متصلة حتى ننظر فيها. والكذب فمتوفر عندكم. فإن ادعوا تواتر نص هذا على هذا ونص هذا على هذا كان هذا معارضا بدعوى [غيرهم] مثل هذا التواتر، فإن سائر القائلين بالنص إذا ادعوا مثل هذه الدعوى لم يكن بين الدعويين فرق.

ثم هم محتاجون في مذهبهم إلى مقدمتين: إحداهما عصمة من يضيفون المذهب إليه والثاني ثبوت ذلك النقل عنه. وكلاهما لا دليل لهم عليهما.

وقد ثبت لعلي وبنيه من المناقب ما لم يذكره المصنف. وذكر أشياء كذبا وجهلا مثل قوله نزل في حقهم {هل أتى} وهي مكية باتفاق، وعلي لم يدخل بفاطمة إلا بعد بدر وولد له الحسن في السنة الثانية من الهجرة والحسين في السنة الرابعة من الهجرة بعد نزول {هل أتى} بسنين كثيرة. فقول القائل إنها نزلت فيهم من الكذب الذي لا يخفى على من له علم بنزول القرآن وأحوال هذه السادة الأخيار.

وأما آية {ويطهركم تطهيرا} فليس فيها إخبار بذهاب الرجس وبالطهارة بل فيها الأمر لهم بما يوجبهما وذلك كقوله تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} {يريد الله ليبين لكم ويهديكم} {يريد الله أن يخفف عنكم} فالإرادة هنا متضمنة للأمر والمحبة والرضا، ليست هي الملتزمة لوقوع المراد ولو كان كذلك لتطهر كل من أراد الله طهارته وهذا على قول شيعة زماننا أوجه فإنهم معتزلة يقولون إن الله يريد ما لا يكون. فقوله تعالى: {يريد الله ليذهب عنكم الرجس} إذا كان بفعل المأمور وترك المحظور كان ذلك متعلقا بإرادتهم وبأفعالهم فإن فعلوا ما أمروا به طهروا. ومما يبين أن ذلك مما أمروا به مما أخبر بوقوعه أن النبي أدار الكساء على علي وفاطمة والحسن والحسين ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهركم تطهيرا» رواه مسلم من حديث عائشة ورواه أهل السنن من حديث أم سلمة. وفيه دليل على أنه تعالى قادرا على إذهاب الرجس والتطهير وأنه خالق أفعال العباد ردا على المعتزلي. وما يبين أن الآية متضمنة للأمر والنهي قوله في سياق الكلام: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة إلى قوله ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركهم تطهيرا واذكرن ما يتلى في بيوتكن} فهذا السياق يدل على أن ذلك أمر ونهي وأن الزوجات من أهل البيت، فإن السياق إنما هو في مخاطبتهن. ويدل الضمير المذكر على أنه عمَّ غير زوجاته كعلي وفاطمة وابنيهما. كما أن مسجد قبا أسس على التقوى ومسجده أيضا أسس على التقوى وهو أكمل في ذلك فلما نزلت {لمسجد أسس على التقوى} تناول اللفظ مسجد قبا ولمسجده بطريق الأولى. وأصح الروايتين عن أحمد أنهن من أهل بيته. وفي الصحيحين: «اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته»

وأما إيجاب المودة فثبت أن ابن عباس سئل عن الآية فقال إنه لم يكن بطن من قريش إلا فيه لرسول الله منهم قرابة فقال تعالى: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني في القرابة التي بيني وبينكم.

ويدل على ذلك أنه لم يقل إلا المودة لذي القربى بل قال في القربى. ألا ترى أنه لما أراد ذوي قرابة قال: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى} وليست موالاتنا لأهل البيت من أجر النبي في شيء. وهو عليه السلام لا يسألنا أجرا وإنما أجره على الله تعالى: {قل لا أسألكم عليه من أجر}. ثم إن الآية مكية ولم يكن علي تزوج بفاطمة بعد ولا ولد لهما.

وزعم أن عليا كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة ولم يصح ذلك. ونبينا كان لا يزيد في الليل على ثلاث عشرة ركعة. ولا يُستحب قيام كل الليل بل يكره. قال النبي لعبد الله بن عمرو [بن العاص]: «إن لجسدك عليك حقا» وقد كان عليه السلام يصلي في اليوم والليلة نحو أربعين ركعة؛ وعلي كان أعلم بسننه وأتبع لهديه من أن يخالفه هذه المخالفة لو كان ذلك ممكنا؛ فكيف وصلاة ألف ركعة مع القيام بسائر الواجبات غير ممكن، إذ عليه حقوق نفسه من مصالحها ونومها وأكلها وشربها وحاجتها ووضوئها ومباشرته أهله وسراريه والنظر لأولاده وأهله ورعيته مما يستوعب نصف الزمان تقريبا. فالساعة الواحدة لا تتسع لثمانين ركعة إلا أن تكون بالفاتحة فقط وبلا طمأنينة. وعلي كرم الله وجهه أجل من أن يصلي صلاة المنافقين التي هي نقر ولا يذكر الله فيها إلا قليلا كما في الصحيحين.

وأما قوله "وواخاه" فموضوع. فإنه عليه السلام لم يواخ أحدا، ولا آخى بين المهاجرين بعضهم من بعض بل مع الأنصار.

وأما قوله: "وجعله الله نفس رسوله حيث قال: {وأنفسنا وأنفسكم}" فهذا خطأ وإنما هذا مثل قوله {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} وكقوله تعالى: {فاقتلوا أنفسكم} {ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} فالمراد بالأنفس الإخوان نسبا أو دينا. وقد قال النبي لعلي: «أنت مني وأنا منك» وقال: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو جمعوا ما كان معهم في ثوب ثم قسموه بالسوية فهم مني وأنا منهم» وقال في جليبيب: «هذا مني وأنا منه» والخبران في الصحيح.

وأما تزويج علي بفاطمة ففضيلة له، وكذلك تزويج عثمان بأختيها فضيلة له، وكذلك تزويج النبي بابنة أبي بكر وابنة عمر فضيلة لهما، فالخلفاء الأربعة أصهاره ورضي عنهم أجمعين.

قال: "وله معجزات كثيرة" فإن عنى الكرامات فعلي أفضل من كثير من ذوي الكرامات.

ثم قال: "حتى ادعى قوم فيه الربوبية وقَتَلَهم"

قلنا: معجزات النبي أعظم وما ادعيت فيه ولله الحمد الربوبية. ثم مدعو ربوبية علي عدد يسير فحرَّقهم ومكفروه ألوف من الخوارج فما فيهما خير. والخوارج متقيدون بالإسلام ولهم تعبد؛ والذين عبدوه زنادقة.

قال: "وأخذ النبي يوما بيد الحسين وولده إبراهيم على فخده فنزل جبريل فقال إن الله لم يكن ليجمع لك بينهما فاختر فقال إذا مات الحسين بكيت أنا وعلي وفاطمة وإذا مات إبراهيم بكيت أنا فأختار موت إبراهيم. فمات بعد ثلاث"

قلت: هذا لا يعرف له إسناد وهو كذب ركيك [من أحاديث الجهال، فليس في جمع الله بين إبراهيم والحسين أعظم مما في جمعه بين الحسن والحسين].

ثم ذكر تسمية النبي علي بن الحسين بزين العابدين.

قلنا: هذا لا أصل له ولا رواه عالم.

وأما ذكره أبا جعفر وأنه أعلم أهل زمانه فهذه دعوى. فالزهري كان في عصره وهو أعلم عند الناس منه. ونقل تسمية النبي إياه الباقر كذب. وكذلك حديث تبليغ جابر له السلام [هو من الموضوعات عند أهل الحديث].

ثم قال: "وجعفر بن محمد نشر فقه الإمامية والمعارف والعقائد" فهذا الكلام يستلزم إما أنه ابتدع ما لم يعلمه من قبله وإما أن يكون من قبله قصَّر. بل الآفة وقعت من الكذابين على جعفر ونسبوا إليه كتاب البطاقة وكتاب الجفر وكتاب الهفت واختلاج الأعضاء وفي النجوم وغير ذلك. حتى أن قوما زعموا أن رسائل إخوان الصفا مأخوذة عنه، وهي معمولة بعده بنحو مائتي سنة عند ظهور دولة الباطنية الذين ملكوا مصر فأظهروا اتباع الشريعة وأن لها باطنا مخالفا وباطن أمرهم الفلسفة، وعلى هذا وضعت هذه الرسائل وضعها جماعة، وقد ذكروا فيها ما استولى عليه النصارى من الشام.

وأما موسى بن جعفر فقد قال فيه أبو حاتم: ثقة إمام من أئمة المسلمين. وقال ابن سعد: ليس له كبير رواية. وأما من بعده فلم يؤخذ عنهم من العلم ما يذكر في أخبارهم ولا لهم فتاوى، بل لهم من الفضائل والمحاسن ما هم له أهل.

وذَكَرَ أن بشرا الحافي تاب على يد موسى. وهذا من كذب من لم يعرف الأمور، فإن موسى أقدمه الرشيد العراق وحبسه.

قال: "وكان علي بن موسى أزهد الناس وأعلمهم"

فيقال: من المصائب التي ابتلى بها ولد الحسين انتحال الرافضة إياهم وتعظيمهم لهم وإطراؤهم بالدعاوى والغلو. وكان علي كبير القدر، وقد كان في زمانه الشافعي وغيره ممن هو أعلم منه ومعروف [الكرخي] وأبو سليمان الداراني ممن هو أزهد منه. وقد وضعوا عليه نسخا عن آبائه.

ثم قال: "أخذ عنه فقهاء الجمهور كثيرا"

فهذا بهت ما أخذ عنه إلا آحاد الناس كأبي الصلت الهروي.

ثم قال في أثناء كلامه: "إن النبي قال إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار"

وهذا كذب؛ واللاتي أحصن فروجهن لا يحصيهن إلا الله تعالى ومن ذريتهن البر والفاجر. ففضل فاطمة ليس بمجرد إحصان فرجها. ثم الرافضة تشهد على كثير من أولادها بالكفر والفسوق -وهم أهل السنة- كما رفضت الرافضة زيد بن علي ونابذوه.

ثم ذكر المهدي وأنه محمد المنتظر.

قلنا: ذكر ابن جرير وابن قانع وغيرهما أن الحسن بن علي العسكري لم يعقب. والإمامية تزعم أنه كان له ولد دخل سرداب سامرا وهو صغير له سنتان أو ثلاث أو خمس؛ وهذا لو كان موجودا معلوما لكان الواجب في حكم الله تعالى أن يكون في حضانة أمه ونحوها من أهل الحضانة وأن يكون ماله عند من يحفظه. فكيف يكون من يستحق الحجر والحضانة معصوما إماما للأمة. ثم هذا إن قدر وجوده أو عدمه لا ينتفعون به في دين ولا علم ولا دنيا؛ ولا حصل به لطف ولا مصلحة. فإن قيل بسبب ظلم الناس احتجب عنهم؛ قيل كان الظلم في زمن آبائه وما احتجبوا. ثم المؤمنون به قد طبقوا الأرض فهلا اجتمع بهم في وقت. وكان يمكنه أن يأوي إلى بقعة فيها شيعته. فما حصل بهذا المعلوم مصلحة أصلا غير الانتظار الطويل ودوام الحسرة والألم والدعاء بالمستحيل، لأنهم يدعون له بالخروج والظهور من نحو أربعمائة وخمسين سنة ولا يجابون.

ثم ذكر حديث ابن عمر: يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي الحديث.

قلنا: ذا حجة عليكم فإن لفظه: «يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي» يعني اسمه محمد بن عبد الله لا محمد بن الحسن. ثم قد روي عن علي رضي الله عنه أنه من ذرية الحسن لا الحسين.

ثم قال: فهؤلاء الأئمة المعصومون الذين بلغوا الغاية في الكمال [ولم يتخذوا ما اتخذه غيرهم من الأئمة المشتغلين بالملك وأنواع المعاصي والملاهي وشرب الخمور والفجور. قالت الإمامية فالله يحكم بيننا وبين هؤلاء وهو خير الحاكمين]. وما أحسن قول بعض الناس:
إذا شئت أن ترضي لنفسك مذهبا ** وتعلم أن الناس في نقل أخبار
فدع عنك قول الشافعي ومالك ** وأحمد والمروي عن كعب أحبار
ووال أناسا قولهم وحديثهم ** روى جدنا عن جبرئيل عن الباري

[والجواب من وجوه.

أحدها أن دعوى العصمة في هؤلاء لم يذكر عليها حجة إلا ما ادعاه من أنه يجب على الله أن يجعل للناس إماما معصوما ليكون لطفا ومصلحة في التكليف. وقد تبين فساد هذه الحجة من وجوه أدناها أن هذا -أي اللطف والمصلحة- مفقود لا موجود، فإنه لم يوجد إمام معصوم حصل به لطف ولا مصلحة. ولو لم يكن في الدليل على انتفاء ذلك إلا المنتظر الذي قد علم بصريح العقل أنه لم ينتفع به أحد لا في دين ولا دنيا ولا حصل لأحد من المكلفين به مصلحة ولا لطف لكان هذا دليلا على بطلان قولهم؛ فكيف مع كثرة الدلائل على ذلك.

الثاني أن قوله: "كل واحد من هؤلاء قد بلغ الغاية في الكمال" هو قول مجرد عن الدليل. والقول بلا علم يمكن كل أحد أن يقابله بمثله. وإذا ادعى هذا الكمال فيمن هو أشهر في العلم والدين من العسكريين وأمثالهما من الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين كان ذلك أولى بالقبول. ومن طالع أخبار الناس علم أن الفضائل العلمية والدينية المتواترة عن غير واحد من الأئمة أكثر مما ينقل عن العسكريين وأمثالهما من الصدق.

الثالث أن قوله هؤلاء الأئمة إن أراد به أنهم كانوا ذوي سلطان وقدره معهم السيف فهذا كذب ظاهر وهم لا يدعون ذلك بل يقولون إنهم عاجزون ممنوعون مغلوبون مع الظالمين لم يتمكن أحد منهم من الإمامة إلا علي بن أبي طالب، مع أن أمورا استصعبت عليه ونصف الأمة أو أقل أو أكثر لم يبايعوه، بل كثير منهم قاتلوه وقاتلهم وكثير منهم لم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه وكان فيهم من فضلاء المسلمين من لم يكن مع علي؛ بل الذين تخلفوا عن القتال معه وله كانوا أفضل ممن قاتل معه.

وإن أراد به أنهم كان لهم علم ودين يستحقون به أن يكونوا أئمة فهذه الدعوى إن صحت لا توجب كونهم أئمة يجب على الناس طاعتهم، كما أن استحقاق الرجل أن يكون إمام مسجد لا يجعله إماما، واستحقاقه أن يكون قاضيا لا يصيره قاضيا واستحقاقه أن يكون أمير حرب لا يجعله أمير حرب. والصلاة لا تصح إلا خلف من يكون إماما بالفعل، لا خلف من ينبغي أن يكون إماما. وكذلك الحكم بين الناس إنما يفصله ذو سلطان وقدرة لا من يستحق أن يولى القضاء. وكذلك الجند إنما يقاتلون مع أمير عليهم لا مع من لم يؤمر وإن كان يستحق أن يؤمَّر. وفي الجملة الفعل مشروط بالقدرة، وكل من ليس له قدرة وسلطان على الولاية والإمارة لم يكن إماما وإن كان استحق أن يجعل له قدرة حتى يتمكن. فكونه يشرع أن يمكن أو يجب أن يمكن ليس هو نفس التمكن. والإمام هو المتمكن القادر. وليس في هؤلاء من هو كذلك إلا علي كما تقدم.

الرابع أن يقال ما تعنون بالاستحقاق؟ أتعنون أن الواحد من هؤلاء كان يجب أن يولى الإمامة دون سائر قريش أم تريدون أن الواحد منهم من جملة من يصلح للخلافة؟ فإن أردتم الأول فهو ممنوع مردود. وإن أردتم الثاني فذلك قدر مشترك بينه وبين خلق كثير من قريش.

الخامس أن يقال الإمام هو من يقتدى به. وذلك على وجهين أحدهما أن يرجع إليه في العلم والدين بحيث يطاع باختيار المطيع لكونه عالما بأمر الله عز وجل آمرا به، فيطيعه المطيع لذلك وإن كان عاجزا عن إلزامهم الطاعة. والثاني أن يكون صاحب يد وسيف بحيث يطاع طوعا وكرها قادرا على إلزام المطيع بالطاعة. وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} قد فسر أولو الأمر بذوي القدرة كأمراء الحرب وفسر بأهل العلم والدين. وكلاهما حق. وهذان الوصفان كانا كاملين في الخلفاء الراشدين فإنهم كانوا كاملين في العلم والعدل والسياسة والسلطان وإن كان بعضهم أكمل في ذلك من بعض، فأبو بكر وعمر أكمل في ذلك من عثمان وعلي. وبعدهم لم يكمل أحد في هذه الأمور إلا عمر بن عبد العزيز. بل قد يكون الرجل أكمل في العلم والدين ممن يكون له سلطان، وقد يكون أكمل في السلطان ممن هو أعلم منه وأدين. وهؤلاء إن أريد بكونهم أئمة أنهم ذوو سلطان فباطل وهم لا يقولونه. وإن أريد بذلك أنهم أئمة في العلم والدين يطاعون مع عجزهم عن إلزام غيرهم بالطاعة فهذا قدر مشترك بين كل من كان متصفا بهذه الصفات.

ثم إما أن يقال قد كان في أعصارهم من هو أعلم منهم وأدين، إذ العلم المنقول عن غيرهم أضعاف العلم المنقول عنهم وظهور آثار غيرهم في الأمة أعظم من ظهور آثارهم في الأمة، والمتقدمون منهم كعلي بن الحسين وابنه أبي جعفر وابنه جعفر بن محمد قد أخذ عنهم من العلم قطعة معروفة وأخذ عن غيرهم أكثر من ذلك بكثير كثير. وأما من بعدهم فالعلم المأخوذ عنهم قليل جدا ولا ذكر لأحد منهم في رجال أهل العلم المشاهير بالرواية والحديث والفتيا ولا غيرهم من المشاهير بالعلم، وما يذكر لهم من المناقب والمحاسن فمثله يوجد لكثير غيرهم من الأمة. وإما أن يقال إنهم أفضل الأمة في العلم والدين. فعلى التقديرين فإمامتهم على هذا الاعتبار لا ينازع فيها أهل السنة فإنهم متفقون على أنه يؤتم بكل أحد فيما يأمر به من طاعة الله ويدعو إليه من دين الله ويفعله مما يحبه الله. فما فعله هؤلاء من الخير ودعوا إليه من الخير فإنهم أئمة فيه يقتدى بهم في ذلك. قال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} وقد قال تعالى لإبراهيم: {إني جاعلك للناس إماما} ولم يكن ذلك أن جعله ذا سيف يقاتل به جميع الناس، بل جعله بحيث يجب على الناس اتباعه سواء أطاعوه أم عصوه. فهؤلاء الأئمة في الدين أسوة أمثالهم. فأهل السنة مقرون بإمامة هؤلاء فيما دلت الشريعة على الائتمام بهم فيه، كما أن هذا الحكم ثابت لأمثالهم مثل أبي بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ وأبي الدرداء وأمثالهم من السابقين الأولين ومثل سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعبيد الله بن عبد الله وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وأبي بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وهؤلاء فقهاء المدينة ومثل علقمة والأسود بن زيد وأسامة ومحمد بن سيرين والحسن البصري ومثل سالم بن عبد الله ابن عمر ومثل هشام بن عروة وعبد الرحمن بن القاسم والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبي الزناد ومثل مالك والأوزاعي والليث بن سعد وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم. لكن المنقول الثابت عن بعض هؤلاء من الحديث والفتيا قد يكون أكثر من المنقول الثابت عن الآخر فتكون شهرته لكثرة علمه أو لقوة حجته أو نحو ذلك. وإلا فلا يقول أهل السنة إن يحيى بن سعيد وهشام بن عروة وأبا الزناد أولى بالاتباع من جعفر بن محمد ولا يقولون إن الزهري ويحيى بن أبي كثير وحماد بن أبي سلمة وسليمان بن يسار ومنصور بن المعتمر أولى بالاتباع من أبيه أبي جعفر الباقر ولا يقولون إن القاسم بن محمد وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله أولى بالاتباع من علي بن الحسين بل كل واحد من هؤلاء ثقة فيما ينقله مصدق في ذلك، وما بينه من دلالة الكتاب والسنة على أمر من الأمور هو من العلم الذي يستفاد منه فهو مصدق في الرواية والإسناد، وإذا أفتى بفتيا وعارضه غيره رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله كما أمر الله بذلك، وهذا حكم الله ورسوله بين هؤلاء جميعهم، وكذا كان المسلمون على عهد رسول الله وعهد خلفائه الراشدين رضي الله عنهم.

السادس أن يقال قوله "لم يتخذوا ما اتخذه غيرهم من الأئمة المشتغلين بالملك والمعاصي" كلام باطل. وذلك أنه إن أراد أن أهل السنة يقولون إنه يؤتم بهؤلاء الملوك فيما يفعلونه من معصية الله فهذا كذب عليهم. فإن علماء أهل السنة المعروفين بالعلم عند أهل السنة متفقون على أنه لا يقتدى بأحد في معصية الله ولا يتخذ إماما في ذلك. وإن أراد أن أهل السنة يستعينون بهؤلاء الملوك فيما يحتاج إليه في طاعة الله ويعاونونهم على ما يفعلونه من طاعة الله فيقال له: إن كان اتخاذهم أئمة بهذا الاعتبار محذورا فالرافضة أدخل منهم في ذلك، فإنهم دائما يستعينون بالكفار والفجار على مطالبهم ويعاونون الكفار والفجار على كثير من مآربهم، وهذا أمر مشهود في كل زمان ومكان. ولو لم يكن إلا صاحب هذا الكتاب منهاج الندامة وإخوانه فإنهم يتخذون المغل والكفار والفساق والجهال أئمة بهذا الاعتبار.

السابع أن يقال الأئمة الذين هم مثل هؤلاء الذين ذكرهم في كتابه وادعى عصمتهم ليس لهم سلطان تحصل به مقاصد الإمامة ولا يكفي الائتمام بهم في طاعة الله ولا في تحصيل ما لا بد منه مما يعين على طاعة الله. فإذا لم يكن لهم ملك ولا سلطان لم يمكن أن تصلى خلفهم جمعة ولا جماعة ولا يكونون أئمة في الجهاد ولا في الحج ولا تقام بهم الحدود ولا تفصل بهم الخصومات ولا يستوفي الرجل بهم حقوقه التي عند الناس والتي في بيت المال ولا يؤمّن بهم السبيل. فإن هذه الأمور كلها تحتاج إلى قادر يقوم بها ولا يكون قادرا إلا من له أعوان على ذلك؛ وهؤلاء لم يكونوا قادرين على ذلك بل القادر على ذلك كان غيرهم. فمن طلب هذه الأمور من إمام عاجز كان جاهلا ظالما ومن استعان عليها بمن هو قادر عليها كان مهتديا مسددا. فهذا يحصل مصلحة دينه ودنياه والأول تفوته مصلحة دينه ودنياه.

الثامن أن يقال دعوى كون جميع الخلفاء كانوا مشتغلين بما ذكره من الخمور والفجور كذب عليهم، والحكايات المنقولة في ذلك فيها ما هو كذب. وقد علم أن فيهم العدل والزاهد كعمر بن عبد العزيز والمهتدي بالله. وأكثرهم لم يكن مظهرا لهذه المنكرات من خلفاء بني أمية وبني العباس. وإن كان أحدهم قد يبتلى ببعض الذنوب وقد يكون تاب منها وقد تكون له حسنات كثيرة تمحو تلك السيئات وقد يبتلى بمصائب تكفرها عنه. ففي الجملة الملوك حسناتهم كثيرة وسيئاتهم، والواحد من هؤلاء وإن كان له ذنوب ومعاص لا تكون لآحاد المؤمنين فلهم من الحسنات ما ليس لآحاد المسلمين من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود وجهاد العدو وإيصال كثير من الحقوق إلى مستحقيها ومنع كثير من الظلم وإقامة كثير من العدل. ونحن لا نقول إنهم كانوا سالمين من ذلك لكن نقول وجود الظلم والمعاصي من بعض المسلمين ولاة الأمور وعامتهم لا يمنع أن يشارك فيما يعمله من طاعة الله. وأهل السنة لا يأمرون بموافقة ولاة الأمور إلا في طاعة الله لا في معصيته. ولا ضرر على من وافق [أحدا] في طاعة الله إذا انفرد عنه بمعصية لم يشركه فيها. كما أن الرجل إذا حج مع الناس فوقف معهم وطاف لم يضره كون بعض الحجاج له مظالم وذنوب ينفرد بها. وكذلك إذا شهد مع الناس الجمعة والجماعة ومجالس العلم وغزا معهم لم يضره كون بعض المشاركين له في ذلك له ذنوب يختص بها. فولاة الأمور بمنزلة غيرهم يشاركون فيما يفعلونه من طاعة الله ولا يشاركون فيما يفعلونه من معصية الله. وهذه كانت سيرة أهل البيت مع غيرهم. فمن اتبعهم في ذلك فهو المقتدي بهم دون من تبرأ من السابقين الأولين وجمهور أهل العلم والدين وظاهَرَ على عداوتهم الكفار والمنافقين كما يفعله من يفعله من الرافضة الضالين.

التاسع أن يقال إمام قادر ينتظم به أمر الناس في أكثر مصالحهم بحيث يؤمّن به السبيل ويقام به ما يقام من الحدود ويدفع به ما يدفع من الظلم ويحصل به ما يحصل من جهاد العدو ويستوفى به ما يستوفى من الحقوق خير من إمام معدوم لا حقيقة له. والرافضة يدعون إلى إمام معصوم وليس عندهم في الباطن إلا إمام معدوم وفي الظاهر إمام كفور أو ظلوم. فأئمة أهل السنة ولو فرض ما فرض فيهم من الظلم والذنوب خير من الأئمة الظاهرين الذين تعتمدهم الرافضة وخير من إمام معدوم لا حقيقة له. وأما الأئمة الباقون الذين كانوا موجودين فأولئك يأتم بهم أهل السنة كما يأتمون بأمثالهم فهم وأمثالهم أئمة. ومن ائتم بهؤلاء وأمثالهم من سائر المسلمين كان خيرا ممن ائتم بهم وحدهم، فإن العلم رواية ودراية كلما كثر فيه العلماء واتفقوا عليه كان أقوى وأولى بالاتباع. فليس عند الشيعة خير إلا وأهل السنة يشركونهم فيه، والخير الذي اختص به أهل السنة لا يشركهم فيه الشيعة.

العاشر أن يقال ما ذكره هذا الإمامي يمكن كل واحد من أهل السنة أن يعارضه بما هو أقوى منه، فإنه [يقال] عن مثل سعيد بن المسيب وعلقمة والأسود والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح ومحمد بن سيرين ومطرف بن الشخير ومكحول والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله وما شاء الله من التابعين وتابعيهم هؤلاء أئمة فيما يمكن الائتمام فيه بهم من الدين، وعلي بن الحسين وابنه وجعفر بن محمد وغيرهم هم أيضا أئمة أهل السنة والجماعة بهذا الاعتبار، فلم تأتم الشيعة بإمام ذي علم وزهد إلا وأهل السنة يأتمون به وبجماعة آخرين يشاركونهم في العلم والزهد بل هم أعلم منه وأزهد. وما اتخذ أهل السنة إماما من أهل المعاصي إلا وقد اتخذت الشيعة إماما من أهل المعاصي شرا منه. فأهل السنة أولى بالائتمام بأئمة الظلم في غير ما هم ظالمون فيه، فهم خير من الشيعة في الطرفين.

الحادي عشر قوله "قالت الإمامية فالله يحكم بيننا وبين هؤلاء وهو خير الحاكمين" فيقال للإمامية إن الله حكم بينهم في الدنيا بما أظهره من الدلائل والبينات وبما يظهر أهل الحق عليكم، فهم ظاهرون عليكم بالحجة والبيان وباليد واللسان كما أظهر دين نبيه على سائر الأديان. قال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} ومن كان دينه قول أهل السنة الذي خالفتموهم فيه فإنه ظاهر عليكم بالحجة واللسان كظهور دين محمد على سائر الأديان. ولم يظهر دين محمد قط على غيره من الأديان إلا بأهل السنة، كما ظهر في خلافه أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ظهورا لم يحصل لشيء من الأديان. وعلي رضي الله عنه مع أنه من الخلفاء الراشدين ومن سادات السابقين الأولين لم يظهر في خلافته دين الإسلام بل وقعت الفتنة بين أهله وطمع فيهم عدوهم من الكفار والنصارى والمجوس بالشام والمشرق. وأما بعد علي فلم يعرف أهل علم ودين ولا أهل يد وسيف نصر الله بهم الإسلام إلا أهل السنة؛ وأما الرافضة فإما أن تعاون أعداء الإسلام وإما أن تمسك عن نصر الطائفتين. ولا ريب أن الله تعالى يحكم يوم القيامة بين السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وبين من عاداهم من الأولين والآخرين كما يحكم بين المسلمين والكفار.

الثاني عشر أن يقال هذا التظلم ممن هو؟ إن قلتم ممن ظلم عليا كأبي بكر وعمر على زعمكم؛ فيقال لكم الخصم في ذلك علي، وقد مات كما مات أبو بكر وعمر. وهذا أمر لا يتعلق بنا ولا بكم إلا بطريق بيان الحق وموالاة أهله ونحن نبين بالحجج الباهرة أن أبا بكر وعمر أولى بالعدل من كل أحد سواهما من هذه الأمة وأبعد عن الظلم من كل من سواهما، وأن عليا لم يكن يعتقد أنه إمام الأمة دونهما كما نذكر هذا في موضعه إن شاء الله. وإن قلتم نتظلم من الملوك الذين منعوا هؤلاء حقوقهم من الإمامة فهذا فرع على كون هؤلاء الاثني عشر كانوا يطلبون الإمامة أو كانوا يعتقدون أنهم أئمة الأمة المعصومون، وهذا كذب على القوم. وسواء كان صدقا أو كذبا فالله يحكم بين الطائفتين إن كانوا مختصمين: {قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون} وإن كان التظلم من بعض الملوك الذين بينهم وبين هؤلاء منازعة في ولاية أو مال فلا ريب أن الله يحكم بين الجميع، كما يحكم بين سائر المختصمين. فإن نفس الشيعة بينهم من المخاصمات أكثر مما بين سائر طوائف أهل السنة. وبنو هاشم قد جرى بينهم نوع من الحروب، وجرى بين بني حسن وبني حسين من الحروب ما يجري بين أمثالهم في هذه الأزمان. والحروب في الأزمان المتأخرة بين بعض بني هاشم وبين غيرهم من الطوائف أكثر من الحروب التي كانت في أول الزمان بين بعض بني أمية وبعض بني هاشم، لا لشرف نسب أولئك فإن نسب بني هاشم أشرف لكن لأن خير القرون هو القرن الذي بعث فيه النبي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم؛ فالخير في تلك القرون أكثر والشر فيما بعدها أكثر.

وإن كان التظلم من أهل العلم والدين الذين لم يظلموا أحدا ولم يعاونوا ظالما ولكن يذكرون ما يجب من القول علما وعملا بالدلائل الكاشفة للحق، فلا يشك من له أدنى عقل أنه من شبه مثل مالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وأمثالهم بمثل هشام بن الحكم وهشام بن سالم وأمثالهما من شيوخ الرافضة إنه لمن أظلم الظالمين. وكذلك من شبه القدريين النغمي [والكراجكي] وأمثالهما بمثل أبي علي وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري إنه لمن أظلم الظالمين. وهؤلاء شيوخ المعتزلة دع محمد هيضم وأمثاله والقاضي أبا بكر بن الطيب وأمثاله من متكلمة أهل الإثبات. دع أهل الفقه والحديث والتصوف كأبي حامد الاسفرايني وأبي زيد المروزي وأبي عبد الله بن بطة وأبي بكر عبد العزيز وأبي بكر الرازي وأبي الحسن القزويني وأبي محمد بن أبي زيد وأبي بكر الأبهري وأبي الحسن الدارقطني وأبي عبد الله بن منده وأبي الحسين بن ميمون وأبي طالب المكي وأبي عبد الرحمن السلمي وأمثال هؤلاء. فما من طائفة من طوائف أهل السنة على تنوعهم إذا اعتبرتها إلا وتحققتها أعلم وأعدل وأبعد عن الجهل والظلم من طائفة الروافض. فلا يوجد في أحد منهم معاونة ظالم إلا وهو في الرافضة أكثر، ولا يوجد في الشيعة عدل عن ظلم ظالم إلا وهو في هؤلاء أكثر. وهذا أمر يشهد به العيان والسماع لمن له اعتبار ونظر. ولا يوجد في جميع الطوائف أكذب منهم ولا أظلم منهم ولا أجهل منهم. وشيوخهم يقرون بألسنتهم يقولون: يا أهل السنة أنتم فيكم فتوة لو قدرنا عليكم ما عاملناكم بما تعاملونا به عند القدرة علينا.

الثالث عشر أن يقال هذا الشعر الذي استشهد به واستحسنه هو قول جاهل، فإن أهل السنة متفقون على ما روى جدهم عن جبريل عن الباري، بل هم يقبلون مجرد قول الرسول ويؤمنون به ولا يسألونه من أين علمت هذا لعلمهم بأنه معصوم: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} وإنما سموا أهل السنة لاتباعهم سنته ، لكن الشأن في معرفة ما رواه جدهم. فهم يطلبون ذلك من الثقات الأثبات. فإن كان عند العلويين علم شيء من ذلك استفادوه منهم، وإن كان عند غيرهم علم شيء من ذلك استفادوه منه. وأما مجرد كون جدهم روى عن جبريل عن الباري إذا لم يكونوا عالمين به فما يصنع لهم. والناس لم يأخذوا قول مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إلا لكونهم يسندون أقوالهم إلى ما جاء به النبي ، فإن هؤلاء من أعلم الناس بما جاء به وأتبعهم لذلك وأسد اجتهادا في معرفة ذلك واتباعه. وإلا فأي غرض للناس في تعظيم هؤلاء، وعامة الأحاديث التي يرويها هؤلاء يرويها أمثالهم وكذلك عامة ما يجيبون به من المسائل كقول أمثالهم. ولا يجعل أهل السنة قول واحد من هؤلاء معصوما يجب اتباعه، بل إذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والرسول. واعتبر ذلك بما تشاهده في زمانك من أهل العلم بالقرآن والحديث والفقه، فإنك تجد كثيرا من بني هاشم لا يحفظ القرآن ولا يعرف من حديث النبي إلا ما شاء الله ولا يعرف معاني ذلك، فإذا قال هذا: روى جدنا عن جبرئيل عن الباري؛ قيل نعم، وهؤلاء أعلم منكم بما روى جدكم عن جبرائيل وأنتم ترجعون في ذلك إليهم. وإذا كان كل من الأولين والآخرين من بني هاشم قد يتعلم بعض ما جاء به [الرسول من غير بني هاشم كان هذا من إمارة أنه لا علم عندهم بذلك] إلا كعلم أمثالهم، فبمن يأتم الناس وعمن يأخذون؟ أيأخذون عمن يعرف ما جاء به جدهم أو عمن لا يعرف ذلك؟ و«العلماء هم ورثة الأنبياء فإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بخط وافر».

وإن قال مرادي بهؤلاء الأئمة الاثنا عشر؛ قيل له: ما رواه علي بن الحسين وأبو جعفر وأمثالهما من حديث جدهم فمقبول منهم كما يرويه أمثالهم، ولولا أن الناس وجدوا عند مالك والشافعي وأحمد أكثر مما وجدوه عند موسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي لما عدلوا عن هؤلاء إلى هؤلاء. وإلا فأي غرض لأهل العلم والدين أن يعدلوا عن موسى بن جعفر إلى مالك بن أنس وكلاهما من بلد واحد في عصر واحد لو وجدوا عند موسى بن جعفر من علم الرسول ما وجدوه عند مالك، مع كمال رغبة المسلمين في معرفة علم الرسول. ونفس بني هاشم كانوا يستفيدون علم الرسول من مالك بن أنس أكثر مما يستفيدونه من ابن عمهم موسى بن جعفر. ثم الشافعي جاء بعد مالك وقد خالفه في أشياء وردها عليه حتى وقع بينه وبين أصحاب مالك ما وقع، وهو أقرب نسبا من بني هاشم من مالك ومن أحرص الناس على ما يستفيده من علم الرسول من بني عمه وغير بني عمه، ولو وجد عند أحد من بني هاشم أعظم من العلم الذي وجده عند مالك لكان أشد الناس مسارعة إلى ذلك. فلما كان يعترف بأنه لم يأخذ عن أحد أعلم من مالك وسفيان بن عيينة وكانت كتبه مشحونة بالأخذ عن هذين الاثنين وغيرهما وليس فيها شيء عن موسى بن جعفر وأمثاله من بني هاشم عُلم أن مطلوبه من علم الرسول كان عند مالك أكثر مما هو عند هؤلاء. وكذلك أحمد بن حنبل قد علم كمال محبته لرسول الله ولحديثه ومعرفته بأقواله وأفعاله وموالاته لمن يوافقه ومعاداته لمن يخالفه ومحبته لبني هاشم وتصنيفه في فضائلهم حتى صنف فضائل علي والحسن والحسين كما صنف فضائل الصحابة. ومع هذا فكتبه مملوءة عن مثل مالك والثوري والأوزاعي والليث بن سعد ووكيع بن الجراح ويحيى بن سعيد القطان وهشيم بن بشير وعبد الرحمن بن مهدي وأمثالهم، دون موسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وأمثالهم. فلو وجد مطلوبه عند مثل هؤلاء لكان أشد الناس رغبة في ذلك.

فإن زعم زاعم أنه كان عندهم من العلم المخزون ما ليس عند أولئك لكن كانوا يكتمونه؛ فأي فائدة للناس من علم مكتوم؟ فـ"علم لا يقال به ككنز لا ينفق منه". فكيف يأتم الناس بمن لا يبين لهم؟ والعلم المكتوم كالإمام المعدوم، وكلاهما لا ينتفع به ولا يحصل به لطف ولا مصلحة.

وإن قالوا بل كانوا يثبتون ذلك لخواصهم دون هؤلاء الأئمة؛ قيل: أولا هذا كذب عليهم، فإن جعفر بن محمد لم يجئ بعده مثله وقد أخذ العلم عن هؤلاء الأئمة كمالك وابن عيينة وشعبة والثوري وابن جريج ويحيى بن سعيد وأمثالهم من العلماء والمشاهير الأعيان. ثم من ظن بهؤلاء السادة أنهم يكتمون العلم عن مثل هؤلاء ويخصون به قوما مجهولين ليس لهم في الأمة لسان صدق فقد أساء الظن بهم. فإن في هؤلاء من المحبة لله ولرسوله والطاعة له والرغبة في حفظ دينه وتبليغه وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه وصيانته عن الزيادة والنقصان ما لا يوجد قريب منه لأحد من شيوخ الشيعة. وهذا أمر معلوم بالضرورة لمن عرف وهؤلاء هؤلاء. واعتبر هذا مما تجده في كل زمان من شيوخ السنة وشيوخ الرافضة كمصنف هذا الكتاب، فإنه عند الإمامية أفضلهم في زمانه بل يقول بعض الناس ليس في بلاد المشرق أفضل منه في جنس العلوم مطلقا. ومع هذا فكلامه يدل على أنه من أجهل خلق الله تعالى بحال النبي وأقواله وأعماله؛ فيروي الكذب الذي يظهر أنه كذب من وجوه كثيرة. فإن كان عالما بأنه كذب فقد ثبت عنه أنه قال: «من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين» وإن كان جاهلا بذلك دلَّ على أنه من أجهل الناس بأحوال النبي كما قيل:

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ** وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

وأما الأبيات التي أنشدها فقد قيل في معارضتها:

إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهبا ** تنال به الزلفى وتنجو من النار

فدِنْ بكتاب الله والسنة التي ** أتت عن رسول الله من نقل أخيار

ودع عنك داعي الرفض والبدع التي ** يقودك داعيها إلى النار والعار

وسر خلف أصحاب الرسول فإنهم ** نجوم هدى في ضوئها يهتدي الساري

وعُجْ عن طريق الرفض فهو مؤسس ** على الكفر تأسيسا على جرف هار

هما خطتان إما هدى وسعادة ** وإما شقاء مع ضلالة كفار

فأي فريقينا أحق بأمنه ** وأهدى سبيلا عندما يحكم الباري

أمَنْ سب أصحاب الرسول وخالف الكتاب ولم يعبأ بثابت الأخبار

أم المقتدي بالوحي يسلك منهج الصحابة مع حب القرابة الأطهار]

إلى أن قال: ومنع أبو بكر فاطمة إرثها والتجأ إلى رواية انفرد بها وكان هو الغريم لها [لأن الصدقة تحل له لأن النبي قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» على ما رووه عنه.] والقرآن يخالف ذلك لأنه تعالى قال: {يوصيكم الله في أولادكم} وهذا عام. وكذّب روايتهم فقال: {وورث سليمان داود} وقال: {فهب لي من لدنك وليا يرثني}

والجواب عن قوله "رواية انفرد بها" بأنه كذب. رواه عن النبي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعيد وعبد الرحمن بن عوف والعباس وأزواج النبي وأبو هريرة رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.

وقوله "كان الغريم لها" كذب فإن أبا بكر لم يدع التركة لنفسه وإنما هي صدقة لمستحقها. وأيضا فتيقن الصحابة وأولهم علي رضي الله عنه أن النبي لا يورث، ولهذا لما ولي علي الخلافة لم يقسم تركة النبي ولا غيرها عن مصرفها. وعموم آية الميراث قد خص منه هذا وأنه لا يرث الكافر ولا القاتل عمدا ولا العبد وغير ذلك. ثم إن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قد أعطيا عليا وبنيه رضي الله عنهم من المال أضعاف ما خلفه النبي . وما خلفه النبي فقد سلمه عمر إلى علي والعباس رضي الله عنهم يليانه ويفعلان فيه ما كان النبي يفعله. وهذا مما ينفي التهمة عن أبي بكر وعمر.

ثم لو قدر أن أبا بكر وعمر متغلبان متوثبان على الأمر لكانت العادة تقضي بأن لا يزاحما الورثة المستحقين للولاية والتركة في ذلك المال [بل يعطيانهم ذلك وأضعافه ليكفوا عن المنازعة في الولاية.]

ثم قوله تعالى: {وورث سليمان داود} لا يدل، إذ الإرث اسم جنس تحته أنواع، والدال على ما به الاشتراك لا يدل على ما به الامتياز. فإذا قيل: هنا حيوان، لم يدل على إنسان أو فرس. فإن لفظ الإرث يستعمل في لفظ إرث العلم والملك وغير ذلك. قال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا} وقال تعالى: {وتلك الجنة التي أورثتموها} {وأورثكم أرضهم} {إن الأرض لله يورثها من يشاء} {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون} وأخرج أبو داود أن النبي قال: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا ودرهما وإنما ورثوا العلم» ثم يقال بل المراد إرث العلم والنبوة لا المال، إذ معلوم أنه كان لداود أولاد كثيرون غير سليمان فلا يختص سليمان بماله. وليس في كونه ورث ماله صفة مدح لهما فإن البر والفاجر يرث أباه؛ والآية سيقت في بيان مدح سليمان وما خص به؛ وإرث المال من الأمور العادية المشتركة بين الناس ومثل ذلك لا يقص علينا لعدم فائدته. وكذلك قوله: {يرثني ويرث من آل يعقوب} لأنه لا يرث من آل يعقوب أموالهم إنما يرثهم أولادهم وذريتهم. ثم زكريا لم يكن ذا مال إنما كان نجارا ويحيى كان من أزهد الناس.

قال: ولما ذكرت أن أباها وهبها فدك قال هاتي شاهدا فجاءت بأم أيمن فقال امرأة لا يقبل قولها. [وقد رووا جميعا أن رسول الله قال: أم أيمن امرأة من أهل الجنة.] فجاءت بعلي فشهد لها، فقال: هذا بعلك يجره إلى نفسه. وقد رووا جميعا أن رسول الله قال: علي مع الحق والحق معه يدور حيثما دار لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. فغضبت فاطمة وانصرفت وحلفت أن لا تكلمه حتى تلقى أباها وتشكو إليه. وقد رووا جميعا أن النبي قال يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك. ورووا: «إن فاطمة بضعة مني» الحديث. ولو كان حديث: «لا نورث» صحيحا لما جاز له ترك البغلة التي خلفها النبي وسيفه وعمامته عند علي ولما حكم له بها إذا ادعاها العباس. وبعد ذلك جاء مال البحرين وعنده جابر فأعطاه بقوله: "عدة النبي " بلا بينة.

والجواب أنْ ما هذا بأول افتراء الرافضة ولا بهتهم. ثم إن فاطمة إن كانت طلبت فدك بالإرث بطلت الهبة، وإن كانت هبة بطل الإرث. [ثم إذا كانت هذه هبة في مرض الموت فرسول الله منزه إن كان يورث كما يورث غيره أن يوصي لوارث أو يخصه في مرض موته بأكثر من حقه. وإن كان في صحته فلا بد أن تكون هذه هبة مقبوضة، وإلا فإذا وهب الواهب بكلام ولم يقبض الموهوب إليه شيئا حتى مات كان ذلك باطلا عند جماهير العلماء. فكيف يهب النبي فدك لفاطمة ولا يكون ذلك أمرا مشهورا عند أهل بيته والمسلمين حتى تختص بمعرفته أم أيمن أو علي رضي الله عنهما.] بل ذلك كذب على فاطمة [في ادعائها ذلك. وإن كان النبي يورث، فالخصم في ذلك أزواجه وعمه، ولا تقبل عليهم شهادة امرأة واحدة ولا رجل واحد بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق المسلمين. وإن كان لا يورث فالخصم في ذلك المسلمون فكذلك لا تقبل عليهم شهادة امرأة واحدة ولا رجل واحد باتفاق المسلمين ولا رجل وامرأة. نعم يحكم في مثل ذلك بشهادة ويمين الطالب عند فقهاء الحجاز وفقهاء أهل الحديث. وشهادة الزوج لزوجته فيها قولان مشهوران للعلماء هما روايتان عن أحمد: إحداهما لا تقبل وهي مذهب أبي حنيفة ومالك والليث بن سعد والأوزاعي وإسحاق وغيرهم رضي الله عنهم، والثانية تقبل وهي مذهب الشافعي وأبي ثور وابن المنذر.] فعلى هذا لو قدر صحة هذه القضية لما جاز للإمام أن يحكم بشهادة رجل واحد أو امرأة بالاتفاق، لا سيما وأكثرهم لا يجيزون شهادة الزوج.

[وقوله: "وقد رووا جميعا أن رسول الله قال: أم أيمن امرأة من أهل الجنة" فهذا احتجاج جاهل يريد أن يحتج لنفسه فيحتج عليها. فإن هذا القول لو قاله الحجاج بن يوسف أو المختار بن أبي عبيد وأمثالهما لكان قد قال حقا، فإن امرأة واحدة لا يقبل قولها في الحكم بالمال لمدع يريد أن يأخذ ما هو في الظاهر لغيره، فكيف إذا حكي مثل هذا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.. وأما الحديث الذي ذكره وزعم أنهم روو. ه جميعا فهذا الخبر لا يعرف في شيء من دواوين الإسلام ولا نعرف عالما من العلماء رواه. وأم أيمن هي أم أسامة بن زيد، وهي حاضنة النبي وهي من المهاجرات، ولها حق حرمة. لكن الرواية عن النبي لا تكون بالكذب عليه وعلى أهل العلم. وقول القائل رووا جميعا لا يكون إلا في خبر متواتر، فمن ينكر حديث النبي أنه لا يورث وقد رواه أكابر الصحابة ثم يقول إنهم جميعا رووا هذا الحديث إنما يكون من أجهل الناس وأعظمهم جحدا للحق. وبتقدير أن يكون النبي قد أخبر أنها من أهل الجنة فهو كإخباره عن غيرها أنه من أهل الجنة، وقد أخبر عن كل واحد من العشرة أنه في الجنة وقال: «لا يدخل أحد النار ممن بايع تحت الشجرة» وهذا الحديث في الصحيح ثابت عند أهل العلم بالحديث. وحديث الشهادة لهم بالجنة رواه أهل السنن من غير وجه من حديث عبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد. فهذه الأحاديث هي المعروفة عند أهل العلم بالحديث. ثم هؤلاء يكذّبون من علم أن الرسول شهد لهم بالجنة وينكرون عليهم كونهم لم يقبلوا شهادة امرأة زعموا أنه شهد لها بالجنة؛ فهل يكون أعظم من جهل هؤلاء وعنادهم. ثم يقال: كون الرجل من أهل الجنة لا يوجب قبول شهادته لجواز أن يغلط في الشهادة، ولهذا لو شهدت خديجة وفاطمة وعائشة ونحوهن ممن يعلم أنهن من أهل الجنة لكانت شهادة إحداهن نصف شهادة رجل كما حكم بذلك القرآن؛ كما أن ميراث إحداهن نصف ميراث رجل وديتها نصف دية رجل. وهذا كله باتفاق المسلمين. فكون المرأة من أهل الجنة لا يوجب قبول شهادتها لجواز الغلط عليها. فكيف وقد يكون الإنسان ممن يكذب ويتوب من الكذب ثم يدخل الجنة.

وقوله: "إن عليا شهد لها فرد شهادته لكونه زوجها"؛ فهذا مع كونه كذبا لو صح لم يقدح، إذ كانت شهادة الزوج مردودة عند أكثر العلماء، ومن قبلها منهم لم يقبلها حتى يتم النصاب إما برجل آخر أو بإمرأة مع امرأة. وأما الحكم بشهادة رجل وامرأة مع عدم يمين المدعي فهذا لا يسوغ.

وقوله: "إنهم رووا جميعا أن رسول الله قال علي مع الحق والحق يدور معه حيث دار ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض" من أعظم الكلام كذبا وجهلا. فإن هذا الحديث لم يروه أحد عن النبي لا بإسناد صحيح ولا ضعيف؛ فكيف يقال إنهم جميعا رووا هذا الحديث، وهل يكون أكذب ممن يروي عن الصحابة والعلماء أنهم رووا حديثا والحديث لا يعرف عن أحد منهم أصلا، بل هذا من أظهر الكذب. ولو قيل رواه بعضهم وكان يمكن صحته لكان ممكنا. وهو كذب قطعا على النبي وينزه عنه رسول الله . أما أولا فلأن الحوض إنما يرده عليه أشخاص؛ أما الحق فليس من الأشخاص الذين يردون الحوض والحق الذي يدور مع الشخص ويدور الشخص معه فهو صفة لذلك الشخص لا يتعداه. وأيضا فالحق لا يدور مع شخص غير النبي ولو دار الحق مع علي حيثما دار لوجب أن يكون معصوما كالنبي وهم من جهلهم يدعون ذلك ولكن من علم أنه لم يكن بأولى بالعصمة من أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم -وليس فيهم من هو معصوم- علم كذبهم. وفتاويه من جنس فتاوى أبي بكر وعمر وعثمان، ليس هو أولى بالصواب منهم ولا في أقوالهم من الأقوال المرجوحة أكثر مما قاله. ولا كان ثناء النبي ورضاه عنه بأعظم من ثنائه عليهم ورضائه عنهم.

بل لو قال القائل إنه لا يعرف من النبي أنه عتب على عثمان في شيء وقد عتب على علي في غير موضع لما أبعد. فإنه لما أراد أن يتزوج بنت أبي جهل واشتكته فاطمة لأبيها وقالت: إن الناس يقولون إنك لا تغضب لبناتك، فقام خطيبا وقال: «إن بني [هشام بن] المغيرة استأذنوني أن يزوجوا بنتهم علي بن أبي طالب وإني لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي ويتزوج ابنتهم فإنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها» ثم ذكر صهرا له من بني عبد شمس فقال: «حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي» وهو حديث صحيح أخرجاه في الصحيحين.

وكذلك لما طرقه وفاطمة ليلا فقال: «ألا تصليان» فقال له علي: إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا فانطلق وهو يضرب فخذه ويقول: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلا}.

وأما الفتاوى قد أفتى أن المتوفى عنها زوجها وهي حامل تعتد أبعد الأجلين. وهذه الفتيا كان قد أفتى بها أبو السنابل بن بعكك على عهد النبي فقال النبي : «كذب أبو السنابل». وأمثال ذلك كثيرة.

ثم بكل حال لا يجوز أن يحكم بشهادته وحده كما لا يجوز له أن يحكم لنفسه.

وإن ما ذكره عن فاطمة أمر لا يليق بها ولا يحتج بذلك إلا رجل جاهل يحسب أنه يمدحها وهو يجرحها. فإنه ليس فيما ذكر ما يوجب الغضب عليه إذ لم يحكم لو كان ذلك صحيحا إلا بالحق الذي لا يحل لمسلم أن يحكم بخلافه. ومن طلب أن يحكم له بغير حكم الله ورسوله فامتنع فغضب وحلف أن لا يكلم الحاكم ولا صاحب الحاكم لم يكن هذا مما يحمد عليه ولا مما يذم به الحاكم بل هذا إلى أن يكون جرحا أقرب منه إلى أن يكون مدحا. ونحن نعلم أن ما يحكى عن فاطمة وغيرها من الصحابة من القوادح كثير منها كذب وبعضها كانوا فيه متأولين. وإذا كان بعضها ذنبا فليس القوم معصومين بل هم مع كونهم أولياء الله من أهل الجنة لهم ذنوب يغفرها الله لهم. وكذلك ما ذكره من حلفها أنها لا تكلمه ولا صاحبه حتى تلقى أباها وتشتكي إليه أمر لا يليق أن يذكر عن فاطمة رضي الله عنها، فإن الشكوى إنما تكون إلى الله تعالى كما قال العبد الصالح: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} وفي دعاء موسى عليه السلام: "اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان" وقال النبي لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله» ولم يقل: سلني واستعن بي. وقد قال تعالى: {فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب}

ومن المعلوم أن طالبا إذا طلب مالا من ولي الأمر فلم يعطه إياه لكونه لا يستحقه عنده وهو بأخذه لم يعطه لأحد من أهله ولا أصدقائه بل أعطاه لجميع المسلمين وقيل إن الطالب غضب على الحاكم كان غاية ذلك أنه غضب لكونه لم يعطه مالا وقال الحاكم إنه لغيرك لا لك، فأي مدح للطالب في هذا الغضب ولو كان مظلوما محضا لم يكن غضبه إلا للدنيا؟ وكيف والتهمة عند الحاكم الذي لا يأخذ لنفسه أبعد من التهمة عند الطالب الذي [يريد أن] يأخذ لنفسه، فكيف تحال التهمة على من لا يأخذ لنفسه مالا ولا تحال على من يطلب لنفسه المال. وكذلك الحاكم يقول إنما أمنع لله لأني لا يحل لي أن آخذ المال من مستحقه فأدفعه إلى غير مستحقه، والطالب يقول إنما أغضب لحظ قليل من المال. أليس من يذكر مثل هذا عن فاطمة ويجعله من مناقبها جاهلا؟ أوليس الله قد ذم المنافقين الذين قال فيهم: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون * ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} فذكر قوما رضوا أن أعطوا وغضبوا أن لم يعطوا فذمهم بذلك. فمن مدح فاطمة بما فيه شبه من هؤلاء أفلا يكون قادحا فيها؟ فقاتل الله الرافضة وانتصف لأهل البيت منهم فإنهم ألصقوا فيهم من العيب والشين ما لا يخفى على ذي عين.

ولو قال قائل فاطمة لا تطلب إلا حقها لم يكن هذا بأولى من قول القائل أبو بكر لا يمنع يهوديا ولا نصرانيا حقه فكيف يمنع سيدة نساء العالمين حقها، فإن الله تعالى ورسوله قد شهد لأبي بكر أنه ينفق ماله لله، فكيف يمنع الناس أموالهم وفاطمة رضي الله عنها قد طلبت من النبي مالا فلم يعطها إياه كما ثبت في الصحيحين عن علي رضي الله عنه في حديث الخادم: لما ذهبت فاطمة إلى النبي تسأله خادما فلم يعطها خادما وعلمها التسبيح. وإذا جاز أن تطلب من النبي ما يمنعها النبي إياه ولا يجب أن يعطيها إياه جاز أن تطلب ذلك من أبي بكر خليفة رسول الله وعلم أنها ليست معصومة أن تطلب مالا يجب إعطاؤها إياه. وإذا لم يجب عليه الإعطاء لم يكن مذموما بترك ما ليس بواجب وإن كان مباحا. أما إذا قدرنا أن الإعطاء ليس بمباح فإنه يستحق أن يحمد على المنع. وأما أبو بكر فلم يعلم أنه منع أحدا حقه لا في حياة رسول الله ولا بعد موته.

وكذلك ما ذكره من إيصائها أن تدفن ليلا ولا يصلى عليها أحد منهم: لا يحكيه عن فاطمة ويحتج به إلا رجل جاهل يطرق على فاطمة ما لا يليق بها. وهذا لو صح لكان بالذنب المغفور أولى منه بالسعي المشكور، فإن صلاة المسلم على غيره زيادة خير يصل إليه. ولا يضر أفضل الخلق أن يصلى عليه شر الخلق. وهذا رسول الله يصلي عليه الأبرار والفجار والمنافقون وهذا إن لم ينفعه لم يضره. وهو يعلم أن في أمته منافقين ولم ينه أحدا من أمته عن الصلاة عليه. بل قال وأمر الناس كلهم بالصلاة والسلام عليه مع أن فيهم المؤمن والمنافق. فكيف يذكر في معرض الثناء عليها والاحتجاج لها مثل هذا الذي لا يحكيه ولا يحتج به إلا مفرط في الجهل. ولو أوصى موص بأن المسلمين لا يصلون عليه لم تنفذ وصيته فإن صلاتهم عليه خير له بكل حال. ومن المعلوم أن إنسانا لو ظلمه ظالم فأوصى بأن لا يصلى عليه ذلك الظالم لمن يكن هذا من الحسنات التي يحمد عليها ولا ذلك مما أمر الله به رسوله. فمن يقصد مدح فاطمة وتعظيمها كيف يذكر مثل هذا الذي لا مدح فيه بل المدح في خلافه كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.

وأما قوله: "رووا جميعا أن النبي قال: يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك" فهذا كذب منه، ما رووا هذا عن النبي ولا يعرف هذا في شيء من كتب الحديث المعروفة، ولا الإسناد معروف عن النبي لا صحيح ولا حسن. ونحن إذا شهدنا لفاطمة بالجنة وبأن الله يرضى عنها فنحن لأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعيد وعبد الرحمن بن عوف بذلك نشهد، ونشهد بأن الله تعالى أخبر برضاه عنهم في غير موضع كقوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} وقوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} وقد ثبت أن النبي توفي وهو عنهم راض. ومن رضي الله عنه ورسوله لا يضره غضب أحد من خلقه كائنا من كان. ولأن من رضي الله عنه يكون رضاه موافقا لرضا الله فهو راض عن الله بحكم الله [وحكم الله] موافق لرضاه، وإذا رضوا بحكمه غضبوا لغضبه، فإن من رضي برضى غيره لزم أن يغضب لغضبه، فإن الغضب إذا كان مرضيا لك فعلت ما هو مرضي لك، وكذلك الرب تعالى -وله المثل الأعلى- إذا رضي عنهم غضب لغضبهم إذ هو راض عنهم. 2

وأما قوله: "رووا جميعا أن فاطمة بضعة مني من آذاها آذاني ومن آذاني آذى الله" فإن هذا الحديث لم يرو بهذا اللفظ بل روي بغيره كما ذكر في حديث خطبة علي لابنة أبي جهل لما قام النبي خطيبا فقال: «إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب وإني لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن إنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم» وفي رواية: «إني أخاف أن تفتتن في دينها» ثم ذكر صهرا له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه فقال: «حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي وإني لست أحل حراما ولا أحرم حلالا ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدا» رواه البخاري ومسلم في الصحيحين من رواية علي بن الحسين [زين العابدين] والمسور بن مخرمة.

فسبب الحديث خطبة علي رضي الله عنه لابنة أبي جهل والسبب داخل في اللفظ قطعا، إذ اللفظ الوارد على السبب لا يجوز إخراج سببه بل السبب يجب دخوله بالاتفاق. وقد قال في الحديث: «يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها» ومعلوم قطعا أن خطبة ابنة أبي جهل عليها رابها وآذاها، والنبي رابه ذلك وآذاه، فإن كان هذا وعيدا لاحقا بفاعله لزم أن يلحق هذا الوعيد علي بن أبي طالب؛ وإن لم يكن وعيدا لاحقا بفاعله كان أبو بكر أبعد عن الوعيد من علي. وإن قيل إن عليا تاب من تلك الخطبة ورجع عنها قيل فهذا يقتضي أنه غير معصوم. وإذا جاز أن من راب فاطمة وآذاها يذهب ذلك بتوبته جاز أن يذهب بغير ذلك من الحسنات الماحية. فإن ما هو أعظم من ذلك الذنب تذهب به الحسنات الماحية والتوبة والمصائب المكفرة. وذلك أن هذا الذنب ليس من الكفر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة. ولو كان كذلك لكان علي والعياذ بالله قد ارتد عن الإسلام في حياة النبي ، ومعلوم أن الله تعالى نزه عليا من ذلك. والخوارج الذين قالوا إنه ارتد بعد موت النبي لم يقولوا إنه ارتد في حياته، إذ من ارتد في حياة النبي فلا بد أن يعود إلى الإسلام أو يقتله النبي وهذا لم يقع. وإذا كان هذا الذنب هو مما دون الشرك فقد قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وإن قالوا بجهلهم إن هذا الذنب كفر ليكفروا بذلك أبا بكر لزمهم تكفير علي. واللازم باطل فالملزوم مثله. وهم دائما يعيبون أبا بكر وعمر وعثمان ويكفرونهم بأمور قد صدر من علي ما هو مثلها أو أبعد عن العذر منها، فإن كان مأجورا أو معذورا فهم أولى بالأجر والعذر. وإن قيل بإستلزام الأمر الأخف فسقا أو كفرا كان إستلزام الأغلظ لذلك أولى.

وأيضا فيقال إن فاطمة رضي الله عنها إنما عظم أذاها لما في ذلك من أذى أبيها، فإذا دار الأمر بين أذى أبيها وأذاها كان الاحتراز عن أذى أبيها أوجب. وهذا حال أبي بكر وعمر، فإنهما احترزا أن يؤذيا أباها أو يريباه بشيء فإنه عهد عهدا وأمر أمرا فخافا إن غيرا عهده وأمره أن يغضب لمخالفة أمره وعهده ويتأذى بذلك. وكل عاقل يعلم أن رسول الله إذا حكم بحكم وطلبت فاطمة أو غيرها ما يخالف ذلك الحكم كان مراعاة حكم النبي أولى؛ فإن طاعته واجبة ومعصيته محرمة ومن تأذى لطاعته كان مخطئا لتأذيه بذلك، وكان الموافق لطاعته مصيبا في طاعته. وهذا بخلاف من آذاها لغرض بعينه لا لأجل طاعة الله ورسوله. ومن تدبر حال أبي بكر في رعايته لأمر النبي وأنه إنما قصد طاعة الرسول لا لأمر آخر علم أن حاله أكمل وأفضل وأعلى من حال علي رضي الله عنه، وكلاهما سيد كبير من أكابر أولياء الله المتقين وحزب الله المفلحين وعباد الله الصالحين ومن السابقين الأولين ومن أكابر المقربين الذين يشربون بالتسنيم. ولهذا كان أبو بكر رضي الله عنه يقول: "والله لقرابة رسول الله أحب إلي من أن أصل من قرابتي" وقال: "ارقبوا محمدا في أهل بيته" رواه البخاري عنه. لكن المقصود أنه لو قدر أن أبا بكر آذاها فلم يؤذها لغرض نفسه بل ليطيع الله ورسوله ويوصل الحق إلى مستحقه، وعلي رضي الله عنه كان قصده أن يتزوج عليها فله في أذاها غرض بخلاف أبي بكر؛ فعلم أن أبا بكر كان أبعد أن يذم بأذاها من علي، وأنه إنما قصد طاعة الله ورسوله بما لا حظ له فيه، بخلاف علي فإنه كان له حظ فيما رابها به. وأبو بكر كان من جنس من هاجر إلى الله ورسوله وهذا لا يشبه من كان مقصوده امرأة يتزوجها. والنبي يؤذيه ما يؤذي فاطمة إذا لم يعارض ذلك أمر الله تعالى، فإذا أمر الله تعالى بشيء فعله وإن تأذى من تأذى من أهله وغيرهم، فهو في حال طاعة الله يؤذي ما يعارض طاعة الله ورسوله. وهذا الإطلاق كقوله: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني» ثم قد بيّن ذلك بقوله : «إنما الطاعة الأولى في المعروف» فقوله: "من آذاها فقد آذاني" يُحمل على الأذى في المعروف بطريق الأولى والأحرى لأن طاعة أمرائه فرض وضدها معصية كبيرة. وأما فعل ما يؤذي فاطمة فليس هو بمنزلة معصية أمر رسول الله ، وإلا لزم أن يكون علي فعل ما هو من معصية الله ورسوله، فإن معصية أمرائه معصيته ومعصيته معصية الله.

أما قوله: "لو كان هذا الخبر صحيحا لما جاز له أن يترك البغلة والسيف والعمامة عند علي حين حكم له بها لما ادعاها العباس"

فيقال: ومن نقل أن أبا بكر وعمر حكما بذلك لأحد أو تركا ذلك عند أحد على أن يكون ملكا له؟ فهذا من أبين الكذب عليهما بل غاية هذا أن يترك عند من ترك عنده، كما تركا صدقته عند علي والعباس ليصرفاها في مصارفها الشرعية.

وأما قوله: "ولكان أهل البيت الذين طهرهم الله في كتابه مرتكبين ما لا يجوز"

فيقال له أولا: إن الله تعالى لم يخبر أنه طهر جميع أهل البيت وأذهب عنهم الرجس، فإن هذا كذب على الله كيف ونحن نعلم أن من بني هاشم من ليس بمطهر من الذنوب ولا أذهب عنهم الرجس لا سيما عند الرافضة، لأن عندهم كل من كان من بني هاشم يحب أبا بكر وعمر رضي الله عنهم ليس بمطهر. ولأنه إنما قال فيها: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} وقد تقدم أن هذا مثل قوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ويتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} وقوله: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم} ونحو ذلك مما فيه أن الله يحب ذلك لكم ويرضاه لكم ويأمركم به، فمن فعله حصل له هذا المراد المحبوب، ومن لم يفعله لم يحصل له ذلك. وقد بسط هذا في غير الموضع وبين أن هذا ألزم لهؤلاء الرافضة القدرية فإن عندهم أن إرداة الله بمعنى أمره لا بمعنى أنه يفعل ما أراد، فلا يلزم إذا أراد الله تطهير أحد أن يكون ذلك قد تطهر ولا يجوز عندهم أن يطهر أحد أحدا بل من أراد الله تطهيره فإن شاء طهر نفسه وإن شاء لم يطهرها ولا يقدر الله عندهم على تطهير أحد.

وأما قوله: "إن الصدقة محرمة عليهم" فيقال له أولا: المحرم عليهم صدقة الفرض، وأما صدقة التطوع فقد كانوا يشربون من المياه المسبلة بين مكة والمدينة ويقولون إنما حرم علينا الفرض ولم يحرم علينا التطوع. وإذا جاز أن ينتفعوا بصدقات الأجانب التي هي تطوع فانتفاعهم بصدقة النبي أولى وأحرى، فإن هذه الأموال لم تكن زكاة مفروضة على النبي -وهي أوساخ الناس التي حرمت عليهم- وإنما هي من الفيء الذي أفاءه الله على رسوله، والفيء لهم، والنبي جعل ما جعله الله له من الفيء صدقة، وغايته أن يكون ملكا للنبي تصدق به على المسلمين، وأهل بيته أحق بصدقته، فإن الصدقة على المسلمين صدقة والصدقة على القرابة صدقة وصلة.

وأما معارضته لحديث جابر رضي الله عنه فيقال جابر لم يدع حقا لغير يُنتزع من ذلك الغير ويجعل له، وإنما طلب شيئا من بيت المال يجوز للإمام أن يعطيه إياه ولو لم يعده به النبي ، فإذا وعده به كان أولى بالجواز، فلهذا لم يفتقر إلى بينة] ولهذا كان أبو بكر وعمر يعطيان عليا والعباس وبني هاشم كما أعطى جابرا من بيت المال.

قال الرافضي: وسموه خليفة رسول الله وما استخلفه [في حياته ولا بعد وفاته] ولم يسموا عليا خليفة رسول الله مع أنه استخلفه على المدينة وقال له: إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك. وأمر أسامة على جيش فيه أبو بكر وعمر ولم يعزله، ولم يسموه خليفة رسول الله . ولما تولى أبو بكر غضب أسامة وقال: إني أمرت عليك فمن استخلفك علي؟ فمشى إليه هو وعمر حتى استرضياه.

والجواب أن الخليفة معناه الذي يخلف غيره كما هو المعروف في اللغة أو أن يكون من استخلفه غيره كقول الشيعة وبعض الظاهرية. فعلى الأول أبو بكر خليفة رسول الله خلفه بعد موته وقام مقامه وكان أحق بها وأهلها [فكان هو الخليفة دون غيره ضرورة فإن الشيعة وغيرهم لا ينازعون في أنه هو صار ولي الأمر بعده وصار خليفة له يصلي بالمسلمين ويقيم فيهم الحدود ويقسم عليهم الفيء ويغزو بهم ويولي عليهم العمال والأمراء وغير ذلك من الأمور التي يفعلها ولاة الأمور. فهذه باتفاق إنما باشرها بعد موته أبو بكر فكان هو الخليفة للرسول فيها قطعا.]

وعلى الثاني إن بعض أهل السنة يقولون استخلفه النبي بنص جلي أو خفي. [ودعوى أولئك للنص الجلي أو الخفي على أبي بكر أقوى وأظهر بكثير من دعوى الشيعة للنص على علي لكثرة النصوص الثابتة الدالة على خلافة أبي بكر. وإن عليا لم يدل على خلافته إلا ما يعلم أنه كذب أو يعلم أنه لا دلالة فيه. وعلى هذا التقدير فلم يستخلف بعد موته أحدا إلا أبا بكر فلهذا كان هو الخليفة. فإن الخليفة المطلق هو من خلفه بعد موته أو استخلفه بعد موته؛ وهذان الوصفان لم يثبتا إلا لأبي بكر فلهذا كان الخليفة.]

وأما استخلافه عليا على المدينة فليس خاصا به فقد استخلف عليها ابن أم مكتوم و[عثمان بن عفان] وأبا لبابة بن عبد المنذر، وهذا ليس هو استخلافا مطلقا ولهذا لم يُقل في أحد من هؤلاء إنه خليفة رسول الله إلا مع التقييد.

والنبي إنما شبه عليا بهارون في أصل الاستخلاف لا في كماله، وإلا فاستخلاف موسى لهارون كان على بني إسرائيل إذ ذهب إلى المناجاة بخلاف النبي ، وعلى أنه كان مع النبي غالب الناس.

وأما قوله: "إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك" فهذا كذب موضوع. فقد كان علي معه في بدر وخيبر وحنين وغير ذلك، واستعمل غيره عليها.

ولم يكن أبو بكر في جيش أسامة بل كان النبي استخلفه في الصلاة من أول مرضه. وأمراء السرايا كأسامة وغيره لم يسموا خلفاء لأنهم لا خلفوا الرسول بعد موته ولا خلفوه في كل شيء في حياته.

وأما غضب أسامة فكذب بارد، لأن أسامة كان أبعد شيء عن الفرقة والخلاف، وقد اعتزل القتال مع علي ومع معاوية ثم لم يكن قرشيا ولا ممن يصلح للخلافة بوجه. ثم لو قدر أن النبي أمره على أبي بكر ثم مات واستخلف أبو بكر، فإلى الخليفة إنفاذ الجيش وحبسه وتأمير أسامة وعزله؛ وهذا لا ينكره إلا جاهل.

والعجب من هؤلاء [المفترين] ومن قولهم إن أبا بكر وعمر مشيا إليه واسترضياه مع قولهم إنهما قهرا عليا والعباس وبني هاشم وبني عبد مناف ولم يسترضوهم! وأي حاجة بمن قهروا أشراف قريش أن يسترضوا [ضعيفا] ابن تسع عشرة سنة لا مال له ولا رجال؟ [فإن] قالوا: استرضياه لحب رسول الله إياه وتوليته له، قيل: فأنتم تدعون أنهما بدلا عهده ووصيته.

قال: "وسموا عمر الفاروق ولم يسموا عليا بذلك مع قول النبي فيه: هذا فاروق أمتي".

قلنا: ما هذا بأول حديث كذبتموه ولا نعرف له إسنادا البتة. فما محبتكم عليا إلا من جنس محبة النصارى عيسى بن مريم: أطروه وبالغوا، ولم يرضوا له بالمنزلة التي جعلها الله له. وبهذا يتبين الحديث الذي رواه مسلم عن علي أنه [قال]: «لعهد النبي الأمي إلي أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق» فإن الرافضة لا تحبه على ما هو عليه وتبغض نعته من وجه، كما كان النصارى واليهود يبغضون من صدق بالنبي وأقر به. فموسى وعيسى عليهما السلام مقران بذلك، وكما أن عليا يحب أبا بكر وعمر قطعا. والرافضة يبغضون من أحبهما فهم داخلون في قوله : «لا يبغضك إلا منافق» وهكذا نجد كل من أحب شيخا على صفة ما هو قائم بهما في نفس الأمر. كمن اعتقد أن شيخه يشفع في كل مريديه وأنه يرزقه وينصره ويفرج كربته ويعينه في الضرورات أو أنه يعلم المغيبات. وقد قال النبي : «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله اليوم الآخر» ودعا لأبي هريرة وأمه أن يحببهما الله إلى عباده المؤمنين.

وقال: "روى ابن عمر قال: ما كنا نعرف المنافقين إلا ببغضهم عليا".

فهذا يعلم كل عالم أنه كذب، إذ للنفاق علامات كثيرة. وقد قال عليه السلام: «آية النفاق بغض الأنصار» وقال: «آية المنافق ثلاث..» وقد قال تعالى [في القرآن في صفة المنافقين: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا} {ومنهم الذين يؤذون النبي} {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} ومنهم من يقول: {أيكم زادته هذه إيمانا} وذكر لهم سبحانه وتعالى في سورة براءة وغيرها من العلامات والصفات ما لا يسع هذا الموضع بسطه. بل لو قال: كنا نعرف المنافقين ببغض علي لكان متجها كما أنهم يُعرفون أيضا ببغض الأنصار، بل وببغض أبي بكر وعمر وببغض غير هؤلاء؛ فإن كل من أبغض ما يعلم أن النبي يحبه ويواليه وأنه كان يحب النبي ويواليه كان بغضه شعبة من شعب النفاق والدليل يطرد ولا ينعكس. ولهذا كان أعظم الطوائف نفاقا المبغضين لأبي بكر لأنه لم يكن في الصحابة أحب إلى النبي منه ولا كان فيهم أعظم حبا للنبي منه، فبغضه من أعظم آيات النفاق. ولهذا لا يوجد المنافقون في طائفة أعظم منها في مبغضيه كالنصيرية والإسماعيلية ونحوهم.]

قال: "وعظموا أمر عائشة على باقي نسوانه وقد كان يكثر من ذكر خديجة"

قلنا: أهل السنة لم يجمعوا على أن عائشة أفضلهن. وحجة من فضلها قوله عليه السلام: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد -يعني اللحم والخبز- على سائر الطعام» وقال عمرو [بن العاص رضي الله عنه قلت: يا رسول الله أي النساء أحب إليك؟ قال: «عائشة» قلت: ومن الرجال؟ قال: «أبوها» قلت: ثم من؟ قال: «عمر» وسمّى رجالا.

وهؤلاء يقولون: قوله لخديجة: ما أبدلني الله خيرا منها، إن صح فمعناه ما أبدلني خيرا لي منها. فإن خديجة نفعته في أول الإسلام نفعا لم يقم غيرها فيه مقامها، فكانت خيرا له من هذا الوجه لكونها نفعته وقت الحاجة. وعائشة صحبته في آخر النبوة وكمال الدين فحصل لها من العلم والإيمان ما لم يحصل لمن لم يدرك إلا أول النبوة. فكانت أفضل لهذه الزيادة، فإن الأمة انتفعت بها أكثر مما انتفعت بغيرها وبلغت من العلم والسن ما لم يبلغه غيرها. فخديجة كان خيرها مقصورا على نفس النبي لم تبلّغ عنه شيئا ولم تنتفع بها الأمة كما انتفعت بعائشة، ولأن الدين لم يكن قد كمل حتى تعلمه ويحصل لها من كمالاته ما حصل لمن علم وآمن به بعد كماله. ومعلوم أن من اجتمع همه على شيء واحد كان أبلغ ممن تفرق همه في أعمال متنوعة، فخديجة رضي الله عنها خير له من هذا الوجه. لكن أنواع البر لم تنحصر في ذلك. ألا ترى أن من كان من الصحابة أعظم إيمانا وأكثر جهادا بنفسه وماله كحمزة وعلي وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وغيرهم وهم أفضل ممن كان يخدم النبي وينفعه في نفسه أكثرَ منهم، كأبي رافع وأنس بن مالك وغيرهما.

وفي الجملة الكلام في تفضيل عائشة وخديجة ليس هذا موضع استقصائه. لكن المقصود هنا أن أهل السنة مجمعون على تعظيم عائشة ومحبتها، وأن نساءه أمهات المؤمنين اللواتي مات عنهن كانت عائشة أحبهن إليه وأعظمهن حرمة عند المسلمين. وقد ثبت في الصحيح أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة لما يعلمون من محبته إياها، حتى إن نساءه غرن من ذلك وأرسلن إليه فاطمة رضي الله عنها تقول له: نساؤك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، فقال لفاطمة: «أي بنية أما تحبين ما أحب؟» قالت: بلى، قال: «فأحبي هذه» الحديث في الصحيحين.

وفي الصحيحين أيضا أن النبي قال: «يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام» قالت: وعليه السلام ورحمة الله، ترى ما لا نرى.

ولما أراد فراق سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة رضي الله عنها بإذنه . وكان في مرضه الذي مات فيه يقول: «أين أنا اليوم؟» استبطاءً ليوم عائشة ثم استأذن نساءه أن يمرّض في بيت عائشة رضي الله عنها فمُرّض فيه. وفي بيتها توفي بين سحرها ونحرها وفي حجرها وجمع بين ريقها وريقه.

وكانت رضي الله عنها مباركة على أمته حتى قال أسيد بن حضير لما أنزل الله آية التيمم بسببها: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله فيه للمسلمين بركة.

وقد كانت نزلت آية براءتها قبل ذلك لما رماها أهل الإفك فبرأها الله من فوق سبع سموات وجعلها من الصينات وبالله التوفيق.]

قال: وأذاعت سر رسول الله -يعني قوله تعالى: {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا}- وثبت في الصحيح أنهما عائشة وحفصة. قال: وقال لها النبي : إنك تقاتلين عليا وأنت ظالمة له. فخالفت أمر الله: {وقرن في بيوتكن} وخرجت في ملأ تقاتل عليا لأن المسلمين أجمعوا على قتل عثمان وكانت هي كل وقت تأمر بقتله وتقول: اقتلوا نعثلا. وكيف استجاز طلحة والزبير وعشرة آلاف من المسلمين مطاوعتها على قتال علي وبأي وجه يلقون رسول الله ، والواحد منا لو تحدث مع امرأة غيره وأخرجها [من بيتها] وسافر بها كان أشد الناس عداوة له. وكيف طاوعوها ولم ينصر أحد منهم بنت رسول الله على أبي بكر لما طلبت حقها.

قلنا: أما أهل السنة فإنهم قائمون بالقسط وقولهم عدل لا يتناقض. وأما الرافضة وأهل البدع فذوو أهواء وتناقض. فمن ذلك أن أهل السنة عندهم أن أهل بدر في الجنة وكذلك أمهات المؤمنين. ويقولون ليس من شرطهم سلامتهم عن الخطأ [بل ولا عن الذنب بل يجوّزون أن يذنب الرجل منهم ذنبا صغيرا أو كبيرا ويتوب منه. وهذا متفق عليه بين المسلمين. ولو لم يتب منه فالصغائر تمحى باجتباب الكبائر عند جماهيرهم. بل وعند الأكثرين منهم أن الكبائر تمحى بالحسنات التي هي أعظم منها وبالمصائب المكفرة وغير ذلك.

وإذ كان هذا أصلهم فيقولون: ما ذكر عن الصحابة من السيئات كثير منه كذب وكثير منه كانوا مجتهدين فيه، ولكن لا يعرف كثير من الناس وجه اجتهادهم. وما قدر أنه كان فيه ذنب من الذنوب لهم فهو مغفور لهم إما بتوبة وإما بحسنات ماحية وإما بمصائب مكفرة وإما بغير ذلك. فإنه قد قام الدليل الذي يجب القول بموجبه أنهم من أهل الجنة، فامتنع أن يفعلوا ما يوجب النار لا محالة. وإذا لم يمت أحدهم على موجب النار لم يقدح ذلك في استحقاقهم للجنة. ونحن قد علمنا أنهم من أهل الجنة. ولو لم يعلم أن أولئك المعينين في الجنة لم يجز لنا أن نقدح في استحقاقهم للجنة بأمور لا نعلم أنها توجب النار، فإن هذا لا يجوز في آحاد المؤمنين الذين لم يعلم أنهم يدخلون الجنة، وليس لنا أن نشهد لأحد منهم بالنار لأمور محتملة لا تدل على ذلك؛ فكيف يجوز ذلك في خيار المؤمنين، والعلم بتفاصيل أحوال كل واحد منهم باطنا وظاهرا وحسناته وسيئاته واجتهاداته أمر يتعذر علينا معرفته، فكان كلامنا في ذلك كلاما فيما لا نعلمه والكلام بلا علم حرام. فلهذا كان الإمساك عما شجر بين الصحابة خيرا من الخوض في ذلك بغير علم بحقيقة الأحوال، إذ كان كثير من الخوض في ذلك أو أكثره كلاما بلا علم وهذا حرام لو لم يكن فيه هوى ومعارضة الحق المعلوم، فكيف إذا كان كلاما لهوى يطلب فيه دفع الحق المعلوم. وقد قال النبي : «القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار» فإذا كان هذا في قضاء بين اثنين في قليل المال أو كثيره فكيف القضاء بين الصحابة في أمور كثيرة، فمن تكلم في هذا الباب بجهل أو بخلاف ما يعلم كان مستوجبا للوعيد ولو تكلم بحق بقصد الهوى لا لوجه الله تعالى أو يعارض به حقا آخر لكان أيضا مستوجبا للذم والعقاب.

ومن علم ما دل عليه القرآن والسنة من الثناء على القوم ورضا الله عنهم واستحقاقهم الجنة وأنهم خير هذه الأمة التي هي {خير أمة أخرجت للناس} لم يعارض هذا المتيقن المعلوم بأمور مشتبهة منها ما لا يعلم صحته ومنها ما يتبين كذبه ومنها ما لا يعلم كيف وقع ومنها ما يعلم عذر القوم فيه ومنها ما يعلم توبتهم منه ومنها ما يعلم أن لهم من الحسنات ما يغمره. فمن سلك سبيل أهل السنة استقام قوله وكان من أهل الحق والاستقامة والاعتدال، وإلا حصل في جهل ونقص وتناقض كحال هؤلاء الضلال.

وأما قوله: "وأذاعت سر رسول الله " فلا ريب أن الله تعالى يقول: {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير} وقد ثبت في الصحيح عن عمر أنهما عائشة وحفصة.

فيقال أولا: هؤلاء عمدوا إلى نصوص القرآن التي فيها ذكر ذنوب يتأولون النصوص بأنواع التأويلات، وأهل السنة يقولون بل أصحاب الذنوب تابوا منها ورفع الله درجاتهم بالتوبة. وهذه الآية ليست بأولى في دلالتها على الذنب من تلك الآيات. فإن كان تأويل ذلك سائغا كان تأويل هذه كذلك وإن كان تاويل هذه باطلا فتأويل تلك أبطل.

ويقال ثانيا: بتقدير أن يكون هناك ذنب لعائشة وحفصة فتكونان قد تابتا منه وهذا ظاهر لقوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} فدعاهما الله تعالى إلى التوبة فلا يظن بهما أنهما لم تتوبا مع ما ثبت من علو درجتها وأنهما زوجتا نبينا في الجنة وأن الله خيرهن بين الحياة الدنيا وزينتها وبين الله ورسوله والدار الآخرة فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة؛ ولذلك حرم عليه أن يستبدل بهن غيرهن وحرم عليه أن يتزوج عليهن، واختلف في إباحة ذلك له بعد ذلك، ومات عنهن وهن أمهات المؤمنين بنص القرآن. ثم قد تقدم أن الذنب يزول عقابه بالتوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفرة.

ويقال ثالثا: المذكور عن أزواجه كالمذكور عمن شهد له بالجنة من أهل بيته وغيرهم من أصحابه. فإن عليا لما خطب ابنة أبي جهل على فاطمة وقام النبي خطيبا فقال: «إن بني [هشام بن] المغيرة استأذنوني أن ينكحوا عليا ابنتهم وإني لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي ويتزوج ابنتهم فإن فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها» فلا يظن بعلي أنه ترك الخطبة في الظاهر فقط بل تركها بقلبه وتاب بقلبه عما كان طلبه وسعى فيه.

وكذلك لما صالح النبي المشركين يوم الحديبية وقال لأصحابه: «انحروا واحلقوا رؤوسكم» فلم يقم أحد فدخل مغضبا على أم سلمة فقالت: من أغضبك أغضبه الله؟ فقال: «ما لي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا يطاع» فقالت: يا رسول الله ادع بهديك فانحره وأمر الحلاق فليحلق رأسك..

وأمر عليا أن يمحو اسمه فقال: والله لا أمحوك، فأخذ الكتاب من يده ومحاه.

ومعلوم أن تأخر علي وغيره من الصحابة عما أمروا به حتى غضب النبي إذا قال القائل هذا ذنب كان جوابه كجواب القائل إن عائشة أذنبت في ذلك. فمن الناس من يتأول ويقول إنما تأخروا متأولين لكونهم كانوا يرجون تغيير الحال بأن يدخلوا مكة، وآخر يقول لو كان لهم تأويل مقبول لم يغضب النبي بل تابوا من ذلك التأخر ورجعوا عنه. مع أن حسناتهم تمحو مثل هذا الذنب، وعلي داخل في هؤلاء رضي الله عنهم أجمعين.]

وأما قوله: "تقاتلين عليا" فكذب. [فإن عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال وإنما خرجت بقصد الإصلاح بين المسلمين وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها. وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال فندم طلحة والزبير وعلي رضي الله عنهم أجمعين. ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في القتال ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم.

وأما قوله: "وخالفت أمر الله في قوله تعالى: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}" فهي رضي الله عنها لم تتبرج تبرج الجاهلية الأولى. والأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة مأمور بها كما لو خرجت للحج والعمرة أو خرجت مع زوجها في سفر. فإن هذه الآية نزلت في حياة النبي وقد سافر النبي بهن بعد ذلك، في حجة الوداع سافر بعائشة رضي الله عنها وغيرها وأرسلها مع عبد الرحمن أخيها فأردفها خلفه وأعمرها من التنعيم. وحجة الوداع كانت قبل وفاة النبي بأقل من ثلاثة أشهر بعد نزول هذه الآية. ولهذا كن أزواج النبي يحججن كما حججن في خلافة عمر رضي الله عنه وكان عمر يوكل بقطارهن عثمان أو عبد الرحمن بن عوف. وإذا كان سفرهن لمصلحة جائزا فعائشة اعتقدت أن ذلك السفر مصلحة للمسلمين فتأولت في هذا. وهذا كما أن قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} وقوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} يتضمن قتل المؤمنين بعضهم بعضا كما في قوله: {ولا تلمزوا أنفسكم} وقوله: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} وكذلك قول النبي : «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» وقوله : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «كان حريصا على قتل صاحبه» فلو قال قائل إن عليا ومن قاتله قد التقيا بسيفيهما وقد استحلوا دماء المسلمين فيجب أن يلحقهم الوعيد؛ فجوابه أن الوعيد لا يتناول المجتهد المتأول، وإن كان مخطئا فإن الله تعالى يقول في دعاء المؤمنين {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}: قد فعلت. وقد عفا للمؤمنين عن النسيان والخطأ. والمجتهد المخطئ مغفور له خطأه، وإذا غفر خطأ هؤلاء في قتال المؤمنين فالمغفرة لعائشة لكونها لم تقر في بيتها إذ كانت مجتهدة أولى.

وأيضا لو قال قائل إن النبي قال: «إن المدينة تنفي خبثها وتنصع طيبها» وقال: «لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها الله خيرا منه» أخرجه في الموطأ، وقال إن عليا خرج منها ولم يقم بها كما أقام الخلفاء قبله ولهذا لم تجتمع عليه الكلمة؛ لكان الجواب أن المجتهد إذا كان دون علي لم يتناوله الوعيد، فعلي أولى أن لا يتناوله الوعيد لاجتهاده. وبهذا يجاب عن خروج عائشة رضي الله عنها وإذا كان المجتهد مخطئا فالخطأ مغفور بالكتاب والسنة.]

وأما قوله: "خرجت تقاتل عليا على غير ذنب" فهذا افتراء عليها. ولو قدر أن الطائفتين قصدتا القتال لكان هو القتال المذكور في قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينها بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين * إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} فجعلهم مؤمنين إخوة مع الاقتتال.

وأما قوله: "أجمعوا على قتل عثمان" فهذا كذب سمج. فإن الجمهور لم يأمروا بقتله ولا رضوه ولم يكن أكثر المسلمين بالمدينة بل كانوا بالأمصار من بلد المغرب إلى خراسان. ولم يدخل خيار المسلمين في ذلك وإنما قتله طائفة [من المفسدين في الأرض] من أوباش القبائل ورؤوس الشر. وعن علي قال: اللهم العن قتله عثمان [في البر والبحر والسهل والجبل]. غاية ما يقال إنهم لم ينصروه وفتروا عن إعانته بما رأوه وما ظنوا أن الأمر يبلغ إلى قتله. ومن المعلوم أن المسلمين أجمعوا على بيعة عثمان وما أجمعوا على قتله. فهلا كان الإجماع على بيعته يا معشر الرافضة حقا لتيقن الإجماع عليها؟ وأيضا فإجماع الناس على بيعة أبي بكر أعظم من إجماعهم على بيعة علي وعلى قتل عثمان، فإنه ما تخلف عن أبي بكر إلا جماعة كسعد [بن عبادة] والله يغفر له. وقد قدمنا أن الرجل المشهود له بالجنة قد يذنب لانتفاء العصمة. وما قولك يا جاهل: "إن عثمان قتل بالإجماع" إلا كما قال ناصبي: قتل الحسين بإجماع المسلمين، [لأن الذين قاتلوه وقتلوه لم يدفعهم أحد عن ذلك. فلم يكن كذبه بأظهر من كذب المدعي الإجماع على قتل عثمان. فإن الحسين لم يعظم إنكار الأمة لقتله كما عظم إنكارهم لقتل عثمان ولا انتصر له جيوش كالجيوش الذين انتصروا لعثمان ولا انتقم أعوانه من أعدائه كما انتقم أعوان عثمان من أعدائه ولا حصل بقتله من الفتنة والشر والفساد ما حصل بقتل عثمان ولا كان قتله أعظم إنكارا عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين من قتل عثمان. فإن عثمان من أعيان السابقين الأولين من المهاجرين من طبقة علي وطلحة والزبير، وهو خليفة للمسلمين أجمعوا على بيعته. بل لم يشهر في الأمة سيفا ولا قتل على ولايته أحدا، وكان يغزو بالمسلمين الكفار بالسيف وكان السيف في خلافته كما كان في خلافة أبي بكر وعمر مسلولا على الكفار مكفوفا عن أهل القبلة. ثم إنه طُلِبَ قتله وهو خليفة فصبر ولم يقاتل دفعا عن نفسه حتى قُتل. ولا ريب أن هذا أعظم أجرا، وقَتَلَتُه أعظم إثما ممن لم يكن متوليا فخرج يطلب الولاية ولم يتمكن حتى قاتله أعوان الذين طَلب أخذ الأمر منهم فقاتل عن نفسه حتى قتل. ولا ريب أن قتال الدافع عن نفسه وولايته أقرب من قتال الطالب لأن يأخذ الأمر من غيره. وعثمان ترك القتال دفعا عن ولايته فكان حاله أفضل من حال الحسين وقتله أشنع من قتل الحسين. كما أن الحسن رضي الله عنه وهو لم يقاتل على الأمر بل أصلح بين الأمة بترك القتال مدحه النبي على ذلك فقال: «إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» والمنتصرون لعثمان معاوية وأهل الشام. والمنتصرون من قتلة الحسين المختار بن أبي عبيد الثقفي وأعوانه. ولا يشك عاقل أن معاوية رضي الله عنه خير من المختار فإن المختار كذاب ادعى النبوة. وقد ثبت في الصحيح أن النبي قال: «يكون في ثقيف كذاب ومبير» فالكذاب هو المختار والمبير هو الحجاج بن يوسف. وهذا المختار كان أبوه رجلا صالحا وهو أبو عبيد الثقفي الذي قتل شهيدا في حرب المجوس وأخته صفية بنت أبي عبيد امرأة عبد الله بن عمر امرأة صالحة وكان المختار رجل سوء.

وأما قوله: "إن عائشة كانت في كل وقت تأمر بقتل عثمان وتقول في كل وقت اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا ولما بلغها قتله فرحت بذلك"

فيقال أولا: أين النقل الثابت عن عائشة بذلك؟ ويقال ثانيا: إن المنقول عن عائشة يكذب ذلك ويبين أنها أنكرت قتله وذمت من قتله ودعت على أخيها محمد وغيره لمشاركتهم في ذلك. ويقال ثالثا: هب أن واحدا من الصحابة عائشة أو غيرها قال في ذلك كلمة على وجه الغضب لإنكاره بعض ما ينكر، فليس قوله حجة ولا يقدح في إيمان القائل ولا المقول له، بل قد يكون كلاهما وليا لله تعالى من أهل الجنة ويظن أحدهما جواز قتل الآخر بل ويظن كفره وهو مخطئ في هذا الظن، كما ثبت في الصحيحين عن علي وغيره في قصة حاطب بن أبي بلتعة وكان من أهل بدر والحديبية، وفي حديث علي أن حاطبا كتب إلى المشركين [بمكة] يخبرهم ببعض أمر رسول الله لما أراد غزوة الفتح فأطلع الله نبيه على ذلك فقال لعلي والزبير: «اذهبا حتى تأتيا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب» فلما أتيا بالكتاب قال: ما هذا يا حاطب؟ فقال: والله يا رسول الله ما فعلت هذا ارتدادا ولا رضا بالكفر ولكن كنت امرءا ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم بمكة قرابات يحمون بها أهليهم فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي. فقال عمر رضي الله عنه: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: «إنه شهد بدرا وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وأنزل الله تعالى في أول سورة الممتحنة: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل} الآيات. وهذه القصة مما اتفق أهل العلم على صحتها وهي متواترة عندهم معروفة عند علماء التفسير وعلماء المغازي والسير والتواريخ وعلماء الفقه وغير هؤلاء. وكان علي رضي الله عنه يحدث بهذا الحديث في خلافته بعد الفتنة، وروى ذلك عنه كاتبه عبيد الله بن أبي رافع ليبين لهم أن السابقين مغفور لهم ولو جرى منهم ما جرى. وعثمان وطلحة والزبير أفضل باتفاق المسلمين من حاطب بن أبي بلتعة. وكان حاطب مسيئا إلى مماليكه وكان ذنبه في مكاتبة المشركين وإعانتهم على النبي وأصحابه أعظم من الذنوب التي تضاف إلى هؤلاء، ومع هذا فالنبي نهى عن قتله وكذّب من قال إنه يدخل النار لأنه شهد بدرا والحديبية وأخبر بمغفرة الله لأهل بدر. ومع هذا فقال عمر رضي الله عنه: "دعني أضرب عنق هذا المنافق" فسماه منافقا واستحل قتله؛ ولم يقدح ذلك في إيمان واحد منهما ولا في كونه من أهل الجنة.

وكذلك في الصحيحين وغيرهما في حديث الإفك لما قام النبي خطيبا على المنبر يعتذر من رأس المنافقين عبد الله بن أبي [بن سلول] فقال: «من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا» فقام سعد بن معاذ سيد الأوس -وهو الذي اهتز لموته عرش الرحمن وهو الذي كان لا تأخذه في الله لومة لائم بل حكم في حلفائه من بني قريظة بأن يقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم وتغنم أموالهم حتى قال النبي : «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة»- فقال: يا رسول الله نحن نعذرك منه إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من أصحابنا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد بن عبادة فقال: كذبت لعمرو الله لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقال أسيد بن حضير فقال: كذبت لعمرو الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين. وكادت تثور فتنة بين الأوس والخزرج حتى نزل النبي وخفّضهم.

وهؤلاء الثلاثة من خيار السابقين الأولين؛ وقد قال أسيد بن حضير لسعد بن عبادة إنك منافق تجادل عن المنافقين؛ وهذا مؤمن ولي لله من أهل الجنة وذاك مؤمن ولي لله من أهل الجنة. فدل على أن الرجل قد يكفر أخاه بالتأويل ولا يكون واحد منهما كافرا.]

وقول بعض الصحابة في مالك بن الدخشم [وودوا أن النبي دعا عليه فيهلك، فقضى رسول الله صلاته وقال: «أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله»]

وليس من شرط الرجل الكبير أن لا يذنب ولا يخطئ باجتهاد، ولا [نحن] ادعينا العصمة في عثمان. [والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل لا بجهل وظلم كحال أهل البدع. فإن الرافضة يعمدون إلى أقوام متقاربين في الفضيلة يريدون أن يجعلوا أحدهم معصوما من الذنوب والخطايا والآخر مأثوما فاسقا أو كافرا فيظهر جهلهم وتناقضهم؛ كاليهودي أو النصراني إذا أراد أن يثبت نبوة موسى أو عيسى مع قدحه في نبوة محمد فإنه يظهر عجزه وجهله وتناقضه: فإنه ما من طريق يثبت بها نبوة موسى وعيسى إلا وتثبت نبوة محمد بمثلها أو بما هو أقوى منها، ولا من شبهة تعرض في نبوة محمد إلا وتعرض في نبوة موسى وعيسى عليهما السلام بما هو مثلها أو أقوى منها، وكل من عمد إلى التفريق بين المتماثلين أو مدح الشيء وذم ما هو من جنسه أو ما هو أولى بالمدح منه أو بالعكس أصابه مثل هذا التناقض والعجز والجهل. وهكذا أتباع العلماء والمشايخ إذا أراد أحدهم أن يمدح متبوعه ويذم نظيره أو يفضل أحدهم على الآخر بمثل هذا الطريق.

وأما قوله: "إنها سألت من تولى الخلافة فقالوا: علي، فخرجت لقتاله على دم عثمان. وأي ذنب كان لعلي في ذلك"

يقال له أولا: قول القائل إن عائشة وطلحة والزبير اتهموا عليا بأنه قتل عثمان وقاتلوه على ذلك كذب. بل إنما طلبوا القتلة الذين كانوا تحيزوا إلى علي وهم يعلمون أن براءة علي من دم عثمان كبراءتهم وأعظم؛ لكن القتلة كانوا قد آووا إليه، فطلبوا قتل القتلة ولكن كانوا عاجزين عن ذلك هم وعلي لأن القوم كانت لهم قبائل يذبون عنهم؛ والفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء فصار الأكابر رضي الله عنهم عاجزين عن إطفاء الفتنة وكف أهلها. وهذا شأن الفتن كما قال تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} وإذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله. وأيضا فقوله: "أي ذنب كان لعلي في قتله" تناقض منه؛ فإنه يزعم أن عليا ممن يستحل قتله وقتاله وممن ألب عليه وقام بذلك، فإن عليا قد نسبه إلى قتل عثمان كثير من شيعته، وشيعة عثمان هؤلاء لتعصبهم لعثمان وهؤلاء لتعصبهم لعلي. وأما جماهير الإسلام فيعلمون كذب الطائفتين على علي. والرافضة تقول إن عليا كان ممن يستحل قتل عثمان بل وقتل أبي بكر وعمر وترى أن الإعانة على قتله من الطاعات والقربات. فكيف يقول من هذا اعتقاده "أي ذنب كان لعلي في ذلك" وإنما يليق هذا التنزيه لعلي بأقوال أهل السنة، لكن الرافضة من أعظم الناس تناقضا.

وأما قوله: "وكيف استجاز طلحة والزبير وغيرهما مطاوعتها على ذلك وبأي وجه يلقون رسول الله مع أن الواحد منا لو تحدث مع امرأة غيره أو أخرجها من منزلها أو سافر بها كان أشد الناس عداوة له"

فيقال: هذا من تناقض الرافضة وجهلهم؛ فإنهم يعظمون عائشة في هذا المقام طعنا في طلحة والزبير ولا يعلمون أن هذا إن كان متوجها فالطعن في علي بذلك أوجه. فإن طلحة والزبير كانا معظمين عائشة موافقين لها مؤتمرين بأمرها وهما وهي من أبعد الناس عن الفواحش والمعاونة عليها، فإن جاز للرافضي أن يقدح فيهما بقوله: "بأي وجه يلقون رسول الله مع أن الواحد منا لو تحدث مع امرأة غيره حتى أخرجها من منزلها وسافر بها" إلخ كان للناصبي أن يقول: بأي وجه يلقى رسول الله من قاتل امرأته وسلط عليها أعوانه حتى عقروا بها بعيرها وسقطت من هودجها وأعداؤها حولها يطوفون بها كالمسبية التي أحاط بها من يقصد سباءها؟ ومعلوم أن هذا في مظنة الإهانة لأهل الرجل وذلك أعظم من إخراجها من منزلها، وهي بمنزلة الملكة المبجلة المعظمة التي لا يأتي إليها أحد إلا بإذنها. ولم يكن طلحة والزبير ولا غيرهما من الأجانب يحملونها، بل كان في المعسكر من محارمها مثل عبد الله بن الزبير ابن أختها، وخلوته بها ومسه لها جائز بالكتاب والسنة والإجماع. وكذلك سفر المرأة مع ذي محرمها جائز بالكتاب والسنة والإجماع. وهي لم تسافر إلا مع ذي محرمها. وأما العسكر الذين قاتلوها فلولا أنه كان في العسكر محمد بن أبي بكر مد يده إليها لمد يده إليها الأجانب؛ ولهذا دعت عائشة رضي الله عنها على من مد يده إليها وقالت: يد من هذه أحرقها الله بالنار، فقال: أي أخت في الدنيا قبل الآخرة، فقالت: في الدنيا قبل الآخرة، فأحرق بالنار بمصر.

ولو قال المشنع: أنتم تقولون إن آل الحسين سُبوا لما قتل الحسين ولم يفعل بهم إلا من جنس ما فعل بعائشة حيث استولى عليها وردت إلى بيتها وأعطيت نفقتها؛ وكذلك آل الحسين استولى عليهم وردوا إلى أهليهم وأعطوا نفقتهم، فإن كان هذا سبيا واستحلالا للحرمة النبوية فعائشة قد سبيت واستحلت حرمة رسول الله .

وهم يشنعون ويزعمون أن بعض أهل الشام طلب أن يسترق فاطمة بنت الحسين وأنها قالت: لاهالله حتى نكفر بديننا. وهذا إن كان وقع فالذين طلبوا من علي أن يسبوا من قاتلهم مَن أهل الجمل وصفين ويغنموا أموالهم أعظم جرما، وكان في ذلك لو سبوا عائشة وغيرها. ثم إن هؤلاء الذين طلبوا ذلك من علي كانوا متدينين به مصرين عليه إلى أن خرجوا على علي وقاتلهم على ذلك. وذلك الذي طلب استرقاق فاطمة بنت الحسين واحد مجهول لا شوكة له ولا حجة ولا فعل هذا تدينا؛ ولما منعه سلطانه من ذلك امتنع. فكان المستحلون لدماء المسلمين وحرمهم وأموالهم وحرمة رسول الله في عسكر علي أعظم منهم في عسكر بني أمية. وهذا متفق عليه بين الناس. فإن الخوارج الذين مرقوا من عسكر علي رضي الله عنه هم شر من شرار عسكر معاوية رضي الله عنه. ولهذا أمر النبي بقتالهم وأجمع الصحابة على قتالهم. والرافضة أكذب منهم وأظلم وأجهل وأقرب إلى الكفر والنفاق، لكنهم أعجز منهم وأذل. وكلا الطائفتين من عسكر علي. وبهذا وأمثاله ضعف علي وعجز عن مقاومة من كان بإزائه.

والمقصود هنا أن ما يذكرونه من القدح في طلحة والزبير ينقلب ما هو أعظم منه في حق علي. فإن أجابوا عن ذلك بأن عليا كان مجتهدا فيما فعل وأنه أولى بالحق من طلحة والزبير، قيل: نعم وطلحة والزبير كانا مجتهدين وعلي وإن كان أفضل منهما ولكن إن كان فعل طلحة والزبير معهما ذنبا ففعل علي أعظم ذنبا. فإن قالوا: هما أحوجا عليا إلى ذلك لأنهما أتيا بها، فما فعله علي مضاف إليهما لا إلى علي، قيل: وهكذا معاوية - قيل له: قتلت عمارا وقد قال النبي : «تقتلك الفئة الباغية» قال: أونحن قتلناه؟ إنما قتله الذين جاءوا به حتى جعلوه تحت سيوفنا. فإن كانت هذه الحجة مردودة فحجة من احتج بأن طلحة والزبير فعلا بعائشة ما جرى عليها من إهانة عسكر علي لها وإستيلائهم عليها مردودة أيضا؛ وإن قبلت هذه الحجة قبلت حجة معاوية رضي الله عنه.

والرافضة وأمثالهم من أهل الجهل والظلم يحتجون بالحجة التي تستلزم فساد قولهم وتناقضهم، فإنه إن احتج بنظيرها عليهم فسد قولهم المنقوض بنظيرها، وإن لم تحتج بنظيرها بطلت هي في نفسها لأنه لا بد من التسوية بين المتماثلين. ولكن منتهاهم مجرد الهوى الذي لا علم معه {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين}]

وأما قوله: "كيف أطاعها عشرة آلاف من المسلمين وساعدوها على حرب أمير المؤمنين ولم ينصر أحد منهم فاطمة لما طلبت حقها من أبي بكر ولا شخص [واحد كلمه] بكلمة"

فهذا من أعظم الحجج عليه. فإنه لا يشك عاقل أن القوم كانوا يحبون رسول الله ويعظمونه ويعظمون قرابته وبنته أكثر وأعظم مما يعظمون أبا بكر وعمر. ولا يرتاب عاقل أن العرب كانت تدين لبني عبد مناف في الجاهلية والإسلام أعظم مما تدين لبني تيم وبني عدي. ولهذا لما تولى أبو بكر قال أبوه أبو قحافة: أرضيت بنو مخزوم وبنو عبد شمس؟ قالوا: نعم، قال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ولهذا جاء أبو سفيان إلى علي فقال: أرضيتم أن يكون هذا الأمر في بني تيم؟ فقال [علي]: يا أبا سفيان إن الإسلام ليس كأمر الجاهلية، أو كما قال.

فإذا كان المسلمون كلهم ليس فيهم من قال إن فاطمة مظلومة ولا إن أبا بكر ظلمها ولو فرضنا أنهم عاجزون عن نصرها كما زعمت فلا أقل من المقال؛ فإذا لم يقع شيء من النصرة ولا القول قطعنا بأنها لم تظلم. هذا وأبو بكر لم يكن ممتنعا من سماع كلام أحد ولا كان معروفا بالجبروت. واتفاق الكل مع توفر دواعيهم على بغض فاطمة مع قيام الأسباب الموجبة لمحبتها مما يعلم امتناعه بالضرورة. وكذلك علي، ولا سيما وجمهور قريش والأنصار والعرب لم يكن إلى علي منهم ولا منه إليهم إساءة لا في الجاهلية ولا في الإسلام. وأما عمر فكان أشد على الأعراب وأكثر عداوة لهم من علي، وكلامهم فيه وفي حدته معروفة ومع هذا تولى عليهم فما مات إلا وكلهم يثني عليه وتوجع الكل لمصرعه. وهذا ما يبين أن الأمر على نقيض ما تقوله الرافضة [وأن القوم كانوا يعلمون أن فاطمة لم تكن مظلومة أصلا.]

ثم كيف يقتص القوم لعثمان حتى سفكت دماؤهم ولا ينتصرون للرسول وأهل بيته، وكيف يقاتلون [مع معاوية حتى سفكت دماؤهم معه وقد اختلف عليه بنو عبد مناف ولا يقاتلون مع] علي رضي الله عنه حتى تسفك دماؤهم [وبنو عبد مناف معه. فالعباس بن عبد المطلب أكبر بني هاشم وأبو سفيان بن حرب أكبر بني أمية وكلاهما كانا يميلان إلى علي. فلم لا قاتل الناس معه إذ ذاك والأمر في أوله، والقتال إذ ذاك -لو كان حقا- مع علي أولى، وولاية علي أسهل.] فإنه لو عرض نفر قليل منهم وقالوا علي هو الوصي كما ادعت الرافضة ونحن لا نبايع إلا له ولا نعصي نبينا ولا نقدم الظالمين أو المنافقين من بني تيم على بني هاشم لاستجاب جمهور الناس بل عامتهم لا سيما وأبو بكر ليس عنده رغبة [ولا رهبة]. ثم هب أن عمر وجماعة كانوا معه، فما هم بأكثر ولا أعز من الذين كانوا مع طلحة والزبير ومعاوية ومع هذا فقد قاتلهم علي. [إنه لو كان الحق كما تقوله الرافضة لكان أبو بكر وعمر والسابقون الأولون من شرار أهل الأرض وأعظمهم جهلا وظلما حيث عمدوا بعد موت نبيهم فبدلوا وظلموا. وكل هذا مما يعلم بالاضطرار فساده من دين الإسلام، وهو مما يبين أن الذي ابتدع مذهب الرافضة كان زنديقا ملحدا عدوا لدين الإسلام وأهله، ولم يكن من أهل البدع المتأولين كالخوارج والقدرية، وإن كان قول الرافضة راج بعد ذلك على قوم فيهم إيمان لفرط جهلهم.]

ثم يقال: وأي داع كان للقوم حتى نصروا عائشة على علي ولا ينصرون فاطمة على أبي بكر، ولو كان قيامهم للرئاسة والدنيا لكان قيامهم مع أشرف العرب وهم بنو هاشم أولى؟ [ولهذا قال صفوان بن أمية الجمحي يوم حنين: والله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من ثقيف. فصفوان رأس الطلقاء لأن يربه رجل من بني عبد مناف أحب إليه من أن يربه رجل من بني تيم.] وهلا قدموا العباس فإنه كان أقرب إلى أغراضهم من أبي بكر إذا فرضتم أن قيامهم للدنيا؟ فدل ذلك على أنهم وضعوا الحق في نصابه وأقروه في إهابه وأتوا إليه من بابه.

قال: "وسموها أم المؤمنين ولم يسموا غيرها بذلك"

قلنا: هذا بهتان واضح لكل أحد وجهل منك. بل ما زالت الأمة قديما وحديثا يسمون أزواج النبي أمهات المؤمنين اتباعا لنص تسميتهن بالقرآن، 3 سوى الرافضة. وما ينكر هذا إلا من يقول الحسين ليس بابن فاطمة، كما قال بعض النصيرية: وما كان الحسن والحسين أولاد علي بل أولاد سليمان الفارسي. ومنهم من قال: ليس أبو بكر وعمر مدفونين عند النبي ، وإن ورقية وأم كلثوم ليستا بنتي النبي بل بنتا خديجة من غيره.

قال: "ولم يسموا أخاها محمد بن أبي بكر خال المؤمنين وسموا معاوية خال المؤمنين"

قلنا: هذا إنما يقوله جهلة السنة نكاية فيكم، وإلا فلا فرق. وقد تنازع العلماء في إخوتهن هل يقال لأحدهم خال المؤمنين؛ فجوز ذلك بعضهم ولو جوزنا ذلك لاتسع الخرق ولكثر أخوال المؤمنين وخالاتهم ولقيل في أبي بكر وعمر جد المؤمنين ولحرم التزوج بخالات المؤمنين وهذا لا يقوله بشر، وذلك أنه لم يثبت لأزواجه أحكام النسب وإنما ثبت لهن الحرمة والاسم وتحريم نكاحهن دون المحرمية. وإنما قال هذا بعض السنة في معاوية خاصة لما رأوا من استحلال الرافضة لعنه وتكفيره. فهلا ذكرت من هو أفضل من معاوية ومحمد [بن أبي بكر] وهو عبد الله بن عمر. وكان سبب اختصاص محمد [بن أبي بكر] بعلي لأنه ربيبه وابن زوجته، فإن عليا تزوج بأمه أسماء بنت عميس بعد أبي بكر، ثم إنه جلده عثمان في حد فبقي في نفسه عليه حتى خرج عليه. ثم إنه ولي مصر من جهة علي فذهب إليها فحاربوه ثم قُتل وأحرق، فحصل [له] خير وتكفير رحمه الله تعالى. [والرافضة تغلو في تعظيمه على عادتهم الفاسدة في أنهم يمدحون رجال الفتنة الذين قاموا على عثمان ويبالغون في مدح من قاتل مع علي، حتى يفضلون محمد بن أبي بكر على أبيه أبي بكر - فيلعنون أفضل الأمة بعد نبيها ويمدحون ابنه الذي ليس له صحبة ولا سابقة ولا فضيلة. ويتناقضون بذلك في تعظيم الأنساب فإن كان الرجل لا يضره كفر أبيه أو فسقه لم يضر نبينا ولا إبراهيم ولا عليا كفر آبائهم، وإن ضرهم لزمهم أن يقدحوا في محمد بن أبي بكر بأبيه وهم يعظمونه. وابنه القاسم بن محمد وابن ابنه عبد الرحمن بن القاسم خير عند المسلمين منه؛ ولا يذكرونهما بخير لكونهما ليسا من رجال الفتنة.

وأما قوله: "وعظم شأنه" فإن أراد عظم نسبه فالنسب عندهم لا حرمة له لقدحهم في أبيه وأخته. وأما أهل السنة فإنما يعظمون [الناس] بالتقوى لا بمجرد النسب قال تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وإن أراد عظم شأنه بسابقيته وهجرته ونصرته، فهو ليس من الصحابة لا من المهاجرين ولا من الأنصار. وإن أراد بعظم شأنه أنه كان من أعظم الناس وأدينهم فليس الأمر كذلك وليس هو معدودا من أعيان العلماء والصالحين الذين في طبقته. وإن أراد بذلك شرفه في المنزلة لكونه كان له جاه ومنزلة ورياسة فمعاوية كان أعظم جاها ورياسة ومنزلة منه؛ بل معاوية خير منه وأدين وأحلم وأكرم، فإن معاوية رضي الله عنه روى الحديث وتكلم في الفقه وقد روى أهل الحديث حديثه في الصحاح والمساند وغيرها وذكر بعض العلماء فتاويه وأقضيته. وأما محمد بن أبي بكر فليس له ذكر في الكتب المعتمدة في الحديث والفقه.

وأما قوله: "وأخت محمد وأبوه أعظم من أخت معاوية وأبيها"

فيقال: هذه الحجة باطلة على الأصلين. وذلك أن أهل السنة لا يفضلون الرجل إلا بنفسه؛ فلا ينفع محمدا قربه من أبي بكر وعائشة، ولا يضر معاوية رضي الله عنه أن يكون ذلك أفضل نسبا منه. وهذا أصل معروف لأهل السنة. كما لا يضر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا كبلال وصهيب وخباب وأمثالهم أن يكون من تأخر عنهم من الطلقاء وغيرهم كأبي سفيان بن حرب وابنيه معاوية ويزيد وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب ونحوهم أعظم نسبا منهم. فإن هؤلاء من بني عبد مناف أشرف قريش بيتا وأولئك ليس لهم نسب شريف، ولكن فضلهم بما فضل الله به من أنفق من قبل الفتح وقاتل على الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، فكيف على من بعد هؤلاء. وأما الرافضة فإنهم إن اعتبروا النسب لزمهم أن يكون محمد بن أبي بكر عندهم شر الناس نسبا لقبح قولهم في أبيه وأخته؛ فعلى أصلهم لا يجوز تفضيله بقربه منهما. وإن ذكروا ذلك من طريق الإلزام لأهل السنة فهم يفضلون من فضله الله حيث قال: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}]

ثم قال: "إن النبي لعن معاوية الطليق ابن الطليق وقال: إذا رأيتموه على منبري فاقتلوه. وسموه كاتب الوحي ولم يكتب له كلمة من الوحي بل كان يكتب له رسائل".

قلنا: هذا الحديث ليس في شيء من كتب الإسلام، وهو عند الحفاظ كذب، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. ثم قد صعد المنبر من هو شر من معاوية وما أمر بقتله.

وأما قولك: "الطليق ابن الطليق" فما هذا بصفة ذم، فإن الطلقاء غالبهم حسن إسلامهم كالحارث بن هشام و[ابن أخيه] عكرمة وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية ويزيد بن أبي سفيان وحكيم بن حزام وأمثالهم، وكانوا من خيار المسلمين ومعاوية ممن حسن إسلامه وولاه عمر بعد أخيه يزيد. ولم يكن عمر والله ممن يحابي ولا تأخذه في الله لومة لائم ولا كان يحب أبا سفيان وقد حرص على قتله لما جاء به العباس. ولو كان ممن يحابي لولّى أقاربه من بني عدي. ثم إن معاوية بقي على دمشق وغيرها عشرين سنة أميرا وعشرين سنة خليفة، ورعيته يحبونه لإحسانه وحسن سياسته وتأليفه لقلوبهم، حتى إنهم قاتلوا معه عليا، وعلي أفضل من أمثاله وأولى بالحق منه، وهذا يعترف به غالب جند معاوية، ولكنهم قاتلوا مع معاوية لظنهم أن عسكر علي فيه قتلة عثمان وفيه ظلمة، ولهذا لم يبدأوا بالقتال حتى بدأهم أولئك [فقاتلوهم دفعا لصيالهم عليهم وقتال الصائل جائز. ولهذا قال الأشتر النخعي: إنهم ينصرون علينا لأنا نحن بدأناهم بالقتال.] وعلي كان عاجزا عن قهر الظلمة من العسكرين ولم يكن أمراؤه وأعوانه يوافقونه على كثير مما يأمر به، وأعوان معاوية يوافقونه.

قال: "وقاتل عليا، وعلي عندهم رابع الخلفاء إمام حق، وكل من قاتل إمام حق فهو باغ ظالم"

قلنا: نعم، والباغي قد يكون متأولا معتقدا أنه على حق وقد يكون بغيه مركبا من تأويل وشهوة وشبهة وهو الغالب. وعلى كل تقدير فهذا لا يرد. وإنا لا ننزه هذا الرجل ولا من هو أفضل منه عن الذنوب. والحكاية مشهورة عن المسور بن مخرمة أنه خلا بمعاوية فطلب منه معاوية أن يخبره بما ينقمه عليه، فذكر المسور أمورا فقال: يا مسور ألك سيئات؟ قال: نعم، قال: أترجو أن يغفرها الله؟ قال: نعم، قال: فما جعلك أرجى لرحمة الله مني، وإني مع ذلك والله ما خيرت بين الله وبين سواه إلا اخترت الله على ما سواه، ووالله لما أليه من الجهاد وإقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل من عملك، وأنا على دين يقبل الله من أهله الحسنات ويتجاوز لهم عن السيئات.

ثم إن قالت لكم الخوارج والنواصب ما الدليل على عدالة علي وإيمانه ما لكم حجة إلا ما تواتر من إسلامه وعبادته، [فإن] قالوا لكم: فقد تواتر ذلك من أبي بكر وعمر أيضا وطائفة ممن تقدحون في إيمانهم فما الفرق بيننا وبينكم؟ فإن احتججتم بالظواهر القرآنية فهي متناولة لهؤلاء وهؤلاء، وأنتم أخرجتم جماعة كبيرة ونحن أخرجنا واحدا. وإن قالوا بما جاء عن الصحابة من فضائله، قلنا: فقد ورد أيضا فضائل أولئك فاقبلوا الكل، وإن طعنتم في الصحابة فردوا الكل. فإن احتججتم بمبايعة الناس له، قلنا: من المعلوم أن مبايعة الناس للثلاثة قبله أعظم وأكثر، فإن أهل الشام ما بايعوه ولا أكثر أهل مصر، ثم النواصب يقولون بل علي الباغي قاتل على الأمان وبدأ بالقتال وسفك دماء الأمة وكان السيف في دولته مسلولا على الأمة مكفوفا عن المشركين. ثم الخوارج تقدح في الطائفتين معا. وعمرو بن عبيد وجماعة من المعتزلة يقولون فسق أحدهما لا بعينه -قلت يعني يوم الجمل- وأما يوم صفين فقال عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وأبو الهذيل العلاف: أصاب في قتال معاوية. نقله ابن حزم. وخلق من الخوارج قالوا: كان الحق مع علي فلما حكم الحكمين كفر. فإن قيل هؤلاء بغاة لأن النبي قال لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» قلنا: الخير صحيح وقد تكلم فيه بعضهم، وبعضهم تأوله على أن الباغي الطالب وهذا لا شيء. وأما السلف [والأئمة] كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم فيقولون: لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغية، فإن الله لم يأمر بقتالها ابتداء بل أمر إذا اقتتلت طائفتان أن يصلح بينهما ثم إن بغت إحداهما قوتلت، ولهذا كان هذا القتال عند أحمد ومالك قتال فتنة. وأبو حنيفة يقول: لا يجوز قتال البغاة حتى يبدأوا بقتال الإمام وهؤلاء لم يبدأوه.

ثم أهل السنة تقول: الإمام الحق ليس معصوما ولا يجب على الإنسان أن يقاتل معه كل من خرج عن طاعته ولا أن يعطيه الإنسان فيما يعلم أنه معصية أو أن تركه أولى. وعلى هذا ترك جماعة من الصحابة القتال مع علي لأهل الشام. [والذين قاتلوه لا يخلو إما أن يكونوا عصاة أو مجتهدين مخطئين أو مصيبين. وعلى كل تقدير فهذا لا يقدح في إيمانهم ولا يمنعهم الجنة] بقوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين * إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} فسماهم إخوة.

وأما قولك: "لم يكتب له كلمة من الوحي" فدعوى كنظائرها.

قال: "وكان باليمن يوم الفتح يطعن على رسول الله وكتب إلى أبيه أبي سفيان يعيره بالإسلام ويقول: أصبوت [إلى دين محمد وكتب إليه هذه الأبيات]:
يا صخر لا تسلمن طوعا فتفضحنا ** بعد الذين ببدر أصبحوا فرقا
جدي وخالي وعم الأم يالهم ** قوما وحنظلة المهندي لنا أرقا
فالموت أهون من قول الوشاة لنا ** خلى ابن هند عن العزى لقد فرقا
وأهدر النبي دمه، فلما لم يجد مأوى صار إلى النبي مضطربا فأظهر الإسلام قبل موت النبي بخمسة أشهر وطرح نفسه على العباس -إلى أن قال- وعن ابن عمر عن النبي : يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي. فطلع معاوية. وقام النبي خطيبا فأخذ معاوية بيد ابنه يزيد وخرج فقال النبي : لعن الله القائد والمقود -إلى أن قال- وبالغ في محاربة علي وقتل جمعا من خيار الصحابة، ولعن عليا على المنبر واستمر [سبه إلى سنة] ثمانين حتى قطعه عمر بن عبد العزيز. وسم الحسن وقتل ابنه مولاي الحسين ونهب وسبى وكسر أبوه ثنية النبي وأكلت أمه كبد حمزة".

فيقال: سبحان من خلق الكذب وسلمه إلى الرافضة. فأما أبو سفيان فإنه [أسلم قبل دخول النبي مكة بمر الظهران ليلة نزل بها وقال العباس: إن أبا سفيان يحب الشرف فقال النبي : «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن» وأبو سفيان كان] عنده من دلائل النبوة ما سمعه من هرقل قبل إسلامه بأشهر وما كان عنده من أمية بن أبي الصلت، لكن الحسد منعه [من الإيمان] حتى أدخله الله عليه وهو كاره. بخلاف معاوية فإنه لم يُعرف عنه شيء من ذلك ولا عن أخيه يزيد. وهذا الشعر كذب عليه قطعا.

ثم لا يجوز الطعن على من تأخر إسلامه كصفوان بن أمية والحارث بن هشام. ثم نفس هذا الشعر يدل على وضعه فإنه لا يشبه نفس الصحابة. وإسلام معاوية عام الفتح باتفاق الناس.

ثم قد تقدم قولك إنه من المؤلفة قلوبهم. والمؤلفة إنما أعطاهم النبي من غنائم حنين وكانت بعد الفتح بأيام؛ فلو كان هاربا لم يكن من المؤلفة. وقد قال: قصّرتُ عن النبي على المروة بمشقص. وهذا والله أعلم كان في عمرته عليه السلام من الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان.

[وأما قوله: "وقد روى عبد الله بن عمر قال أتيت النبي فسمتعه يقول يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي. فطلع معاوية وقام النبي خطيبا فأخذ معاوية بيد ابنه يزيد وخرج ولم يسمع الخطبة فقال النبي : لعن الله القائد والمقود. أي يوم يكون للأمة مع معاوية ذي الإساءة".

فالجواب عليه أولا: نحن نطالب بصحة هذا الحديث فإن الاحتجاج بالحديث لا يجوز إلا بعد ثبوته. ويقال ثانيا: هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث. ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث التي يرجع إليها في معرفة الحديث ولا له إسناد معروف؛ وهذا المحتج به لم يذكر له إسنادا. ثم من جهله أن يروي مثل هذا عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمر من أبعد الناس عن ثلب الصحابة وأروى الناس لمناقبهم، وقوله في مدح معاوية معروف ثابت عنه حيث يقول: ما رأيت بعد رسول الله أسود من معاوية. قيل له: ولا أبو بكر وعمر؟ فقال: كان أبو بكر وعمر خيرا منه وما رأيت بعد رسول الله أسود من معاوية. قال أحمد بن حنبل: السيد الحليم، يعني معاوية. وكان معاوية كريما حليما.

ثم إن خُطب النبي لم تكن واحدة، بل كان يخطب في الجمع والأعياد والحج وغير ذلك، ومعاوية وأبوه يشهدان الخطب كما يشهدها المسلمون كلهم. أفتراهما في كل خطبة كانا يقومان ويُمكّنان من ذلك؟ هذا قدح في النبي وفي سائر المسلمين إذ يمكّنون اثنين دائما يقومان ولا يحضران الخطبة ولا الجمعة؛ وإن كانا يشهدان كل خطبة فما بالهما يمتنعان عن سماع خطية واحدة قبل أن يتكلم بها؟ ثم من المعلوم من سيرة معاوية أنه كان من أحلم الناس وأصبرهم على من يؤذيه وأعظم الناس تأليفا لمن يعاديه، فكيف ينفر عن رسول الله مع أنه أعظم الخلق مرتبة في الدين والدنيا وهو محتاج إليه في كل أموره، فكيف لا يصبر على سماع كلامه وهو بعد الملك يسمع كلام من يشتمه في وجهه، فلماذا لم يسمع كلام النبي وكيف يتخذ النبي كاتبا من هو في هذه الحالة.

وقوله: "إنه أخذ بيد ابنه يزيد" فمعاوية لم يكن له [يومئذ] ابن اسمه يزيد. وأما ابنه يزيد الذي تولى الملك وجرى في خلافته ما جرى فإنما ولد في خلافة عثمان باتفاق أهل العلم. ولم يكن لمعاوية ولد على عهد رسول الله . قال الحافظ أبو الفضل بن ناصر: خطب معاوية رضي الله عنه في زمن رسول الله فلم يزوج لأنه كان فقيرا. وإنما تزوج في زمن عمر رضي الله عنه وولد له في يزيد في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة سبع وعشرين من الهجرة.

ثم نقول ثالثا: هذا الحديث يمكن معارضته بمثله من جنسه بما يدل على فضل معاوية رضي الله عنه. قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الموضوعات: قد تعصب قوم ممن يدعي السنة فوضعوا في فضل معاوية رضي الله عنه أحاديث ليغيظوا الرافضة، وتعصب قوم من الرافضة فوضعوا في ذمه أحاديث؛ وكلا الفريقين على الخطأ القبيح.]

وأما محاربته عليا فلأمور لا تخرجه عن الإسلام، وإن كان علي أقرب إلى الحق وأولى به منه كما في الصحيحين: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق» فهؤلاء المارقة هم الذين خرجوا على علي وقاتلوه يوم النهروان. [فدل] الحديث على أن عليا وطائفته أقرب إلى الحق من طائفة معاوية. وفي البخاري عن النبي أنه قال في الحسن: «إن ابني هذا سيد وإن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المؤمنين» فمدح الحسن بالإصلاح الذي جرى على الجماعة من الفئتين وسماهما مؤمنين، وهذا يدل أيضا على أن الإصلاح بينهما هو المحمود لا القتال الذي جرى. وقال : «ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم الحديث» وقال: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن»

والذين رووا أحاديث القعود في الفتنة والتحذير منها كسعد [بن أبي وقاص] ومحمد بن مسلمة وأسامة لم يقاتلوا لا مع علي ولا مع معاوية. ثم الذين قاتلوا مع علي أخف جرما من الذين قتلوا عثمان صبرا؛ وأنت تمدحهم وترضى فعلهم يا جاهل. فإن قلت: إن عثمان فعل أشياء أُنكرت عليه، قيل: فعل علي أشياء أخرت هؤلاء عن مبايعته، فرضي الله عن الرجلين.

ثم إن عليا بادر بعزل معاوية وكان لا بأس به في ولايته محببا إلى رعيته. وقد استعمل علي من هو دون معاوية كزياد بن أبيه. وقد كان النبي أفضل من علي واستعمل أبا سفيان [على نجران، ومات رسول الله وأبو سفيان أمير عليها. وكان كثير من أمراء النبي على الأعمال من بني أمية. فإنه استعمل على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية واستعمل خالد بن سعيد بن العاص وأبان بن سعيد بن العاص، وولاه عمر رضي الله عنه ولا يتهم لا في دينه ولا في سياسته. وقد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتعلنونهم ويلعنونكم» قالوا: ومعاوية كانت رعيته يحبونه وهو يحبهم ويصلون عليه وهو يصلي عليهم. وقد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم» قال مالك بن يخامر سمعت معاذا يقول: هم بالشام. قالوا: وهؤلاء كانوا عسكر معاوية. وفي صحيح مسلم عن النبي أنه قال: «لا يزال أهل الغرب ظاهرين حتى تقوم الساعة» قال أحمد: أهل الغرب هم أهل الشام. وقد بسطنا هذا في موضع آخر. وهذا النص يتناول عسكر معاوية. قالوا: ومعاوية أيضا كان خيرا من كثير ممن استنابه علي، فلم يكن يستحق أن يعزل ويولى من هو دونه في السياسة] فليت عليا تألف معاوية وأقره على الشام وحقن الدماء.

[فإذا قيل: إن عليا كان مجتهدا في ذلك، قيل: وعثمان كان مجتهدا فيما فعل، وأين الاجتهاد في تخصيص بعض الناس بولاية أو إمارة أو مال من الاجتهاد في سفك المسلمين بعضهم دماء بعض حتى ذل المؤمنون وعجزوا عن مقاومة الكفار حتى طمعوا فيهم وفي الاستيلاء عليهم. ولا ريب أنه لو لم يكن قتال بل كان معاوية مقيما على سياسة رعيته وعلي مقيما على سياسة رعيته لم يكن في ذلك من الشر أكثر مما حصل بالاقتتال، فإنه بالاقتتال لم تزل هذه الفرقة ولم يجتمعوا على إمام بل سفكت الدماء وقويت العداوة والبغضاء وضعفت الطائفة التي كانت أقرب إلى الحق وهي طائفة علي وصاروا يطلبون من الطائفة الأخرى من المسالمة ما كانت تلك تطلبه ابتداء. ومعلوم أن الفعل الذي تكون مصلحته راجحة على مفسدته يحصل به من الخير أعظم مما يحصل بعدمه. وهنا لم يحصل بالاقتتال مصلحة بل كان الأمر مع عدم القتال خيرا وأصلح منه بعد القتال؛ وكان علي وعسكره أكثر وأقوى ومعاوية وأصحابه أقرب إلى موافقته ومسالمته ومصالحته. فإذا كان مثل هذا الاجتهاد مغفورا لصاحبه فاجتهاد عثمان أن يكون مغفورا أولى وأحرى. وأما معاوية وأعوانه فيقولون إنما قاتلنا عليا قتال دفع عن أنفسنا وبلادنا، فإنه بدأنا بالقتال فدفعناه بالقتال ولم نبتدئه بذلك ولا اعتدينا عليه. فإذا قيل لهم: هو الإمام الذي كانت تجب طاعته عليكم ومبايعته وأن لا تشقوا عصا المسلمين، قالوا: ما نعلم أنه إمام تجب طاعته، لأن ذلك عند الشيعة إنما يعلم بالنص ولم يبلغنا عن النبي نص بإمامته ووجوب طاعته. ولا ريب أن عذرهم في هذا ظاهر. فإنه لو قدر أن النص الجلي الذي تدعيه الإمامية حق، فإن هذا قد كتم وأخفي في زمن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلم يجب أن يعلم معاوية وأصحابه مثل ذلك لو كان حقا، فكيف إذا كان باطلا.]

[وأما قوله: "إن معاوية قتل جمعا كثيرا من خيار الصحابة" فيقال: الذين قتلوا من الطائفتين؛ قتل هؤلاء من هؤلاء وهؤلاء من هؤلاء. وأكثر الذين كانوا يختارون القتال من الطائفتين لم يكونوا يطيعون عليا ولا معاوية. وكان علي ومعاوية رضي الله عنهما أطلب لكف الدماء من أكثر المقتتلين لكن غُلبا فيما وقع؛ والفتنة إذا ثارت عجز الحكماء عن إطفاء نارها. وكان في العسكرين مثل الأشتر النخعي وهاشم بن عتبة المرقال وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وأبي الأعور السلمي ونحوهم من المحرضين على القتال قوم ينتصرون لعثمان غاية الانتصار وقوم ينفرون عنه وقوم ينتصرون لعلي وقوم ينفرون عنه. ثم قتال أصحاب معاوية معه لم يكن لخصوص معاوية بل كان لأسباب أخرى، وقتال الفتنة مثل قتال الجاهلية لا تنضبط مقاصد أهله واعتقاداتهم كما قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله متوافرون فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فإنه هدر، أنزلوهم منزلة الجاهلية.]

وأما ما وقع من لعن علي فإن التلاعن وقع من الطائفتين، فكان هؤلاء يلعنون رءوس هؤلاء في دعائهم وهؤلاء يلعنون رءوس هؤلاء. والقتال باليد أعظم من التلاعن. [وهذا كله سواء كان ذنبا أو اجتهادا مخطئا أو مصيبا فإن مغفرة الله ورحمته تتناول ذلك بالتوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفرة وغير ذلك.]

ومن العجيب أن الرافضة تنكر سب علي وتسب الثلاثة قبله [أبا بكر وعمر وعثمان] وتكفرهم. ومعاوية وحزبه ما كفروا عليا إنما كفرته الخوارج المارقون من الدين. وقال النبي : «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه».

قال: "وسم معاوية الحسن" فهذا قيل ولم يثبت. فيقال إن امرأته سمته وكان مطلاقا رضي الله عنه فلعلها سمته لغرض والله أعلم بحقيقة الحال. [وقد قيل إن أباها الأشعث بن قيس أمرها بذلك فإنه كان يتهم بالانحراف في الباطن عن علي وابنه الحسن. وإذا قيل إن معاوية أمر أباها كان هذا ظنا محضا. والنبي قال: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» وبالجملة فمثل هذا لا يحكم به في الشرع باتفاق المسلمين فلا يترتب عليه أمر ظاهر لا مدح ولا ذم. ثم إن الأشعث بن قيس مات سنة أربعين وقيل سنة إحدى وأربعين، ولهذا لم يذكر في الصلح الذي كان بين معاوية والحسن بن علي في العام الذي كان يسمى عام الجماعة وهو عام أحد وأربعين، وكان الأشعث حما الحسنِ بن علي، فلو كان شاهدا لكان يكون له ذكر في ذلك، وإذا كان قد مات قبل الحسن بنحو عشر سنين فكيف يكون هو الذي أمر ابنته.]

وأما يزيد فلم يأمر بقتل الحسين [باتفاق أهل النقل ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق، والحسين رضي الله عنه كان يظن أن أهل العراق ينصرونه ويوفون له بما كتبوا إليه، فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل فلما قتلوا مسلما وغدروا به وبايعوا ابن زياد أراد الرجوع فأدركته السرية الظالمة فطلب أن يذهب إلى يزيد أو يذهب إلى الثغر أو يرجع إلى بلده فلم يمكنوه من ذلك حتى يستأسر لهم] ولكن هو رضي الله عنه أبى أن يسلم نفسه وأن ينزل على حكم عبيد الله بن زياد وقاتل حتى قتل شهيدا مظلوما رضي الله عنه. ولما بلغ ذلك يزيد أظهر التوجع وظهر البكاء في داره ولم يسبِ لهم حريما أصلا، بل جهزهم وأعطاهم وبعثهم إلى وطنهم. وكان معاوية وصّى يزيد برعاية حق الحسين وإجلاله.

وقوله: "إن أبا سفيان كسر ثنية النبي " فإنما كسرها عتبة بن أبي وقاص. ولاكت هند كبد حمزة ولفظتها، ثم منّ الله عليها بالإسلام، وكان النبي يكرمها أنها حماته. قال الله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} وفي مسلم من حديث عمرو بن العاص [أن النبي قال له]: «الإسلام يهدم ما كان قبله» [وفي صحيح البخاري لما أسلمت هند أم معاوية رضي الله عنهما قالت: والله يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلى أن يعزوا من أهل خبائك.]

قال الرافضي: "وسموا خالدا سيف الله عنادا لأمير المؤمنين الذي هو أحق بهذا منه وقال فيه الرسول : علي سيف الله وسهم الله. وقال علي على المنبر: أنا سيف الله على أعدائه. وخالد لم يزل عدوا للرسول مكذبا له وهو كان السبب في قتل المسلمين يوم أحد. ولما تظاهر بالإسلام بعثه النبي إلى بني جذيمة فخانه وخالف أمره وقتل المسلمين فقال النبي : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد".

فأما تسمية علي سيف الله فلم يصح ولا عرفناه في كتاب. وأما تسمية خالد سيف الله فليس هو مختصا به بل هو سيف من سيوف الله سله على الله المشركين كما صح عن النبي قال فيه ذلك من حديث حميد بن هلال عن أنس أن النبي نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة وعيناه تذرفان قال: «ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليه» وهذا لا يمنع أن يكون غيره سيفا لله بل هو يتضمن أن سيوف الله متعددة. ولا ريب أن خالدا قتل من الكفار أكثر مما قتل غيره، وكان سعيدا في حروبه، وأسلم قبل الفتح وهاجر، ومن حين أسلم كان النبي يؤمره. ولقد انقطع في يده يوم مؤتة تسعة أسياف. أخرجه البخاري. ولا ريب أن النبي تبرأ من فعله ببني جذيمة ولكن ما عزله. ولا ريب أن عليا من سيوف الله فمن نازعك في ذا؟ وهو أفضل من خالد فإن له من العلم والبيان والسابقة والإيمان والمشاهد ما لا يخفى. ثم السيف خاصيته القتال، وعلي كان القتال بعض فضائله، وخالد كان أخص نعوته القتال وبه تقدم، فلهذا عبر عنه بأنه سيف من سيوف الله. وهذا البراء بن مالك قتل مائة [رجل] مبارزة سوى من شرك في قتله. وقال النبي : «صوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة» وقال: «إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير» والرافضة متناقضون فإنهم يقولون علي الناصر لرسول الله الذي لولاه لما قام دينه، ثم يصفونه بالعجز والتقية المنافي لذلك.

وكان النبي أرسل خالدا بعد الفتح إلى بني جذيمة فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فقالوا: "صبأنا صبأنا" فلم يقبل ذلك وقال ليس ذلك بإسلام فقتلهم، فأخطأ في اجتهاده. ثم أرسل النبي عليا بمال فأعطاهم نصف الديات وضمن لهم ما تلف حتى ميلغة الكلب. وحاشا خالدا أن يكون معاندا للنبي بل كان مطيعا له وإن أخطأ في هذه المرة، كما أخطأ أسامة بن زيد في قتل ذلك الرجل الذي قال لا إله إلا الله وقتل السرية لصاحب الغنيمة الذي قال أنا مسلم فنزلت فيهم: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا} الآية.

قال: "ولما سار لقتال أهل اليمامة قتل منهم ألفا ومائتين مع تظاهرهم بالإسلام. وقتل مالك بن نويرة وهو مسلم وعرس بامرأته. وسموا بني حنيفة أهل الردة لأنهم منعوا الزكاة أبا بكر إذا لم يعتقدوا إمامته فسموا مانع الزكاة مرتدا ولم يسموا من استحل دماء المسلمين ومحاربة أمير المؤمنين مرتدا مع قول النبي : يا علي حربك حربي. فمحارب الرسول كافر بالإجماع".

فيقال: الله أكبر على هؤلاء المرتدين المفترين أتباع أهل الردة [الذين برزوا بمعاداة الله ورسوله وكتابه ودينه ومرقوا من الإسلام ونبذوه وراء ظهورهم وشاقوا الله ورسوله وعباده المؤمنين وتولوا أهل الردة والشقاق.] فإن هذا الفصل وأمثاله مما يحقق أن الرافضة المتعصبين على أبي بكر كالمرتدين الذين قاتلهم الصديق، وذلك أن أهل اليمامة آمنوا بمسيلمة الكذاب الذي صنف قرآنا وفعل العظائم، فبعث أبو بكر الصديق -الذي من أفضل أعماله عند الله تعالى قتاله هؤلاء الكفرة- جيشا من أفضل الصحابة وعليهم خالد سيف الله على رغم أنفك يقاتلون مسيلمة بعد أن قاتلوا طليحة الأسدي الذي تنبأ أيضا واتبعه أهل نجد، ثم أسلم طليحة وصلح أمره واستشهد في حرب مسيلمة مثل زيد بن الخطاب وثابت بن قيس وأسيد بن حضير وسالم ومولاه أبو حذيفة وأبو دجانة.

وقرآن مسيلمة ضحكة مثل: "يا ضفدع بنت ضفدعين نقي كم تنقين لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين رأسك في الماء وذنبك في الطين، إن الأرض بيننا وبين قريش ولكن نصفين ولكن قريشا قوم لا يعدلون". ومثل قوله: "والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا واللاقمات لقما. ومثل: والفيل وما أدراك ما الفيل له زلوم طويل إن ذلك من خلق ربنا الجليل".

ولما سمع أبو بكر هذا الكلام قال: ويلكم أين يذهب بكم إن هذا كلام لم يخرج من إل.

[وفي الجملة فأمر مسيلمة الكذاب وادعاؤه النبوة واتباع بني حنيفة له باليمامة وقتال الصديق لهم على ذلك أمر متواتر مشهور قد علمه الخاص والعام كتواتر أمثاله. وليس هذا من العلم الذي تفرد به الخاصة بل علم الناس بذلك أظهر من علمهم بقتال الجمل وصفين، فقد ذكر عن بعض أهل الكلام أنه أنكر الجمل وصفين وهذا الإنكار وإن كان باطلا فلم نعلم أحدا أنكر قتال أهل اليمامة وأن مسيلمة الكذاب ادعى النبوة وأنهم قاتلوه على ذلك. لكن هؤلاء الرافضة لجحدهم هذا وجهلهم به بمنزلة إنكارهم كون أبي بكر وعمر دفنا عند النبي وإنكارهم موالاة أبي بكر وعمر للنبي ودعواهم أنه نصّ على علي بالخلافة. بل منهم من ينكر أن تكون زينب ورقية وأم كلثوم من بنات النبي ، ومنهم من يقول] إن الصحابة بعجوا بطن فاطمة حتى طرحت، وهدموا سقف بيتها على من فيه. فهم يعمدون إلى الأمور الثابتة المتواترة فينكرونها وإلى الأمور المعدومة أو المختلقة فيثبتونها، فلهم أوفر نصيب من قوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه} فتراهم يؤمنون والله بالكذب ويكذبون بالحق، [وهذا حال المرتدين. وهم يدعون أن أبا بكر وعمر ومن اتبعهما ارتدوا عن الإسلام. وقد علم الخاص والعام أن أبا بكر هو الذي قاتل المرتدين.] فيالله كيف نخاطب من يزعم أن أهل اليمامة مظلومون مسلمون؟

[وقوله: "إنهم سموا بني حنيفة مرتدين لأنهم لم يحملوا الزكاة إلى أبي بكر" فهذا من أظهر الكذب وأبينه، فإنه إنما قاتل بني حنيفة لكونهم آمنوا بمسيلمة الكذاب واعتقدوا نبوته. وأما مانعو الزكاة فكانوا قوما آخرين غير بني حنيفة، وهؤلاء كان قد وقع لبعض الصحابة شبهة في جواز قتالهم.] وأما بنو حنيفة فلم يتوقف أحد في وجوب قتالهم.

وأما قولك: "ولم يسموا من استحل دماء المسلمين ومحاربة أمير المؤمنين مرتدا [مع أنهم سمعوا قول النبي : يا علي حربي حربك وسلمي سلمك. ومحارب رسول الله كافر بالإجماع" فيقال: دعواهم أنهم سمعوا هذا الحديث من النبي أو عنه كذب عليهم، فمن الذي نقل عنهم أنهم سمعوا ذلك. وهذا الحديث ليس في شيء من كتب الحديث المعروفة ولا روي بإسناد معروف، بل هو كذب موضوع على النبي باتفاق أهل العلم بالحديث.]

ثم علي لم يكن قتاله يوم الجمل وصفين بأمر من النبي بل باجتهاده. قال يونس عن الحسن عن قيس بن عباد قال: قلت لعلي: أخبرنا عن مسيرك هذا أعهد عهد إليك رسول الله أم رأي رأيته؟ قال: ما عهد إلي شيئا ولكن رأي رأيته.

فلو كان محارب علي محاربا لرسول الله مرتدا لكان علي حكم فيهم بسيرة المرتدين. بل تواتر عنه يوم الجمل أنه ما اتبع مدبرهم ولم يجهز على جريحهم ولا غنم أموالهم ولا سبى ذراريهم. وهذا مما أنكره عليه الخوارج وقالوا: إن كانوا مؤمنين فلم قاتلتهم وإن كانوا كفارا فلم حرمت نساءهم وأموالهم؟ فبعث ابن عمه ابن العباس يناظرهم فقال لهم: قد كانت عائشة فيهم، فإن قلتم إنها ليست أمنا كذبتم القرآن، وإن قلتم هي أمنا واستحللتم سبيها ووطئها كفرتم. وكان يقول في أصحاب الجمل: إخواننا بغوا علينا طهرهم السيف. ونقل عنه أنه صلى على قتلى الطائفتين.

ثم إن كان أهل صفين مرتدين كيف جاز للإمام المعصوم عندكم وهو الحسن أن ينزل عن الخلافة ويسلمها إلى مرتد. ثم الله قد سماهم مؤمنين في قوله: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} وقال الرسول : «إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» فلو قالت لهم النواصب أخزاهم الله: فعلي استحل الدماء وقاتل برأيه على رياسته، وقد قال النبي : «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» وقال: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» فماذا تردون عليهم؟

واعلم أن طائفة من الفقهاء الحنفية والشافعية والحنبلية جعلوا قتال مانعي الزكاة وقتال الخوارج من قتال البغاة، وجعلوا قتال الجمل وصفين من ذلك. وهذا القول خطأ وخلاف نص أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم ومخالف للسنة. فإن الخوارج أمر النبي بقتالهم واتفق على ذلك الصحابة. وأما قتال الجمل وصفين فهو قتال فتنة ليس فيه أمر الرسول ولا إجماع من الصحابة. وأهل صفين لم يبدأوا عليا بقتال. ثم أبو حنيفة وغيره لا يجوزون قتال البغاة إلا أن يبدأوا الإمام. وأبو حنيفة وأحمد [ومالك] لا يجوزون للإمام قتال من قام بالواجب [إذا كانت طائفة ممتنعة وقالت لا نؤدي زكاتنا إلى فلان. فيجب الفرق بين قتال المرتدين وقتال الخوارج المارقين]. أما قتال مانعي الزكاة فآكد من قتال الخوارج إذا كانوا لم يخرجوها بالكلية ولم يقروا بها. وأما قتال البغاة المذكور في القرآن فنوع ثالث غير هذا وهذا. فإنه تعالى لم يأمرنا بقتال البغاة ابتداء بل بالإصلاح وليس هذا حكم المرتدين ولا الخوارج.

وقتال الجمل وصفين هل هو من قتال البغاة أو من قتال الفتنة التي القاعد فيها خير من القائم؟ فمن قعد من الصحابة وجمهور أهل الحديث يقولون هو قتال فتنة. وقوله تعالى: {فإن بغت إحداهما} يعني [إحدى] الطائفتين المقتتلتين لا طائفة مؤمنة لم تقاتل، فإن هذه ليس في الآية أمرٌ بقتالها. فإن كان قوله: {فإن بغت} بعد الإصلاح فهو أوكد، وإن كان بعد الاقتتال حصل المقصود. فأصحاب معاوية [إن كانوا قد] بغوا إذ لم يبايعوا عليا فما في الآية أمر بقتالهم. ولو قدرنا أنهم بغوا بعد القتال فما وجد أحد يصلح بين الطائفتين.

قلتُ: لكن سماهم النبي بغاة في قوله لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» وهذه مباحث لا ترجع إلى تفكيرهم بوجه.

ومما يبين كذب هذا القول أنه لو كان حرب علي حربا للرسول والله قد تكفل بنصر رسوله كما قال: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا} {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون} لوجب أن يغلب محاربَ الرسول. وما كان الأمر كذلك. بخلاف الخوارج فإنهم من جنس المحاربين لله ورسوله فاقتصر عليهم، وقد قال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} يعني قطاع الطريق ومع هذا فلا نكفرهم بذلك، ولو كفرناهم لقتلناهم ولا بد.

قال: "وقد أحسن بعض الفضلاء حيث يقول: شر من إبليس من لم يسبقه في سالف طاعة، وجرى معه في ميدان معصية - قال - ولا شك بين العلماء أن إبليس كان أعبد الملائكة وكان يحمل العرش وحده ستة آلاف سنة ثم استكبر ولعن. ومعاوية لم يزل في الإشراك وعبادة الأصنام إلى أن أسلم ثم استكبر عن طاعة الله في نصب أمير المؤمنين علي إماما فكان شرا من إبليس".

فنقول: [هذا الكلام فيه من الجهل والضلال والخروج عن دين الإسلام وكل دين بل وعن العقل الذي يكون لكثير من الكفار ما لا يخفى على من تدبره. فإن] إبليس أكفر الكفرة، ومن كفر فإنما هو من أتباعه وقتلاه، فكيف يكون أحد شرا منه. وقول القائل: شر من إبليس من لم يسبقه إلى طاعة، هذا يقتضي أن كل من عصى الله فهو شر من إبليس. ثم نقول: إن أحدا من البشر لا يجري مع إبليس في ميدان معصيته كلها ولا يتصور أن بشرا يساويه في معصيته لأنه عاند ربه كفاحا ثم تفرغ لإغواء الخلق إلى يوم القيامة. ثم عبادته المتقدمة حبطت بكفره. وأيضا فمن الذين قال إن إبليس كان أعبد الملائكة وأنه حمل العرش وحده وأنه كان طاوس الملائكة وأنه ما ترك في السماء رقعة ولا في الأرض بقعة إلا وله فيها سجدة وركعة: هذا مبناه على النقل ولم تأت آية ولا حديث بذلك. ثم يفتري ويكذب ويقول: "لا شك بين العلماء" فهذا إن كان قاله بعض الوعاظ أو المصنفين في الرقائق أو بعض من ينقل في التفسير من الإسرائيليات ما لا أصل له، فمثل هذا لا يحتج به في جرزة بقل، فكيف يحتج به في جعل إبليس خيرا من كل من عصى الله من بني آدم ويجعل الصحابة من هؤلاء الذين إبليس خير منهم.] فما وصف الله ولا رسوله إبليس بخير قط ولا كان من حملة العرش فضلا عن أن يحمله وحده. هذه خرافة وهذيان. ثم إبليس حبط عمله ومعاوية محي كفره بإيمانه كغيره من الصحابة. فما خطأك في زعمك ارتداد معاوية وعثمان وصفوة الصحابة المشهود لهم بالجنة إلا [كخطأ] الخوارج في تكفيرهم عليا. وعلى زعمك يكون ما زال علي مغلوبا مع المرتدين ويكون الحسن قد خلع نفسه وسلم الأمر لمرتد، وعلى زعمك يكون نصر الله لخالد أعظم من نصره عليا. وما كل من عصى الله يكون مستكبرا عن طاعته.

قال: "وتمادى بعضهم في التعصب حتى اعتقد إمامة يزيد، مع ما صدر عنه من قتل الحسين وسبي نسائه في البلاد على الجمال بغير قتب وزين العابدين مغلول".

فيقال: لم نعتقد أنه من الخلفاء الراشدين كما قاله بعض الجهلة من الأكراد وكما قيل هو نبي؛ فهؤلاء نظراء من ادعى نبوة علي أو إلهيته. وحكي عن بعض أتباع بني أمية أن الخليفة تقبل منه الحسنات ويتجاوز له عن السيئات. فهؤلاء مع ضلالهم أقل ضلالا ممن يعتقد عصمة المنتظر الذي يقولون إنه في السرداب من أربعمائة وخمسين سنة وهو معدوم. وقد ذهبت المرجئة وهم خلائق إلى أن التوحيد لا يضر معه شيء. ونحن نقول خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم صارت ملكا كما ورد في الحديث. وإن عنيت باعتقاد إمامة يزيد أنه كان ملك وقته وصاحب السيف كأمثاله من المروانية والعباسية فهذا أمر متيقن، وحكم يزيد على حوزة الإسلام سوى مكة فإنه غلب عليها ابن الزبير وامتنع عن بيعة يزيد، ولم يدع إلى نفسه حتى بلغه موت يزيد. [فكون الواحد من هؤلاء إماما بمعنى أنه كان سلطانا ومعه السيف يولي ويعزل ويعطي ويحرم ويحكم وينفذ ويقيم الحدود ويجاهد الكفار ويقسم الأموال أمر مشهور متواتر لا يمكن جحده. وهذا معنى كونه إماما وخليفة وسلطانا كما أن إمام الصلاة هو الذي يصلي بالناس. فإذا رأينا رجلا يصلي بالناس كان القول بأنه إمام أمرا مشهودا محسوسا لا تمكن المكابرة فيه. وأما كونه برا أو فاجرا مطيعا أو عاصيا فذاك أمر آخر. فأهل السنة إذا اعتقدوا إمامة الواحد من هؤلاء يزيد أو عبد الملك أو المنصور أو غيرهم كان بهذا الاعتبار. ومن نازع في هذا فهو شبيه بمن نازع في ولاية أبي بكر وعمر وعثمان وفي ملك كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم. وأما كون الواحد من هؤلاء معصوما فليس هذا اعتقاد أحد من العلماء. وكذلك كونه عادلا في كل أموره مطيعا في جميع أفعاله؛ ليس هذا اعتقاد أحد من المسلمين. وكذلك وجوب طاعته في كل ما يأمر به وإن كان معصية لله ليس هو اعتقاد أحد من المسلمين. ولكن مذهب أهل السنة والجماعة أن هؤلاء يُشاركون فيما يحتاج إليهم فيه من طاعة الله، فنصلي خلفهم الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات التي يقيمونها هم لأنها لو لم تصل خلفهم أفضى إلى تعطليها، ونجاهد معهم الكفار، ونحج معهم البيت العتيق، ويستعان بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود. فإن الإنسان لو قدر أن يحج في رفقة لهم ذنوب وقد جاءوا يحجون لم يضره هذا شيئا. وكذلك الغزو وغيره من الأعمال الصالحة إذا فعلها البر وشاركه في ذلك الفاجر لم يضره ذلك شيئا. فكيف إذا لم يمكن فعلها إلا على هذا الوجه. ويستعان بهم أيضا في العدل في الحكم والقسم، فإنه لا يمكن عاقلا أن ينازع في أنهم كثيرا ما يعدلون في حكمهم وقسمهم. ويعاونون على البر والتقوى ولا يعاونون على الإثم والعدوان.] فإذا غلب على الأمر خليفة كيزيد وعبد الملك والمنصور فإما أن يقال يجب منعه من الأمر وقتاله وهذا رأي فاسد يؤدي إلى سفك الدماء، وإن كان الخارج ديّنا، [وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير، كالذين خرجوا على يزيد في المدينة، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك في العراق، وكابن المهلب الذي خرج على أبيه بخراسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضا، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة. وغاية هؤلاء إما أن يغلبوا وإما أن يغلبوا، ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة. فإن عبد الله بن علي [العباسي] وأبا مسلم قتلا خلقا كثيرا وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور. وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب فهزموا وهزم أصحابهم، فلا أقاموا دينا ولا أبقوا دنيا. والله تعالى لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين وصلاح الدنيا. وإن كان فاعل ذلك من عباد الله المتقين ومن أهل الجنة فليسوا أفضل من علي وطلحة والزبير وعائشة وغيرهم، ومع هذا لم يحمدوا ما فعلوه من القتال وهم أعظم قدرا عند الله وأحسن نية من غيرهم. وكذلك أهل الحرة كان فيهم من أهل العلم والدين خلق، وكذلك أصحاب ابن الأشعث كان فيهم خلق من أهل العلم والدين والله يغفر لهم كلهم. وقد قيل للشعبي في فتنة ابن الأشعث: أين كنت يا عامر؟ قال: "كنت حيث يقول الشاعر:

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ** وصوت إنسان فكدت أطير

أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء".

وكان الحسن البصري يقول: إن الحجاج عذاب الله فلا تدافعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع فإن الله يقول: {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} وكان طلق بن حبيب يقول: اتقوا الفتنة بالتقوى، فقيل له أجملْ لنا التقوى، فقال: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو رحمة الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب الله. رواه أحمد وابن أبي الدنيا.

وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث. ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم، وإن كان قد قاتلهم في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين. وباب قتال أهل البغي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشتبه بالقتال في الفتنة وليس هذا موضع بسطه. ومن تأمل الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي في هذا الباب واعتبر أيضا أولي الأبصار علم أن الذي جاءت به النصوص النبوية خير الأمور.

ولهذا لما أراد الحسين رضي الله عنه أن يخرج إلى أهل العراق لما كاتبوه كتبا كثيرة أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين كابن عمر وابن عباس وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن لا يخرج وغلب على ظنهم أنه يقتل حتى أن بعضهم قال: أستودعك الله من قتيل، وقال بعضهم: لولا الشناعة لأمسكتك ومنعتك من الخروج. وهم بذلك قاصدون نصيحته طالبون لمصلحته ومصلحة المسلمين. والله ورسوله إنما يأمر بالصلاح لا بالفساد. لكن الرأي يصيب تارة ويخطئ أخرى. فتبين أن الأمر على ما قاله أولئك إذ لم يكن في الخروج مصلحة لا في دين ولا في دنيا، بل تمكن أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله حتى قتلوه مظلوما شهيدا، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يحصل لو قعد في بلده. فإن ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشر لم يحصل منه شيء بل زاد الشر بخروجه وقتله ونقص الخير بذلك وصار سببا لشر عظيم. وكان قتل الحسين مما أوجب الفتن كما كان قتل عثمان مما أوجب الفتن. وهذا كله مما يبين أن ما أمر به النبي من الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والخروج عليهم هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمدا أو مخطئا لم يحصل بفعله صلاح بل فساد. ولهذا أثنى النبي على الحسن بقوله: «إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» ولم يثن على أحد لا بقتال في فتنة ولا بخروج على الأئمة ولا نزع يد من طاعة ولا بمفارقة الجماعة.]

وقد ثبت في البخاري من حديث ابن عمر عن النبي : «أول جيش يغزون القسطنطينية مغفور لهم» فأول من غزا القسطنطينية جيش بعثهم معاوية وعليهم ابنه يزيد وفيهم من سادات الصحابة أبو أيوب الأنصاري فحاصروها. ثم الفتن كالجمل وصفين والحرة ومقتل الحسين ووقعة مرج راهط وقتلة التوابين بعين الورد وفتنة ابن الأشعث وأضعاف ذلك مما يطول ذكره، وأعظم من ذلك فتنة عثمان. ولهذا جاء في الحديث [المرفوع الذي رواه الإمام أحمد في المسند وغيره]: «ثلاث من نجا منهن فقد نجا موتى وقتل خليفة مضطهد بغير حق والدجال»

وأما قوله: "السبي والحمل على الجمال بلا أقتاب" فهذا من الكذب الواضح؛ ما استحلت أمة محمد سبي هاشمية، وإنما قاتلوا الحسين خوفا منه ومن أن يزيل عنهم الملك، فلما استشهد فرغ الأمر وبعث بآله إلى المدينة. ولكن جهل الرافضة إليه المنتهى. ولا ريب أن قتل الحسين من أعظم الذنوب وفاعله والراضي به مستحق للعقاب. لكن ليس قتله بأعظم من قتل أبيه وقتل زوج أخته عمر وقتل زوج خالته عثمان.

قال: "وأنزل في الحسن والحسين: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى}"

فهذا باطل. فإن الآية مكية بلا ريب [نزلت قبل أن يتزوج علي بفاطمة رضي الله عنهما وقبل أن يولد له الحسن والحسين. فإن عليا إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد الهجرة في العام الثاني، ولم يدخل بها إلا بعد غزوة بدر في شهر رمضان سنة اثنتين. وقد تقدم الكلام على الآية الكريمة وأن المراد بها ما بينه ابن عباس رضي الله عنها من أنه لم تكن قبيلة من قريش إلا وبينها وبين رسول الله قرابة فقال: {لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} إلا أن تودوني في القرابة التي بيني وبينكم. رواه البخاري وغيره].

قال: "وتوقف جماعة في لعنته -يعني يزيد- مع أنه عندهم ظالم، وقد قال تعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين} وقد سأل مهنا أحمد بن حنبل عن يزيد فقال: هو الذي فعل ما فعل. وقال له ولده صالح: إن قوما ينسبوننا إلى تولي يزيد، فقال: يا بني، وهل يوالي يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر، فقال: لم لا تلعنه؟ قال: وكيف لا ألعن من لعنه الله، قال تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم} فهل يكون فساد أعظم من نهب المدينة وسبي أهلها وقتل سبعمائة من قريش والأنصار وقتل عشرة آلاف ممن لم يعرف من عبد أو حر حتى وصلت الدماء إلى قبر رسول الله وامتلأت الروضة، ثم ضرب الكعبة بالمنجنيق وهدمها وأحرقها، وقال رسول الله : إن قاتل الحسين في تابوت من نار عليه نصف عذاب أهل النار. وقد قال : اشتد غضب الله وغضبي على من أراق دم أهلي وآذاني في عترتي".

فيقال: القول في لعنة يزيد كالقول في لعنة أمثاله من الملوك والخلفاء وغيرهم. ويزيد خير من غيره كالمختار الذي انتقم من قتلة الحسين، فإنه ادعى أن جبريل ينزل عليه، وخير من الحجاج. [ومع هذا فيقال: غاية يزيد وأمثاله من الملوك أن يكونوا فساقا.] فلعنة الفاسق المعين ليست مأمورا بها إنما جاءت السنة بلعنة الأنواع مثل: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده»، «لعن الله آكل الربا وموكله»، «لعن الله المحلل والمحلل له»، «لعن الله الخمر وعاصرها وغير ذلك» وذهب طائفة من الفقهاء إلى جواز لعنة المعين، [وقيل إنه لا يجوز كما قال ذلك طائفة أخرى. والمعروف عن أحمد كراهية لعن المعين وأنه يقول كما قال الله تعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين}] وفي البخاري أن رجلا كان يدعي حمارا وكان يشرب الخمر وكان يؤتى به النبي فيضربه، فقال: رجل لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي : «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» فنهى عن لعنة هذا المعين مع كونه لعن شارب الخمر مطلقا. ومن المعلوم أن كل مسلم لا بد أن يحب الله ورسوله إلا أن يكون منافقا فذاك ملعون. ومن جوز لعنة المعين لفسقه يقول: ألعنه وأصلي عليه فإنه مستحق للعقاب فيلعن ومستحق للثواب من وجه الإسلام فيصلي عليه. وهذا مذهب الصحابة وسائر أهل السنة والكرامية والمرجئة ومذهب كثير من الشيعة الذين يقولون إن الفاسق لا يخلد في النار. وقالت الخوارج والمعتزلة وبعض الشيعة: يخلد. وأجمعوا على أنه إذا تاب لم يخلد. والذي يلعن يزيد ونحوه يحتاج إلى ثبوت أنه فاسق ظالم وأن لعنة الفاسق الظالم المعين جائزة وإلى أن يزيد مات ولم يتب مما اجترم. ثم العذاب قد يرتفع موجبه لمعارض راجح كحسنات ماحية ومصائب مكفرة. وقد قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وقد صح أن أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم، وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد. [ونحن نعلم أن أكثر المسلمين لا بد لهم من ظلم، فإن فُتح هذا الباب ساغ أن يلعن أكثر موتى المسلمين، والله تعالى أمر بالصلاة على موتى المسلمين لم يأمر بلعنتهم. ثم الكلام في لعنة الأموات أعظم من لعنة الحي.] وقد صح عنه أنه قال: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا»

وأما نقلك عن أحمد فالثابت عنه من رواية [ابنه] صالح أنه قال: ومتى رأيت أباك يلعن أحدا؟ ونُقل عنه لعنته من رواية منقطعة [ليست ثابتة عنه].

وقوله تعالى: {أولئك الذين لعنهم الله} [لا يدل على لعن معين. ولو كان كل ذنب لعن فاعله يلعن المعين الذي فعله للعن جمهور الناس. وهذا بمنزلة الوعيد المطلق لا يستلزم ثبوته في حق المعين إلا إذا وجدت شروطه وانتفت موانعه وهكذا اللعن. هذا بتقدير أن يكون يزيد فعل ما يقطع به الرحم. ثم إن هذا تحقق في كثير من بني هاشم الذين تقاتلوا من العباسيين والطالبيين؛ فهل يُلعن هؤلاء كلهم؟ وكذلك من ظلم قرابة له لا سيما وبينه وبينه عدة آباء أيلعنه بعينه؟ ثم إذا لعن هؤلاء لعن كل من شمله ألفاظه وحينئذ فيلعن جمهور المسلمين! وقوله تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم}] وعيدٌ عام في كل من فعل ذلك فقد فعل بنو هاشم بعضهم ببعض أعظم مما فعل يزيد فإن قلت بموجبه لعنت ما شاء الله من العباسيين والعلويين [وغيرهم من المؤمنين].

ولابن الجوزي كتاب في إباحة لعن يزيد يرد فيه على عبد المغيث الحربي [فإنه كان ينهى عن ذلك]. وقيل إن الخليفة الناصر لما بلغه نهي الشيخ عبد المغيث عن ذلك قصده وسأله عن ذلك [وعرف عبد المغيث أنه الخليفة ولم يظهر أنه يعلمه] فقال: أنا قصدي كف الألسنة عن لعن خلفاء المسلمين وولاتهم، وإلا لو فتحنا هذا الباب لكان خليفتنا أحق باللعن لفعله العظائم [وجعل يعدد مظالم الخليفة] حتى قال له: ادع لي يا شيخ، وذهب.

وأما فعله بأهل الحرة، فإنهم لما خلعوه وأخرجوا نوابه و[حاصروا] عشيرته أرسل إليهم مرة بعد مرة يطلب الطاعة فامتنعوا وصمموا، فجهز إليهم مسلم بن عقبة المري وأمره أن ينذرهم ويهددهم فإن أبوا قاتلهم فإذا ظهر عليهم أنهب المدينة ثلاثا، وهذه من كبائره. ولهذا قيل لأحمد: أنكتب الحديث عن يزيد؟ فقال: لا ولا كرامة أوليس هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل؟ لكن لم يقتل جميع الأشراف ولا بلغ القتلى عشرة آلاف ولا وصلت الدماء إلى المسجد بل ولا كان القتل في المسجد بل بظاهر المدينة. ولكن ديدنكم أنكم لا تنقلون صدقا وإن كان صدقا طرزتموه بكذب.

وأما الكعبة فلم تقصد بإهانة وإنما قصدوا ابن الزبير. ولم يهدم يزيد الكعبة ولا أحرقها باتفاق المسلمين، ولكن طارت إلى الأستار شرارة من نار من امرأة فاحترقت الكعبة فهدمها ابن الزبير وأعادها أحسن مما كانت على الوجه الذي وصفه النبي .

وأما خبر: "قاتل الحسين في تابوت من نار" فهو من كذب من لا يستحي من المجازفة. فهل يكون على واحد نصف عذاب أهل النار؟ ما بقي لإبليس ولفرعون ولقتلة الأنبياء ولأبي جهل؟ فقاتل عمر وعثمان وعلي أعظم جرما من قاتل الحسين. بل هذا الغلو الزائد يقابل بغلو الناصبة الذين يزعمون أن الحسين من الخوارج الذين شقوا العصا وأنه يجوز قتله لقوله : «من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه كائنا من كان» أخرجه مسلم. وأهل السنة يقولون: قتل مظلوما شهيدا وقاتلوه ظلمة معتدون، وأحاديث قتل الخارج لم تتناوله فإنه لم يفرق الجماعة ولم يقتل إلا وهو طالب للرجوع أو المضي إلى يزيد داخلا فيما دخل فيه سائر الناس معرضا عن تفريق الكلمة.

وكذلك الحديث لم يصح ولا ينسبه إلى النبي إلا جاهل، فإن العاصم لدم الحسين من الإيمان والتقوى أعظم من مجرد القرابة. فقد قال : «لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها» فقد أخبر عن أعز أهله عليه بحكم الله الذي لا فرق فيه بين الشريف والدني، فلو زنا العلوي المحصن رجم ولو قتل قتل. قال النبي : «المسلمون تتكافأ دماؤهم» وكذلك إيذاء الرسول في عترته وصحابته وسنته من العظائم.

قال: "فلينظر العاقل أي الفريقين أحق بالأمن الذي نزه الله وملائكته وأنبياءه وأئمته ونزه الشرع عن المسائل الرديئة ومن يبطل الصلاة بإهمال الصلاة على أئمتهم ويذكر أئمة غيرهم أم الذي فعل ضد ذلك".

فنقول: ما ذكرته من التنزيه إنما هو تعطيل وتنقيص لله ولرسوله، وذلك قول نفاة الصفات، يتضمن وصفه تعالى بسلب صفات الكمال التي يشابه فيها الجمادات والمعدومات. فإذا قالوا لا تقوم به حياة ولا علم ولا قدرة ولا كلام [ولا مشيئة] ولا حب [ولا بغض] ولا رضا ولا سخط ولا يُرى [ولا يفعل بنفسه فعلا] ولا يقدر أن يتصرف بنفسه كانوا قد شبهوه بالجمادات المنقوصات فكان تنقصيا وتعطيلا. وإنما التنزيه أن ينزه عن النقائص المنافية للكمال، فينزه عن الموت والنوم والسِّنة والعجز والجهل والحاجة، كما نزه نفسه [في كتابه] وتنزه عن أن يكون له فيها مثل.

وأما الأنبياء فإنكم سلبتم ما لهم من الكمال [وعلو الدرجات بحقيقة التوبة والاستغفار والانتقال من كمال إلى ما هو أكمل منه] وكذبتم بما أخبر الله به [من ذلك] وحرفتم الآيات وظننتم أن انتقال الآدمي من الجهل إلى العلم ومن الضلال إلى الهدى ومن الغي إلى الرشد نقص، ولم تعلموا أن الذي يذوق الخير والشر ويعرفهما يكون حبه للخير وبغضه للشر أعظم ممن لا يعرف إلا الخير كما قال عمر: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية.

وأما تنزيه الأئمة فمن الفضائح التي يستحى من ذكرها لا سيما إمام لا ينتفع به في دين ولا دنيا أو هو شيء معدوم.

فأما تنزيه الشرع فقد مر أن أهل السنة ما اتفقوا على مسألة رديئة بخلاف الرافضة.

ثم بالضرورة يعلم أن النبي لم يأمر بالصلاة على علي ولا على الاثني عشر لا في صلاة ولا في خارجها معينا، وأن الصحابة والتابعين ما فعلوا ذلك في صلاة قط. فمن أوجب الصلاة على الاثني عشر في صلاته أو أبطل الصلاة بإهمال الصلاة عليهم فقد بدل الدين. فإن قيل: المراد أن يصلي على آل محمد؛ قيل: فيدخل فيهم بنو هاشم وأمهات المؤمنين. والإمامية يذمون بني العباس.

والعجب من هؤلاء الرافضة يدعون تعظيم آل محمد وهم سعوا في مجيء التتار حتى قتلوا خلقا من آل محمد من بني علي وبني العباس وسبوا نساءهم وأولادهم وقتلوا ألف ألف وثمانمائة ألف.

وفي الصحيح قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك قال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته..» الحديث.

واتفق المسلمون على أن آل العباس من ذوي القربى وكذا بني الحارث بن عبد المطلب، وأنهم من آل محمد الذين تحرم عليهم الصدقة. وعند بعض المالكية والحنبلية آل محمد أمته. وعند طائفة من الصوفية هم الأتقياء من أمته. ثم جمهور الفقهاء لا يوجبون الصلاة على النبي وآله في الصلاة، ومن أوجب الصلاة على آل عموما لم يجوز الإقتصار على بعض الآل. وكذلك إبطال الصلاة بالصلاة على خليفة من الخلفاء معين قول باطل، فلو دعا لمعين أو عليه لم تبطل صلاته عند أكثر العلماء. فقد قنت النبي يدعو لقوم ويلعن آخرين بأسمائهم.


هامش

  1. هذا اللفظ لأحمد وأبي داود والترمذي. وفي صحيح مسلم: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها».
  2. في الأصل: "راض بغضبهم"
  3. سورة الأحزاب 6: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم}


المنتقى من منهاج الاعتدال
المقدمة | الفصل الأول: في نقل المذاهب في الإمامة | الفصل الثاني: في المذهب الواجب الاتباع | الفصل الثالث: في إمامة علي | الفصل الرابع: في إمامة باقي الاثني عشر | الفصل الخامس: في الرد على إبطاله خلافة أبي بكر وعمر وعثمان | الفصل السادس: في الحجج على إمامة أبي بكر | فهرس