افتح القائمة الرئيسية

تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة البقرة

تفسير البحر المحيط
سورة البقرة
أبو حيان الغرناطي

محتويات

{ الۤمۤ } * { ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } * { ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } * { وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } * { أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }عدل

{الم } أسماء مدلولها حروف المعجم، ولذلك نطق بها نطق حروف المعجم، وهي موقوفة الآخر، لا يقال إنها معربة لأنها لم يدخل عليها عامل فتعرب ولا يقال إنها مبنية لعدم سبب البناء، لكن أسماء حروف المعجم قابلة لتركيب العوامل عليها فتعرب، تقول هذه ألف حسنة ونظير سرد هذه الأسماء موقوفة، أسماء العدد، إذاعدّوا يقولون: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة. وقد اختل الناس في المراد بها، وسنذكر اختلافهم إن شاء الله تعالى.

{ذٰلِكَ}، ذا: إسم إشارة ثنائي الوضع لفظاً، ثلاثي الأصل، لا أحادي الوضع، وألفه ليست زائدة، خلافاً للكوفيين والسهيلي، بل ألفه منقبلة عن ياء، ولامه خلافاً لبعض البصريين في زعمه أنها منقلبة من واو من باب طويت وهو مبني. ويقال فيه: ذا وذائه وهو يدل على القرب، فإذا دخلت الكاف فقلت: ذاك دل على التوسط، فإذا أدخلت اللام فقلت: ذلك دل على البعد، وبعض النحويين رتبة المشار إليه عنده قرب وبعد فمتى كان مجرداً من اللام والكاف كان للقرب، ومتى كانتا فيه أو إحداهما كان للبعد، والكاف حرف خطاب تبين أحوال المخاطب من إفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث كما تبينها إذا كان ضميراً، وقالوا: ألك في معنى ذلك؟ ولاسم الإشارة أحكام ذكرت في النحو. {ٱلْكِتَـٰبِ }، يطلق بإزاء معان العقد المعروفبين العبد وسيده على مال مؤجل منجم للعتق

{ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ }، وعلى الفرض { إن ٱلصَّلَوٰةَ كانت علىٱلمؤمنين كتاباً موقوتاً }

{ كتب عليكم القصاص }

{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ }

وعلى الحكم، قاله الجوهري لأقضين بينكما بكتاب الله كتاب الله أحق وعلى القدر: يا ابنة عمي كتاب الله أخرجني عنكم وهل أمنعن الله ما فعلا

أي قدر الله وعلى مصدر كتبت تقول: كتبت كتاباً وكتباً، ومنه كتاب الله عليكم، وعلى المكتوب كالحساب بمعنى المحسوب، قال:

بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة أتتك من الحجاج يتلى كتابها

{لا } نافية، والنفي أحد أقسامها، وقد تقدمت. {رَيْبَ }، الريب: الشك بتهمة راب حقق التهمة قال: ليس في الحق يا أمية ريب إنما الريب ما يقول الكذوب

وحقيقة الريب قلق النفس: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الشك ريبة وإن الصدق طمأنينة ومنه: أنه مر بظني خافق فقال لا يربه أحد بشيء، وريب الدهر: صرفه وخطبه. {فِيهِ }: في لوعاء حقيقة أو مجاز، أو زيد للمصاحبة، وللتعليل، وللمقايسة، وللوافقة على، والباء مثل ذلك زيد في المسجد

{ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ }

{ ٱدْخُلُواْ فِى أُمَمٍ }

{ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ }

{ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ }

{ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ }

{ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ }، أي يكثركم به. الهاء المتصلة ب في من فيه ضمير غائب مذكر مفرد، وقد يوصل بياء، وهي قراءة ابن كثير، وحكم هذه الهاء بالنسبة إلى الحركة والإسكان والاختلاس والإشباع في كتب النحو. {هُدًى }، الهدى: مصدر هدي، وتقدم معنى الهداية، والهدي مذكر وبنو أسد يؤنثونه، يقولون: هذه هدي حسنة، قاله الفراء في كتاب المذكر والمؤنث. وقال ابن عطية: الهدي لفظ مؤنث، وقال اللحياني: هو مذكر. انتهى كلامه. قال ابن سيده: والهدي اسم من أسماء النهار، قال ابن مقبل: حتى استبنت الهدى والبيد هاجمة يخضعن في الآل غلفاً أو يصلينا وهو على وزن فعلى، كالسرى والبكى. وزعم بعض أكابر نحاتنا أنه لم يجيء من فعلىٰ مصدر سوى هذه الثلاثة، وليس بصحيح، فقد ذكر ليشيخنا اللغوي الإمام في ذلك رضي الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن يوسف الشاطبي أن العرب قالت: لقيته لقى وأنشدنا لبعض العرب: وقد زعموا حلماً لقاك ولم أزد بحمد الذي أعطاك حلماً ولا عقلا وقد ذكر ذلك غيره من اللغويين وفعل يكون جمعاً معدولاً وغير معدول، ومفرداً وعلماً معدولاً وغير معدول، واسم جنس لشخص ولمعنى وصفة معدولة وغير معدولة، مثل ذلك: جمع وغرف وعمر وأدد ونغر وهدى وفسق وحطم. {لّلْمُتَّقِينَ }المتقي اسم فاعل من اتقى، وهو افتعل من وقى بمعنى حفظ وحرس، وافتعل هنا: للاتخاذ أي اتخذ وقاية، وهو أحد المعاني الإثني عشر التي جاءت لها افتعل، وهو: الاتخاذ، والتسبب، وفعل الفاعل بنفسه، والتخير، والخطفة، ومطاوعة أفعل، وفعل، وموافقة تفاعل، وتفعل، واستفعل، والمجرد، والإغناءعنه، مثل ذلك: اطبخ، واعتمل واضطرب، وانتخب، واستلب، وانتصف مطاوع أنصف، واغتم مطاوع غممته، واجتور: وابتسم، واعتصم، واقتدر، واستلم الحجر.وإبدال الواو في اتقى تاء وحذفها مع همزة الوصل قبلها فيبقى تقى مذكور في علم التصريف. فأما هذه الحروف المقطعة أوائل السور، فجمهور المفسرين على أنها حروف مركبة ومفردة، وغيرهم يذهب إلى أنها أسماء عبر بها عن حروف المعجم التي ينطق بالألف واللام منها في نحو: قال، والميم في نحو: ملك، وبعضهم يقول: إنها أسماء السور، قاله زيد بنأسلم. وقال قوم: إنها فواتح للتنبيه والاستئناف ليعلم أن الكلام الأول قد انقضى. قال مجاهد: هي في فواتح السور كما يقولون في أول الإنشاد لشهير القصائد. بل ولا بل نحا هذا النحو أبو عبيدة والأخفش. وقال الحسن: هي أسماء السور وفواتحها، وقوم: إنها أسماء الله أقسام أقسم الله بها لشرفها وفضلها. وروي عن ابن عباس وقوم: هي حروف متفرقة دلتعلى معان مختلفة، وهؤلاء اختلفوا في هذه المعاني فقال قوم: يتألف منها اسم الله الأعظم، قاله علي وابن عباس، إلا أنّا لا نعرف تأليفه منها، أو اسم ملك من ملائكته، أو نبي من أنبيائه، لكن جهلنا طريق التأليف. وقال سعيدبن جبير: هي أسماء الله تعالى مقطعة، لو أحسن الناس تأليفها تعلموا اسم الله الأعظم. وقال قتادة: هي أسماء القرآن كالفرقان. وقال أبو العالية: ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسماء الله تعالى. وقيل: هي حروف تدل على مدة الملة، وهي حساب أبي جاد، كما ورد في حديث حيـي بن أخطب. وروى هذا عن أبي العالية وغيره. وقيل:مدة الأمم السالفة وقيل: مدة الدنيا. وقال أبو العالية أيضاً: ليس منها حرف إلا وهو في مدة قوم وآجال آخرين، وقيل: هي إشارة إلى حروف المعجم كأنه قال للعرب: إنما تحديتكم بنظم من هذه الحروف التي عرفتم. وقال قطرب وغيره:هي إشارة إلى حروف المعجم كأنه يقول للعرب: إنما تحديتكم بنظم من هذه الحروف التي عرفتم فقوله: {الم } بمنزلة:أ ب ت ث، ليدل بها على التسعة وعشرين حرفاً. وقال قوم: هي تنبيه كما في النداء. وقال قوم: إنا لمشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيستمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة. وقيل: هي أمارة لأهل الكتاب أنه سينزل على محمد ﷺ كتاب في أول سور منه حروف مقطعة، وقيل: حروف تدل على ثناء أثنى الله به على نفسه. وقال ابن عباس: {الم } أنا الله أعلم، والمراد أنا الله أرى. و{المص } أنا الله أفصل. وروي عن سعيد بن جبير مثل ذلك. وروي عن ابن عباس الألف: من الله، واللام: من جبريل، والميم: من محمد ﷺ. وقال الأخفش: هي مبادىء كتب الله المنزلة بالألسن المختلفة ومبان من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى وأصول كلام الأمم. وقال الربيع بن أنس: ما منها حرف إلا يتضمن أموراً كثيرة دارت فيها الألسن، وليس فيها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو في الأبد وللأبد، وليسمنها حرف إلا في مدة قوم وآجالهم. وقال قوم: معانيها معلومة عند المتكلم بها لا يعلمها إلا هو، ولهذا قال الصديق رضي الله عنه: في كتاب الله سر، وسر الله في القرآن في الحروف التي في أوائل السور. وبه قال الشعب. وقال سلمة بن القاسم: ما قام الوجود كله إلا بأسماء الله الباطنة والظاهرة، وأسماء الله المعجمة الباطنة أصل لكل شيء من أمور الدنيا والآخرة، وهي خزانة سرّه ومكنون علمه، ومنها تتفرع أسماء الله كلها، وهي التي قضى بها الأمور وأودعها أم الكتاب، وعلى هذا حوّم جماعة من القائلين بعلوم الحروف، وممن تكلم في ذلك: أبو الحكم بن برجان، وله تفسير للقرآن، والبوني، وفسر القرآن والطائي بن العربي، والجلالي، وابن حمويه، وغيرهم، وبينهم اختلاف في ذلك. وسئل محمد بن الحنفية عن {كهيعص } فقال للسائل: لو أُخبرت بتفسيرها لمشيت على الماء لا يواري قدميك. وقال قوم: معانيها معلومة ويأتي بيان كل حرف في موضعه. وقال قوم: اختص الله بعلمها نبيه ﷺ. وقد أنكر جماعة من المتكلمين أن يكون في القرآن ما لا يفهم معناه، فانظر إلى هذا الاختلاف المنتشر الذي لا يكاد ينضبط في تفسير هذه الحروف والكلام عليها. والذي أذهبُ إليه: أن هذه الحروف التي في فواتح السور هو المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، وسائر كلامه تعالى محكم. وإلى هذا ذهب أبو محمد علي بن أحمد اليزيدي، وهو قول الشعبي والثوري وجماعة من المحدثين، قالوا: هي سر الله في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه، ولا يجب أن نتكلم فيها، ولكن نؤمن بها وتمر كما جاءت. وقال الجمهور: بل يجب أن يتكلم فيها وتلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرج عليها، واختلفوا في ذلك الاختلاف الذي قدمناه. قال ابن عطية: والصواب ما قال الجمهور، فنفسر هذه الحروف ونلتمس لها التأويل لأنا نجد العرب قد تكلمت بالحروف المقطعة نظماً ووضعاً بدل الكلمات التي الحروف منها، كقول الشاعر:

قلت لها قفي فقالت قاف أراد قالت وقفت

وكقول القائل:بالخير خيرات وإن شرَّفا ولا أريد الشر إلا أن تآ

أراد وإن شراً فشر، وأراد إلا أن تشاء: والشواهد في هذا كثيرة فليس كونها في القرآن مما تنكره العرب في لغتها، فينبغي إذا كان من معهود كلام العرب، أن يطلب تأويله ويلتمس وجهه، انتهى كلامه. وفرق بين ما أنشد وبين هذه الحروف، وقد أطال الزمخشري وغيره الكلام على هذه الحروف بما ليس يحصل منه كبير فائدة في علم التفسير، ولا يقوم على كثير من دعاويه برهان. وقد تكلم المعربون على هذه الحروف فقالوا: لم تعرب حروف التهجي لأنها أسماء ما يلفظ، فهي كالأصوات فلا تعرب إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها، ويحتمل محلها الرفع على المبتدأ أو على إضمار المبتدأ، والنصب بإضمار فعل، والجر على إضمار حرف القسم، هذا إذا جعلناها اسماً للسور،وأما إذا لم تكن إسماً للسور فلا محل لها، لأنها إذ ذاك كحروف المعجم أوردت مفردة من غير عامل فاقتضت أن تكون مستكنة كأسماء الأعداد، أو ردتها لمجرد العدد بغير عطف، وقد تكلم النحويون على هذه الحروف على أنها أسماءالسور، وتكلموا على ما يمكن إعرابه منها وما لا يمكن، وعلى ما إذا أعرب فمنه ما يمنع الصرف، ومنه مالا يمنع الصرف، وتفصيل ذلك في علم النحو. وقد نقل خلاف في كون هذه الحروف آية، فقال الكوفيون: {الم }آية، وكذلك هي آية في أول كل سورة ذكرت فيها، وكذلك {المص } و{طسم } وأخواتها و{طه } و{يس }و{حـم } وأخواتها إلا {حـم عسق } فإنها آيتان و{كهيعص } آية، وأما {المر } وأخواتها فليست بآية، وكذلك{طس } و{ص } و{ق } و{ن } و{القلم} وق وص حروف دل كل حرف منها على كلمة، وجعلوا الكلمةآية، كما عدوا: {ٱلرَّحْمَـٰنُ } {ومدهامتـان} آيتيين. وقال البصريون وغيرهم: ليس شيء من ذلك آية. وذكر المفسرون الاقتصار على هذهالحروف في أوائل السور، وأن ذلك الاقتصار كان لوجوه ذكروها لا يقوم على شيء منها برهان فتركت ذكرها. وذكروا أنالتركيب من هذه الحروف انتهى إلى خمسة، وهو: كهيعص، لأنه أقصى ما يتركب منه الإسم المجرد، وقطع ابن القعقاع ألفلام ميم حرفاً حرفاً بوقفة وقفة، وكذلك سائر حروف التهجي من الفواتح، وبين النون من طسم ويس وعسق ونون إلافي طس تلك فإنه لم يظهر، وذلك اسم مشار بعيد، ويصح أن يكون في قوله {الم ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } علىبابه فيحمل عليه ولا حاجة إلى إطلاقه بمعنى هذا، كما ذهب إليه بعضهم فيكون للقريب، فإذا حملناه على موضوعه فالمشارإليه ما نزل بمكة من القرآن، قاله ابن كيسان وغيره، أو التوراة والإنجيل، قاله عكرمة، أو ما في اللوح المحفوظ،قاله ابن حبيب، أو ما وعد به نبيه ﷺ من أنه ينزل إليه كتاباً لا يمحوه الماءولا يخلق على كثرة الرد، قاله ابن عباس، أو الكتاب الذي وعد به يوم الميثاق، قاله عطاء بن السائب، أوالكتاب الذي ذكرته في التوراة والإنجيل، قاله ابن رئاب، أو الذي لم ينزل من القرآن، أو البعد بالنسبة إلى الغايةالتي بين المنزل والمنزل إليه، أو ذلك إشارة إلى حروف المعجم التي تحديتكم بالنظم منها. وسمعت الأستاذ أبا جعفربن إبراهيم بن الزبير شيخنا يقول: ذلك إشارة إلى الصراط في قوله:{ ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ }، كأنهم لما سألوا الهداية إلىالصراط المستقيم قيل لهم: ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب. وبهذا الذي ذكره الأستاذ تبين وجه ارتباط سورةالبقرة بسورة الحمد، وهذا القول أولى لأنه إشارة إلى شيء سبق ذكره، لا إلى شيء لم يجر له ذكر، وقدركبوا وجوهاً من الإعراب في قوله: {ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ }. والذي نختاره منها أن قوله: {ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ }جملة مستقلة من مبتدأ وخبر، لأنه متى أمكن حمل الكلام على غير إضمار ولا افتقار، كان أولى أن يسلك بهالإضمار والافتقار، وهكذا تكون عادتنا في إعراب القرآن، لا نسلك فيه إلا الحمل على أحسن الوجوه، وأبعدها من التكلف، وأسوغهافي لسان العرب. ولسنا كمن جعل كلام الله تعالى كشعر امرىء القيس، وشعر الأعشى، يحمله جميع ما يحتمله اللفظ منوجوه الاحتمالات. فكما أن كلام الله من أفصح كلام، فكذلك ينبغي إعرابه أن يحمل على أفصح الوجوه، هذا على أناإنما نذكر كثيراً مما ذكروه لينظر فيه، فربما يظهر لبعض المتأملين ترجيح شيء منه، فقالوا: يجوز أن يكون ذلك خبرالمبتدأ محذوف تقديره هو ذلك الكتاب، والكتاب صفة أو بدل أو عطف بيان، ويحتمل أن يكون مبتدأ وما بعده خبراً.وفي موضع خبر {الم } {وَلاَ رَيْبَ } جملة تحتمل الاستئناف، فلا يكون لها موضع من الإعراب، وأن تكون فيموضع خبر لذلك، والكتاب صفة أو بدل أو عطف أو خبر بعد خبر، إذا كان الكتاب خبراً، وقلت بتعدد الأخبارالتي ليست في معنى خبر واحد، وهذا أولى بالبعد لتباين أحد الخبرين، لأن الأول مفرد والثاني جملة، وأن يكون فيموضع نصب أي مبرأ من الريب، وبناء ريب مع لا يدل على أنها العاملة عمل إن، فهو في موضع نصبولا وهو في موضع رفع بالابتداء، فالمرفوع بعده على طريق الإسناد خبر لذلك المبتدأ فلم تعمل حالة البناء إلا النصبفي الاسم فقط، هذا مذهب سيبويه. وأما الأخفش فذلك المرفوع خبر للا، فعملت عنده النصب والرفع، وتقرير هذا في كتبالنحو. وإذا عملت عمل إن أفادت الاستغراق فنفت هنا كل ريب، والفتح هو قراءة الجمهور. وقرأ أبو الشعثاء: {لاَرَيْبَ فِيهِ } بالرفع، وكذا قراءة زيد بن علي حيث رفع، والمراد أيضاً هنا الاستغراق، لا من اللفظ بل مندلالة المعنى، لأنه لا يريد نفي ريب واحد عنه، وصار نظير من قرأ:{ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ } بالبناء والرفع،لكن البناء يدل بلفظه على قضية العموم، والرفع لا يدل لأنه يحتمل العموم، ويحتمل نفي الوحدة، لكن سياق الكلام يبينأن المراد العموم، ورفعه على أن يكون ريب مبتدأ وفيه الخبر، وهذا ضعيف لعدم تكرار لا، أو يكون عملها إعمالليس، فيكون فيه في موضع نصب على قول الجمهور من أن لا إذا عملت عمل ليس رفعت الإسم ونصبت الخبر،أو على مذهب من ينسب العمل لها في رفع الإسم خاصة، وأما الخبر فمرفوع لأنها وما عملت فيه في موضعرفع بالابتداء كحالها إذا نصبت وبني الإسم معها، وذلك في مذهب سيبويه، وسيأتي الكلام مشبعاً في ذلك عند قوله تعالى: { فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجّ }، وحمل لا في قراءة لا ريب على أنها تعمل عمل ليسضعيف لقلة إعمال لا عمل ليس، فلهذا كانت هذه القراءة ضعيفة. وقرأ الزهري، وابن محيصن، ومسلم بن جندب، وعبيد بنعمير، فيه: بضم الهاء، وكذلك إليه وعليه وبه ونصله ونوله وما أشبه ذلك حيث وقع على الأصل. وقرأ ابن أبيإسحاق: فهو بضم الهاء ووصلها بواو، وجوزوا في قوله: أن يكون خبراً للا على مذهب الأخفش، وخبراً لها مع اسمهاعلى مذهب سيبويه، أن يكون صفة والخبر محذوف، وأن يكون من صلة ريب بمعنى أنه يضمر عامل من لفظ ريبفيتعلق به، إلا أنه يكون متعلقاً بنفس لا ريب، إذ يلزم إذ ذاك إعرابه، لأنه يصير اسم لا مطولاً بمعمولهنحو لا ضارباً زيداً عندنا، والذي نختاره أن الخبر محذوف لأن الخبر في باب لا العاملة عمل إن إذا علملم تلفظ به بنو تميم، وكثر حذفه عند أهل الحجاز، وهو هنا معلوم، فاحمله على أحسن الوجوه في الإعراب، وإدغامالباء من لا ريب في فاء فيه مروي عن أبي عمرو، والمشهور عنه الإظهار، وهي رواية اليزيدي عنه. وقد قرأتهبالوجهين على الأستاذ أبي جعفر بن الطباع بالأندلس، ونفي الريب يدل على نفي الماهية، أي ليس مما يحله الريب ولايكون فيه، ولا يدل ذلك على نفي الارتياب لأنه قد وقع ارتياب من ناس كثيرين. فعلى ما قلناه لا يحتاجإلى حمله على نفي التعليق والمظنة، كما حمله الزمخشري، ولا يرد علينا قوله تعالى:{ وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ } لاختلافالحال والمحل، فالحال هناك المخاطبون، والريب هو المحل، والحال هنا منفي، والمحل الكتاب، فلا تنافي بين كونهم في ريب منالقرآن وكون الريب منفياً عن القرآن. وقد قيد بعضهم الريب فقال: لا ريب فيه عند المتكلم به، وقيل هوعموم يراد به الخصوص، أي عند المؤمنين، وبعضهم جعله على حذف مضاف، أي لا سبب فيه لوضوح آياته وإحكام معانيهوصدق أخباره. وهذه التقادير لا يحتاج إليها. واختيار الزمخشري أن فيه خبر، وبذلك بني عليه سؤالاً وهو أن قال: هلاقدم الظرف على الريب كما قدم على القول في قوله تعالى:{ لاَ فِيهَا غَوْلٌ }؟ وأجاب: بأن التقديم يشعر بمايبعد عن المراد، وهو أن كتاباً غيره فيه الريب، كما قصد في قوله: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ } تفضيل خمر الجنةعلى خمور الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها هي، كأنه قيل ليس فيها ما في غيرها من هذا العيبوالنقيصة. وقد انتقل الزمخشري من دعوى الاختصاص بتقديم المفعول إلى دعواه بتقديم الخبر، ولا نعلم أحداً يفرق بين: ليس فيالدار رجل، وليس رجل في الدار، وعلى ما ذكر من أن خمر الجنة لا يغتال، وقد وصفت بذلك العرب خمرالدنيا، قال علقمة بن عبدة:تشفي الصداع ولا يؤذيك طالبها ولا يخالطها في الرأس تدويم وأبعدمن ذهب إلى أن قوله: لا ريب صيغة خبر ومعناه النهي عن الريب. وجوزوا في قوله تعالى: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ }أن يكون هدى في موضع رفع على أنه مبتدأ، وفيه في موضع الخبر، أو خبر مبتدأ محذوف، أي هو هدى،أو على فيه مضمرة إذا جعلنا فيه من تمام لا ريب، أو خبر بعد خبر فتكون قد أخبرت بالكتاب عنذلك، وبقوله لا ريب فيه، ثم جاء هذا خبراً ثالثاً، أو كان الكتاب تابعاً وهدى خبر ثان على ما مرفي الإعراب، أو في موضع نصب على الحال، وبولغ بجعل المصدر حالاً وصاحب الحال اسم الإشارة، أو الكتاب، والعامل فيهاعلى هذين الوجهين معنى الإشارة أو الضمير في فيه، والعامل ما في الظرف من الاستقرار وهو مشكل لأن الحال تقييد،فيكون انتقال الريب مقيداً بالحال إذ لا ريب فيه يستقر فيه في حال كونه هدى للمتقين، لكن يزيل الإشكال أنهاحال لازمة. والأولى: جعل كل جملة مستقلة، فذلك الكتاب جملة، ولا ريب جملة، وفيه هدى للمتقين جملة، ولم يحتج إلىحرف عطف لأن بعضها آخذ بعنق. فالأولى أخبرت بأن المشار إليه هو الكتاب الكامل، كما تقول: زيد الرجل، أي الكاملفي الأوصاف. والثانية نعت لا يكون شيء ما من ريب. والثالثة أخبرت أن فيه الهدى للمتقين. والمجاز إما فيه هدى،أي استمرار هدى لأن المتقين مهتدون فصار نظير اهدنا الصراط، وإما في المتقين أي المشارفين لاكتساب التقوى، كقوله:إذا مـا مـات ميت مـن تميـم والمتقي في الشريعة هو الذي يقي نفسه أن يتعاطى ما توعد عليه بعقوبة من فعل أوترك، وهل التقوى تتناول اجتناب الصغائر؟ في ذلك خلاف. وجوز بعضهم أن يكون التقدير هدى للمتقين والكافرين، فحذف لدلالة أحد الفريقين، وخص المتقين بالذكر تشريفاً لهم. ومضمون هذه الجملة على ما اخترناه من الإعراب، الإخبار عن المشار إليه الذي هوالطريق الموصل إلى الله تعالى، هو الكتاب أي الكامل في الكتب، وهو المنزل على رسول الله ﷺالذي قال فيه { مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء }، فإذا كان جميع الأشياء فيه، فلا كتاب أكمل منه، وأنهنفى أن يكون فيه ريب وأنه فيه الهدى. ففي الآية الأولى الإتيان بالجملة كاملة الأجزاء حقيقة لا مجاز فيها، وفيالثانية مجازاً لحذف لأنا اخترنا حذف الخبر بعد لا ريب، وفي الثانية تنزيل المعاني منزلة الأجسام، إذ جعل القرآن ظرفاًوالهدى مظروفاً، فألحق المعنى بالعين، وأتى بلفظة في التي تدل على الوعاء كأنه مشتمل على الهدى ومحتو عليه احتواء البيتعلى زيد في قولك: زيد في البيت: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ }: الإيمان: التصديق،{ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا }، وأصله منالأمن أو الأمانة، ومعناهما الطمأنينة، منه: صدقة، وأمن به: وثق به، والهمزة في أمن للصيرورة كأعشب، أو لمطاوعة فعل كأكب،وضمن معنى الاعتراف أو الوثوق فعدى بالباء، وهو يتعدى بالباء واللام { فَمَا ءامَنَ لِمُوسَىٰ }، والتعدية باللام في ضمنها تعدبالباء، فهذا فرق ما بين التعديتين. الغيب: مصدر غاب يغيب إذا توارى، وسمى المطمئن من الأرض غيباً لذلك أو فعيلمن غاب فأصله غيب، وخفف نحو لين في لين، والفارسي لا يرى ذلك قياساً في ذوات الياء، فلا يجيز فيلين التخفيف ويجيزه في ذوات الواو، ونحو: سيد وميت، وغيره قاسه فيهما. وابن مالك وافق أبا علي في ذوات الياء.وخالف الفارسي في ذوات الواو، فزعم أنه محفوظ لا مقيس، وتقرير هذا في علم التصريف. {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ } والإقامة: التقويم،أقام العود قومه، أو الأدامة أقامت الغزالة سوق الضراب، أي أدامتها من قامت السوق، أو التشمر والنهوض من قام بالأمر،والهمزة في أقام للتعدية. الصلاة: فعلة، وأصله الواو لاشتقاقه من الصلى، وهو عرق متصل بالظهر يفترق من عند عجب الذنب،ويمتد منه عرقان في كل ورك، عرق يقال لهما الصلوان فإذا ركع المصلي انحنى صلاة وتحرك فسمي بذلك مصلياً، ومنهأخذ المصلي في سبق الخيل لأنه يأتي مع صلوى السابق. قال ابن عطية: فاشتقت الصلاة منه إما لأنها جاءت ثانيةالإيمان فشبهت بالمصلي من الخيل، وإما لأن الراكع والساجد ينثني صلواه، والصلاة حقيقة شرعية تنتظم من أقوال وهيئآت مخصوصة، وصلىفعل الصلاة، وأما صلى دعا فمجاز وعلاقته تشبيه الداعي في التخشع والرغبة بفاعل الصلاة، وجعل ابن عطية الصلاة مما أخذمن صلى بمعنى دعا، كما قال:عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوماً فإن لجنب المرء مضطجعاً وقال: لها حارس لا يبرح الدهر بيتها وإن ذبحت صلى عليها وزمزما

قال: فلما كانت الصلاة في الشرع دعاء، وانضاف إليه هيئآت وقراءة، سمى جميع ذلك باسم الدعاء والقول إنها من الدعاءأحسن، انتهى كلامه. وقد ذكر أن ذلك مجاز عندنا، وذكرنا العلاقة بين الداعي وفاعل الصلاة، ومن حرف جر. وزعم الكسائيأن أصلها منا مستدلاً بقول بعض قضاعة: بذلنا مارن الخطى فيهم وكل مهند ذكر حسام منا أن ذر قرن الشمس حتى

وتأول ابن جني، رحمهالله، على أنه مصدر على فعل من منى بمنى أي قدر. واغتر بعضهم بهذا البيت فقال: وقد يقال منا. وقد تكون لابتداء الغاية وللتبعيض، وزائدة وزيد لبيان الجنس، وللتعليل، وللبدل، وللمجاوزة والاستعلاء، ولانتهاء الغاية، وللفصل، ولموافقة في مثل ذلك: سرت من البصرة إلى الكوفة، أكلت من الرغيف، ما قام من رجل،{ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ }

{ في آذانهم من الصواعق }

{ بٱلحياة ٱلدنيا من الآخرة }

{ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ }، قربت منه،

{ وَنَصَرْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ }

{ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ }

{ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىّ }

{ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ }. ما تكون موصولة، واستفهامية، وشرطية، وموصوفة، وصفة، وتامة.مثل ذلك: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ } مال هذا الرسول، {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ }، مررت بما معجب لك،لأمر ما جدع قصير أنفه، ما أحسن زيداً. {رَزَقْنَـٰهُمْ } الرزق: العطاء، وهو الشيء الذي يرزق كالطحن، والرزق المصدر، وقيلالرزق أيضاً مصدر رزقته أعطيته، {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا }، وقال:رزقت مالاً ولم ترزق منافعه إن الشقي هو المحروم ما رزقا وقيل: أصل الرزق الحظ، ومعاني فعل كثيرة ذكر منها: الجمع، والتفريق،والإعطاء، والمنع، والامتناع، والإيذاء، والغلبة، والدفع، والتحويل، والتحول، والاستقرار، والسير، والستر، والتجريد، والرمي، والإصلاح، والتصويت. مثل ذلك: حشر، وقسم، ومنح،وغفل، وشمس، ولسع، وقهر، ودرأ، وصرف، وظعن، وسكن، ورمل، وحجب، وسلخ، وقذف، وسبح، وصرخ. وهي هنا للإعطاء نحو: نحل، ووهب،ومنح. {يُنفِقُونَ }، الإنفاق: الإنفاذ، أنفقت الشيء وأنفذته بمعنى واحد، والهمزة للتعدية، يقال نفق الشيء نفذ، وأصل هذه المادة تدلعلى الخروج والذهاب، ومنه: نافق، والنافقاء، ونفق.. {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلأْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}، الذين ذكروا في إعرابه الخفض على النعت للمتقين، أو البدل والنصب على المدح على القطع، أو بإضمار أعني علىالتفسير قالوا، أو على موضع المتقين، تخيلوا أن له موضعاً وأنه نصب، واغتروا بالمصدر فتوهموا أنه معمول له عدي باللام،والمصدر هنا ناب عن اسم الفاعل فلا يعمل، وإن عمل اسم الفاعل وأنه بقي على مصدريته فلا يعمل، لأنه هنالا ينحل بحرف مصدر وفعل، ولا هو بدل من اللفظ بالفعل بل للمتقين بتعلق بمحذوف صفة لقوله هدى، أي هدىكائن للمتقين، والرفع على القطع أي هم الذين، أو على الابتداء والخبر. {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُٱلْمُفْلِحُونَ }، أولئك المتقدمة، وأولئك المتأخرة، والواو مقحمة، وهذا الأخير إعراب منكر لا يليق مثله بالقرآن، والمختار في الإعراب الجرعلى النعت والقطع، إما للنصب، وإما للرفع، وهذه الصفة جاءت للمدح. وقرأ الجمهور: يؤمنون بالهمزة ساكنة بعد الياء، وهي فاءالكلمة، وحذف همزة أفعل حيث وقع ذلك ورش وأبو عمر، وإذا أدرج بترك الهمز. وروي هذا عن عاصم، وقرأ رزينبتحريك الهمزة مثل: يؤخركم، ووجه قراءته أنه حذف الهمزة التي هي فاء الكلمة لسكونها، وأقر همزة أفعل لتحركها وتقدمها واعتلالها في الماضي والأمر، والياء مقوية لوصول الفعل إلى الإسم، كمررت بزيد، فتتعلق بالفعل، أو للحال فتتعلق بمحذوف، أي ملتبسين بالغيب عن المؤمن به، فيتعين في هذا الوجه المصدر، وأما إذا تعلق بالفعل فعلى معنى الغائب أطلق المصدر وأريد به اسم الفاعل، قالوا: وعلى معنى الغيب أطلق المصدر وأريد به اسم المفعول نحوه: هذا خلق لله، ودرهم ضرب الأمير، وفيه نظرلأن الغيب مصدر غاب اللازم، أو على التخفيف من غيب كلين، فلا يكون إذ ذاك مصدراً وذلك على مذهب من أجاز التخفيف، وأجاز ذلك في الغيب الزمخشري، ولا يصار إلى ذلك حتى يسمع منقلاً من كلام العرب. والغيب هنا القرآن،قاله عاصم بن أبي الجود، أو ما لم ينزل منه، قاله الكلبي، أو كلمة التوحيد وما جاء به محمد صلىالله عليه وسلم، قاله الضحاك، أو علم الوحي، قاله ابن عباس، وزر بن حبيش، وابن جريج، وابن وافد، أو أمرالآخرة، قاله الحسن، أو ما غاب من علوم القرآن، قاله عبد الله بن هانىء، أو الله عز وجل، قاله عطاء،وابن جبير، أو ما غاب عن الحواس مما يعلم بالدلالة، قاله ابن عيسى، أو القضاء والقدر، أو معنى بالغيب بالقلوب،قاله الحسن؛ أو ما أظهره الله على أوليائه من الآيات والكرامات، أو المهدي المنتظر، قاله بعض الشيعة، أو متعلق بماأخبر به الرسول ﷺ من تفسير الإيمان حين سئل عنه وهو: الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخروالقدر، خيره وشره، وإياه نختار لأنه شرح حال المتقين بأنهم الذين يؤمنون بالغيب. والإيمان المطلوب شرعاً هو ذاك، ثمإن هذا تضمن الاعتقاد القلبي، وهو الإيمان بالغيب، والفعل البدني، وهو الصلاة، وإخراج المال. وهذه الثلاثة هي عمد أفعال المتقي،فناسب أن يشرح الغيب بما ذكرنا، وما فسر به الإقامة قبل يصلح أن يفسر به قوله: {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ }، وقالوا:وقد يعبر بالإقامة عن الأداء، وهو فعلها في الوقت المحدود لها، قالوا: لأن القيام بعض أركانها، كما عبر عنه بالقنوت،والقنوت القيام بالركوع والسجود. قالوا: سبح إذا صلى لوجود التسبيح فيها، {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبّحِينَ }، قاله الزمخشري ولايصح إلا بارتكاب مجاز بعيد، وهو أن يكون الأصل قامت الصلاة بمعنى أنه كان منها قيام ثم دخلت الهمزة للتعديةفقلت: أقمت الصلاة، أي جعلتها تقوم، أي يكون منها القيام، والقيام حقيقة من المصلي لا من الصلاة، فجعل منها علىالمجاز إذا كان من فاعلها. والصلاة هنا الصلوات الخمس، قاله مقاتل: أو الفرائض والنوافل، قاله الجمهور. والرزق قيل: هو الحلال،قاله أصحابنا، لكن المراد هنا الحلال لأنه في معرض وصف المتقي. ومن كتبت متصلة بما محذوفة النون من الخط، وكانحقها أن تكوم منفصلة لأنها موصولة بمعنى الذي، لكنها وصلت لأن الجار والمجرور كشيء واحد، ولأنها قد أخفيت نون منفي اللفظ فناسب حذفها في الخطأ، وهنا للتبعيض، إذ المطلوب ليس إخراج جميع ما رزقوا لأنه منهي عن التبذير والإسراف.والنفقة التي في الآية هي الزكاة الواجبة، قاله ابن عباس، أو نفقة العيال، قاله ابن مسعود وابن عباس؛ أو التطوعقبل فرض الزكاة، قاله الضحاك معناه، أو النفقة في الجهاد أو النفقة التي كانت واجبة قبل وجوب الزكاة، وقالوا إنهكان الفرض على الرجل أن يمسك مما في يده بمقدار كفايته في يومه وليلته ويفرق باقيه على الفقراء، ورجح كونهاالزكاة المفروضة لاقترانها بأختها الصلاة في عدة مواضع من القرآن والسنة، ولتشابه أوائل هذه السورة بأول سروة النمل وأول سورةلقمان، ولأن الصلاة طهرة للبدن، والزكاة طهرة للمال والبدن، ولأن الصلاة شكر لنعمة البدن، والزكاة شكر لنعمة المال، ولأن أعظمما لله على الأبدان من الحقوق الصلاة، وفي الأموال الزكاة، والأحسن أن تكون هذه الأقوال تمثيلاً للمتفق لا خلافاً فيه.وكثيراً ما نسب الله الرزق لنفسه حين أمر بالإنفاق، أو أخبر به، ولم ينسب ذلك إلى كسب العبد ليعلم أنالذي يخرجه العبد ويعطيه هو بعض ما أخرجه الله له ونحله إياه، وجعل صلات الذين أفعالاً مضارعة، ولم يجعل الموصولأل فيصله باسم الفاعل لأن المضارع فيما ذكر البيانيون مشعر بالتجدد والحدوث بخلاف اسم الفاعل، لأنه عندهم مشعر بالثبوت والأمدحفي صفة المتقين تجدد الأوصاف، وقدم المنفق منه على الفعل اعتناءً بما خول الله به العبد وإشعاراً أن المخرج هوبعض ما أعطى العبد، ولتناسب الفواصل وحذف الضمير العائد على الموصول لدلالة المعنى عليه، أي ومما رزقناهموه، واجتمعت فيه شروطجواز الحذف من كونه متعيناً للربط معمولاً لفعل متصرف تام. وأبعد من جعل ما نكرة موصوفة وقدر، ومن شيء رزقناهموالضعف المعنى بعد عموم المرزوق الذي ينفق منه فلا يكون فيه ذلك التمدح الذي يحصل ما موصولة لعمومها، ولأن حذفالعائد على الموصول أو جعل ما مصدرية، فلا يكون في رزقناهم ضمير محذوف بل ما مع الفعل بتأويل المصدر، فيضطرإلى جعل ذلك المصدر المقدر بمعنى المفعول، لأن نفس المصدر لا ينفق منه إنما ينفق من المرزوق، وترتيب الصلاة علىحسب الإلزام. فالإيمان بالغيب لازم للمكلف دائماً، والصلاة لازمة في أكثر الأوقات، والنفقة لازمة في بعض الأوقات، وهذا من بابتقديم الأهم فالأهم. الإنزال: الإيصال والإبلاغ، ولا يشترط أن يكون من أعلا، {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ } أي وصل وحل،إلى حرف جر معناه انتهاء الغاية وزيد كونها للمصاحبة وللتبيين ولموافقة اللام وفي ومن، وأجاز الفراء زيادتها، مثل ذلك: سرتإلى الكوفة، {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ }، السجن أحب إلي، {وَٱلاْمْرُ إِلَيْكِ }، كأنني إلى الناس مطلبي، أي فيالناس. أيسقي فلا يروي إلى ابن أحمرا، أي متى تهوي إليهم في قراءة من قرأ بفتح الواو، أي تهواهم، وحكمهافي ثبوت الفاء، وقلبها حكم على، وقد تقدم. والكاف المتصلة بها ضمير المخاطب المذكر، وتكسر للمؤنث، ويلحقها ما يلحق أنتفي التثنية والجمع دلالة عليهما، وربما فتحت للمؤنث، أو اقتصر عليها مكسورة في جمعها نحو:ولست بسائل جارات بيتي أغياب رجالك أم شهود

قبل وبعد ظرفا زمان وأصلهما الوصف ولهما أحكام تذكر في النحو،ومدلول قبل متقدم، كما أن مدلول بعد متأخر. الآخرة تأنيث الآخر مقابل الأول وأصل الوصف

{ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلاْخِرَةُ }

{ وَلَدَارُ ٱلاْخِرَةِ }، ثم صارت من الصفات الغالبة، والجمهور على تسكين لام التعريف وإقرار الهمزة التي تكون بعدها للقطع، وورش يحذفوينقل الحركة إلى اللام. الإيقان: التحقق للشيء لسكونه ووضوحه، يقال يقن الماء سكن وظهر ما تحته، وافعل بمعنى استفعل كابلبمعى استبل. وقرأ الجمهور: {بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } مبنياً للمفعول، وقرأهما النخعي وأبو حيوة ويزيد بنقطيب مبنياً للفاعل. وقرىء شاذاً بما أنزل إليك بتشديد اللام، ووجه ذلك أنه أسكن لام أنزل كما أسكن وضاح آخرالماضي في قوله:إنمـا شعري قيـد، قد خلط بخلجـان ثم حذف همزة إلى ونقل كسرتها إلى لام أنزل فالتقى المثلانمن كلمتين، والإدغام جائز فأدغم. وقرأ الجمهور: يوقنون بواو ساكنة بعد الياء وهي مبدلة من ياء لأنه من أيقن. وقرأأبو حية النمري بهمزة ساكنة بدل الواو، كما قال الشاعر:لحب المؤقذان إلى موسى وجعدة إذ أضاءهما الوقود وذكر أصحابنا أن هذا يكون في الضرورة، ووجهت هذه القراءة بأن هذه الواو لما جاورت المضمومفكان الضمة فيها، وهم يبدلون من الواو المضمومة همزة، قالوا وفي وجوه ووقتت أجوه وأقتت، فأبدلوا من هذه همزة، إذقدروا الضمة فيها وإعادة الموصول بحرف العطف يحتمل المغايرة في الذات وهو الأصل، فيحتمل أن يراد مؤمنوا أهل الكتاب لإيمانهمبكل وحي، فإن جعلت الموصول معطوفاً على الموصول اندرجوا في جملة المتقين، إن لم يرد بالمتقين بوصفه مؤمنوا العرب، وذلكلانقسام المتقين إلى القسمين. وإن جعلته معطوفاً على المتقين لم يندرج لأنه إذ ذاك قسيم لمن له الهدى لا قسممن المتقين. ويحتمل المغايرة في الوصف، فتكون الواو للجمع بين الصفات، ولا تغاير في الذواب بالنسبة للعطف وحذف الفاعل فيقراءة الجمهور، وبني الفعلان للمفعول للعلم بالفاعل، نحو: أنزل المطر، وبناؤهما للفاعل في قراءة النخعي، وأبي حيوة، ويزيد بن قطيب،فاعله مضمر، قيل: الله أو جبريل. قالوا: وقوة الكلام تدل على ذلك وهو عندي من الالتفات لأنه تقدم قوله: {وَمِمَّا}، فخرج من ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة، إذ لو جرى على الأول لجاء {بِمَا * أَنزَلْنَا إِلَيْكَ }، {وَمَاأَنزَلْنَا مِن قَبْلِكَ }، وجعل صلة ما الأولى ماضية لأن أكثره كان نزل بمكة والمدينة، فأقام الأكثر مقام الجميع،أو غلب الموجود لأن الإيمان بالمتقدم الماضي يتقتصي الإيمان بالمتأخر، لأن موجب الإيمان واحد. وأما صلة الثانية فمتحققة المضي ولميعد حرف الجر فيما الثانية ليدل أنه إيمان واحد، إذ لو أعاد لأشعر بأنهما إيمانان. وبالآخرة: تقدم أن المعنىبها الدار الآخرة للتصريح بالموصوف في بعض الآي، وحمله بعضهم على النشأة الآخرة، إذ قد جاء أيضاً مصرحاً بهذا الموصوف،وكلاهما يدل على البعث. وأكد أمر الآخرة بتعلق الإيقان بها الذي هو أجلى وآكد مراتب العلم والتصديق، وإن كان فيالحقيقة لا تفاوت في العلم والتصديق دفعاً لمجاز إطلاق العلم، ويراد به الظن، فذكر أن الإيمان والعلم بالآخرة لا يكونإلا إيقاناً لا يخالطه شيء من الشك والارتياب. وغاير بين الإيمان بالمنزل والإيمان بالآخرة في اللفظ لزوال كلفة لتكرار، وكانالإيقان هو الذي خص بالآخرة لكثرة غرائب متعلقات الآخرة، وما أعد فيها من الثواب والعقاب السرمديين، وتفصيل أنواع التنعيم والتعذيب،ونشأة أصحابها على خلاف النشأة الدنيوية ورؤية الله تعالى. فالآخرة أغرب في الإيمان بالغيب من الكتاب المنزل، فلذلك خص بلفظالإيقان، ولأن المنزل إلى الرسول ﷺ مشاهد أو كالمشاهد، والآخرة غيب صرف، فناسب تعليق اليقين بما كانغيباً صرفاً. قالوا: والإيقان هو العلم الحادث سواء كان ضرورياً أو استدلالياً، فلذلك لا يوصف به الباري تعالى، ليس منصفاته الموقن وقدم المجرور اعتناء به ولتطابق الأواخر. وإيراد هذه الجملة إسمية وإن كانت الجملة معطوفة على جملة فعلية آكدفي الإخبار عن هؤلاء بالإيقان، لأن قولك: ريد فعل آكد من فعل زيد لتكرار الإسم في الكلام بكونه مضمراً، وتصديرهمبتدأ بشعر بالاهتمام بالمحكوم عليه، كما أن التقديم للفعل مشعر بالاهتمام بالمحكوم به. وذكر لفظة هم في قوله: {هُمْ يُوقِنُونَ}، ولم يذكر لفظة هم في قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } لأن وصف إيقانهم بالآخرة أعلى من وصفهم بالإنفاق، فاحتاجهذا إلى التوكيد ولم يحتج ذلك إلى تأكيد، ولأنه لو ذكرهم هناك لكان فيه قلق لفظي، إذ كان يكون وممارزقناهم هم ينفقون. أولئك: اسم إشارة للجمع يشترك فيه المذكر والمؤنث. والمشهور عند أصحابنا أنه للرتبة القصوى كأولالك، وقال بعضهم هو للرتبة الوسطى، قاسه على ذا حين لم يزيدوا في الوسطى عليه غيرحرف الخطاب، بخلاف أولالك. ويضعف قوله كون هاءالتنبيه لا تدخل عليه. وكتبوه بالواو فرقاً بينه وبين إليك، وبنى لافتقاره إلى حاضر يشار إليه به، وحرك لالتقاء الساكنين،وبالكسر على أصل التقائهما. الفلاح: الفوز والظفر بإدراك البغية، أو البقاء، قيل: وأصله الشق والقطع:إن الحـديـد بالحـديـد يفـلـح وفي تشاركه في معنى الشق مشاركة في الفاء والعين نحو: فلي وفلق وفلذ، تقدم في إعراب الذين يؤمنون بالغيب، إن منوجهي رفعه كونه مبتدأ، فعلى هذا يكون أولئك مع ما بعده مبتدأ وخبر في موضع خبر الذين، ويجوز أن يكونبدلاً وعطف بيان، ويمتنع الوصف لكونه أعرف. ويكون خبر الذين إذ ذاك قوله: {عَلَىٰ هُدًى }، وإن كان رفع الذينعلى أنه خبر مبتدأ محذوف، أو كان مجروراً أو منصوباً، كان أولئك مبتدأ خبره {عَلَىٰ هُدًى }، وقد تقدم أنالا نختار الوجه الأول لانفلاته مما قبله والذهاب به مذهب الاستئناف مع وضوح اتصاله بما قبله وتعلقه به، وأي فائدةللتكلف والتعسف في الاستئناف فيما هو ظاهر التعلق بما قبله والارتباط به. وقد وجه الزمخشري وجه الاستئناف بأنه لما ذكرأن الكتاب اختص المتقون بكونه هدى لهم، اتجه لسائل أن يقول: ما بال المتقين مخصوصين بذلك؟ فأجيب بأن الذين جمعواهذه الأوصاف الجليلة من الإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، والإنفاق، والإيمان بالمنزل، والإيقان بالآخرة على هدى في العاجل، وذوو فلاح فيالآجل. ثم مثل هذا الذي قرره من الاستئناف بقوله: أحب رسول الله ﷺ الأنصار الذين قارعوا دونه،فكشفوا الكرب عن وجهه، أولئك أهل للمحبة، يعني أنه استأنف فابتدأ بصفة المتقين، كما استأنف بصفة الأنصار. وعلى مااخترناه من الاتصال يكون قد وصف المتقين بصفات مدح فضلت جهات التقوى، ثم أشار إليهم وأعلم بأن من حاز هذهالأوصاف الشريفة هو على هدى، وهو المفلح والاستعلاء الذي أفادته في قوله: {عَلَىٰ هُدًى }، هو مجاز نزل المعنى منزلةالعين، وأنهم لأجل ما تمكن رسوخهم في الهداية جعلوا كأنهم استعلوه كما تقول: فلان على الحق، وإنما حصل لهم هذاالاستقرار على الهدى بما اشتملوا عليه من الأوصاف المذكورة في وصف الهدى بأنه من ربهم، أي كائن من ربهم، تعظيمللهدى الذي هم عليه. ومناسبة ذكر الرب هنا واضحة، أي أنه لكونه ربهم بأي تفاسيره فسرت ناسب أن يهيـىء لهمأسباب السعادتين: الدنيوية والأخروية، فجعلهم في الدنيا على هدى، {وَفِي ٱلاْخِرَةِ * هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }. وقد تكون ثم صفة محذوفةأي على هدى، وحذف الصفة لفهم المعنى جائز، وقد لا يحتاج إلى تقدير الصفة لأنه لا يكفي مطلق الهدى المنسوبإلى الله تعالى. ومن لابتداء الغاية أو للتبعيض على حذف مضاف، أي من هدى ربهم. وقرأ ابن هرمز: منربهم بضم الهاء، وكذلك سائرها آت جمع المذكر والمؤنث على الأصل من غير أن يراعي فيها سبق كسر أو ياء،ولما أخبر عنهم بخبرين مختلفين كرر أولئك ليقع كل خبر منهما في جملة مستقلة وهو آكد في المدح إذ صارالخبر مبنياً على مبتدأ. وهذان الخبران هما نتيجتا الأوصاف السابقة إذ كانت الأوصاف منها ما هو متعلقة أمر الدنيا، ومنهاما متعلقة أمر الآخرة، فأخبر عنهم بالتمكن من الهدى في الدنيا وبالفوز في الآخرة. ولما اختلف الخبران كما ذكرنا، أتىبحرف العطف في المبتدأ، ولو كان الخبر الثاني في معنى الأول، لم يدخل العاطف لأن الشيء لا يعطف على نفسه.ألا ترى إلى قوله تعالى:{ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ } بعد قوله:

{ أُوْلَـئِكَ كَٱلانْعَـٰمِ }

كيف جاء بغير عاطف لاتفاق الخبريناللذين للمبتدأين في المعنى؟ ويحتمل هم أن يكون فصلاً أو بدلاً فيكون المفلحون خيراً عن أولئك، أو المبتدأ والمفلحون خبره،والجملة من قوله: هم المفلحون في موضع خبر أولئك، وأحكام الفصل وحكمة المجيء به مذكورة في كتب النحو. وقدجمعت أحكام الفصل مجردة من غير دلائل في نحو من ست ورقات، وإدخال هو في مثل هذا التركيب أحسن، لأنهمحل تأكيد ورفع توهم من يتشكك في المسند إليه الخبر أو ينازع فيه، أو من يتوهم التشريك فيه. ألا ترىإلى قوله تعالى:{ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا }

{ وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ }، وقوله:{ وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلاْنثَىٰ }

{ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلاْولَىٰ }، كيف أثبت هو دلالة على ما ذكر، ولم يأت به فينسبة خلق الزوجين وإهلاك عاد، إذ لا يتوهم إسناد ذلك لغير الله تعالى ولا الشركة فيه. وأما الإضحاك والإبكاء والإماتةوالإحياء والإغناء والإقناء فقد يدعي ذلك، أو الشركة فيه متواقح كذاب كنمروذ. وأما قوله تعالى:{ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشّعْرَىٰ } ،فدخول هو للإعلام بأن الله هو رب هذا النجم، وإن كان رب كل شيء، لأن هذا النجم عُبِد من دونالله واتُّخذ إلهاً، فأتى به لينبه بأن الله مستبد بكونه رباً لهذا المعبود، ومن دونه لا يشاركه في ذلك أحد.والألف واللام في المفلحون لتعريف العهد في الخارج أو في الذهن، وذلك أنك إذا قلت: زيد المنطلق، فالمخاطب يعرف وجودذات صدر منها انطلاق، ويعرف زيداً ويجهل نسبة الانطلاق إليه، وأنت تعرف كل ذلك فتقول له: زيد المنطلق، فتفيده معرفةالنسبة التي كان يجهلها، ودخلت هو فيه إذا قلت: زيد هو المنطلق، لتأكيد النسبة، وإنما تؤكد النسبة عند توهم أنالمخاطب يشك فيها أو ينازع أو يتوهم الشركة. وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات من قوله تعالى: {الم} إلى قوله: {ٱلْمُفْلِحُونَ } أقوالاً: أحدها: أنها نزلت في مؤمني أهل الكتاب دون غيرهم، وهو قول ابن عباس وجماعة.الثاني: نزلت في جميع المؤمنين، قاله مجاهد. وذكروا في هذه الآية من ضروب الفصاحة أنواعاً: الأول: حسن الافتتاح، وأنهتعالى افتتح بما فيه غموض ودقة لتنبيه السامع على النظر والفكر والاستنباط. الثاني: الإشارة في قوله ذلك أدخل اللام إشارةإلى بعد المنازل. الثالث: معدول الخطاب في قوله تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ } صيغته خبر ومعناه أمر، وقد مضى الكلامفيه. الرابع: الاختصاص هو في قوله {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ }. الخامس: التكرار في قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ }، {يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَإِلَيْكَ }، وفي قوله: {ٱلَّذِينَ }، {وَٱلَّذِينَ } إن كان الموصوف واحداً فهو تكرار اللفظ والمعنى، وإن كان مختلفاً كانمن تكرار اللفظ دون المعنى، ومن التكرار {أُوْلَـٰئِكَ }، {وَأُوْلـئِكَ }. السادس: تأكيد المظهر بالمضمر في قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}، وفي قوله: {هُمْ يُوقِنُونَ }. السابع: الحذف، وهو في مواضع أحدها هذه ألم عند من يقدر ذلك، وهو هدى،وينفقون في الطاعة، وما أنزل إليك من القرآن، ومن قبلك، أي قبل إرسالك، أو قبل الإنزال، وبالآخرة، أي بجزاء الآخرة،ويوقنون بالمصير إليها، وعلى هدى، أي أسباب هدى، أو على نور هدى، والمفلحون، أي الباقون في نعيم الآخرة.

{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } * { يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ } * { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ }

{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأْخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَـٰدِعُونَٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ }، الناس: اسم جمع لا واحد له من لفظه، ومرادفه: أناسي،جمع: إنسان أو إنسي. قد قالت العرب: ناس من الجن، حكاه ابن خالويه، وهو مجاز إذ أصله في بني آدم،ومادته عند سيبويه رحمه الله والفراء: همزة ونون وسين، وحذفت همزته شذوذاً، وأصله أناس ونطق بهذا الأصل، قال تعالى:

{ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ }، فمادته ومادة الإنس واحدة. وذهب الكسائي إلى أن مادته نون وواو وسين، ووزنه فعل مشتقمن النوس وهو الحركة، يقال: ناس ينوس نوساً إذا تحرك، والنوس: تذبذب الشيء في الهواء، ومنه نوس القرط في الأذنوذلك لكثرة حركته. وذهب قوم إلى أنه من نسي، وأصله نسي ثم قلب فصار نيس، تحركت الياء وانفتح ما قبلهافقلبت ألفاً فقيل: ناس، ثم دخلت الألف واللام. والكلام على هذا الأقوال مذكور في علم التصريف. من: موصولة، وشرطية، واستفهامية،ونكرة موصوفة، وتقع على ذي العلم، وتقع أيضاً على غير ذي العلم إذا عومل معاملة العالم، أو اختلط به فيماوقعت عليه أو فيما فصل بها، ولا تقع على آحاد ما لا يعقل مطلقاً خلافاً لزاعم ذلك. وأكثر لسان العربأنها لا تكون نكرة موصوفة إلا في موضع يختص بالنكرة، كقول سويد بن أبي كاهل:رب من أنضجت غيظاً صدره لو تمنى لي موتاً لم يطع

ويقل استعمالها في موضع لا يختص بالنكرة، نحوقول الشاعر:فكفى بنا فضلاً على من غيرنا حب النبي محمد إيانا

وزعم الكسائيأن العرب لا تستعمل من نكرة موصوفة إلا بشرط وقوعها في موضع لا يقع فيه إلا النكرة، وزعم هو وأبوالحسن الهنائي أنها تكون زائدة، وقال الجمهور: لا تزاد. وتقع من على العاقل المعدوم الذي لم يسبقه وجود، تتوهمه، موجوداًخلافاً لبشر المريسي، وفاقاً للقراء، وصححه أصحابنا. فأما قول العرب: أصبحت كمن لم يخلق فنزيد: كمن قد مات، وأكثر المعربينللقرآن متى صلح عندهم تقدير ما أو من بشيء جوزوا فيها أن تكون نكرة موصوفة، وإثبات كون ما نكرة موصوفةيحتاج إلى دليل، ولا دليل قاطع في قولهم: مررت بما معجب لك لإمكان الزيادة، فإن اطرد ذلك في الرفع والنصبمن كلام العرب، كان سرني ما معجب لك وأحببت ما معجباً لك، كان في ذلك تقوية لما دعى النحويون منذلك، ولو سمع لأمكنت الزيادة أيضاً لأنهم زادوا ما بين الفعل ومرفوعه والفعل ومنصوبه. الزيادة أمر ثابت لما، فإذا أمكنذلك فيها فينبغي أن يحمل على ذلك ولا يثبت لها معنى إلا بدليل قاطع. وأمعنت الكلام في هذه المسألة بالنسبةإلى ما يقع في هذا الكتاب من علم النحو لما ينبني على ذلك في فهم القرآن. القول: هو اللفظالموضوع لمعنى وينطلق على اللفظ الدال على النسبة الإسنادية، وهو الكلام وعلى الكلام النفساني، ويقولون في أنفسهم:

{ لَوْلاَ يُعَذّبُنَا ٱللَّهُ }، وتراكيبه الست تدل على معنى الخفة والسرعة، وهو متعد لمفعول واحد، فإن وقعت جملة محكية كانت في موضع المفعول،وللقول فصل معقود في النحو. الخداع: قيل إظهار غير ما في النفس، وأصله الإخفاء، ومنه سمي البيت المفرد في المنزلمخدعاً لتستر أهل صاحب المنزل فيه، ومنه الأخدعان: وهما العرقان المستبطنان في العنق، وسمي الدهر خادعاً لما يخفي من غوائله،وقيل الخدع أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه، من قولهم: ضب خادع وخدع إذا أمر الحارث، وهوصائد الضب، يده على باب حجره أوهمه إقباله عليه ثم خرج من باب آخر، وهو راجع إلى معنى القول الأول،وقيل أصله الفساد، من قول الشاعر:أبيض اللون لذيذ طعمه طيب الريق إذا الريق خدع أي فسد. إلا: حرف، وهو أصل لذوات الاستثناء، وقد يكون ما بعده وصفاً، وشرط الوصف به جواز صلاحية الموضعللاستثناء. وأحكام إلا مستوفاة في علم النحو. النفس: الدم، أو النفس: المودع في الهيكل القائم به الحياة، والنفس، الخاطر، مايدري أي نفسيه يطيع، وهل النفس الروح أم هي غيره؟ في ذلك خلاف. وفي حقيقة النفس خلاف كثير ومجمع علىأنفس ونفوس، وهما قياس فعل الإسم الصحيح العين في جميعه القليل والكثير. الشعور: إدراك الشيء من وجه يدق مشتق منالشعر، والإدراك بالحاسة مشتق من الشعار، وهو ثوب بلى الجسد ومشاعر الإنسان حواسه. {فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًاوَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ }، المرض: مصدر مرض، ويطلق في اللغة على الضعف والفتور، ومنه قيل: فلان يمرضالحديث أي يفسده ويضعفه. وقال ابن عرفة: المرض في القلب: الفتور عن الحق، وفي البدن: فتور الأعضاء، وفي العين: فتورالنظر، ويطلق ويراد به الظلمة، قال:في ليلة مرضت من كل ناحية فما يحس به نجم ولا قمر وقيل: المرض: الفساد، وقال أهل اللغة: المرض والألم والوجع نظائر. الزيادة: فعلها يتعدى إلى اثنين منباب أعطى وكسى، وقد تستعمل لازماً نحو: زاد المال. أليم: فعيل من الألم بمعنى مفعل، كالسميع بمعنى المسمع، أو للمبالغةوأصله ألم. كان: فعل يدخل على المبتدأ والخبر بالشروط التي ذكرت في النحو، فيدل على زمان مضمون الجملة فقط، أوعليه وعلى الصيرورة، وتسمى ناقصة وتكتفي بمرفوع فتارة تكون فعلاً لازماً وتارة متعدياً، بمعنى كفل أو غزل: كنت الصبي كفلت،وكنت الصوف غزلته، وهذا من غريب اللغات، وقد تزاد ولا فاعل لها إذ ذاك خلافاً لأبي سعيد، وأحكامها مستوفاة فيالنحو. التكذيب: مصدر كذب، والتضعيف فيه للرمي به كقولك: شجعته وجبنته، أي رميته بالشجاعة والجبن، وهي أحد المعاني التي جاءتلها فعل وهي أربعة عشرة: الرمي، والتعدية، والتكثير، والجعل على صفة، والتسمية، والدعاء للشيء أو عليه، والقيام على الشيء، والإزالة،والتوجه، واختصار الحكاية، وموافقة تفعل وفعل، والإغناء عنهما، مثل ذلك: جبنته، وفرحته، وكثرته، وفطرته، وفسقته، وسقيته، وعقرته، ومرضته، وقذيت عينه،وشوق، وأمن، قال: آمين، وولى: موافق تولى، وقدر: موافق قدر، وحمر: تكلم بلغة حمير، وعرد في القتال. وأما الكذب فسيأتيالكلام عليه، لما ذكر من الكتاب هدى لهم، وهم المتقون الذين جمعوا أوصاف الإيمان من خلوص الإعتماد وأوصاف الإسلام منالأفعال البدنية والمالية، ولما ذكر ما آل أمرهم إليه في الدنيا من الهدى وفي الآخرة من الفلاح. ثم أعقب ذلكبمقابلهم من الكفار الذين ختم عليهم بعدم الإيمان، وختم لهم بما يؤولون إليه من العذاب في النيران. وبقي قسم ثالثأظهروا الإسلام مقالاً وأبطنوا الكفر اعتقاداً وهم المنافقون، أخذ يذكر شيئاً من أحوالهم. ومن في قوله: ومن الناس للتبعيض،وأبعد من ذهب إلى أنها لبيان الجنس لأنه لم يتقدم شيء مبهم فيبين جنسه. والألف واللام في الناس للجنس أوللعهد، فكأنه قال: ومن الكفار السابق ذكرهم من يقول ولا يتوهم أنهم غير مختوم على قلوبهم، كما ذهب إليه الزمخشريفقال: فإن قلت كيف يجعلون بعض أولئك والمنافقين غير مختوم على قلوبهم؟ وأجاب بأن الكفر جمع الفريقين وصيرهم جنساً واحداً،وكون المنافقين نوعاً من نوعي هذا الجنس مغايراً للنوع الآخر بزيادة زادوها على الكفر الجامع بينهما من الخديعة والاستهزاء لايخرجهم من أن يكونوا بعضاً من الجنس، انتهى. لأن المنافقين داخلون في الأوصاف التي ذكرت للكفار من استواء الإنذار وعدمه،وكونهم لا يؤمنون، وكونهم مختوماً على قلوبهم وعلى سمعهم ومجعولاً على أبصارهم غشاوة ومخبراً عنهم أنهم لهم عذاب عظيم، فهمقد اندرجوا في عموم الذين كفروا وزادوا أنهم قد ادعوا الإيمان وأكذبهم الله في دعواهم. وسيأتي شرح ذلك. وسألسائل: ما معنى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ }؟ ومعلوم أن الذي يقول هو من الناس، فكيف يصلح لهذا الجار والمجروروقوعه خبراً للمبتدأ بعده؟ فأجيب بأن هذا تفصيل معنوي لأنه تقدم ذكر المؤمنين، ثم ذكر الكافرين، ثم أعقب بذكر المنافقين،فصار نظير التفصيل اللفظي في قوله: ومن الناس من يعجبك، ومن الناس من يشري نفسه، فهو في قوة تفصيل الناسإلى مؤمن وكافر ومنافق، كما فصلوا إلى من يعجبك قوله، ومن يشري نفسه، ومن: في قوله تعالى: {مَن يِقُولُ }نكرة موصوفة مرفوعة بالابتداء، والخبر الجار والمجرور المتقدم الذكر. ويقول: صفة، هذا اختيار أبي البقاء، وجوز الزمخشري هذا الوجه. وكأنهقال: ومن الناس ناس يقولون كذا، كقوله: { مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ }قال: إن جعلت اللام للجنس يعني في قوله:ومن الناس، قال: وإن جعلها للعهد فموصولة كقوله:{ وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ }. واستضعف أبو البقاء أن تكون موصولة بمعنىالذي قال، لأن الذي يتناول قوماً بأعيانهم، والمعنى هنا على الإبهام والتقدير، ومن الناس فريق يقول: وما ذهب إليه الزمخشريمن أن اللام في الناس، إن كانت للجنس كانت من نكرة موصوفة، وإن كانت للعهد كانت موصولة، أمر لا تحقيقله، كأنه أراد مناسبة الجنس للجنس والعهد للعهد، ولا يلزم ذلك، بل يجوز أن تكون اللام للجنس ومن موصولة، ويجوزأن تكون للعهد، ومن نكرة موصوفة فلا تلازم بين ما ذكره. وأما استضعاف أبي البقاء كون من موصولة وزعمهأن المعنى على الإبهام فغير مسلم، بل المعنى أنها نزلت في ناس بأعيانهم معروفين، وهم: عبد الله بن أبي بنسلول، وأصحابه، ومن وافقه من غير أصحابه ممن أظهر الإسلام وأبطن الكفر، وقد وصفهم الله تعالى في ثلاث عشرة آية،وذكر عنهم أقاويل معينة قالوها، فلا يكن ذلك صارداً إلا من معين فأخبر عن ذلك المعين. والذي نختار أن تكونمن موصولة، وإنما اخترنا ذلك لأنه الراجح من حيث المعنى ومن حيث التركيب الفصيح. ألا ترى جعل من نكرة موصوفةإنما يكون ذلك إذا وقعت في مكان يختص بالنكرة في أكثر كلام العرب، وهذا الكلام ليس من المواضع التي تختصبالنكرة، وأما أن تقع في غير ذلك فهو قليل جداً، حتى أن الكسائي أنكر ذلك وهو إمام نحو وسامع لغة،فلا نحمل كتاب الله ماأثبته بعض النحويين في قليل وأنكر وقوعه أصلاً الكسائي، فلذلك اخترنا أن تكون موصولة. ومن: منالأسماء التي لفظها مفرد مذكر دائماً، وتنطلق عليه فروع المفرد والمذكر إذا كان معناها كذلك فتارة يراعي اللفظ فيفرد مايعود على من مذكراً، وتارة يراعي المعنى فيحمل عليه ويطلق المعربون ذلك، وفي ذلك تفصيل كثير ذكر في النحو. قالابن عطية: من يقول آمنا رجع من لفظ الواحد إلى لفظ الجمع بحسب لفظ من ومعناها وحسن ذلك لأن الواحدقبل الجمع في الرتبة، ولا يجوز أن يرجع متكلم من لفظ جمع إلى توحد، لو قلت: ومن الناس من يقولونويتكلم لم يجز، انتهى كلامه، وما ذكر من أنه لا يجع من لفظ جمع إلى توحد خطأ، بل نص النحويونعلى جواز الجملتين، لكن البدء بالحمل على اللفظ ثم على المعنى أولى من الابتداء بالحمل على المعنى، ثم يرجع إلىالحمل على اللفظ، ومما رجع فيه إلى الإفراد بعد الجمع قول الشاعر:لست ممن يكع أو يستكينو ن إذا كافحته خيل الأعادي

وفي بعض هذه المسائل تفصيل، كما أشرنا إليه. ويقول: أفرد فيه الضميرمذكراً على لفظ من وآمنا: جملة هي المقولة، فهي في موضع المفعول وأتى بلفظ الجمع رعياً للمعنى، إذ لو راعىلفظ من قال آمنت. واقتصروا من متعلق الإيمان على الله واليوم الآخر حيدة منهم عن أن يعترفوا بالإيمان برسول اللهﷺ وبما أنزل إليه وإيهاماً أنهم من طائفة المؤمنين، وإن كان هؤلاء، كما زعم الزمخشري، يهوداً. فإيمانهمبالله ليس بإيمان، كقولهم:

{ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ }

وباليوم الآخر، كذلك لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته، وهم لو قالوا ذلكعلى أصل عقيدتهم لكان كفراً، فكيف إذا قالوا ذلك على طريقة النفاق خديعة للمسلمين واستهزاءً بهم؟ وفي تكرير الباء دليلعلى مقصود كل ما دخلت عليه الباء بالإيمان. واليوم الآخر يحتمل أن يراد به: الوقت المحدود من البعث إلى استقراركل من المؤمنين والكافرين فيما أعد لهم، ويحتمل أن يراد به: الأبد الدائم الذي لا ينقطع. وسمي آخراً لتأخره، إماعن الأوقات المحدودة باعتبار الاحتمال الأول أو عن الأوقات المحدودة باعتبار الاحتمال الثاني. والباء في بمؤمنين زائدة والموضع نصب لأنما حجازية وأكثر لسان الحجاز جر الخبر بالباء، وجاء القرآن على الأكثر، وجاء النصب في القرآن في قوله: { مَا هَـٰذَا بَشَرًا }

{وما هنّ أمّهاتهم}. وأما في أشعار العرب فزعموا أنه لم يحفظ منه أيضاً إلا قول الشاعر:وأنا النذير بحرة مسودة تصل الجيوش إليكم أقوادها أبناؤها متكفون أباهم

ولا تختص زيادة الباء باللغة الحجازية، بل تزاد في لغة تميم خلافاً لمن منع ذلك، وإنما ادعيناأن قوله: بمؤمنين في موضع نصب لأن القرآن نزل بلغة الحجاز، لأنه حين حذفت الباء من الخبر ظهر النصب فيه،ولها أحكام كثيرة في باب معقود في النحو. وإنما زيدت الباء في الخبر للتأكيد، ولأجل التأكيد في مبالغة نفي إيمانهم،جاءت الجملة المنفية إسمية مصدرة بهم، وتسلط النفي على إسم الفاعل الذي ليس مقيداً بزمان ليشمل النفي جميع الأزمان، إذلو جاء اللفظ منسحباً على اللفظ المحكي الذي هو: آمنا، لكان: وما آمنوا، فكان يكون نفياً للإيمان الماضي، والمقصود أنهمليسوا متلبسين بشيء من الإيمان في وقت مّا من الأوقات، وهذا أحسن من أن يحمل على تقييد الإيمان المنفي، أيوما هم بمؤمنين بالله واليوم الآخر، ولم يردّ الله تعالى عليهم قولهم: آمنا، إنما رد عليهم متعلق القول وهو الإيمان،وفي ذلك رد على الكرامية في قولهم: إن الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب. وهم في قوله: {وَمَا هُمبِمُؤْمِنِينَ } عائد على معنى من، إذ أعاد أولاً على اللفظ فأفرد الضمير في يقول، ثم أعاد على المعنى فجمع.وهكذا جاء في القرآن أنه إذا اجتمع اللفظ والمعنى بدىء باللفظ ثم أتبع بالحمل على المعنى. قال تعالى:{ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لّي وَلاَ تَفْتِنّى أَلا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ }

{ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءاتَـٰنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ } الآية،{ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَـٰلِحاً }. وذكر شيخنا الإمام علم الدين أبو محمد عبد الكريم بنعلي بن عمر الأنصاري الأندلسي الأصل المصري المولد والمنشأ، المعروف بابن بنت العراقي، رحمه الله تعالى، أنه جاء موضع واحدفي القرآن بدىء فيه بالحمل على المعنى أولاً ثم أتبع بالحمل على اللفظ، وهو قوله تعالى:{ وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلانْعَـٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا }، وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى. وأورد بعضهمقراءة من قرأ في الشاذ، {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ } بضم الهمزة متخيلاً أنه مما بدىء فيه بالحمل على المعنى،وسيأتي الكلام عليه في موضعه. ولا يجيز الكوفيون الجمع بين الجملتين إلا بفاصل بينهما، ولم يعتبر البصريون الفاصل، قال ابنعصفور، ولم يرد السماع إلا بالفصل، كما ذهب الكوفيون إليه، وليس ما ذكر بصحيح، ألا ترى قوله تعالى:{ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ }؟ فحمل على اللفظ في كان، إذ أفرد الضمير وجاء الخبر علىالمعنى، إذ جاء جمعاً ولا فصل بين الجملتين، وإنما جاء أكثر ذلك بالفصل لما فيه من إزالة قلق التنافر الذييكون بين الجملتين. وقراءة الجمهور: يخادعون الله، مضارع خادع. وقرأ عبد الله وأبو حياة يخدعون الله، مضارع خدع لمجرد،ويحتمل قوله: {يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ } أن يكون مستأنفاً، كأن قائلاً يقول: لم يتظاهرون بالإيمان وليسوا بمؤمنين في الحقيقة؟ فقيل: يخادعون،ويحتمل أن يكون بدلاً من قوله: يقول آمنا، ويكون ذلك بياناً، لأن قولهم: آمنا وليسوا بمؤمنين في الحقيقة مخادعة، فيكونبدل فعل من فعل لأنه في معناه، وعلى كلا الوجهين لا موضع للجملة من الإعراب. ويحتمل أن تكون الجملة فيموضع الحال، وذو الحال الضمير المستكن في يقول، أي: ومن الناس من يقول آمنا، مخادعين الله والذين آمنوا. وجوّز أبوالبقاء أن يكون حالاً، والعامل فيها اسم الفاعل الذي هو: بمؤمنين، وذو الحال: الضمير المستكن في اسم الفاعل. وهذا إعرابخطأ، وذلك أن ما دخلت على الجملة فنفت نسبة الإيمان إليهم، فإذا قيدت تلك النسبة بحال تسلط النفي على تلكالحال، وهو القيد، فنفته، ولذلك طريقان في لسان العرب: أحدهما: وهو الأكثر أن ينتفي ذلك القيد فقط، ويكون إذ ذاكقد ثبت العامل في ذلك القيد، فإذا قلت: ما زيد أقبل ضاحكاً فمفهومه نفي الضحك ويكون قد أقبل غير ضاحك،وليس معنى الآية على هذا، إذ لا ينفي عنهم الخداع فقط، ويثبت لهم الإيمان بغير خداع، بل المعنى: نفي الإيمانعنهم مطلقاً. والطريق الثاني: وهو الأقل، أن ينتفي القيد وينتفي العامل فيه، فكأنه قال في المثال السابق: لم يقبل زيدولم يضحك: أي لم يكن منه إقبال ولا ضحك. وليس معنى الآية على هذا، إذ ليس المراد نفي الإيمان عنهمونفي الخداع. والعجب من أبي البقاء كيف تنبه لشيء من هذا فمنع أن يكون يخادعون في موضع الصفة فقال:ولا يجوز أن يكون في موضع جر على الصفة لمؤمنين، لأن ذلك يوجب نفي خداعهم، والمعنى على إثبات الخداع، انتهىكلامه. فأجاز ذلك في الحال ولم يجز ذلك في الصفة، وهما سواء، ولا فرق بين الحال والصفة في ذلك، بلكل منهما قيد يتسلط النفي عليه، والله تعالى هو العالم الذي لا يخفى عليه شيء. فمخادعة المنافقين الله هو منحيث الصورة لا من حيث المعنى من جهة تظاهرهم بالإيمان وهم مبطنون للكفر، قاله جماعة، أو من حيث عدم عرفانهمبالله وصفاته فظنوا أنه ممن يصح خداعه. فالتقدير الأول مجاز والثاني حقيقة، أو يكون على حذف مضاف، أي يخادعون رسولالله ﷺ والذين آمنوا، فتارة يكون المحذوف مراداً وتارة لا يكون مراداً، بل مخادعتهم رسول الله صلىالله عليه وسلم بمنزلة مخادعة الله، فجاء: يخادعون الله، وهذا الوجه قاله الحسن والزجاج. وإذا صح نسبة مخادعتهم إلىالله تعالى بالأوجه التي ذكرناها، كما ذكرناها، فلا ضرورة تدعو إلى أن نذهب إلى أن اسم مقحم، لأن المعنى يخادعونالذين آمنوا، كما ذهب إليه الزمخشري، وقال: يكون من باب: أعجبني زيد وكرمه، المعنى هذا أعجبني كرم زيد، وذكر زيدتوطئة لذكر كرمه، والنسبة إلى الإعجاب إلى كرمه هي المقصودة، وجعل من ذلك والله ورسوله أحق أن يرضوه، إن الذينيؤذون الله ورسوله وما ذكره في هذه المثل غير مسلم له. وللآيتين الشريفتين محامل تأتي في مكانها، إن شاء اللهتعالى. وأما أعجبني زيد وكرمه، فإن الإعجاب أسند إلى زيد بجملته، ثم عطف عليه بعض صفاته تمييزاً لصفة الكرم منسائر الصفات التي انطوى عليها لشرف هذه الصفة، فصار من المعنى نظيراً لقوله تعالى:{ وَمَلـئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ }، فلايدعي كما ادعى الزمخشري أن الاسم مقحم، وأنه ذكر توطئة لذكر الكرم. وخادع الذي مضارعه يخادع على وزن فاعل، وفاعليأتي لخمسة معان: لاقتسام الفاعلية، والمفعولية في اللفظ، والاشتراك فيهما من حيث المعنى، ولموافقة أفعل المتعدي، وموافقة المجرد للإغناء عنأفعل وعن المجرد. ومثل ذلك: ضارب زيداً عمر، وباعدته، وواريت الشيء، وقاسيت. وخادع هنا إما لموافقة الفعل المجرد فيكون بمعنىخدع، وكأنه قال: يخدعون الله، ويبينه قراءة ابن مسعود وأبي حياة، وقد تقدمت. ويحتمل أن يكون خادع من باب المفاعلة،فمخادعتهم تقدم تفسيرها، ومخادعة الله لهم حيث أجرى عليهم أحكام المسلمين واكتفى منهم في الدنيا بإظهار الإسلام، وإن أبطنوا خلافه،ومخادعة المؤمنين لهم كونهم امتثلوا أحكام المسلمين عليهم. وفي مخادعتهم هم للمؤمنين فوائد لهم، من تعظيمهم عند المؤمنين، والتطلععلى أسرارهم فيغشونها إلى أعدائهم، ورفع حكم الكفار عنهم من القتل وضرب الجزية، وغير ذلك، وما ينالون من الإحسان بالهدايةوقسم الغنائم. وقرأ: وما يخادعون، الحرميان، وأبو عمرو. وقرأ باقي السبعة: وما يخدعون. وقرأ الجارود بن أبي سبرة، وأبو طالوتعبد السلام بن شداد: وما يخدعون مبنياً للمفعول. وقرأ بعضهم: وما يخادعون، بفتح الدال مبنياً للمفعول. وقرأ قتادة، ومورق العجلي:وما يخدعون، من خدّع المشدّد مبنياً للفاعل، وبعضهم يفتح الياء والخاء وتشديد الدال المكسورة. فهذه ست قراءات توجيه: الأولى: أنالمعنى في الخداع إنما هو الوصول إلى المقصود من المخدوع، بأن ينفعل له فيما يختار، وينال منه ما يطلب علىغرة من المخدوع وتمكن منه وتفعل له، ووبال ذلك ليس راجعاً للمخدوع، إنما وباله راجع إلى المخادع، فكأنه ما خادعولا كاد إلا نفسه بإيرادها موارد الهلكة، وهو لا يشعر بذلك جهلاً منه بقبيح انتحاله وسوء مآله. وعبر عن هذاالمعنى بالمخادعة على وجه المقابلة، وتسمية الفعل الثاني باسم الفعل الأول المسبب له، كما قال:ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا جعل انتصاره جهلاً، ويؤيد هذا المنزع هنا أنه قد يجيءمن واحد: كعاقبت اللص، وطارقت النعل. ويحتمل أن تكون المخادعة على بابها من اثنين، فهم خادعون أنفسهم حيث منوهاً الأباطيل،وأنفسهم خادعتهم حيث منتهم أيضاً ذلك، فكأنها مجاورة بين اثنين، وقال الشاعر:تذكر من أني ومن أين شربه يؤامر نفسيه لذي البهجة الإبل

وأنشد ابن الأعرابي:لم تدر ما ولست قائلها عمرك ما عشت آخر الأبد ولم تؤامر نفسيك ممتريا

وقال:يؤامر نفسيه وفي العيش فسحة أيستوبع الذوبان أم لا يطورها

وأنشد ثعلب عنابن الأعرابي:وكنت كذات الضي لم تدر إذ بغت تؤامر نفسيها أتسرق أم تزني

ففي هذه الأبيات قدجعل للشخص نفسين على معنى الخاطرين، ولها جنسين، أو يكون فاعل بمعنى فعل، فيكون موافقاً لقراءة: وما يخدعون. وتقول العرب:خادعت الرجل، أعملت التحيل عليه فخدعته، أي تمت عليه الحيلة ونفذ فيه المراد، خِدعاً، بكسر الخاء في المصدر وخديعة، حكاهأبو زيد. فالمعنى: وما ينفذ السوء إلا على أنفسهم، والمراد بالأنفس هنا: ذواتهم. فالفاعل هو المفعول، وقد ادعى بعضهم أنهذا من المقلوب وأن المعنى: وما يخادعهم إلا أنفسهم قال: لأن الإنسان لا يخدع نفسه، بل نفسه هي التي تخدعهوتسوّل له وتأمره بالسوء. وأورد أشياء مما قلبته العرب، وللنحويين في القلب مذهبان: أحدهما: أنه يجوز في الكلام والشعر اتساعاًواتكالاً على فهم المعنى. والثاني: أنه لا يجوز في الكلام ويجوز في الشعر حالة الاضطرار، وهذا هو الذي صححه أصحابنا،وكان هذا الذي ادعى القلب لما رأى قولهم: منتك نفسك، وقوله تعالى:{ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ }تخيل أن الممنيوالمسوّل غير الممنيَّ والمسوَّل له، وليس على ما تخيل، بل الفاعل هنا هو المفعول. ألا ترى أنك تقول: أحب زيدنفسه، وعظم زيد نفسه؟ فلا يتخيل هنا تباين الفاعل والمفعول إلا من حيث اللفظ، وأما المدلول فهو واحد. وإذا كانالمعنى صحيحاً دون قلب، فأي حاجة تدعو إليه هذا؟ مع أن الصحيح أنه لا يجوز إلا في الشعر، فينبغي أنينزه كتاب الله تعالى منه. ومن قرأ: وما يخادعون أو يخدعون مبنياً للمفعول، فانتصاب ما بعد إلا على ماانتصب عليه زيد غبن رأيه، إما على التمييز على مذهب الكوفيين، وإما على التشبيه بالمفعول به على ما زعم بعضهم،وإما على إسقاط حرف الجر، أي: في أنفسهم، أو عن أنفسهم، أو ضمن الفعل معنى ينتقضون ويستلبون، فينتصب على أنهمفعول به، كما ضمن الرفث معنى الإفضاء فعدى بإلى في قوله:{ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ }، ولا يقال رفث إلى كذا،وكما ضمن{ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تزكى }، معنى أجذبك، ولا يقال: إلا هل لك في كذا. وفي قراءة: وما يخدعون،فالتشديد إما للتكثير بالنسبة للفاعلين أو للمبالغة في نفس الفعل، إذ هو مصير إلى عذاب الله وإما لموافقة فعل نحو:قدر الله وقدر، وقد تقدم ذكر معاني فعل. وقراءة من قرأ: وما يخدعون، أصلها يختدعون فأدغم، ويكون افتعل فيه موافقاًلفعل نحو: اقتدر على زيد، وقدر عليه، وهو أحد المعاني التي جاءت لها افتعل، وهي اثنا عشر معنى، وقد تقدمذكرها. {أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ }: جملة معطوفة على: وما يخادعو إلا أنفسهم، فلا موضع لها من الإعراب، ومفعول يشعرون محذوفتقديره إطلاع الله نبيه على خداعهم وكذبهم، روي ذلك عن ابن عباس، أو تقديره هلاك أنفسهم وإيقاعها في الشقاء الأبديبكفرهم ونفاقهم، روي ذلك عن زيد. ويحتمل أن يكون وما يشعرون: جملة حالية تقديره وما يخادعون إلا أنفسهم غير شاعرينبذلك، لأنهم لو شعروا أن خداعهم لله وللمؤمنين إنما هو خداع لأنفسهم لما خادعوا الله والمؤمنين. وجاء: يخادعون الله بلفظالمضارع الماضي لأن المضي يشعر بالانقطاع بخلاف المضارع، فإنه يشعر في معرض الذم أو المدح بالديمومة، نحو: زيد يدع اليتيم،وعمرو يقري الضيف. والقراء على فتح راء مرض في الموضعين إلا الأصمعي، عن أبي عمرو، فإنه قرأ بالسكون فيهما،وهما لغتان كالحلب والحلب، والقياس الفتح، ولهذا قرأ به الجمهور، ويحتمل أن يراد بالمرض الحقيقة، وأن المرض الذي هو الفسادأو الظلمة أو الضعف أو الألم كائن في قلوبهم حقيقة، وسبب إيجاده في قلوبهم هو ظهور الرسول صلى الله عليهوسلم وأتباعه، وفشو الإسلام ونصر أهله. ويحتمل أن يراد به المجاز، فيكون قد كنى به عما حل القلب من الشك،قاله ابن عباس، أو عن الحسد والغل، كما كان عبد الله بن أبي بن سلول، أو عن الضعف والخور لمارأوا من نصر دين الله وإظهاره على سائر الأديان، وحمله على المجاز أولى لأن قلوبهم لو كان فيها مرض لكانتأجسامهم مريضة بمرضها، أو كان الحمام عاجلهم، قال: بعض المفسرين يشهد لهذا الحديث النبوي والقانون الطبي، أما الحديث، فقوله صلىالله عليه وسلم: إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح الجسد جميعه، وإذا فسدت فسد الجسد جميعه، ألا وهي القلب . وأما القانون الطبي، فإن الحكماء وصفو القلب على ما اقتضاه علم التشريح، ثم قالوا: إذا حصلت فيهمادة غليظة، فإن تملكت منه ومن غلافه أو من أحدهما فلا يبقى مع ذلك حياة وعاجلت المنية صاحبه، وربما تأخرتتأخيراً يسيراً، وإن لم تتمكن منه المادة المنصبة إليه ولا من غلافه، أخرت الحياة مدة يسيرة؟ وقالوا: لا سبيل إلىبقاء الحياة مع مرض القلب، وعلى هذا الذي تقرر لا تكون قلوبهم مريضة حقيقة. وقد تلخص في القرآن من المعانيالسببية التي تحصل في القلب سبعة وعشرون مرضاً، وهي: الرين، والزيع، والطبع، والصرف، والضيق، والحرج، والختم، والإقفال، والإشراب، والرعب، والقساوة،والإصرار، وعدم التطهير، والنفور، والاشمئزاز، والإنكار، والشكوك، والعمى، والإبعاد بصيغة اللعن، والتأبى، والحمية، والبغضاء، والغفلة، والغمزة، واللهو، والارتياب، والنفاق. وظاهرآيات القرآن تدل على أن هذه الأمراض معان تحصل في القلب فتغلب عليه، وللقلب أمراض غير هذه من الغل والحقدوالحسد، ذكرها الله تعالى مضافة إلى جملة الكفار. والزيادة تجاوز المقدار المعلوم، وعلم الله محيط بما أضمروه ومن سوء الاعتقادوالبغض والمخادعة، فهو معلوم عنده، كما قال تعالى:{ وَكُلُّ شَىْء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ }، وفي كل وقت يقذف في قلوبهم منذلك القدر المعلوم شيئاً معلوم المقدار عنده، ثم يقذف بعد ذلك شيئاً آخر، فيصير الثاني زيادة على الأول، إذا لولم يكن الأول معلوم المقدار لما تحققت الزيادة، وعلى هذا المعنى يحمل: { فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ }. وزيادة المرض إمامن حيث أن ظلمات كفرهم تحل في قلوبهم شيئاً فشيئاً، وإلى هذا أشار بقوله تعالى: { ظُلُمَـٰتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ }،أو من حيث أن المرض حصل في قلوبهم بطريق الحسد أو الهم، بما يجدد الله سبحانه لدينه من علو الكلمةولرسوله وللمؤمنين من النصر ونفاذ الأمر، أو لما يحصل في قلوبهم من الرعب، وإسناد الزيادة إلى الله تعالى إسناد حقيقيبخلاف الإسناد في قوله تعالى: {فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ}{ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَـٰناً }. وقالت المعتزلة: لا يجوزأن تكون زيادة المرض من جنس المزيد عليه، إذ المزيد عليه هو الكفر، فتأولوا ذلك على أن يحمل المرض علىالغم لأنهم كانوا يغتمون بعلو أمر رسول الله ﷺ، أو على منع زيادة الألطاف، أو على ألمالقلب، أو على فتور النية في المحاربة لأنهم كانت أولاً قلوبهم قوية على ذلك، أو على أن كفرهم كان يزدادبسبب ازدياد التكليف من الله تعالى. وهذه التأويلات كلها إنما تكون إذا كان قوله: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا } خبراً، وإماإذا كان دعاء فلا، بل يحتمل أن يكون الدعاء حقيقة فيكون دعاء بوقوع زيادة المرض، أو مجازاً فلا تقصد بهالإجابة لكون المدعو به واقعاً، بل المراد به السب واللعن والنقص، كقوله تعالى:{ قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } { ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون } ، وكقوله: لعن الله إبليس وأخزاه ومعلوم أن ذلك قد وقع، وأنه قدباء بخزي ولعن لا مزيد عليه لأنه لا انتهاء له، وتنكير مرض من قوله: {فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } لا يدلعلى أن جميع أجناس المرض في قلوبهم، كما زعم بعض المفسرين، لأن دلالة النكرة على ما وضعت له إنما هيدلالة على طريقة البدل، لأنها دلالة تنتظم كل فرد فرد على جهة العموم، ولم يحتج إلى جمع مرض لأن تعدادالمحال يدل على تعداد الحال عقلاً، فاكتفى بالمفرد عن الجمع، وتعدية الزيادة إليهم لا إلى القلوب، إذ قال تعالى: {فَزَادَهُمُ}، ولم يقل: فزادها، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون على حذف مضاف، أي فزاد الله قلوبهم مرضاً، والثاني: أنه زادذواتهم مرضاً لأن مرض القلب مرض لسائر الجسد، فصح نسبه الزيادة إلى الذوات، ويكون ذلك تنبيهاً على أن في ذواتهممرضاً، وإنما أضاف ذلك إلى قلوبهم لأنها محل الإدراك والعقل. وأمال حمزة فزادهم في عشرة أفعال ألفها منقلبة عن ياءإلا فعلاً واحداً ألفه منقلبة عن واو ووزنه فعل بفتح العين، إلا ذلك الفعل فإن وزنه فعل بكسر العين، وقدجمعتها في بيتين في قصيدتي المسماة، بعقد اللآلي في القراءآت السبع العوالي، وهما:وعشرة أفعال تمال لحمزة فجاء وشاء ضاق ران وكملا بزاد وخاب طاب خاف معاً وحاق زاغ سوى الأحزاب مع صادها فلا يعني أنه قد استثنى حمزة،{ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلاْبْصَـٰرُ }، في سورة الأحزاب،{ وَإِذْ زَاغَتِ عَنْهُمُ ٱلابْصَـٰرُ }، في سورة ص، فلم يملها. ووافق ابن ذكوان حمزة على إمالة جاء وشاء في جميع القرآن، وعلى زاد فيأول البقرة، وعنه خلاف في زاد هذه في سائر القرآن، وبالوجهين قرأته له، والإمالة لتميم، والتفخيم للحجاز. وأليم: تقدم تفسيره.فإذا قلنا إنه للمبالغة فيكون محوّلاً من فعل لها ونسبته إلى العذاب مجاز، لأن العذاب لا يألم، إنما يألم صاحبه،فصار نظير قولهم: شعر شاعر، والشعر لا يشعر إنما الشاعر ناظمه. وإذا قلنا إنه بمعنى: مؤلم، كما قال عمرو بنمعدي كرب:أمـن ريحانـة الـداعي السميـع أي المسمع، وفعيل: بمعنى مفعل مجاز، لأن قياس أفعل مفعل، فالأول مجاز في التركيب،وهذا مجاز في الإفراد. وقد حصل للمنافقين مجموع العذابين: العذاب العظيم المذكور في الآية، قيل لانخراطهم معهم ولانتظامهم فيهم. ألاترى أن الله تعالى في تلك الآية قد أخبر أنهم لا يؤمنون في قوله: لا يؤمنون، وأخبر بذلك في هذهالآية بقوله: وما هم بمؤمنين؟ والعذاب الأليم، فصار المنافقون أشد عذاباً من غيرهم من الكفار، بالنص على حصول العذابين المذكورينلهم، ولذلك قال تعالى:{ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلاْسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ }، ثم ذكر تعالى أن كينونة العذاب الأليم لهؤلاءسببها كذبهم وتكذيبهم وما منسوية أي بكونهم يكذبون، ولا ضمير يعود عليها لأنها حرف، خلافاً لأبي الحسن. ومن زعم أنكان الناقصة لا مصدر لها، فمذهبه مردود، وهو مذهب أبي علي الفارسي. وقد كثر في كتاب سيبويه المجيء بمصدر كانالناقصة، والأصح أنه لا يلفظ به معها، فلا يقال: كان زيد قائماً كوناً، ومن أجاز أن تكون ما موصولة بمعنىالذي، فالعائد عنده محذوف تقديره يكذبونه أو يكذبونه. وزعم أبو البقاء أن كون ما موصولة أظهر، قال: لأن الهاء المقدرةعائدة إلى الذي دون المصدر، ولا يلزم أن يكون، ثم هاء مقدرة، بل من قرأ: يكذبون، بالتخفيف، وهم الكوفيون، فالفعلغير متعد، ومن قرأ بالتشديد، وهم الحرميان، والعربيان، فالمفعول محذوف لفهم المعنى تقديره فكونهم يكذبون الله في أخباره والرسول فيماجاء به، ويحتمل أن يكون المشدد في معنى المخفف على جهة المبالغة، كما قالوا في: صدق صدق، وفي: بان الشيءبين، وفي: قلص الثوب قلص. والكذب له محامل في لسان العرب: أحدها: الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه،وعمرو بن بحر يزيد في ذلك أن يكون المخبر عالماً بالمخالفة، وهي مسألة تكلموا عليها في أصول الفقه. الثاني: الإخباربالذي يشبه الكذب ولا يقصد به إلا الحق، قالوا: ومنه ما ورد في الحديث عن إبراهيم صلوات الله عليه وعلىنبينا. الثالث: الخطأ، كقول عبادة فيمن زعم: أن الوتر واجب، كذب أبو محمد أي أخطأ. الرابع: البطول، كقولهم: كذب الرجل،أي بطل عليه أمله وما رجا وقدر. الخامس: الإغراء بلزوم المخاطب الشيء المذكور، كقولهم: كذب عليك العسل، أي أكل العسل،والمغرى به مرفوع بكذب، وقالوا: لا يجوز نصبه إلا في حرف شاذ، ورواه القاسم بن سلام عن معمر بن المثنى،والمؤثم هو الأول. وقد اختلف الناس في الكذب فقال قوم: الكذب كله قبيح لا خير فيه، وقالوا: سئل مالكعن الرجل يكذب لزوجته ولابنه تطييباً للقلب فقال: لا خير فيه. وقال قوم: الكذب محرم ومباح، فالمحرم الإخبار بالشيء علىخلاف ما هو عليه إذا لم يكن في مراعاته مصلحة شرعية، والمباح ما كان فيه ذلك، كالكذب لإصلاح ذات البين.وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات خلافاً، قال قوم: نزلت في منافقي أهل الكتاب، كعبد الله بن أبيبن سلول، ومعتب بن قشير، والجد بن قيس، حين قالوا: تعالوا إلى خلة نسلم بها من محمد وأصحابه ونتمسك معذلك بديننا، فأظهروا الإيمان باللسان واعتقدوا خلافه. ورواه أبو صالح، عن ابن عباس، وقال قوم: نزلت في منافقي أهل الكتابوغيرهم، رواه السدي عن ابن مسعود، وابن عباس، وبه قال أبو العالية، وقتادة، وابن زيد.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَعدل

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } * { أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ } * { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ } * { وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } * { ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } * { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ }

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلارْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلاإِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ }، إذا: ظرف زمان، ويغلب كونها شرطاً، وتقع للمفاجأة ظرف زمان وفاقاًللرياشي، والزجاج، لا ظرف مكان خلافاً للمبرد، ولظاهر مذهب سيبويه، ولا حرفاً خلافاً للكوفيين. وإذا كانت حرفاً، فهي لما تيقنأو رجح وجوده، ويجزم بها في الشعر، وأحكامها مستوفاة في علم النحو. الفعل الثلاثي الذي انقلب عين فعله ألفاً فيالماضي، إذا بني للمفعول، أخلص كسر أوله وسكنت عينه ياء في لغة قريش ومجاوريهم من بني كنانة، وضم أولها عندكثير من قيس وعقيل ومن جاورهم، وعامة بني أسد. وبهذه اللغة قرأ الكسائي وهشام في: قيل، وغيض، وحيل، وسيـىء، وسيئت،وجيء، وسيق. وافقه نافع وابن ذكوان في: سيـىء، وسيئت. زاد ابن ذكوان: حيل، وساق. وباللغة الأولى قرأ باقي القراءة، وفيذلك لغة ثالثة، وهي إخلاص ضم فاء الكلمة وسكون عينه واواً، ولم يقرأ بها، وهي لغة لهذيل، وبني دبير. والكلامعلى توجيه هذه اللغات وتكميل أحكامها مذكور في النحو. الفساد: التغير عن حالة الاعتدال والاستقامة. قال سهيل في الفصيح: فسد،ونقيضه: الصلاح، وهو اعتدال الحال واستواؤه على الحالة الحسنة. الأرض: مؤنثة، وتجمع على أرّض وأراض، وبالواو والنون رفعاً وبالياءوالنون نصباً وجراً شذوذاً، فتفتح العين، وبالألف والتاء، قالوا: أرضات، والأراضي جمع جمع كأواظب. إنما: ما: صلة لأن وتكفها عنالعمل، فإن وليتها جملة فعلية كانت مهيئة، وفي ألفاظ المتأخرين من النحويين وبعض أهل الأصول إنها للحصر، وكونها مركبة منما النافية، دخل عليها إن التي للإثبات فأفادت الحصر، قول ركيك فاسد صادر عن غير عارف بالنحو، والذي نذهب إليهأنها لا تدل على الحصر بالوضع، كما أن الحصر لا يفهم من أخواتها التي كفت بما، فلا فرق بين: لعلزيداً قائم، ولعل ما زيد قائم، فكذلك: إن زيداً قائم، وإنما زيد قائم، وأذا فهم حصر، فإنما يفهم من سياقالكلام لا أن إنما دلت عليه، وبهذا الذي قررناه يزول الإشكال الذي أوردوه في نحو قوله تعالى:

{ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ }

{ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ } ، {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا }. وأعمال إنما قد زعم بعضهم أنه مسموع منلسان العرب، والذي عليه أصحابنا أنه غير مسموع. نحن: ضمير رفع منفصل لمتكلم معه غيره أو لمعظم نفسه، وفياعتلال بنائه على الضم أقوال تذكر في النحو. ألا: حرف تنبيه زعموا أنه مركب من همزة الاستفهام ولا النافية للدلالةعلى تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقاً، كقوله تعالى:

{ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ } ، ولكونها من المنصبفي هذه لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم، وقال ذلك الزمخشري. والذي نختاره أنألا التنبيهية حرف بسيط، لأن دعوى التركيب على خلاف الأصل، ولأن ما زعموا من أن همزة الاستفهام دخلت على لاالنافية دلالة على تحقق ما بعدها، إلى آخره خطاً، لأن مواقع ألا تدلّ على أن لا ليست للنفي، فيتم ماادعوه، ألا ترى أنك تقول: ألا إن زيداً منطلق، ليس أصله لا أن زيداً منطلق، إذ ليس من تراكيب العرببخلاف ما نظر به من قوله تعالى: { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ } ، لصحة تركيب، ليس زيد بقادر، ولوجودها قبل رب وقبلليت وقبل النداء وغيرها مما لا يعقل فيه أن لا نافية، فتكون الهمزة للاستفهام دخلت على لا النافية فأفادت التحقيق،قال امرؤ القيس:

ألا رب يوم لك منهن صالح ولا سيما يوم بدارة جلجل

وقال الآخر:

ألا ليت شعري كيف حادث وصلها وكيف تراعي وصلة المتغيب

وقال الآخر:

ألا يا لقومي للخيال المشوق وللدار تنأى بالحبيب ونلتقي

وقال الآخر:

ألا يا قيس والضحاك سيرا فقد جاوزتما خمر الطريق

إلى غير هذا مما لا يصلح دخول لا فيه. وأما قوله: لاتكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يلتقي به القسم فغير صحيح، ألا ترى أن الجملة بعدها تستفتح، برب،وبليت، وبفعل الأمر، وبالنداء، وبحبذا، في قوله:

ألا حبـذا هنـد وأرض بهـا هنـد

ولا يلتقي بشيء من هذا القسم وعلامةألا هذه التي هي تنبيه واستفتاح صحة الكلام دونها، وتكون أيضاً حرف عرض فيليها الفعل، وإن وليها الاسم فعلى إضمارالفعل، وحرف جواب بقول القائل: ألم تقم فتقول: ألا بمعنى بلى؟ نقل ذلك صاحب كتاب (وصف المباني في حروف المعاني)قال: وهو قليل شاذ، وأما ألا التي للتمني في قولهم: إلا ماء، فذكرها النحاة في فصل لا الداخل عليها الهمزة.لكن: حرف استدراك، فلا يجوز أن يكون ما قبلها موافقاً لما بعدها، فإن كان نقيضاً أو ضداً جاز، أو خلافاًففي الجواز خلاف، وفي التصحيح خلاف. وحكى أبو القاسم بن الرمال جواز أعمالها مخففة عن يونس، وحكى ذلك غيره عنالأخفش، وحكى عن يونس أنها ليست من حروف العطف، ولم تقع في القرآن غالباً إلا وواو العطف قبلها، ومما جاءتفيه من غير واو قوله تعالى:{ لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ }

{ لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ }، وفي كلام العرب:

إن ابن ورقاء لا تخشى غوائله لكن وقائعه في الحرب تنتظر

وبقية أحكام لكن مذكورة في النحو.الكاف: حرف تشبيه تعمل الجر وأسميتها مختصة عندنا بالشعر، وتكون زائدة وموافقة لعلى، ومن ذلك قولهم: كخير في جواب منقال كيف أصبحت، ويحدث فيها معنى التعليل، وأحكامها مذكورة في النحو. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءامِنُواْ كَمَا ءامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُكَمَا آمَنَ ٱلسُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَاء وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ }، السفه: الخفة. ومنه قيل للثوب الخفيف النسج سفيه، وفيالناس خفة الحلم، قاله ابن كيسان، أو البهت والكذب والتعمد خلاف ما يعلم، قاله مؤرج، أو الظلم والجهل، قاله قطرب.والسفهاء جمع سفيه، وهو جمع مطرد في فعيل الصحيح الوصف المذكر العاقل الذي بينه وبين مؤنثه التاء، والفعل منه سفهبكسر العين وضمها، وهو القياس لأجل اسم الفاعل. قالوا: ونقيض السفه: الرشد، وقيل: الحكمة، يقال رجل حكيم، وفي ضده سفيه،ونظير السفه النزق والطيش. {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ}، اللقاء: استقبال الشخص قريباً منه، والفعل منه لقي يلقى، وقد يقال لاقى، وهو فاعل بمعنى الفعل المجرّد، وسمع للقىأربعة عشر مصدراً، قالوا: لقى، لقيا، ولقية، ولقاة، ولقاء، ولقاء، ولقى، ولقي، ولقياء، ولقياء، ولقيا، ولقيانا، ولقيانة، وتلقاء. الخلو: الانفراد،خلا به أي انفرد، أو المضي،{ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ }. الشيطان، فيعال عند البصريين، فنونه أصلية منشطن، أي بعد، واسم الفاعل شاطن، قال أمية:

أيما شاطن عصاه عكاه ثم يلقى في السجن والأكبال

وقال رؤبة:

وفي أخاديد السياط المتن شاف لبغي الكلب المشيطن

ووزنهفعلان عند الكوفيين، ونونه زائدة من شاط يشيط إذا هلك، قال الشاعر:

قد تظفر العير في مكنون قائلة وقد تشطو على أرماحنا البطل

والشيطان كل متمرد من الجن والإنس والدواب، قاله ابن عباس، وأنثاه شيطانة، قال الشاعر:

هي البازل الكوماء لا شيء غيرها وشيطانة قد جن منها جنونها

وشياطين: مع شيطان، نحو غراثين في جمع غرثان،وحكاه الفراء، وهذا على تقدير أن نونه زائدة تكون نحو: غرثان، مع اسم معناه الصحبة اللائقة بالمذكور، وتسكينها قبل حركةلغة ربيعة وغنم، قاله الكسائي. وإذا سكنت فالأصح أنها اسم، وإذا ألقيت ألف اللام أو ألف الوصل، فالفتح لغة عامّةالعرب، والكسر لغة ربيعة، وتوجيه اللغتين في النحو، ويستعمل ظرف مكان فيقع خبراً عن الجثة والأحداث، وإذا أفرد نوّن مفتوحاً،وهي ثلاثي الأصل من باب المقصور، إذ ذاك لا من باب يد، خلافاً ليونس، وأكثر استعمال معاً حال، نحو: جميعاً،وهي أخص من جميع لأنها تشرك في الزمان نصاً، وجميع تحتمله. وقد سأل أحمد بن يحيـى أحمد بن قادم عنالفرق بين. قام عبد الله وزيد معاً، وقام عبد الله وزيد جميعاً، قال: فلم يزل يركض فيها إلى الليل، وفرقابن يحيـى: بأن جيمعاً يكون القيام في وقتين وفي وقت واحد، وأما إذا قلت: معاً، فيكون في وقت واحد. الاستهزاء:الاستخفاف والسخرية، وهو استفعل بمعنى الفعل المجرد، وهو فعل، تقول: هزأت به واستهزأت بمعنى واحد، مثل استعجب: بمعنى عجب، وهوأحد المعاني التي جاءت لها استفعل. {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ } المد: التطويل، مدّ الشيء: طوّله وبسطه،{ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظلّ } ، وأصل المد: الزيادة، وكل شيء دخل في شيء فكثره فقد مدّه، قالهاللحياني. وأمدّ بمعنى مدّ، مدّ الجيش، وأمدّه: زاده وألحق به ما يقويه من جنسه. وقال بعض أهل العلم: مدّ زادمن الجنس، وأمدّ: زاد من غير الجنس. وقال يونس: مدّ في الخير وأمدّ في الشر. انتهى قوله. ويقال: مدّ النهروأمدّه نهر آخر، ومادّة الشيء ما يمدّه، الهاء فيه للمبالغة. وقال ابن قتيبة: مددت الدواة وأمددتها بمعنى، ويقال: مددنا القوم:صرنا لهم أنصاراً وأمددناهم بغيرنا. وقال اللحياني: أمد الأمير جنده بالخيل، وفي التنزيل: { وَأَمْدَدْنَـٰكُم بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ } . الطغيان: مجاوزةالمقدار المعلوم، يقال طغى الماء، وطغت النار. العمه: التردد والتحير، وهو شبيه بالعمى، إلا أن العمى توصف به العين التيذهب نورها، والرأي الذي غاب عنه الصواب. يقال: عمه، يعمه، عمهاً، وعمهاناً فهو: عمه، وعامه. ويقال: برية عمهاء إذا لميكن بها علم يستدل به. وقال ابن قتيبة: العمه أن يركب رأسه ولا يبصر ما يأتي. وقيل: العمه: العمى عنالرشد. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ }، الاشتراء والشراء بمعنى: الاستبدال بالشيء والاعتياضمنه، إلا أن الاشتراء يستعمل في الابتياع والبيع، وهو مما جاء فيه افتعل بمعنى الفعل المجرد، وهو أحد المعاني التيجاء لها افتعل. الربح: هو ما يحصل من الزيادة على رأس المال. التجارة: هي صناعة التاجر، وهو الذي يتصرف فيالمال لطلب النموّ والزيادة. المهتدي: اسم فاعل من اهتدى وافتعل فيه للمطاوعة، هديته فاهتدى، نحو: سويته فاستوى، وغممته فاغتم. والمطاوعةأحد المعاني التي جاءت لها افعل، ولا تكون افتعل للمطاوعة مبنية إلا من الفعل المتعَدّي، وقد وهم من زعم أنهاتكون من اللازم، وأن ذلك قليل فيها، مستدلاً بقول الشاعر:

حتى إذا اشتال سهيل في السحر كشعلة القابس ترمي بالشرر

لأن افتعل في البيت بمعنى، فعل. تقول: شال يشول، واشتال يشتال بمعنى واحد، ولا تتعقل المطاوعة،إلا بأن يكون المطاوع متعدياً. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ } جملة شرطية، ويحتمل أن تكون من باب عطفالجمل استئنافاً ينعي عليهم قبائح أفعالهم وأقوالهم، ويحتمل أن يكون كلاماً، وفي الثاني جزء كلام لأنها من تمام الصلة. وأجازالزمخشري، وأبو البقاء أن تكون معطوفة على يكذبون، فإذ ذاك يكون لها موضع من الإعراب، وهو النصب، لأنها معطوفة علىخبر كان، والمعطوف على الخبر خبر، وهي إذ ذاك جزء من السبب الذي استحقوا به العذاب الأليم. وعلى الاحتمالين الأولينلا تكون جزءاً من الكلام، وهذا الوجه الذي أجازاه على حد وجهي ما من قوله بما كانوا يكذبون خطأ، وهوأن تكون ما موصولة بمعنى الذي، وذلك أن المعطوف على الخبر خبر، فيكذبون قد حذف منه العائد على ما، وقوله:وإذا قيل لهم إلى آخر الآية لا ضمير فيه يعود على ما، فبطل أن يكون معطوفاً عليه، إذ يصير التقدير:ولهم عذاب أليم بالذي كانوا، {إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ * تُفْسِدُواْ فِى ٱلارْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ }، وهذا كلامغير منتظم لعدم العائد. وأما وجهها الآخر، وهو أن تكون ما مصدرية، فعلى مذهب الأخفش يكون هذا الإعراب أيضاً خطأ،إذ عنده أن ما المصدرية اسم يعود عليها من صلتها ضمير، والجملة المعطوفة عارية منه. وأما على مذهب الجمهور، فهذاالإعراب شائع، ولم يذكر الزمخشري، وأبو البقاء إعراب هذا سوى أن يكون معطوفاً على يكذبون، أو على يقول، وزعماً أنالأول وجه، وقد ذكرنا ما فيه، والذي نختاره الاحتمال الأول، وهو أن تكون الجملة مستأنفة، كما قررناه، إذ هذه الجملةوالجملتان بعدها هي من تفاصيل الكذب ونتائج التكذيب. ألا ترى قولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ }، وقولهم: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ ٱلسُّفَهَاء}، وقولهم عند لقاء المؤمنين {مِنَ } كذب محض؟ فناسب جعل ذلك جملاً مستقلة ذكرت لإظهار كذبهم ونفاقهم ونسبة السفهللمؤمنين واستهزائهم، فكثر بهذه الجمل واستقلالها ذمهم والرد عليهم، وهذا أولى من جعلها سيقت صلة جزء كلام لأنها إذ ذاكلا تكون مقصودة لذاتها، إنما جيء بها معرفة للموصول إن كان اسماً، ومتممة لمعناه إن كان حرفاً. والجملة بعد إذافي موضع خفض بالإضافة، والعامل فيها عند الجمهور الجواب، فإذا في الآية منصوبة بقوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ }. والذي نختارهأن الجملة بعدها تليها هي الناصبة لإذا لأنها شرطية، وأن ما بعدها ليس في موضع خفض بالإضافة، فحكمها حكم الظروفالتي يجازى بها وإن قصرت عن عملها الجزم. على أن من النحويين من أجاز الجزم بها حملاً على متى منصوباًبفعل الشرط، فكذلك إذا منصوبة بفعل الشرط بعدها، والذي يفسد مذهب الجمهور جوازا إذا قمت فعمر وقائم، لأن ما بعدالفاء لا يعمل فيما قبلها، وجواز وقوع إذا الفجائية جواباً لإذا الشرطية، قال تعالى: { وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ } إذا لهم مكر في آياتنا، وما بعد إذا الفجائية لا يعمل فيما قبلها، وحذف فاعل القولهنا للإبهام، فيحتمل أن يكون الله تعالى، أو الرسول ﷺ، أو بعض المؤمنين، وكل من هذا قدقيل، والمفعول الذي لم يسم فاعله، فظاهر الكلام أنها الجملة المصدرة بحرف النهي وهي: {لا تفسدوا في الأرض، إلا أنذلك لا يجوز إلا على مذهب من أجاز وقوع الفاعل جملة، وليس مذهب جمهور البصريين. وقد تقدمت المذاهب فيذلك عند الكلام على قوله تعالى: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم، والمفعول الذي لم يسم فاعله في ذلك حكمهحكم الفاعل، وتخريجه على مذهب جمهور البصريين أن المفعول الذي لم يسمّ فاعله هو مضمر تقديره هو، يفسره سياق الكلامكما فسر المضمر في قوله تعالى: { حتى توارت بالحجاب } سياق الكلام والمعنى، وإذا قيل لهم قول شديد فأضمر هذا القولالموصوف وجاءت الجملة بعده مفسرة، فلا موضع لها من الإعراب لأنها مفسرة لذلك المضمر الذي هو القول الشديد، ولا جائزأن يكون لهم في موضع المفعول الذي لم يسمّ فاعله لأنه لا ينتظم منه مع ما قبله كلام، لأنه يبقيلا تفسدوا لا ارتباط له، إذ لا يكون معمولاً للقول مفسراً له. وزعم الزمخشري أن المفعول الذي لم يسمفاعله هو الجملة التي هي: لا تفسدوا، وجعل ذلك من باب الإسناد اللفظي ونظره بقولك ألف حرف من ثلاثة أحرف،ومنه زعموا مطية الكذب، قال: كأنه قيل، وإذا قيل لهم هذا القول وهذا الكلام، انتهى. فلم يجعله من باب الإسنادإلى معنى الجملة لأن ذلك لا يجوز على مذهب جمهور البصريين، فعدل إلى الإسناد اللفظي، وهو الذي لا يختص بهالاسم بل يوجد في الإسم والفعل والحرف والجملة، وإذا أمكن الإسناد المعنوي لم يعدل إلى الإسناد اللفظي، وقد أمكن ذلكبالتخريج الذي ذكرناه. واللام في قوله: لهم، للتبليغ، وهو أحد المعاني السبعة عشر التي ذكرناها للام عند كلامنا على قولهتعالى: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ }. وإفسادهم في الأرض بالكفر، قاله ابن عباس، أو المعاصي، قاله أبو العالية ومقاتل، أو بهما، قالهالسدي عن أشياخه؛ أو بترك امتثال الأمر واجتناب النهي، قاله مجاهد؛ أو بالنفاق الذي ضافوا به الكفار وأطلعوهم على أسرارالمؤمنين، ذكره علي بن عبيد الله، أو بإعراضهم عن الإيمان برسول الله ﷺ والقرآن؛ أو بقصدهم تغييرالملة، قاله الضحاك، أو باتباعهم هواهم وتركهم الحق مع وضوحه، قاله بعضهم. وقال الزمخشري: الإفساد في الأرض تهييج الحروبوالفتن، قال: لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية، قال تعالى: { لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ } { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء }، ومنه قيل لحرب كانت بين طيء:حرب الفساد، انتهى كلامه. ووجه الفساد بهذه الأقوال التي قيلت أنها كلها كبائر عظيمة ومعاص جسيمة، وزادها تغليظاً إصرارهم عليها،والأرض متى كثرت معاصي أهلها وتواترت، قلّت خيراتها ونزعت بركاتها ومنع عنها الغيث الذي هو سبب الحياة، فكان فعلهم الموصوفأقوى الأسباب لفساد الأرض وخرابها. كما أن الطاعة والاستغفار سبب لكثرة الخيرات ونزول البركات ونزول الغيث، ألا ترى قوله تعالى: { فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ } { وَأَنَّ لُو ٱسْتَقَـٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ }{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ }{ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ }، الآيات. وقد قيل في تفسيره ما روي في الحديث من أن الفاجر يستريح منه العباد والبلادوالشجر والدواب، إن معاصيه يمنع الله بها الغيث، فيهلك البلاد والعباد لعدم النبات وانقطاع الأقوات. والنهي عن الإفساد في الأرضمن باب النهي عن المسبب، والمراد النهي عن السبب. فمتعلق النهي حقيقة هو مصافاة الكفار وممالأتهم على المؤمنين بإفشاء السرإليهم وتسليطهم عليهم، لإفضاء ذلك إلى هيج الفتن المؤدي إلى الإفساد في الأرض، فجعل ما رتب على المنهي عنه حقيقةمنهياً عنه لفظاً. والنهي عن الإفساد في الأرض هنا كالنهي في قوله تعالى: { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلاْرْضِ مُفْسِدِينَ }. وليسذكر الأرض لمجرد التوكيد بل في ذلك تنبيه على أن هذا المحل الذي فيه نشأتكم وتصرفكم، ومنه مادة حياتكم، وهوسترة أمواتكم، جدير أن لا يفسد فيه، إذ محل الإصلاح لا ينبغي أن يجعل محل الإفساد. ألا ترى إلى قوله تعالى:

{ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلاْرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا } وقال تعالى: { هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلاْرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ } وَقَالَ تَعَالَى { وَٱلاْرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَـٰهَا وَٱلْجِبَالَ أَرْسَـٰهَا مَتَـٰعاً لَّكُمْ وَلاِنْعَـٰمِكُمْ }، وقوله تعالى:{ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَاء صَبّاً }، الآية. إلى غير ذلك من الآيات المنبهة على الامتنان علينا بالأرض،وما أودع الله فيها من المنافع التي لا تكاد تحصى. وقابلوا النهي عن الإفساد بقولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ }،فأخرجوا الجواب جملة اسمية لتدل على ثبوت الوصف لهم، وأكدوها بإنما دلالة على قوة اتصافهم بالإصلاح. وفي المعنى الذي اعتقدواأنهم مصلحون. أقوال: أحدها: قول ابن عباس: إن ممالأتنا الكفار إنما نريد بها الإصلاح بينهم وبين المؤمنين. والثاني: قول مجاهدوهو: أن تلك الممالأة هدى وصلاح وليست بفساد. والثالث: أن ممالأه النفس والهوى صلاح وهدى. والرابع: أنهم ظنوا أن فيممالأة الكفار صلاحاً لهم، وليس كذلك لأن الكفار لو ظفروا بهم لم يبقوا عليهم، ولذلك قال: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَوَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ }. والخامس: أنهم أنكروا أن يكونوا فعلوا ما نهوا عنه من ممالأة الكفار، وقالوا: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} باجتناب ما نهينا عنه. والذي نختاره أنه لا يتعين شيء من هذه الأقوال، بل يحمل النهي على كلفرد من أنواع الإفساد، وذلك أنهم لما ادعوا الإيمان وأكذبهم الله في ذلك وأعلم بأن إيمانهم مخادعة، كانوا يكونون بينحالين: إحداهما: أن يكونوا مع عدم إيمانهم موادعين لرسول الله ﷺ وللمؤمنين، والحالة الأخرى أن يكونوا مععدم إيمانهم يسعون بالإفساد بالأرض لتفرق كلمة الإسلام وشتات نظام الملة، فنهوا عن ذلك وكأنهم قيل لهم: إن كنتم قدقنع منكم بالإقرار بالإيمان، وإن لم تؤمن قلوبكم فإياكم والإفساد في الأرض، فلم يجيبوا بالامتناع من الإفساد، بل أثبتوا لأنفسهمأنهم مصلحون وأنهم ليسوا محلاً للإفساد، فلا يتوجه النهي عن الإفساد نحوهم لاتصافهم بضده وهو الإصلاح. كل ذلك بهت منهموكذب صرف على عادتهم في الكذب وقولهم بأفواههم ما ليس في قلوبهم. ولما كانوا قد قابلوا النهي عن الإفساد بدعوىالإصلاح الكاذبة أكذبهم الله بقوله: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ}، فأثبت لهم ضد ما ادعوه مقابلاً لهم ذلك في جملة اسميةمؤكدة بأنواع من التأكيد منها: التصدير بأن وبالمجيء بهم، وبالمجيء بالألف واللام التي تفيد الحصر عند بعضهم. وقال الجرجاني: دخلتالألف واللام في قوله المفسدون لما تقدم ذكر اللفظة في قوله لا تفسدوا، فكأنه ضرب من العهد، ولو جاء الخبرعنهم ولم يتقدم من اللفظة ذكر، لكان {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ }، انتهى كلامه، وهو حسن. واستفتحت الجملة بألامنبهة على ما يجيء بعدها لتكون الأسماع مصغية لهذا الإخبار الذي جاء في حقهم، ويحتمل هم أن يكون تأكيداً للضميرفي أنهم وإن كان فصلاً، فعلى هذين الوجهين يكون المفسدون خبراً لأن، وأن يكون مبتدأ ويكون المفسدون خبره. والجملة خبرلأن، وقد تقدم ذكر فائدة الفصل عند الكلام على قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }. وتحقيق الاستدراك هنا في قوله: {وَلَـٰكِنلاَّ يَشْعُرُونَ }، هو أن الإخبار عنهم أنهم هم المفسدون يتضمن علم الله ذلك، فكان المعنى أن الله قد علمأنهم هم المفسدون، ولكن لا يعلمون ذلك، فوقعت لكن إذ ذاك بين متنافيين، وجهة الاستدراك أنهم لما نهوا عن إيجادمثل ما كانوا يتعاطونه من الإفساد فقابلوا ذلك بأنهم مصلحون في ذلك، وأخبر الله عنهم أنهم هم المفسدون، كانوا حقيقينبأن يعلموا أن ذلك كما أخبر الله تعالى، وأنهم لا يدعون أنهم مصلحون، فاستدرك عليهم هذا المعنى الذي فاتهم منعدم الشعور بذلك. تقول: زيد جاهل ولكن لا يعلم، وذلك أنه من حيث اتصف بالجهل وصار وصفاً قائماً بزيد، كانينبغي لزيد أن يكون عالماً بهذا الوصف الذي قام به، إذ الإنسان ينبغي أن يعلم ما اشتمل عليه من الأوصاف،فاستدرك عليه بلكن، لأنه مما كثر في القرآن ويغمض في بعض المواضع إدراكه. قالوا: ومفعول يشعرون محذوف لفهم المعنى تقديرهأنهم مفسدون، أو أنهم معذبون، أو أنهم ينزل بهم الموت فتنقطع التوبة، والأولى، ويحتمل أن لا ينوي محذوف فيكون قدنفى عنهم الشعور من غير ذكر متعلقه ولا نية، وهو أبلغ في الذم، جعلوا لدعواهم ما هو إفساد إصلاحاً ممنانتفى عنه الشعور وكأنهم من البهائم، لأن من كان متمكناً من إدراك شيء فأهمل الفكر والنظر حتى صار يحكم علىالأشياء الفاسدة بأنها صالحة، فقد انتظم في سلك من لا شعور له ولا إدراك، أو من كابر وعاند فجعل الحقباطلاً، فهو كذلك أيضاً. وفي قوله تعالى: {ولكن لا يشعرون تسلية عن كونهم لا يدركون الحق، إذ من كان منأهل الجهل فينبغي للعالم أن لا يكترث بمخالفته. والكلام على قوله تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا، كالكلام على قولهتعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا} من حيث عطف هذه الجملة على سبيل الاستئناف، أو عطفها على صلة من قوله:من يقول، أو عطفها على يكذبون، ومن حيث العامل في إذا، ومن حيث حكم الجملة بعد إذا، ومن حيث المفعولالذي لم يسم فاعله. واختلف في القائل لهم آمنوا، فقال ابن عباس: الصحابة، ولم يعين أحداً منهم، وقال مقاتل: قوممخصوصون منهم وهم: سعد بن معاذ، وأبو لبابة، وأسيد بن الحضير. ولما نهاهم تعالى عن الإفساد أمرهم بالإيمان لأن الكماليحصل بترك مالا ينبغي وبفعل ما ينبغي، وبدىء بالمنهي عنه لأنه الأهم، ولأن المنهيات عنها هي من باب التروك، والتروكأسهل في الامتثال من امتثال المأمورات بها. والكاف من قوله: {كَمَا ءامَنَ ٱلنَّاسُ } في موضع نصب، وأكثر المعربين يجعلونذلك نعتاً لمصدر محذوف التقدير عندهم: آمنوا إيماناً كما آمن الناس، وكذلك يقولون: في سير عليه شديد، أو: سرت حثيثاً،إن شديداً وحثيثاً نعت لمصدر محذوف التقدير: سير عليه سيراً شديداً، وسرت سيراً حثيثاً. ومذهب سيبويه، رحمه الله، أن ذلكليس بنعت لمصدر محذوف، وإنما هو منصوب على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم المحذوف بعد الإضمار علىطريق الاتساع، وإنما لم يجز ذلك لأنه يؤدي إلى حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه في غير المواضع التي ذكروها. وتلكالمواضع أن تكون الصفة خاصة بجنس الموصوف، نحو: مررت بكاتب ومهندس، أو واقعة خبراً، نحو: زيد قائم، أو حالاً، نحو:مررت بزيد راكباً، أو وصفاً لظرف، نحو: جلست قريباً منك، أو مستعملة استعمال الأسماء، وهذا يحفظ ولا يقاس عليه، نحو:الأبطح والأبرق. وإذا خرجت الصفة عن هذه المواضع لم تكن إلا تابعة للموصوف، ولا يكتفي عن الموصوف، ألا ترى أنسيبويه منع: ألا ماء ولو بارداً وأن تقدم ما يدل على حذف الموصوف وأجاز: ولو بارداً، لأنه حال، وتقرير هذافي كتب النحو. وما، من: كما آمن الناس، مصدرية التقدير كإيمان الناس، فينسبك من ما، والفعل بعدها مصدر مجرور بكافالتشبيه التي هي نعت لمصدر محذوف، أو حال على القولين السابقين، وإذا كانت ما مصدرية فصلتها جملة فعلية مصدرة بماضمتصرف أو مضارع، وشذ وصلها بليس في قول الشاعر:

بمـا لستمـا أهـل الخيانـة والغـدر

ولا توصل بالجملة الإسمية خلافاً لقوم،منهم: أبو الحجاج الأعلم، مستدلين بقوله:

وجدنا الحمر من شر المطايا كما الحبطات شر بني تميم

وأجاز الزمخشري، وأبو البقاء في ما من قوله: كما آمن، أن تكون كافة للكاف عن العمل مثلها في:ربما قام زيد، وينبغي أن لا تجعل كافة إلا في المكان الذي لا تتقدر فيه مصدرية، لأن إبقاءها مصدرية مبقللكاف على ما استقر فيها من العمل، وتكون الكاف إذ ذاك مثل حروف الجر الداخلة على ما المصدرية، وقد أمكنذلك في: كما آمن الناس، فلا ينبغي أن تجعل كافة. والألف واللام في الناس يحتمل أن تكون للجنس، فكأنه قال:الكاملون في الإنسانية، أو عبر بالناس عن المؤمنين لأنهم هم الناس في الحقيقة، ومن عداهم صورته صورة الناس، وليس منالناس لعدم تمييزه، كما قال الشاعر:

ليس من الناس ولكنه يحسبه الناس من الناس

ويحتمل أن تكون الألف واللام للعهد، ويعني به رسول الله ﷺ وأصحابه، قاله ابن عباس، أو عبدالله بن سلام، ونحوه ممن حسن إسلامه من اليهود، قاله مقاتل، أو معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وأسيد بنالحضير، وجماعة من وجوه الأنصار عدهم الكلبي. والأولى حملها على العهد، وأن يراد به من سبق إيمانه قبل قول ذلكلهم، فيكون حوالة على من سبق إيمانه لأنهم معلومون معهودون عند المخاطبين بالأمر بالإيمان. والتشبيه في: {كَمَا ءامَنَ ٱلنَّاسُ }إشارة إلى الإخلاص، وإلا فهم ناطقون بكلمتي الشهادة غير معتقديها. أنؤمن: معمول لقالوا، وهو استفهام معناه الإنكار أو الاستهزاء. ولماكان المأمور به مشبهاً كان جوابهم مشبهاً في قولهم: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ ٱلسُّفَهَاء }، والقول في الكاف وما في هذاكالقول فيهما في: {كَمَا ءامَنَ ٱلنَّاسُ }. والألف واللام في السفهاء للعهد، فيعني به الصحابة، قاله ابن عباس؛ أو الصبيانوالنساء، قاله الحسن، أو عبد الله بن سلام وأصحابه، قاله مقاتل، ويحتمل أن تكون للجنس فيندرج تحته من فسر بهالناس من المعهودين، أو الكاملون في السفه، أو لأنهم انحصر السفه فيهم إذ لا سفيه غيرهم. وأبعد من ذهب إلىأن الألف واللام للصفة الغالبة نحو: العيوق والدبران، لأنه لم يغلب هذا الوصف عليهم، فصاروا إذا قيل: السفهاء، فهم منهناس مخصوصون، كما يفهم من العيوق نجم مخصوص. ويحتمل قولهم: {كَمَا آمَنَ ٱلسُّفَهَاء } أن يكون ذلك من باب التعنتوالتجلد حذراً من الشماتة، وهم عالمون بأنهم ليسوا بسفهاء. ويحتمل أن يكون ذلك من باب الاعتقاد الجزم عندهم، فيكونوا قدنسبوهم للسفه معتقدين أنهم سفهاء، وذلك لما أخلوا به من النظر والفكر الصحيح المؤدّي إلى إدراك الحق، وهم كانوا فيرئاسة ويسار، وكان المؤمنون إذ ذاك أكثرهم فقراء وكثير منهم موال، فاعتقدوا أن من كان بهذه المثابة كان من السفهاءلأنهم اشتغلوا ما لا يجدي عندهم وكسلوا عن طلب الرئاسة والغنى وما به السؤدد في الدنيا، وذلك هو غاية السفهعندهم. وفي قوله: {كَمَا آمَنَ ٱلسُّفَهَاء } إثبات منهم في دعواهم بسفه المؤمنين أنهم موصوفون بضد السفه، وهو رزانة الأحلامورجحان العقول، فرد الله عليهم قولهم وأثبت أنهم هم السفهاء، وصدر الجملة بألا التي للتنبيه لينادي عليهم المخاطبين بأنهم السفهاء،وأكد ذلك بأن وبلفظ هم. وإذا التقت الهمزتان والأولى مضمومة والثانية مفتوحة من كلمتين نحو: {ٱلسُّفَهَاء أَلا }، ففي ذلكأوجه. أحدها: تحقيق الهمزتين، وبذلك قرأ الكوفيون، وابن عامر. والثاني: تحقيق الأولى وتخفيف الثانية بإبدالها واواً كحالها إذا كانتمفتوحة قبلها ضمة في كلمة نحو: أواتي مضارع آتى، فاعل من أتيت، وجؤن تقول: أواتي وجون، وبذلك قرأ الحرميان، وأبوعمرو. والثالث: تسهيل الأولى بجعلها بين الهمزة والواو، وتحقيق الثانية. والرابع: تسهيل الأولى بجعلها بين الهمزة والواو وإبدال الثانية واواً.وأجاز قوم وجهاً. خامساً: وهو جعل الأولى بين الهمزة والواو، وجعل الثانية بين الهمزة والواو، ومنع بعضهم ذلك لأن جعلالثانية بين الهمزة والواو تقريباً لها من الألف، والألف لا تقع بعد الضمة، والأعاريب الثلاثة التي جازت في: هم، فيقوله: {هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ }، جائزة في: هم، من قوله: {هُمُ ٱلسُّفَهَاء }. والاستدراك الذي دلت عليه لكن في قوله:{وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ }، مثله في قوله تعالى: {وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ }، وإنما قال هناك لا يشعرون وهنا لا يعلمونلأن المثبت لهم هناك هو الإفساد، وهو مما يدرك بأدنى تأمل، لأنه من المحسوسات التي لا تحتاج إلى فكر كثير،فنفى عنهم ما يدرك بالمشاعر، وهي الحواس، مبالغة في تجهيلهم، وهو أن الشعور الذي قد يثبت للبهائم منفي عنهم، والمثبتهنا هو السفه، والمصدر به هو الأمر بالإيمان، وذلك مما يحتاج إلى إمعان فكر واستدلال ونظر تام يفضي إلى الإيمانوالتصديق، ولم يقع منهم المأمور به فناسب ذلك نفي العلم عنهم، ولأن السفه هو خفة العقل والجهل بالمأمور، قال السموأل:

نخاف أن تسفه أحلامنا فنجهل الجهل مع الجاهل

والعلم نقيض الجهل، فقابله بقوله: لايعلمون، لأن عدم العلم بالشيء جهل به. قرأ ابن السميفع اليماني، وأبو حنيفة: {وَإِذَا * يَتَذَكَّرُونَ * ٱلَّذِينَ }، وهيفاعل بمعنى الفعل المجرد، وهو أحد معاني فاعل الخمسة، والواو المضمومة في هذه القراءة هي واو الضمير تحركت لسكون مابعدها، ولم تعد لام الكلمة المحذوفة لعروض التحريك في الواو، واللقاء يكون بموعد وبغير موعد، فإذا كان بغير موعد سميمفاجأة ومصادفة، وقولهم لمن لقوا من المؤمنين: آمنا، بلفظ مطلق الفعل غير مؤكد بشيء تورية منهم وإيهاماً، فيحتمل أن يريدوابه الإيمان بموسى وبما جاء به دون غيره، وذلك من خبثهم وبهتهم، ويحتمل أن يريدوا به الإيمان المقيد في قولهم:{بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأْخِرِ وَمَا }، وليسوا بصادقين في ذلك، ويحتمل أن يريدوا بذلك ما أظهروه بألسنتهم من الإيمان، ومن اعترافهمحين اللقاء، وسموا ذلك إيماناً، وقلوبهم عن ذلك صارفة معرضة. وقرأ الجمهور: خلوا إلى بسكون الواو وتحقيق الهمزة، وقرأورش: بإلقاء حركة الهمزة على الواو وحذف الهمزة، ويتعدى خلا بالباء وبإلى، والباء أكثر استعمالاً، وعدل إلى إلى لأنها إذاعديت بالباء احتملت معنيين: أحدهما: الانفراد، والثاني: السخرية، إذ يقال في اللغة: خلوت به، أي سخرت منه، وإلى لا يحتملإلا معنى واحداً، وإلى هنا على معناها من انتهاء الغاية على معنى تضمين الفعل، أي صرفوا خلاهم إلى شياطينهم، قالالأخفش: خلوت إليه، جعلته غاية حاجتي، وهذا شرح معنى، وزعم قوم، منهم النضر بن شميل: إن إلى هنا بمعنى معأي: وإذا خلوا مع شياطينهم، كما زعموا ذلك في قوله تعالى:{ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ }

{ وَمِنْ * أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ }، أي مع أموالكم ومع الله، ومنه قول النابغة:

فلا تتركني بالوعيد كأنني إلى الناس مطلي به القار أجرب

ولا حجة في شيء من ذلك. وقيل: إلى بمعنى الباء، لأن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض،وهذا ضعيف، إذ نيابة الحرف عن الحرف لا يقول بها سيبويه، والخليل، وتقرير هذا في النحو. وشياطينهم: هم اليهود الذينكانوا يأمرونهم بالتكذيب، قاله ابن عباس؛ أو رؤساؤهم في الكفر، قاله ابن مسعود. وروي أيضاً عن ابن عباس: أو شياطينالجن، قاله الكلبي: أو كهنتهم، قاله الضحاك وجماعة. وكان في عهد رسول الله ﷺ من الكهنة جماعةمنهم: كعب بن الأشرف من بني قريظة، وأبو بردة في بني أسلم، وعبد الدار في جهينة، وعوف بن عامر فيبني أسد، وابن السوداء في الشام، وكانت العرب يعتقدون فيهم الاطلاع على علم الغيب، ويعرفون الأسرار، ويداوون المرضى، وسموا شياطينلتمردهم وعتوّهم، أو باسم قرنائهم من الشياطين، إن فسروا بالكهنة، أو لشبههم بالشياطين في وسوستهم، وغرورهم، وتحسينهم للفواحش، وتقبيحهم للحسن.والجمهور على تحريم العين من معكم، وقرىء في الشاذ: إنا معكم، وهي لغة غنم وربيعة، وقد اختلف القولان منهم،فقالوا للمؤمنين: آمنا، ولشياطينهم إنا معكم. فانظر إلى تفاوت القولين، فحين لقوا المؤمنين قالوا آمنا، أخبروا بالمطلق، كما تقدم، منغير توكيد، لأن مقصودهم الإخبار بحدوث ذلك ونشئه من قبلهم، لا في ادعاء أنهم أوحديون فيه، أو لأنه لا تطوعبذلك ألسنتهم لأنه لا باعث لهم على الإيمان حقيقة، أو لأنه لو أكدوه ما راج ذلك على المؤمنين فاكتفوا بمطلقالإيمان، وذلك خلاف ما أخبر الله عن المؤمنين بقوله: ربنا إننا آمنا، وحين لقوا شياطينهم، أو خلوا إليهم قالوا: إنامعكم، فأخبروا إنهم موافقوهم، وأخرجوا الأخبار في جملة اسمية مؤكدة بأن ليدلوا بذلك على ثباتهم في دينهم، ثم بينوا أنما أخبروا به الذين آمنوا إنما كان على سبيل الاستهزاء، فلم يكتفوا بالإخبار بالموافقة، بل بينوا أن سبب مقالتهم للمؤمنينإنما هو الاستهزاء والاستخفاف، لا أن ذلك صادر منهم عن صدق، وجد، وأبرزوا هذا في الإخبار في جملة اسمية مؤكدةبإنما مخبر عن المبتدأ فيها باسم الفاعل الذي يدل على الثبوت، وأن الاستهزاء وصف ثابت لهم، لا أن ذلك تجددعندهم، بل ذلك من خلقهم وعادتهم مع المؤمنين، وكأن هذه الجملة وقعت جواباً لمنكر عليهم قولهم: إنا معكم، كأنه قال:كيف تدعون أنكم معنا وأنتم مسالمون للمؤمنين، تصدقونهم، وتكثرون سوادهم، وتستقبلون قبلتهم، وتأكلون ذبائحهم؟ فأجابوهم بقولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ }، أيمستخفون بهم، نصانع بما نظهر من ذلك عن دمائنا وأموالنا وذرياتنا، فنحن نوافقهم ظاهراً ونوافقكم باطناً، والقائل إنا معكم، أماالمنافقون لكبارهم، وأما كل المنافقين للكافرين، وقرىء: مستهزؤن، بتحقيق الهمزة، وهو الأصل، وبقلبها ياء مضمومة لانكسار ما قبلها، ومنهم منيحذف الياء تشبيهاً بالياء الأصلية في نحو: يرمون، فيضم الراء. ومذهب سيبويه، رحمه الله، في تحقيقها: أن تجعل بين بين.ومذهب أبي الحسن: أن تقلب ياء قلباً صحيحاً. قال أبو الفتح: حال الياء المضمومة منكر، كحال الهمزة المضمومة. والعرب تعافياء مضمومة قبلها كسرة، وأكثر القراء على ما ذهب إليه سيبويه، انتهى. وهل الاجتماع والمعية في الدين، أو فيالنصرة والمعونة على رسول الله ﷺ وأصحابه، أو في اتفاقهم مع الكفار على اطلاعهم على أحوال المؤمنينوإعلامهم بما أجمعوا عليه من الأمر وأخفوه من المكايد، أو في اتفاقهم مع الكفار على أذى المسلمين وتربصهم بهم الدوائروفرحهم بما يسوء المسلمين وحزنهم بما يسرهم وقصدهم إخماد كلمة الله؟ أقوال أربعة، والدواعي إلى الاستهزاء: خوف الأذى، واستجلاب النفع،والهزل، واللعب. والله تعالى منزه عن ذلك، فلا يصح إضافة الاستهزاء الذي هذه دواعيه إلى الله تعالى. فيحتمل أنيكون الاستهزاء المسند إلى الله تعالى كناية عن مجازاته لهم، وأطلق اسم الاستهزاء على المجازاة ليعلم أن ذلك جزاء الاستهزاء،أو عن معاملته لهم بمثل ما عاملوا به المؤمنين، فأجرى عليهم أحكام المؤمنين من حقن الدم، وصون المال، والإشراك فيالمغنم، مع علمه بكفرهم. وأطلق على الشيء ما أشبهه صورة لا معنى، أو عن التوطئة والتجهيل، لإقامتهم على كفرهم، وسمىالتوطئة لهم استهزاء لأنه لم يعجل لهم العقوبة، بل أملى، وأخرهم إلى الآخرة، أو عن فتح باب الجنة فيسرعون إليهفيغلق، فيضحك منهم المؤمنون، أو عن خمود النار فيمشون فيخسف بهم، أو عن ضرب السور بينهم وبين المؤمنين وهو السورالمذكور في الحديد، أو عن قوله تعالى: { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ }، أو عن تجديد الله لهم نعمةكلما أحدثوا ذنباً، فيظنون أن ذلك لمحبة الله لهم، أو عن الحيلولة بين المنافقين وبين النور الذي يعطاه المؤمنون، كماذكروا أنه روي في الحديث، أو عن طردهم عن الجنة، إذا أمر بناس منهم إلى الجنة ودنوا منها ووجدوا ريحهاونظروا إلى ما أعد الله فيها لأهلها، وهو حديث فيه طول، روي عن عدي بن حاتم، ونحا هذا المنحى ابنعباس، والحسن. وفي مقابلة استهزائهم بالمؤمنين باستهزاء الله بهم ما يدل على عظم شأن المؤمنين وعلو منزلتهم، وليعلم المنافقونأن الله هو الذي يذب عنهم ويحاب من حاربهم. وفي افتتاح الجملة باسم التفخيم العظيم، حيث صدرت الجملة به، وجعلالخبر فعلاً مضارعاً يدل عندهم على التجددد والتكرر، فهو أبلغ في النسبة من الاستهزاء المخبرية في قولهم، ثم في ذلكالتنصيص على الذين يستهزىء الله بهم، إذ عدى الفعل إليهم فقال: يستهزىء بهم وهم لم ينصوا حين نسبوا الاستهزاء إليهمعلى من تعلق به الاستهزاء، فلم يقولوا: إنما نحن مستهزؤن بهم وذلك لتحرجهم من إبلاغ ذلك للمؤمنين فينقمون ذلك عليهم،فأبقوا اللفظ محتملاً أن لو حوققوا على ذلك لكان لهم مجال في الذب عنهم أنهم لم يستهزؤا بالمؤمنين. ألا ترىإلى مداراتهم عن أنفسهم بقولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، وبقولهم: إذا لقوهم قالوا آمنا فهم، عند لقائهم لا يستطيعون إظهارالمداراة، ولا مشاركتهم بما يكرهون، بل يظهرون الطواعية والانقياد. وقرأ ابن محيصن وشبل: يمدهم وتروى عن ابن كثير: ونسبةالمد إلى الله حقيقة، إذ هو موجد الأشياء والمنفرد باختراعها. والمعنى: أن الله تعالى يطول لهم في الطغيان. وقد ذهبالزمخشري إلى تأويل المد المنسوب إلى الله تعالى بأنه منع الألطاف وخذلانهم بسبب كفرهم وإصرارهم، بقيت قلوبهم تتزايد الظلمة فيهاتزايد النور في قلوب المؤمنين، فسمى ذلك التزايد مداً وأسند إلى الله لأنه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم، أوبأن المد هو على معنى القسر والالجاء. قال: أو على أن يسند فعل الشيطان إلى الله لأنه بتمكينه وإقداره والتخليةبينه وبين إغواء عبادة، وإنما ذهب إلى التأويل في المد لأن مد الله لهم في الطغيان قبيح، والله منزه عنفعل القبيح. والتأويل الأول الذي ذكره الزمخشري: قول الكعبي، وأبي مسلم. وقال الجبائي: هو المد في العمر، وعندنا نحن أنالله خالق الخير والشر، وهو الهادي والمضل. وقد تقدم الكلام في نحو من هذا عند قوله تعالى: {خَتَمَ ٱللَّهُعَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } ومد الله في طغيانهم، التمكين من العصيان، قاله ابن مسعود، أو الإملاء، قاله ابن عباس، أو الزيادةمن الطغيان، قاله مجاهد، أو الإمهال، قاله الزجاج وابن كيسان، أو تكثير الأموال، والأولاد، وتطييب الحياة، أو تطويل الأعمار، ومعافاةالأبدان، وصرف الرزايا، وتكثير الأرزاق. وقرأ زيد بن علي: في طغيانهم بكسر الطاء، وهي لغة، يقال: طغيان بالضم والكسر، كماقالوا: القيان، وغينان، بالضم والكسر. وأمال الكسائي في طغيانهم، وأضاف الطغيان إليهم لأنه فعلهم وكسبهم، وكل فعل صدر من العبدصحت إضافته إليه بالمباشرة، وإلى الله بالاختراع. وما فسر به العمه يحتمله قوله تعالى: {يَعْمَهُونَ }، فيكون المعنى: يترددون ويتحيرون،أو يعمون عن رشدهم، أو يركبون رؤوسهم ولا يبصرون. قال بعض المفسرين: وهذا التفسير الأخير أقرب إلى الصواب لأنهم لميكونوا مترددين في كفرهم، بل كانوا مصرين عليه، معتقدين أنه الحق، وما سواه الباطل. يعمهون: جملة في موضع الحال، نصبعلى الحال، إما من الضمير في يمدهم وإما من الضمير في طغيانهم لأنه مصدر مضاف للفاعل، وفي طغيانهم يحتمل أنيكون متعلقاً بيمدهم، ويحتمل أن يكون متعلقاً بيعمهون. ومنع أبو البقاء أن يكون في طغيانهم ويعمهون حالين من الضمير فييمدهم، قال: لأن العامل لا يعمل في حالين. انتهى كلامه. وهذا الذي ذهب إليه يحتاج إلى تقييد، وهو أنتكون الحالان لذي حال واحدة، فإن كانا لذوي حال جاز، نحو: لقيت زيداً مصعداً منحدراً فأما إذا كانا لذي حالواحد، كما ذكرناه، ففي إجازة ذلك خلاف. ذهب قوم إلى أن لا يجوز كما لم يجز ذلك للعامل أن يقضيمصدرين، ولا ظرفي زمان، ولا ظرفي مكان، فكذلك لا يقضي حالين. وخصص أهل هذا المذهب هذا القول بأن لا يكونالثاني على جهة البدل، أو معطوفاً، فإنه إذا كانا كذلك جازت المسألة. قال: بعضهم: إلا أفعل التفضيل، فإنها تعمل فيظرفي زمان، وظرفي مكان، وحالين لذي حال، فإن ذلك يجوز، وهذا المذهب اختاره أبو الحسن بن عصفور. وذهب قوم إلىأنه يجوز للعامل أن يعمل في حالين لذي حال واحد، وإلى هذا أذهب، لأن الفعل الصادر من فاعل، أو الواقعبمفعول، يستحيل وقوعه في زمانين، وفي مكانين. وأما الحالان فلا يستحيل قيامهما بذي حال واحد، إلا إن كانا ضدين، أونقيضين. فيجوز أن تقول: جاء زيد ضاحكاً راكباً، لأنه لا يستحيل مجيئه وهو ملتبس بهذين الحالين. فعلى هذا الذي قررناهمن الفرق يجوز أن يجيء الحالان لذي حال واحد، والعامل فيهما واحد. أولئك: اسم أشير به إلى الذين تقدمذكرهم، الجامعين للأوصاف الذميمة من دعوى الإصلاح، وهم المفسدون، ونسبة السّفه للمؤمنين، وهم السفهاء، والاستخفاف بالمؤمنين بإظهار الموافقة وهم معالكفار. وقرأ الجمهور: اشتروا الضلالة، بضم الواو. وقرأ أبو السماك قعنب العدوي: اشتروا الضلالة بالفتح. ولاعتلال ضمة الواو وجوه أربعةمذكورة في النحو، ووجه الكسر أنه الأصل في التقاء الساكنين، نحو:{ وَأنَّ لُو ٱسْتَقَـٰمُواْ }، ووجه الفتح اتباعها لحركة الفتحقبلها. وأمال حمزة والكسائي الهدي، وهي لغة بني تميم، والباقون بالفتح، وهي لغة قريش. والاشتراء هنا مجاز كنى به عنالاختيار، لأن المشتري للشيء مختار له مؤثر، فكأنه قال: اختاروا الضلالة على الهدى، وجعل تمكنهم من اتباع الهدى كالثمن المبذولفي المشتري، وإنما ذهب في الاشتراء إلى المجاز لعدم المعاوضة، إذ هي استبدال شيء في يدك لشيء في يد غيرك،وهذا مفقود هنا. وقد ذهب قوم إلى أن الاشتراء هنا حقيقة لا مجاز، والمعاوضة متحققة، ثم راموا يقررون ذلك،ولا يمكن أن يتقرر لأنه على كل تقدير يؤول الشراء فيه إلى المجاز، قالوا: إن كان أراد بالآية المنافقين، كماقال مجاهد، فقد كان لهم هدى ظاهر من التلفظ بالشهادة، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصوم، والغزو، والقتال. فلما لم تصدقبواطنهم ظواهرهم واختاروا الكفر، استبدلوا بالهدى الضلال، فتحققت المعاوضة، وحصل البيع والشراء حقيقة، وكان من بيوع المعاطاة التي لا تفتقرإلى اللفظ، وقالوا: لما ولدوا على الفطرة واستمر لهم حكمها إلى البلوغ وجد التكليف، استبدلوا عنها بالكفر والنفاق فتحققت المعاوضة،وقالوا: لما كانوا ذوي عقول متمكنين من النظر الصحيح المؤدي إلى معرفة الصواب من الخطأ، استبدلوا بهذا الاستعداد النفيس اتباعالهوى والتقليد للآباء، مع قيام الدليل الواضح، فتحققت المعاوضة. قالوا: وإن كان أراد بالآية أهل الكتاب، كما قال قتادة، فقدكانوا مؤمنين بالله واليوم الآخر، ومصدقين ببعث النبي ﷺ، ومستفتحين به، ويدعون بحرمته، ويهددون الكفار بخروجه، فكانوامؤمنين حقاً. فلما بعث ﷺ وهاجر إلى المدينة، خافوا على رئاستهم ومآكلهم وانصراف الاتباع عنهم، فجحدوا نبوتهوقالوا: ليس هذا المذكور عندنا، وغيروا صفته، واستبدلوا بذلك الإيمان الكفر الذي حصل لهم، فتحققت المعاوضة. قالوا: وإن كان أرادسائر الكفار، كما قاله ابن مسعود، وابن عباس، فالمعاوضة أيضاً متحققة، إما بالمدة التي كانوا عليها على الفطرة ثم كفروا،أو لأن الكفار كان في محصولهم المدارك الثلاثة: الحسي والنظري والسمعي، وهذه التي تفيد العلم القطعي، فاستبدلوا بها الجري علىسنن الآباء في الكفر. وقال ابن كيسان: خلقهم لطاعته، فاستبدلوا عن هذه الخلقة المرضية كفرهم وضعف قوله، لأنه تعالى لوبرأهم لطاعته، لما كفر أحد منهم لاستحالة أن يخلق شيئاً لشيء ويتخلف عن ذلك الشيء. وسيأتي الكلام على قوله تعالى: { إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }، وعلى ولذلك خلقهم إن شاء الله. قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي: الضلالة: الكفر، والهدى: الإيمان،وقبل الشك واليقين، وقيل الجهل والعلم، وقيل الفرقة والجماعة، وقيل الدنيا والآخرة، وقيل النار والجنة. وعطف: فما ربحت، بالفاء، يدلعلى تعقب نقي الربح للشراء، وأنه بنفس ما وقع الشراء تحقق عدم الربح. وزعم بعض الناس أن الفاء في قوله:{فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ } دخلت لما في الكلام من معنى الجزاء والتقديران اشتروا. والذين إذا كان في صلة فعل، كانفي معنى الشرط، ومثله { ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمُ }، وقع الجواب بالفاء في قوله:{ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } ، وكذلك الذي يدخلالدار فله درهم، انتهى. وهذا خطأ لأن الذين ليس مبتدأ، فيشبه بالشرط الذي يكون مبتدأ، فتدخل الفاء في خبره، كماندخل في جواب الشرط. وأما الذين خبر عن أولئك، وقوله: فما ربحت ليس بخبر، فتدخله الفاء، وإنما هي جملة فعليهمعطوفة على صلة الذين، فهي صلة لأن المعطوف على الصلة صلة، وقوله وقع الجواب بالفاء في قوله: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ }خطأ، لأنه ليس بجواب، إنما الجملة خبر المبتدأ الذي هو ينفقون، ولا يجوز أن يكون أولئك مبتدأ، والذين اشتروا مبتدأ،وفما ربحت تجارتهم خبر عن الذين، والذين وخبره خبر عن أولئك لعدم الرابط في هذه الجملة الواقعة خبراً لأولئك. ولتحققمضي الصلة، وإذا كانت الصلة ماضية، معنى لم تدخل الفاء في خبر موصولها المبتدأ، ولا يجوز أن يكون أولئك مبتدأ،والذين بدل منه، وفما ربحت خبر لأن الخبر إنما تدخله الفاء لعموم الموصول، ولإبدال الذين من أولئك، صار الذين مخصوصاًلأنه بدل من مخصوص، وخبر المخصوص لا تدخله الفاء، ولأن معنى الآية ليس إلا على كون أولئك مبتدأ والذين خبراًعنه. ونسبة الريح إلى التجارة من باب المجاز لأن الذي يربح أو يخسر إنما هو التاجر لا التجارة، ولما صورالضلالة والهدى مشترى وثمناً، رشح هذا المجاز البديع بقوله تعالى: {فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ }، وهذا من باب ترشيح المجاز، وهوأن يبرز المجاز في صورة الحقيقة، ثم يحكم عليه ببعض أوصاف الحقيقة، فينضاف مجازاً إلى مجاز، ومن ذلك قول الشاعر:

بكى الخز من روح وأنكر جلده وعجت عجيجاً من جذام المطارف

أقام الخز مقام شخص حين باشر روحاًبكى من عدم ملامته، ثم رشحه بقوله: وأنكر جلده، ثم زاد في ترشيح المجاز بقوله: وعجب، أي وصاحت مطارف الخزمن قبيل روح هذا، وهي: جذام. ومعنى البيت: أن روحاً وقبيلته جذام لا يصلح لهم لباس الخز ومطارقه، لأنهم لاعادة لهم بذلك، فكنى عن التباين بينهما بما كنى فيه في البيت، ومن ذلك قول الشافعي، رضي الله عنه:

أيا بومة قد عششت فوق هامتي على الرغم مني حين طار غرابها

لما كنى عن الشيب بالبومة فأقبل عليهاوناداها، رشح هذا المجاز بقوله: قد عششت، لأن الطائر من أفعاله اتخاذ العشة، وقد أورد الزمخشري في ترشيح المجاز فيكشافه مثلاً. وقرأ ابن أبي عبلة: تجاراتهم، على الجمع، ووجهه أن لكل واحد تجارة، ووجه قراءة الجمهور على الأفراد أنهاكتفى به عن الجمع لفهم المعنى، وفي قوله: فما ربحت تجارتهم، إشعار بأن رأس المال لم يذهب بالكلية، لأنه إنمانفى الربح، ونفي الربح لا يدل على انتقاص رأس المال. وأجيب عن هذا بأنه اكتفى بذكر عدم الربح عن ذكرذهاب المال، لما في الكلام من الدلالة على ذلك، لأن الضلال نقيض الهدى، والنقيضان لا يجتمعان، فاستبدالهم الضلالة بالهدى دلعلى ذهاب الهدى بالكلية، ويتخرج عندي على أن يكون من باب قوله:

علــي لا حب لا يهتــدي بمنــاره

أيلا منار له فيهتدي به، فنفى الهداية، وهو يريد نفي المنار، ويلزم من نفي المنار نفي الهداية به، فكذلك هذهالآية لما ذكر شراء شيء بشيء، توهم أن هذا الذي فعلوه هو من باب التجارة، إذ التجارة ليس نفس الاشتراءفقط، وليس بتاجر، إنما التجارة: التصرف في المال لتحصيل النموّ والزيادة فنفى الربح. والمقصود نفي التجارة أي لا يتوهم أنهذا الشراء الذي وقع هو تجارة فليس بتجارة وإذا لم يكن تجارة انتفى الربح فكأنه قال: فلا تجارة لهم ولاربح. وقال الزمخشري معناه: إن الذي يطلبه التجار في متصرفاتهم شيئان: سلامة رأس المال والربح، وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً،لأن رأس المال مالهم كان هو الهدى، فلم يبق لهم مع الضلالة، وحين لم يبق في أيديهم إلا الضلالة لميوصفوا بإصابة الربح، وإن ظفروا بما ظفروا به من الأعراض الدنيوية، لأن الضلال خاسر دامر، ولأنه لا يقال لمن لميسلم له رأس ماله قد ربح. انتهى كلامه. ومع ذلك ليس بمخلص في الجواب لأن نفي الربح عن التجارة لايدل على ذهاب كل المال، ولا على الخسران فيه، لأن الربح هو الفضل على رأس المال، فإذا نفى الفضل لميدل على ذهاب رأس المال بالكلية، ولا على الانتقاص منه، وهو الخسران. قيل: لما لم يكن قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتتِّجَـٰرَتُهُمْ } مفيداً لذهاب رؤوس أموالهم، أتبعه بقوله: {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ }، فكمل المعنى بذلك، وتم به المقصود، وهذا النوعمن البيان يقال له: التتميم، ومنه قول امرىء القيس:

كأن عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب

تمم المعنى بقوله: الذي لم يثقب، وكمل الوصف وسمى الله تعالى اعتياضهم الضلالة عن الهدى تجارة، وإن كانتالتجارة هي البيع والشراء المتحقق منه الفائدة، أو المترجى ذلك منه. وهذا الاعتياض منفي عنه ذلك، لأن الكفر محبط للأعمال.قال تعالى:{ وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ } الآية. وفي الحديث، أنه ﷺ سئل عن ابن جدعان: وهوينفعه وصله الرحم وإطعام المساكين؟ فقال: لا إنه لم يقل رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ، لأنهم لم يعتاضوا ذلكإلا لما تحققوا وارتجوا من العوائد الدنيوية والأخروية. ألا ترى إلى قولهم: {نحن أبناء الله وأحباؤه}، وقولهم: { وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ }. وكانت اليهود تزعم أنهم لا يعذبون إلا أياماً معدودة، وبعضهم يقول يوماً واحداً، وبعضهم عشراً، وكل طائفة من الكفارتزعم أنها على الحق وأن غيرها على الباطل. فلحصول الراحة الدنيوية ورجاء الراحة الأخروية، سمى اشتراءهم الضلالة بالهدى تجارة، ونفىالله تعالى عنهم كونهم مهتدين. وهل المعنى ما كانوا في علم الله مهتدين، أو مهتدين من الضلالة، أو للتجارة الرابحة،أو في اشتراء الضلالة، أو نفي عنهم الهداية والربح، لأن من التجار من لا يربح في تجارته ويكون على هدى،وعلى استقامة، وهؤلاء جمعوا بين نفي الربح والهداية. والذي أختاره أن قوله تعالى: {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } إخبار بأن هؤلاءما سبقت لهم هداية بالفعل لئلا يتوهم من قوله: بالهدى، أنهم كانوا على هدى فيما مضى، فبين قوله: {وَمَا كَانُواْمُهْتَدِينَ } مجاز قوله: بالهدى، ودل على أن الذي اعتاضوا الضلالة به إنما هو التمكن من إدراك الهدى، فالمثبت فيالاعتياض غير المنفى أخيراً، لأن ذاك بالقوة وهذا بالفعل. وانتصاب مهتدين على أنه خبر كان، فهو منصوب بها وحدها خلافاًلمن زعم أنه منصوب بكان والاسم معاً، وخلافاً لمن زعم أن أصل انتصابه على الحال، وهو الفراء، قال: لشغل الإسمبرفع كان، إلا أنه لما حصلت الفائدة من جهته كان حالاً خبراً فأتى معرفة، فقيل: كان أخوك زيداً تغليباً للخير،لا للحال. وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات أقوالاً: أحدها: أنها نزلت في المنافقين. الثاني: في قوم أعلمالله بوصفهم قبل وجودهم، وفيه إعلام بالمغيبات. الثالث: في عبد الله بن أبي وأصحابه نزل: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }والتي قبلها في جميع المنافقين، وذكروا ما معناه: أنه لقي نفراً من المؤمنين، فقال لأصحابه: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاءعنكم، فذكر أنه مدح وأثنى على أبي بكر وعمر وعلي، فوبخه علي وقال له: لا تنافق، فقال: ألي تقول هذا،والله إن إيماننا كإيمانكم، ثم افترقوا، فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟ فأثنوا عليه خيراً. وقد تقدمت أقاويل غيرهذه الثلاثة في غضون الكلام قبل هذا.

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَعدل

{ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ } * { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ }{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْفِي ظُلُمَـٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ }: المثل في أصل كلام العرب بمعنى المثل والمثيل، كشبه وشبه وشبيه، وهو النظير، ويجمع المثل والمثل على أمثال. قال اليزيدي: الأمثال: الأشباه، وأصل المثل الوصف، هذا مثل كذا، أي وصفه مساً ولو صف الآخر بوجهمن الوجوه. والمثل: القول السائر الذي فيه غرابة من بعض الوجوه. وقيل: المثل، ذكر وصف ظاهر محسوس وغير محسوس، يستدلبه علي وصف مشابه له من بعض الوجوه، فيه نوع من الخفاء ليصير في الذهن مساوياً للأول في الظهور منوجه دون وجه. والمقصود من ذكر المثل أنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، لأن الغرضمن ضرب المثل تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد، فيتأكد الوقوف على ماهيته ويصير الحس مطابقاً للعقل. والذي: اسم موصول للواحدالمذكر، ونقل عن أبي علي أنه مبهم يجري مجرى مَن في وقوعه على الواحد والجمع. وقال الأخفش: هو مفرد، ويكونفي معنى الجمع، وهذا شبيه بقول أبي علي، وقال صاحب التسهيل فيه، وقد ذكر الذين، قال: ويغني عنه الذي فيغير تخصيص كثيراً وفيه للضرورة قليلاً وأصحابنا يقولون: يجوز أن تحذف النون من الذين فيبقي الذي، وإذا كان الذي لمفردفسمع تشديد الياء فيه مكسورة أو مضمومة، وحذف الياء وإبقاء الذال مكسورة أو ساكنة، وأكثر أصحابنا على أن تلك لغاتفي الذي. والاستيقاد: بمعنى الإيقاد واستدعاء ذلك، ووقود النار ارتفاع لهيبها. والنار: جوهر لطيف مضيء حار محرق. لما: حرف نفييعمل الجزم وبمعنى إلا، وظرفاً بمعنى حين عند الفارسي، والجواب عامل فيها إذ الجملة بعدها في موضع جر، وحرف وجوبلوجوب عند سيبويه، وهو الصحيح لتقدمها على ما نفي بما، ولمجيء جوابها مصدراً بإذا الفجائية. الإضاءة: الإشراق، وهو فرط الإنارة.وحوله: ظرف مكان لا يتصرف، ويقال: حوال بمعناه، ويثنيان ويجمع أحوال، وكلها لا تتصرف وتلزم الإضافة. الذهاب: الانطلاق. النور: الضوءمن كل نير ونقيضة الظلمة، ويقال نار ينور إذا نفر، وجارية نوار: أي نفور، ومنه اسم امرأة الفرزدق، وسمي نوراًلأن فيه اضطراباً وحركة. الترك: التخلية، أترك هذا أي خله ودعه، وفي تضمينه معنى التصيير وتعديته إلى اثنين خلاف، الأصحجواز ذلك. الظلمة: عدم النور، وقيل: هو عرض ينافي النور، وهو الأصح لتعلق الجعل بمعنى الخلق به، والإعدام لا توصفبالخلق، وقد رده بعضهم لمعنى الظلم، وهو المنع، قال: لأن الظلمة تسد البصر وتمنع الرؤية. الإبصار: الرؤية. {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌفَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } جموع كثرة على وزن فعل، وهو قياس في جمع فعلاء وأفعل الوصفين سواء تقابلا، نحو: أحمروحمراء، أو انفرد المانع في الخلقة، نحو: عذل ورتق. فإن كان الوصف مشتركاً لكن لم يستعملا على نظام أحمر وحمراء،وذلك نحو: رجل آلي وامرأة عجزاء، لم ينقس فيه فعل بل يحفظ فيه. والصمص: داء، يحصل في الأذن يسد العروقفيمنع من السمع، وأصله من الصلابة، قالوا: قناة صماء، وقيل أصله السد وصممت القارورة: سددتها. والبكم: آفة تحصل في اللسانتمنع من الكلام، قاله أبو حاتم، وقيل: الذي يولد أخرس، وقيل: الذي لا يفهم الكلام ولا يهتدي إلى الصواب، فيكونإذ ذاك داء في الفؤاد لا في اللسان. والعمى: ظلمة في العين تمنع من إدراك المبصرات، والفعل منها على فعلبكسر العين، واسم الفاعل على أفعل، وهو قياس الآفات والعاهات. والرجوع، إن لم يتعد، فهو بمعنى: العود، وإن تعدى فبمعنى:الإعادة. وبعض النحويين يقول: إنها تضمن معنى صار فتصير من باب كان، ترفع الإسم وتنصب الخبر. قال الزمخشري: لماجاء بحقيقة صفتهم عقبها بذكر ضرب المثل زيادة في الكشف وتتميماً للبيانه، ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأنليس بالخفي في إبراز خبيئات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق والمتوهم في معرض المتيقنوالغائب بأنه مشاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد وقمع لسورة الجامح الآبي، ولأمر ما أكثر الله في كتابه المبين وفي سائركتبه أمثاله، وفشت في كلام رسول الله ﷺ وكلام الأنبياء والحكماء، فقال الله تعالى: { وَتِلْكَ ٱلاْمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ } ، ومن سور الإنجيل سور الأمثال، انتهى كلامه. ومثلهم: مبتدأ والخبر في الجار والمجروربعده، والتقدير كائن كمثل، كما يقدر ذلك في سائر حروف الجر. وقال ابن عطية: الخبر الكاف، وهي على هذا اسم،كما هي في قول الأعشى:

أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل

انتهى.وهذا الذي اختاره ونبأ به غير مختار، وهو مذهب أبي الحسن، يجوز أن تكون الكاف اسماً في فصيح الكلام،وتقدم أنا لا نجيزه إلا في ضرورة الشعر، وقد ذكر ابن عطية الوجه الذي بدأنا به بعد ذكر الوجه الذياختاره، وأبعد من زعم أن الكاف زائدة مثلها في قوله: فصيروا مثل: { كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ } .

وحمله على ذلك، والله أعلم،أنه لما تقرر عنده أن المثل والمثل بمعنى، صار المعنى عنده على الزيادة، إذ المعنى تشبيه المثل بالمثل، لا يمثلالمثل والمثل هنا بمعنى القصة والشأن، فشبه شأنهم ووصفهم بوصف المستوقد ناراً فعلى هذا لا تكون الكاف زائدة. وفي جهةالمماثلة بينهم وبين الذي استوقد ناراً وجوه ذكروها: الأول: أن مستوقد النار يدفع بها الأذى، فإذا انطفأت عنه وصل الأذىإليه، كذلك المنافق يحقن دمه بالإسلام ويبيحه بالكفر. الثاني: أنه يهتدي بها، فإذا انطفأت ضل، كذلك المنافق يهتدي بالإسلام، فإذااطلع على نفاقه ذهب عنه نور الإسلام وعاد إلى ظلمه كفرة. الثالث: أنه إذا لم يمدها بالحطب ذهب ضوؤها، كذلكالمنافق، إذا لم يستدم الإيمان ذهب إيمانه. الرابع: أن المستضيء بها نوره من جهة غيره لا من جهة نفسه، فإذاذهبت النار بقي في ظلمة، كذلك المنافق لما أقر بلسانه من غير اعتقاد قلبه كان نور إيمانه كالمستعار. الخامس: أنالله شبه إقبالهم على المسلمين بالإضاءة وعلى المشركين الذهاب، قاله مجاهد: السادس: شبه الهدى الذي باعوه بالنور الذي حصل للمستوقد،والضلالة المشتراة بالظلمات. السابع: أنه مثل ضربه الله للمنافق لأنه أظهر الإسلام فحقن به دمه ومشى في حرمته وضيائه ثمسلبه في الآخرة عند حاجته إليه، روي معناه عن الحسن، وهذه الأقاويل على أن ذلك نزل في المنافقين، وهو مرويعن ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي، ومقاتل. وروي عن ابن جبير، وعطاء، ومحمد بن كعب، ويمان بن رئاب، أنهافي اليهود، فتكون في المماثلة إذ ذاك وجوه ذكروها: الأول: أن مستوقد النار يستضيء بنورها ويتأنس وتذهب عنه وحشة الظلمة،واليهود لما كانوا يبشرون النبي ﷺ ويستفتحون به على أعدائهم ويستنصرون به فينصرون، شبه حالهم بحال المستوقدالنار، فلما بعث وكفروا به، أذهب الله ذلك النور عنهم. الثاني: شبه نار حربهم التي شبوها لرسول الله صلى اللهعليه وسلم بنار المستوقد، وإطفاءها بذهاب النور الذي للمستوقد.

الثالث: شبه ما كانوا يتلونه في التوراة من اسم رسول اللهﷺ وصفته وصفة أمته ودينه وأمرهم باتباعه بالنور الحاصل لمن استوقد ناراً، فلما غيروا اسمه وصفته وبدلواالتوراة وجحدوا أذهب الله عنهم نور ذلك الإيمان، وتقدم الكلام على الذي، وتقدم قول الفارسي في أنه يجري مجرى منفي الإفراد والجمع، وقول الأخفش أنه مفرد في معنى الجمع، والذي نختاره أنه مفرد لفظاً وإن كان في المعنى نعتاًلما تحته أفراد، فيكون التقدير كمثل الجمع الذي استوقد ناراً كأحد التأويلين في قوله:
وإن الـذي حـانت بفلـج دماؤهـم

ولايحمل على المفرد لفظاً ومعنى بجمع الضمير في ذهب الله بنورهم، وجمعه في دمائهم. وأما من زعم أن الذي هناهو الذين وحذفت النون لطول الصلة، فهو خطأ لإفراد الضمير في العلة، ولا يجوز الإفراد للضمير لأن المحذوف كالملفوظ به.ألا ترى جمعه في قوله تعالى:

{ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُواْ }

على أحد التأويلين، وجمعه في قول الشاعر:

يا رب عبس لا تبارك في أحد في قائم منهم ولا فيمن قعدإلا الـذي قـامـوا بـأطـراف المســد

وأما قول الفارسي: إنهامثل مَن، ليس كذلك لأن الذي صيغة مفرد وثني وجمع بخلاف مَن، فلفظ مَن مفرد مذكر أبداً وليس كذلك الذي،وقد جعل الزمخشري ذلك مثل قوله تعالى:

{ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُواْ }

، وأعل لتسويغ ذلك بأمرين، قال: أحدهما: أن الذي لكونهوصلة إلى وصف كل معرفة واستطالته بصلته حقيق بالتخفيف، ولذلك نهكوه بالحذف، فحذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا على اللامفي أسماء الفاعلين والمفعولين، وهذا الذي ذكره من أنهم حذفوه حتى اقتصروا به على اللام، وإن كان قد تقدمه إليهبعض النحويين، خطأ، لأنه لو كانت اللام بقية الذي لكان لها موضع من الإعراب، كما كان للذي، ولما تحظى العاملإلى أن يؤثر في نفس الصلة فيرفعها وينصبها ويجرها، ويجاز وصلها بالجمل كما يجوز وصل الذي إذا أقرت ياؤه أوحذفت، قال: والثاني: إن جمعه ليس بمنزلة جمع غيره بالواو والنون، إنما ذلك علامة لزيادة الدلالة، ألا ترى أن سائرالموصولات لفظ الجمع والواحد فيهن سواء؟ انتهى. وما ذكره من أن جمعه ليس بمنزلة جمع غيره بالواو والنون صحيح منحيث اللفظ، وأما من حيث المعنى فليس كذلك، بل هو مثله من حيث المعنى، ألا ترى أنه لا يكون واقعاًإلا على من اجتمعت فيه شروط ما يجمع بالواو والنون من الذكورية والعقل؟ ولا فرق بين الذين يفعلون والفاعلين منجهة أنه لا يكون إلا جمعاً لمذكر عاقل، ولكنه لما كان مبنياً التزم فيه طريقة واحدة في اللفظ عند أكثرالعرب، وهذيل أتت بصيغة الجمع فيه بالواو والنون رفعاً والياء والنون نصباً وجراً، وكل العرب التزمت جمع الضمير العائد عليهمن صلته كما يعود على الجمع المذكر العاقل، فدل هذا كله على أن ما ذكره ليس بمسوغ لأن يوضع الذيموضع الذين إلا على التأويل الذي ذكرناه من إرادة الجمع أو النوع، وقد رجع إلى ذلك الزمخشري أخيراً. وقرأابن السميفع: كمثل الذين، على الجمع، وهي قراءة مشكلة، لأنا قد ذكرنا أن الذي إذا كان أصله الذين فحذفت نونهتخفيفاً لا يعود الضمير عليه إلا كما يعود على الجمع، فكيف إذا صرح به؟ وإذا صحت هذه القراءة فتخريجها عنديعلى وجوه: أحدها: أن يكون إفراد الضمير حملاً على التوهم المعهود مثله في لسان العرب، كأنه نطق بمن الذي هولفظ ومعنى، كما جزم بالذي من توهم أنه نطق بمن الشرطية، وإذا كان التوهم قد وقع بين مختلفي الحد، وهوإجراء الموصول في الجزم مجرى اسم الشرط، فبالحري أن يقع بين متفقي الحد، وهو الذين، ومن الموصولان مثال الجزم بالذي،قول الشاعر، أنشده ابن الأعرابي:

كذاك الذي يبغي على الناس ظالما تصبه على رغم عواقب ما صنع

الثاني:أن يكون إفراد الضمير، وإن كان عائداً على جمع اكتفاء بالإفراد عن الجمع كما تكتفي بالمفرد الظاهر عن الجمع، وقدجاء مثل ذلك في لسان العرب، أنشد أبو الحسن:

وبالبدو منا أسرة يحفظوننا سراع إلى الداعي عظام كراكره

أي كراكرهم. والثالث: أن يكون الفاعل الذي في استوقد ليس عائداً على الذين، وإنما هو عائد علىاسم الفاعل المفهوم من استوقد، التقدير استوقد هو، أي المستوقد، فيكون نحو قوله تعالى:

{ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَـٰتِ }

أي هو أي البداء المفهوم من بدا على أحد التأويلات في الفاعل في الآية، وفي العائد علىالذين وجهان على هذا التأويل. أحدهما: أن يكون حذف وأصله لهم، أي كمثل الذي استوقد لهم المستوقد ناراً وإن لمتكن فيه شروط الحذف المقيس، فيكون مثل قول الشاعر:

ولو أن ما عالجت لين فؤادها فقسا استلين به للان الجندل

يريد ما عالجت به، فحذف حرف الجر والضمير، وإن لم يكن فيه شروط الحذف المقيس، وهيمذكورة في مبسوطات كتب النحو، وضابطها أن يكون الضمير مجروراً بحرف جر ليس في موضع رفع، وأن يكون الموصول، أوالموصوف به الموصول، أو المضاف للموصول قد جر بحرف مثل ذلك الحرف لفظاً ومعنى، وأن يكون الفعل الذي تعلق بهالحرف الذي جر الضمير، مثل ذلك الفعل الذي تعلق به الحرف السابق. والوجه الثاني: أن تكون الجملة الأولى الواقعة صلةلا عائد فيها، لكن عطف عليها جملة بالفاء، وهي جملة لما وجوابها، وفي ذلك عائد على الذي، فحصل الربط بذلكالعائد المتأخر، فيكون شبيهاً بما أجازوه من الربط في باب الابتداء من قولهم: زيد جاءت هند فضربتها، ويكون العائد علىالذين الضمير الذي في جواب لما، وهو قوله تعالى: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ }، ولم يذكر أحد ممن وقفنا على كلامهتخريج قراءة ابن السميمع. واستوقد: استفعل، وهي بمعنى افعل. حكى أبو زيد: أوقد واستوقد بمعنى، ومثله أجاب واستجاب، وأخلفلأهله واستخلف أي خلف الماء، أو للطلب، جوز المفسرون فيها هذين الوجهين من غير ترجيح، وكونها بمعنى أوقد، قول الأخفش،وهو أرجح لأن جعلها للطلب يقتضي حذف جملة حتى يصح المعنى، وجعلها بمعنى أوقد لا يقتضيه. ألا ترى أنه يكونالمعنى في الطلب استدعوا ناراً فأوقدوها، {فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ }، لأن الإضاءة لا تتسبب عن الطلب، إنما تتسبب عنالاتقاد، فلذلك كان حملها على غير الطلب أرجح، والتشبيه وقع بين قصة وقصة، فلا يحتاج في نحو هذا التشبيه إلىمقابلة جماعة بجماعة. ألا ترى إلى قوله تعالى: { مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً } ،وعلى أنه في قوله: {كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً }، هو من قبيل المقابلة أيضاً؟ ألا ترى أن المعنى هو كمثلالجمع؟ أو الفوج الذي استوقد، فهو من المفرد اللفظ المجموع المعنى. على أن من المفسرين من تخيل أنه مفرد وراممقابلة الجمع بالجمع، فادعى أن ذلك هو على حذف مضاف التقدير، كمثل أصحاب الذي استوقد، ولا حاجة إلى هذا الذيقدره لأنه لو فرضناه مفرداً لفظاً ومعنى لما احتيج إلى ذلك، لأن التشبيه إنما جرى في قصة بقصة، وإذا كانكذلك فلا تشترط المقابلة، كما قدمنا، ونكر ناراً وأفردها، لأن مقابلها من وصف المنافق إنما هو نزر يسير من التقييدبالإسلام، وجوانحه منطوية على الكفر والنفاق مملوأة به، فشبه حاله بحال من استوقد ناراً ما إذ ما إذ لا يدلإلا على المطلق، لا على كثرة ولا على عهد، والفاء في فلما للتعقيب، وهي عاطفة جملة الشرط على جملة الصلة،ومن زعم أنها دخلت لما تضمنته الصلة من الشرط وقدره إن استوقد فهو فاسد من وجوه، وقد تقدم الرد علىما يشبه هذا الزعم في قوله: {فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ }، فأغنى عن إعادته هنا. وأضاءت: قيل متعد وقيل لازمومتعد، قالوا: وهو أكثر وأشهر، فإذا كان متعدياً كانت الهمزة فيه للنقل، إذ يقال: ضاء المكان، كما قال العباس بنعبد المطلب، في النبي عليه الصلاة والسلام: وأنت لما ولدت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق. والفاعل إذ ذاك ضمير الناروما مفعولة وحوله صلة معمولة لفعل محذوف لا نكرة موصوفة وحوله صفة لقلة استعمال ما نكرة موصوفة، وقد تقدم لناالكلام في ذلك، أي فلما أضاءت النار المكان الذي حوله، وإذا كان لازماً فقالوا: إن الضمير في أضاءت للنار، ومازائدة، وحوله ظرف معمول للفعل، ويجوز أن يكون الفاعل ليس ضمير النار، وإنما هو ما الموصولة وأنث على المعنى، أي:فلما أضاءت الجهة التي حوله، كما أنثوا على المعنى في قولهم: ما جاءت حاجتك. وقد ألم الزمخشري بهذا الوجه، وهذاأولى مما ذكروه لأنه لا يحفظ من كلام العرب: جلست ما مجلساً حسناً، ولاقت ما يوم الجمعة، والحمل على المعنىمحفوظ، كما ذكرناه، ولو سمع زيادة في ما نحو هذا، لم يكن ذلك من مواضع اطراد زيادة ما، والأولى فيالآية بعد ذلك أن يكون أضاءت متعدية، فلا تحتاج إلى تقدير زيادة، ولا حمل على المعنى. وقرأ ابن السميفع،وابن أبي عبلة: فلما أضاءت ثلاثياً فيتخرج على زيادة ما وعلى أن تكون هي الفاعلة، إما موصولة وإما موصوفة، كماتقدم، ولما جوابها: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ }، وجمع الضمير في: بنورهم حملاً على معنى الذي، إذ قررنا أن المعنى كالجمعالذي استوقد، أو على ذلك المحذوف الذي قدره بعضهم، وهو كمثل أصحاب الذي استوقد، وأجازوا أن يكون جواب لما محذوفاًلفهم المعنى، كما حذفوه في قوله:

{ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ } ، الآية. قال الزمخشري: وإنما جاز حذفه لاستطالة الكلام معأمن الإلباس الدال عليه، انتهى. وقوله: لاستطالة الكلام غير مسلم لأنه لم يستطل الكلام، لأنه قدره خمدت، وأي استطالة فيقوله: {فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ }، خمدت؟ بل هذا لما وجوابها، فلا استطالة بخلاف قوله: {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ }، فإنالكلام قد طال بذكر المعاطيف التي عطفت على الفعل وذكر متعلقاتها بعد الفعل الذي يلي لما، فلذلك كان الحذف سائغاًلاستطالة الكلام. وقوله: مع أمن الإلباس، وهذا أيضاً غير مسلم، وأي أمن إلباس في هذا ولا شيء يدل على المحذوف؟بل الذي يقتضيه ترتيب الكلام وصحته ووضعه مواضعه أن يكون {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ } هو الجواب، فإذا جعلت غيره الجوابمع قوة ترتب ذهاب الله بنورهم على الإضاءة، كان ذلك من باب اللغز، إذ تركت شيئاً يبادر إلى الفهم وأضمرتشيئاً يحتاج في تقديره إلى وحي يسفر عنه، إذ لا يدل على حذفه اللفظ مع وجود تركيب {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ}. ولم يكتف الزمخشري بأن جوز حذف هذا الجواب حتى ادعى أن الحذف أولى، قال: وكان الحذف أولى منالإثبات، لما فيه من الوجازة مع الإعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ للفظ في أداء المعنى،كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله خمدت، فبقوا خابطين في ظلام، متحيرين متحسرين على فوت الضوء، خائبين بعد الكدح فيإحياء النار، انتهى. وهذا الذي ذكره نوع من الخطابة لا طائل تحتها، لأنه يمكن له ذلك لو لم يكن يليقوله: {فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ }، قوله: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ }. وأما ما في كلامه بعد تقدير خمدت إلى آخره،فهو مما يحمل اللفظ ما لا يحتمله، ويقدر تقادير وجملاً محذوفة لم يدل عليها الكلام، وذلك عادته في غير ماكلام في معظم تفسيره، ولا ينبغي أن يفسر كلام الله بغير ما يحتمله، ولا أن يزاد فيه، بل يكون الشرحطبق المشروح من غير زيادة عليه ولا نقص منه. ولما جوز واحذف الجواب تكلموا في قوله تعالى: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ}، فخرجوا ذلك على وجهين: أحدهما: أن يكون مستأنفاً جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ما بالهم قد أشبهت حالهم حالهذا المستوقد؟ فقيل: ذهب الله بنورهم. والثاني: أن يكون بدلاً من جملة التمثيل على سبيل البيان، قالهما الزمخشري، وكلا الوجهينمبنيان على أن جواب لما محذوف، وقد اخترنا غيره وأنه قوله تعالى: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ } والوجه الثاني من التخريجيناللذين تقدم ذكرهما، وهو أن يكون قوله: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ } بدلاً من جملة التمثيل، على سبيل البيان، لا يظهرفي صحته، لأن جملة التمثيل هي قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً * فَجَعَلَهُ *ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ } بدلاً منهذه الجملة، على سبيل البيان، لا يصح، لأن البدل لا يكون في الجمل إلا إن كانت الجملة فعلية تبدل منجملة فعلية، فقد ذكروا جواز ذلك. أما أن تبدل جملة فعلية من جملة إسمية فلا أعلم أحداً أجاز ذلك، والبدلعلى نية تكرار العامل. والجملة الأولى لا موضع لها من الإعراب لأنها لم تقع موقع المفرد، فلا يمكن أن تكونالثانية على نية تكرار العامل، إذ لا عامل في الأولى فتكرر في الثانية فبطلت جهة البدل فيها، ومن جعل الجوابمحذوفاً جعل الضمير في بنورهم عائداً على المنافقين. والباء في بنورهم للتعدية، وهي إحدى المعاني الأربعة عشر التي تقدم أنالباء تجيء لها، وهي عند جمهور النحويين ترادف الهمزة. فإذا قلت: خرجت بزيد؛ فمعناه أخرجت زيداً، ولا يلزم أن تكونأنت خرجت، وذهب أبو العباس إلى أنك إذا قلت: قمت بزيد، دل على أنك قمت وأقمته، وإذا قلت: أقمت زيداً،لم يلزم أنك قمت، ففرق بين الباء والهمزة في التعدية. وإلى نحو من مذهب أبي العباس ذهب السهيلي، قال: تدخلالباء، يعني المعدية، حيث تكون من الفاعل بعض مشاركة للمفعول في ذلك الفعل نحو: أقعدته، وقعدت به، وأدخلته الدار، ودخلتبه، ولا يصح هذا في مثل: أمرضته، وأسقمته. فلا بد إذن من مشاركة، ولو باليد، إذا قلت: قعدت به، ودخلتبه. ورد على أبي العباس بهذه الآية ونحوها. ألا ترى أن المعنى أذهب الله نورهم؟ ألا ترى أن الله لايوصف بالذهاب مع النور؟ قال بعض أصحابنا، ولا يلزم ذلك أبا العباس: إذ يجوز أن يكون الله وصف نفسه بالذهابعلى معنى يليق به، كما وصف نفسه تعالى بالمجيء في قوله: { وَجَاء رَبُّكَ } ، والذي يفسد مذهب أبي العباس منالتفرقة بين الباء والهمزة قول الشاعر:

ديار التي كانت ونحن على منى تحل بنا لولا نجاء الركائب

أي تحلنا ألا ترى أن المعنى تصيرنا حلالاً غير محرمين، وليست تدخل معهم في ذلك لأنها لم تكن حراماً،فتصير خلالاً بعد ذلك؟ ولكون الباء بمعنى الهمزة لا يجمع بينهما، فلا يقال: أذهبت بزيد، ولقوله تعالى:

{ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ }

،في قراءة من جعله رباعياً تخريج بذكر في مكانه، إن شاء الله تعالى. ولباء التعدية أحكام غير هذا ذكرت فيالنحو. وقرأ اليماني: أذهب الله نورهم، وهذا يدل على مرادفة الباء للهمزة، ونسبة الإذهاب إلى الله تعالى حقيقة، إذ هوفاعل الأشياء كلها. وفي معنى: {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ } ثلاثة أقوال: قال ابن عباس: هو مثل ضرب للمنافقين، كانوايعتزون بالإسلام، فناكحهم المسلمون ووارثوهم وقاسموهم الفيء، فلما ماتوا سبلهم الله العز، كما سلب موقد النار ضوءه، {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ}، أي في عذاب. الثاني: إن ذهاب نورهم باطلاع الله المؤمنين على كفرهم، فقد ذهب منهم نور الإسلام بما أظهرمن كفرهم. الثالث: أبطل نورهم عنده، إذ قلوبهم على خلاف ما أظهروا، فهم كرجل أوقد ناراً ثم طفئت فعاد فيظلمة. وهذه الأقوال إنما تصح إذا كان الضمير في بنورهم عائداً على المنافقين، وإن عاد على المستوقدين، فذهاب النور هوإطفاء النار التي أوقدوها، ويكون بأمر سماوي ليس لهم فيه فعل، فلذلك قال الضحاك: لما أضاءت النار أرسل الله عليهاريحاً عاصفاً فاطفأها، وهذا التأويل يأتي على قول من قال: إنها نار حقيقة أوقدها أهل الفساد ليتوصلوا بها وبنورها إلىفسادهم وعبثهم، فأخمد الله نارهم وأضل سعيهم، وأما إذا قلنا إن ذكر النار هنا مثل لا حقيقة لها، وإن المرادبها نار العداوة والحقد، فإذهاب الله لها دفع ضررها عن المؤمنين. وإذا كانت النار مجازية، فوصفها بالإضاءة ما حول المستوقدهو من مجاز الترشيح، وقد تقدم الكلام فيه. وإذهاب النور أبلغ من إذهاب الضوء لاندراج الأخص في نفي الأعم، لاالعكس. فلو أتى بضوئهم لم يلزم ذهاب النور. والمقصود إذهاب النور عنهم أصلاً، ألا ترى كيف عقبه بقوله: {وَتَرَكَهُمْ فِيظُلُمَـٰتٍ }؟ وإضافة النور إليهم من باب الإضافة بأدنى ملابسة، إذ إضافته إلى النار هو الحقيقة، لكن مما كانوا ينتفعونبه صح إضافته إليهم. وقرأ الجمهور: في ظلمات بضم اللام، وقرأ الحس، وأبر السماك: بسكون اللام، وقرأ قوم: بفتحها.وهذه اللغى الثلاث جائزة في جمع فعلة الاسم الصحيح العين، غير المضعف، ولا المعل اللام بالتاء. فإن اعتلت بالياء نحو:كلية، امتنعت الضمة، أو كان مضعفاً نحو: دره، أو معتل العين نحو: سورة، أو وصفاً نحو: بهمة امتنعت الفتحة والضمة.وقرأ قوم: إن ظلمات، بفتح اللام جمع ظلم، الذي هو جمع ظلمة. فظلمات على هذا جمع جمع، والعدول إلى الفتحتخفيفاً أسهل من ادعاء جمع الجمع، لأن العدول إليه قد جاء في نحو: كسرات جمع كسرة جوار، أو إليه فينحو: جفنة وجوباء. وفعلة وفعلة أخوات، وقد سمع فيها الفتح بالقيود التي تقدمت، وجمع الجمع ليس بقياس، فلا ينبغي أنيصار إليه إلا بدليل قاطع. وقرأ اليماني: في ظلمة، على التوحيد ليطابق بين إفراد النور والظلمة وقراءة الجمع، لأن كلواحد له ظلمة تخصه، فجمعت لذلك. وحيث وقع ذكر النور والظلمة في القرآن جاء على هذا المنزع من إفراد النوروجمع الظلمات. وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء الله. ونكرت الظلمات ولم تضف إلى ضميرهم كما أضيف النور اكتفاء بمادل عليه المعنى من إضافتها إليهم من جهة المعنى واختصار اللفظ، وإن كان ترك متعدياً لواحد فيحتمل أن يكون: فيظلمات، في موضع الحال من المفعول، فيتعلق بمحذوف، ولا يبصرون: في موضع الحال أيضاً، إما من الضمير في تركهم وإمّامن الضمير المستكن في المجرور فيكون حالاً متداخلة، وهي في التقديرين حال مؤكدة. ألا ترى أن من ترك في ظلمةلزم من ذلك أنه لا يبصر؟ وإن كان ترك مما يتعدى إلى اثنين كان في ظلمات في موضع المفعول الثاني،ولا يبصرون جملة حالية؟ ولا يجوز أن يكون في ظلمات في موضع الحل، ولا يبصرون جملة في موضع المفعول الثاني،وإن كان يجوز ظننت زيداً منفرداً لا يخاف، وأنت تريد ظننت زيداً في حال انفراده لا يخاف لأن المفعول الثانيأصله خبر لمبتدأ، وإذا كان كذلك فلا يأتي الخبر على جهة التأكيد، إنما ذلك على سبيل بعض الأحوال لا الإخبار.فإذا جعلت في ظلمات في موضع الحال كان قد فهم منها أن من هو في ظلمة لا يبصر، فلا يكونفي قوله لا يبصرون من الفائدة إلا التوكيد، وذلك لا يجوز في الإخبار. ألا ترى إلى تخريج النحويين قول امرىءالقيس:

إذا ما بكى من خلفها انحرفت له بشق وشق عندنا لم يحول

على أن وشقمبتدأ وعندنا في موضع الخبر، ولم يحول جملة حالية أفادت التأكيد، وجاز الابتداء بالنكرة لأنه موضع الخبر، لأنه يؤدي إلىمجيء الخبر مؤكداً، لأن نفي التحويل مفهوم من كون الشق عنده، فإذا استقر عنده ثبت أنه لم يحول عنه. قالابن عباس: والظلمات هنا العذاب، وقال مجاهد: ظلمة الكفر، وقال قتادة: ظلمة يلقيها الله عليهم بعد الموت، وقال السدّي: ظلمةالنفاق، ولم يذكر مفعول لا يبصرون، ولا ينبغي أن ينوي، لأن المقصود نفي الإبصار عنهم لا بالنسبة إلى متعلقه.قرأ الجمهور: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ }، بالرفع وهو على إضمار مبتدأ تقديره هم صم، وهي أخبار متباينة في اللفظ والدلالةالوضعية، لكنها في موضع خبر واحد، إذ يؤول معناها كلها إلى عدم قبولهم الحق وهم سمعاء الآذان، فصح الألسن، بصراءالأعين، لكنهم لم يصيخوا إلى الحق ولا نطقت به ألسنتهم، ولا تلمحوا أنوار الهداية، وصفوا بما وصفوا من الصمم والبكموالعمى، وقد سمع عن العرب لهذا نظائر، أنشد الزمخشري من ذلك أياتاً، وأنشد غيره:

أعمى إذا ما جارتي برزت حتى يواري جارتي الخدر وأصم عما كان بينهما

وهذا من التشبيه البليغ عند المحققين، وليس من باب الاستعارة، لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون. والاستعارةإنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له ويجعل الكلام خلواً عنه، صالحاً لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام، كقول زهير:

لدي أسد شاكي السلاح مقذف له لبد أظفاره لم تقلم

وحذف المبتدأ هناك لذكره، فلا يقال: إنه من باب الاستعارة، إذ هو كقول زهير:

أسد علي وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر

والإخبار عنهم بالصمم والبكم والعمى هو كماذكرناه من باب المجاز، وذلك لعدم قبولهم الحق. وقيل: وصفهم الله بذلك لأنهم كانوا يتعاطون التصامم والتباكم والنعامي من غيرأن يكونوا متصفين بشيء من ذلك، فنبه على سوء اعتمادهم وفساد اعتقادهم. والعرب إذا سمعت ما لا تحب، أو رأتما لا يعجب، طرحوا ذلك كأنهم ما سمعوه ولا رأوه. قال تعالى:

{ كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْراً }

،وقالوا:

{ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ }

الآية. قيل: ويجوز أن يكون أريد بذلك المبالغة في ذمهم، وأنهم من الجهل والبلادة أسوأحالاً من البهائم وأشبه حالاً من الجمادات التي لا تسمع ولا تتكلم ولا تبصر. فمن عدم هذه المدارك الثلاثة كانمن الذم في الرتبة القصوى، ولذلك لما أراد ابراهيم، على نبينا وعليه السلام، المبالغة في ذم آلهة أبيه قال: { يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } ؟ وهذه الجملة خبرية ولا ضرورة تدعو إلى اعتقادأنه خبر أريد به الدعاء، وإن كان قد قاله بعض المفسرين. قال: دعاء الله عليهم بالصمم والبكم والعمى جزاء لهمعلى تعاطيهم ذلك، فحقق الله فيهم ما يتعاطونه من ذلك وكأنه يشير إلى ما يقع في الآخرة من قوله:

{ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا } . وقرأ عبد الله بن مسعود، وحفصة أم المؤمنين: صماً بكماً عمياً، بالنصب،وذكروا في نصبه وجوهاً: أحدها: أن يكون مفعولاً ثانياً لترك، ويكون في ظلمات متعلقاً بتركهم، أو في موضع الحال، ولايبصرون. حال. الثاني: أن يكون منصوباً على الحال من المفعول في تركهم، على أن تكون لا تتعدى إلى مفعولين، أوتكون تعدت إليهما وقد أخذتهما. الثالث: أن يكون منصوباً بفعل محذوف تقديره أعني. الرابع: أن يكون منصوباً على الحال منالضمير في يبصرون، وفي ذلك نظر. الخامس: أن يكون منصوباً على الذم، صماً بكماً، فيكون كقول النابغة:

أقارع عوف لا أحاول غيرها وجوه قرود تبتغي من تخادع

وفي الوجوه الأربعة السابقة لا يتعين أنتكون الأوصاف الثلاثة من أوصاف المنافقين، إذ هي متعلقة في العمل بما قبلها، وما قبلها الظاهر أنه من أوصاف المستوقدين،إلا إن جعل الكلام في حال المستوقد قد تم عند قوله: {فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ }، وكان الضمير في نورهميعود على المنافقين، فإذ ذاك تكون الأوصاف الثلاثة لهم. وأما في الوجه الخامس فيظهر أنها من أوصاف المنافقين، لأنها حالةالرفع من أوصافهم. ألا ترى أن التقدير هم صم، أي المنافقون؟ فكذلك في النصب. ونص بعض المفسرين على ضعف النصبعلى الذم، ولم يبين جهة الضعف، ووجهه: أن النصب على الذم إنما يكون حيث يذكر الإسم السابق فتعدل عن المطابقةفي الإعراب إلى القطع، وهاهنا لم يتقدم اسم سابق تكون هذه الأوصاف موافقة له في الإعراب فتقطع، فمن أجل هذاضعف النصب على الذم. فهم لا يرجعون: جملة خبرية معطوفة على جملة خبرية، وهي من حيث المعنى مترتبة على الجملةالسابقة ومتعقبتها، لأن من كانت فيه هذه الأوصاف الثلاثة، التي هي كناية عن عدم قبول الحق، جدير أن لا يرجعإلى إيمان. فإن كانت الآية في معنيين، فذلك واضح، لأن من أخبر الله عنه أنه لا يرجع إلى الإيمان لايرجع أبداً، وإن كانت في غير معنيين فذلك مقيد بالديمومة على الحالة التي وصفهم الله بها. قال قتادة، ومقاتل: لايرجعون عن ضلالهم، وقال السدي: لا يرجعون إلى الإسلام، وقيل: لا يرجعون عن الصم والبكم والعمى، وقيل: لا يرجعون إلىثواب الله، وقيل: عن التمسك بالنفاق، وقيل: إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها، وأسند عدمالرجوع إليهم لأنه لما جعل تعالى لهم عقولاً للهداية، وبعث إليهم رسلاً بالبراهين القاطعة، وعدلوا عن ذلك إلى اتباع أهوائهم،والجري على مألوف آبائهم، كان عدم الرجوع من قبل أنفسهم. وقد قدمنا أن فعل العبد ينسب إلى الله اختراعاً وإلىالعبد لملابسته له، ولذلك قال في هذه الآية: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ }، فأضاف هذه الأوصاف الذميمة إلىملابسها وقال تعالى: { أَوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ } ، فأضاف ذلك إلى الموجد تعالى. وهذه الأقاويل كلها علىتقدير أن يكون الرجوع لازماً، وإن كان متعدياً كان المفعول محذوفاً تقديره فهم لا يرجعون جواباً.

أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌعدل

{ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَاعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكافِرِينَ }

{أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ ٱلسَّمَاء فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ } أو، لها خمسة معان:الشك، والإبهام، والتخيير، والإباحة، والتفصيل. وزاد الكوفيون أن تكون بمعنى الواو وبمعنى بل، وكان شيخنا أبو الحسن بن الصائغ يقول:أو لأحد الشيئين أو الأشياء. وقال السهيلي: أو للدلالة على أحد الشيئين من غير تعيين، ولذلك وقعت في الخبر المشكوكفيه من حيث أن الشك تردد بين أمرين من غير ترجيح، لا أنها وضعت للشك، فقد تكون في الخبر، ولاشك إذا أبهمت على المخاطب. وأما التي للتخيير فعلى أصلها لأن المخير إنما يريد أحد الشيئين، وأما التي زعموا أنهاللإباحة فلم تؤخذ الإباحة من لفظ أو ولا من معناها، إنما أخذت من صيغة الأمر مع قرائن الأحوال، وإنما دخلتلغلبة العادة في أن المشتغل بالفعل الواحد لا يشتغل بغيره، ولو جمع بين المباحين لم يعص، علماً بأن أو ليستمعتمدة هنا. الصيب: المطر، يقال: صاب يصوب فهو صيب إذا نزل والسحاب أيضاً، قال الشاعر:

حتى عفاها صيب ودقه داني النواحي مسبل هاطل

وقال الشماخ:

وأشحـم دان صـادق الرعـد صيب

ووزن صيب فيعل عندالبصريين، وهو من الأوزان المختصة بالمعتل العين، إلا ما شذ في الصحيح من قولهم: صيقل بكسر القاف علم لامرأة، وليسوزنه فعيلاً، للفراء. وقد نسب هذا المذهب للكوفيين وهي مسألة يتكلم عليها في علم التصريف. وقد تقدم الكلام على تخفيفمثل هذا السماء: كل ما علاك من سقف ونحوه، والسماء المعروفة ذات البروج، وأصلها الواو لأنها من السمو، ثم قديكون بينها وبين المفرد تاء تأنيث. قالوا: سماوة، وتصح الواو إذ ذاك لأنها بنيت عليها الكلمة، قال العجاج:

طيّ الليالي زلفاً فزلفا سماوة الهلال حتى احقوقفا

والسماء مؤنث، وقد يذكر، قال الشاعر:

فلو رفع السماء إليه قوما لحقنا بالسماء مع السحاب

والجنس الذي ميز واحده بتاء، يؤنثه الحجازيون،ويذكره التميميون وأهل نجد، وجمعهم لها على سموات، وعلى أسمية، وعلى سماء. قال: فوق سبع سمائنا شاذ لأنه، أولاً: اسمجنس فقياسه أن لا يجمع، وثانياً: فجمعه بالألف والتاء ليس فيه شرط ما يجمع بهما قياساً، وجمعه على أفعله ليسمما ينقاس في المؤنث، وعلى فعائل لا ينقاس في فعال. الرعد، قال ابن عباس، ومجاهد، وشهر بن حوشب، وعكرمة:الرعد ملك يزجر السحاب بهذا الصوت، وقال بعضهم: كلما خالفت صحابة صاح بها، والرعد اسمه. وقال علي: وعطاء، وطاوس، والخليل:صوت ملك يزجر السحاب. وروي هذا أيضاً عن ابن عباس، ومجاهد. وقال مجاهد: أيضاً صوت ملك يسبح، وقيل: ريح تختنقبين السماء والأرض. وروي عن ابن عباس: أنه ريح تختنق بين السحاب فتصوت ذلك الصوت، وقيل: اصطكاك الأجرام السحابية، وهوقول أرباب الهيئة. والمعروف في اللغة: أنه اسم الصوت المسموع، وقاله علي، قال بعضهم: أكثر العلماء على أنه ملك، والمسموعصوته يسبح ويزجر السحاب، وقيل: الرعد صوت تحريك أجنحة الملائكة الموكلين بزجر السحاب. وتلخص من هذه النقول قولان: أحدهما: أنالرعد ملك، الثاني: أنه صوت. قالوا: وسمي هذا الصوت رعداً لأنه يرعد سامعه، ومنه رعدت الفرائص، أي حركت وهزت كماتهزه الرعدة. واتسع فيه فقيل: أرعد، أي هدد وأوعد لأنه ينشأ عن الإبعاد. والتهدد: ارتعاد الموعد والمهدد. البرق: مخرافحديد بيد الملك يسوق به السحاب، قاله علي، أو أثر ضرب بذلك المخراف. وروي عن علي: أو سوط نور بيدالملك يزجرها به، قاله ابن عباس، أو ضرب ذلك السوط، قاله ابن الأنباري وعزاه إلى ابن عباس. وروي نحوه عنمجاهد: أو ملك يتراءى. وروي عن ابن عباس أو الماء، قاله قوم منهم أبو الجلد جيلان بن فروة البصري، أوتلألؤ الماء، حكاه ابن فارس، أو نار تنقدح من اصطكاك أجرام السحاب، قاله بعضهم. والذي يفهم من اللغة: أن الرعدعبارة عن هذا الصوت المزعج المسموع من جهة السماء، وأن البرق هو الجرم اللطيف النوراني الذي يشاهد ولا يثبت.{يَجْعَلُونَ أَصْـٰبِعَهُمْ فِى ءاذَانِهِم مّنَ ٱلصَّوٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ وَٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكـٰفِرِينَ } جعل: يكون بمعنى خلق أو بمعنى ألقى فيتعدىلواحد، وبمعنى صبر أو سمى فيتعدى لاثنين، وللشروع في الفعل فتكون من أفعال المقاربة، تدخل على المبتدأ والخبر بالشروط المذكورةفي بابها. الأصبع: مدلولها مفهوم، وهي مؤنثة، وذكروا فيها تسع لغات وهي: الفتح للهمزة، وضمها، وكسرها مع كل من ذلكللباء. وحكوا عاشرة وهي: أصبوع، بضمها، وبعد الباء واو. وجميع أسماء الأصابع مؤنثة إلا الإبهام، فإن بعض بني أسد يقولون:هذا إبهام، والتأنيث أجود، وعليه العرب غير من ذكر. الأذن: مدلولها مفهوم، وهي مؤنثة، كذلك تلحقها التاء في التصغير قالوا:أذينة، ولا تلحق في العدد، قالوا: ثلاث آذان، قال أبو ثروان في أحجية له:

ما ذو ثلاث آذان يسبق الخيل بالرديان

يريد السهم وآذانه وقذذه. الصاعقة: الوقعة الشديدة من صوت الرعد معها قطعةمن نار تسقط مع صوت الرعد، قالوا: تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه، وهي نار لطيفة حديدة لا تمر بشيءإلا أتت عليه، وهي مع حدتها سريعة الخمود، ويهلك الله بها من يشاء. قال لبيد يرثي أخاه أربد، وكان ممنأحرقته الصاعقة:

فجعني البرق والصواعق بالـــفارس يوم الكريهـة النجـد

ويشبه بالمقتول بها من مات سريعاً، قالعلقمة بن عبدة:

كأنهم صابت عليهم سحابة صواعقها لطيرهن دبيب

وروى الخليل عن قوممن العرب: الساعقة بالسين، وقال النقاش: صاعقة وصعقة وصاقعة بمعنى واحد. قال أبو عمرو: الصاقعة لغة بني تميم، قال الشاعر:

ألم تر أن المجرمين أصابهم صواقع لا بل هن فوق الصواقع

وقال أبو النجم:

يحلون بالمقصورة القواطع تشقق البروق بالصواقع

فإذا كان ذلك لغة، وقد حكوا تصريف الكلمةعليه، لم يكن من باب المقلوب خلافاً لمن ذهب إلى ذلك، ونقل القلب عن جمهور أهل اللغة. ويقال: صعقته وأصعقتهالصاعقة، إذا أهلكته، فصعق: أي هلك. والصاعقة أيضاً العذاب على أي حال كان، قاله ابن عرفة، والصاعقة والصاقعة: إما أنتكون صفة لصوت الرعد أو للرعد، فتكون التاء للمبالغة نحو: راوية وإما أن تكون مصدراً، كما قالوا في الكاذبة. الحذر،والفزع، والفرق، والجزع، والخوف: نظائر الموت، عرض يعقب الحياة. وقيل: فساد بنية الحيوان، وقيل: زوال الحياة. الإحاطة: حصر الشيء بالمنعله من كل جهة، والثلاثي منه متعد، قالوا: حاطه، يحوطه، حوطاً. أو كصيب: معطوف على قوله: {كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ}، وحذف مضافان، إذ التقدير: أو: كمثل ذوي صيب، نحو قوله تعالى: { كَٱلَّذِى يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ }

، أي كدورانعين الذي يغشى عليه. وأو هنا للتفصيل، وكان من نظر في حالهم منهم من يشبهه بحال المستوقد، ومنهم من يشبههبحال ذوي صيب، ولا ضرورة تدعو إلى كون أو للتخيير. وأن المعنى أيهما شئت مثلهم به، وإن كان الزجاج وغيرهذهب إليه، ولا إلى أن أو للإباحة، ولا إلى أنها بمعنى الواو، كما ذهب إليه الكوفيون هنا. ولا إلى كونأو للشك بالنسبة للمخاطبين، إذ يستحيل وقوعه من الله تعالى، ولا إلى كونها بمعنى بل، ولا إلى كونها للإبهام، لأنالتخيير والإباحة إنما يكونان في الأمر أو ما في معناه. وهذه الجملة خبرية صرف. ولأن أو بمعنى الواو، أو بمعنىبل، لم يثبت عند البصريين، وما استدل به مثبت ذلك مؤوّل، ولأن الشك بالنسبة إلى المخاطبين، أو الإبهام بالنسبة إليهملا معنى له هنا، وإنما المعنى الظاهر فيها كونها للتفصيل. وهذا التمثيل الثاني أتى كاشفاً لحالهم بعد كشف الأول. وإنماقصد بذلك التفصيل والإسهاب بحال المنافق، وشبهه في التمثيل الأول بمستوقد النار، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع جدواه بذهاب النور. وشبهفي الثاني دين الإسلام بالصيب وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيبهم من الإفزاع والفتن من جهة المسلمينبالصواعق، وكلا التمثيلين من التمثيلات المفرقة، كما شرحناه. والأحسن أن يكون من التمثيلات المركبة دون المفرقة، فلا تتكلف مقابلةشيء بشيء، وقد تقدم الإشارة إلى ذلك عند الكلام على التمثيل الأول، فوصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما حبطوا فيهمن الحيرة والدهشة بما يكابد من طفئت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل، وبحال من أخذته السماء في ليلة مظلمةمع رعد وبرق وخوف من الصواعق، وإنما قدر كمثل ذوي صيب لعود الضمير في يجعلون. والتمثيل الثاني أبلغ لأنه أدلّعلى فرط الحيرة وشدة الأمر، ولذلك أخر فصار ارتقاء من الأهون إلى الأغلظ. وقد رام بعض المفسرين ترتب أحوال المنافقينوموازنتها في المثل من الصيب والظلمات والرعد والبرق والصواعق، فقال: مثل الله القرآن بالصيب لما فيه من الإشكال، وعما همبالظلمات والوعيد والزجر بالرعد والنور والحجج الباهرة التي تكاد أحياناً أن تبهرهم بالبرق وتخوفهم بجعل أصابعهم، وفضح نفاقهم وتكاليف الشرعالتي يكرهونها من الجهاد والزكاة ونحوها بالصواعق، وهذا قول من ذهب إلى أنه من التمثيل المفرق الذي يقابل منه شيءشيئاً من الممثل، وستأتي بقية الأقوال في ذلك، إن شاء الله تعالى. وقرىء: أو كصايب، وهو اسم فاعل من صابيصوب وصيب، أبلغ من صايب، والكاف في موضع رفع لأنها معطوفة على ما موضعه رفع. والجملة من قوله: {ذَهَبَ ٱللَّهُبِنُورِهِمْ } إذا قلنا ليست جواب لما جملة اعتراض فصل بها بين المعطوف والمعطوف عليه، وكذلك أيضاً {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ} إذا قلنا إن ذلك من أوصاف المنافقين. فعلى هذين القولين تكون الجملتان جملتي اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وقدمنع ذلك أبو علي، وردّ عليه بقول الشاعر:

لعمرك والخطوب مغيرات وفي طول المعاشرة التقالي لقد باليت مظعن أمّ أوفى

ففصل بين القسم وجوابهبجملتي الاعتراض. من السماء متعلق بصيب فهو في موضع نصب ومن فيه لابتداء الغاية، ويحتمل أن تكون في موضع الصفةفتعلق بمحذوف، وتكون من إذ ذاك للتبعيض، ويكون على حذف مضاف التقدير، أو كمطر صيب من أمطار السماء، وأتى بالسماءمعرفة إشارة إلى أن هذا الصيب نازل من آفاق السماء، فهو مطبق عام. قال الزمخشري: وفيه أن السحاب من السماءينحدر، ومنها يأخذ ماءه، لا كزعم من زعم أنه يأخذه من البحر، ويؤيده قوله تعالى:

{ وَيُنَزّلُ مِنَ ٱلسَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ }

انتهى كلامه. وليس في الآيتين ما يدل على أنه لا يكون منشأ المطر من البحر، إنماتدل الآيتان على أن المطر ينزل من السماء، ولا يظهر تناف بين أن يكون المطر ينزل من السماء، وأن منشأهمن البحر. والعرب تسمي السحاب بنات بحر، يعني أنها تنشأ من البحار، قال طرفة:

لا تلمني إنها من نسوة رقد الصيف مقاليت نزر كبنات البحر يمأدن كما

وقد أبدلوا الباء ميماً فقالوا: بنات المحر، كما قالوا: رأيته من كثب ومن كثم. وظلمات: مرتفع بالجار والمجرورعلى الفاعلية، لأنه قد اعتمد إذا وقع صفة، ويجوز أن تكون فيه من موضع الحال من النكرة المخصصة بقوله: {مّنَٱلسَّمَاء }، إما تخصيص العمل، وإما تخصيص الصفة على ما قدمناه من الوجهين في إعراب من السماء، وأجازوا أن يكونظلمات مرفوعاً بالابتداء، وفيه في موضع الخبر. والجملة في موضع الصفة، ولا حاجة إلى هذا لأنه إذا دار الأمر بينأن تكون الصفة من قبيل المفرد، وبين أن تكون من قبيل الجمل، كان الأولى جعلها من قبيل المفرد وجمع الظلمات،لأنه حصلت أنواع من الظلمة. فإن كان الصيب هو المطر، فظلماته ظلمة تكاتفه وانتساجه وتتابع قطره، وظلمة: ظلال غمامه معظلمة الليل. وإن كان الصيب هو السحاب، فظلمة سجمته وظلمة تطبيقه مع ظلمة الليل. والضمير في فيه عائد على الصيب،فإذا فسر بالمطر، فمكان ذلك السحاب، لكنه لما كان الرعد والبرق ملتبسين بالمطر جعلا فيه على طريق التجوّز، ولم يجمعالرعد والبرق، وإن كان قد جمعت في لسان العرب، لأن المراد بذلك المصدر كأنه قيل: وإرعاد وإبراق، وإن أريد العينانفلأنهما لما كانا مصدرين في الأصل، إذ يقال: رعدت السماء رعداً وبرقت برقاً، روعي حكم أصلهما وإن كان المعنى علىالجمع، كما قالوا: رجل خصم، ونكرت ظلمات ورعد وبرق، لأن المقصود ليس العموم، إنما المقصود اشتمال الصيب على ظلمات ورعدوبرق. والضمير في يجعلون عائد على المضاف المحذوف للعلم به، لأنه إذا حذف، فتارة يلتفت إليه حتى كأنه ملفوظبه فتعود الضمائر عليه كحاله مذكوراً، وتارة يطرح فيعود الضمير الذي قام مقامه. فمن الأول هذه الآية وقوله تعالى:

{ أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ فِى بَحْرٍ لُّجّىّ يَغْشَـٰهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ }

، التقدير، أو كذي ظلمات، ولذلك عاد الضمير المنصوب عليه في قوله:يغشاه. ومما اجتمع فيه الالتفات والاطراح قوله تعالى:

{ وَكَم مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ }

المعنىمن أهل قرية فقال: فجاءها، فأطرح المحذوف وقال: أو هم، فالتفت إلى المحذوف. والجملة من قوله: يجعلون لا موضع لهامن الإعراب، لأنها جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟ فقيل: يجعلون، وقيل: الجملة لها موضعمن الإعراب وهو الجر لأنها في موضع الصفة لذوي المحذوف، كأنه قيل: جاعلين، وأجاز بعضهم أن تكون في موضع نصبعلى الحال من الضمير الذي هو الهاء في فيه. والراجع على ذي الحال محذوف ثابت الألف واللام عنه التقدير منصواعقه. وأراد بالأصابع بعضها، لأن الأصبع كلها لا تجعل في الأذن، إنما تجعل في الأنملة، لكن هذا من الاتساع،وهو إطلاق كل على بعض، ولأن هؤلاء لفرط ما يهولهم من إزعاج الصواعق كأنهم لا يكتفون بالأنملة، بل لو أمكنهمالسد بالأصبع كلها لفعلوا، وعدل عن الإسم الخاص لما يوضع في الأذن إلى الاسم العام، وهو الأصبع، لما في تركلفظ السبابة من حسن أدب القرآن، وكون الكنايات فيه تكون بأحسن لفظ، لذلك ما عدل عن لفظ السبابة إلى المسبحةوالمهللة وغيرها من الألفاظ المستحسنة، ولم تأت بلفظ المسبحة ونحوها لأنها ألفاظ مستحدثة، لم يتعارفها الناس في ذلك العهد، وإنماأحدثت بعد. وقرأ الحسن: من الصواقع، وقد تقدم أنها لغة تميم، وأخبرنا أنها ليست من المقلوب، والجعل هنا بمعنىالإلقاء والوضع كأنه قال: يضعون أصابعهم، ومن تتعلق بقوله يجعلون، وهي سببية، أي من أجل الصواعق وحذر الموت مفعول منأجله، وشروط المفعول من أجله موجودة فيه، إذ هو مصدر متحد بالعامل فاعلاً وزماناً، هكذا أعربوه، وفيه نظر لأن قوله:من الصواعق هو في المعنى مفعول من أجله، ولو كان معطوفاً لجاز، كقول الله تعالى:

{ ٱبْتَغَاء مَرْضَـٰتِ ٱللَّهِ }

وتثبيتاًمن أنفسهم، وقول الراجز:

يركب كل عاقر جمهور مخافة وزعل المحبور والهـول مـن تهـول الهبـور

وقالوا أيضاً: يجوز أن يكون مصدراً، أي يحذرون حذر الموت، وهو مضاف للمفعول. وقرأ قتادة، والضحاك بن مزاحم، وابن أبيليلى: حذار الموت، وهو مصدر حاذر، قالوا وانتصابه على أنه مفعول له. الإحاطة هنا: كناية عن كونه تعالى لايفوتونه، كما لا يفوت المحاط المحيط به، فقيل:العلم وقيل: بالقدرة، وقيل: بالإهلاك. وهذه الجملة اعتراضية لأنها دخلت بين هاتين الجملتيناللتين هما: يجعلون أصابعهم، { ويكاد ٱلْبَرْقَ } ، وهما من قصة واحدة. وقد تقدم لنا أن هذا التمثيل من التمثيلات المركبة،وهو الذي تشبه فيه إحدى الجملتين بالأخرى في أمر من الأمور، وإن لم يكن آحاد إحدى الجملتين شبيهة بآحاد الجملةالأخرى، فيكون المقصود تشبيه حيرة المنافقين في الدين والدنيا بحيرة من انطفأت نارة بعد إيقادها، وبحيرة من أخذته السماء فيالليلة المظلمة مع رعد وبرق. وهذا الذي سبق أنه المختار. وقالوا: أيضاً: يكون من التشبيه المفرق، وهو أن يكون المثلمركباً من أمور، والممثل يكون مركباً أيضاً، وكل واحد من المثل مشبه لكل واحد من الممثل. وقد تقدم قولانمن جعل هذا المثل من التمثيل المفرق. والثالث: أن الصيب مثل للإسلام والظلمات، مثل لما في قلوبهم من النفاق والرعدوالبرق، مثلان لما يخوفون به. والرابع: البرق مثل للإسلام والظلمات، مثل للفتنة والبلاء. والخامس: الصيب: الغيث الذي فيه الحياة مثلللإسلام والظلمات، مثل لإسلام المنافقين وما فيه من إبطان الكفر، والرعد مثل لما في الإسلام من حقن الدماء والاختلاط بالمسلمينفي المناكحة والموازنة، والبرق وما فيه من الصواعق مثل لما في الإسلام من الزجر بالعقاب في العاجل والآجل، ويروى معنىهذا عن الحسن. والسادس: أن الصيب والظلمات والرعد والبرق والصواعق كانت حقيقة أصابت بعض اليهود، فضرب الله مثلاً بقصتهم لبقيتهم،وروي في ذلك حديث عن ابن مسعود، وابن عباس. السابع: أنه مثل ضربه الله للخير والشر الذي أصاب المنافقين، فكأنهمكانوا إذا كثرت أموالهم وولدهم الغلمان، أو أصابوا غنيمة أو فتحاً قالوا: دين محمد صدق، فاستقاموا عليه، وإذا هلكت أموالهموأولادهم وأصابهم البلاء قالوا: هذا من أجل دين محمد، فارتدوا كفاراً. الثامن: أنه مثل الدنيا وما فيها من الشدة والرخاءوالنعمة والبلاء بالصيب الذي يجمع نفعاً بإحيائه الأرض وإنباته النبات وإحياء كل دابة والانتفاع به للتطهير وغيره من المنافع، وضراًبما يحصل به من الإغراق والإشراق، وما تقدمه من الظلمات والصواعق بالإرعاد والإبراق، وأن المنافق يدفع آجلاً بطلب عاجل النفع،فيبيع آخرته وما أعد الله له فيها من النعيم بالدنيا التي صفوها كدر ومآله بعد إلى سفر. التاسع: أنه مثلللقيامة لما يخافونه من وعيد الآخرة لشكهم في دينهم وما فيه من البرق، بما في إظهار الإسلام من حقن دمائهم،ومثل ما فيه من الصواعق بما في الإسلام من الزواجر بالعقاب في العاجل والآجل. العاشر: ضرب الصيب مثل لما أظهرالمنافقون من الإيمان والظلمات بضلالهم وكفرهم الذي أبطنوه، وما فيه من البرق بما علاهم من خير الإسلام وعلتهم من بركته،واهتدائهم به إلى منافعهم الدنيوية، وأمنهم على أنفسهم وأموالهم وما فيه من الصواعق، بما اقتضاه نفاقهم وما هم صائرون إليهمن الهلاك الدنيوي والأخروي. وقد ذكروا أيضاً أقوالاً كلها ترجع إلى التمثيل التركيبي: الأول: شبه حال المنافقين بالذين اجتمعتلهم ظلمة السحاب مع هذه الأمور، فكان ذلك أشد لحيرتهم، إذ لا يرون طريقاً، ولا من أضاء له البرق ثمذهب كانت الظلمة عنده أشد منها لو لم يكن فيها برق. الثاني: أن المطر، وإن كان نافعاً إلا أنه لماظهر في هذه الصورة صار النفع به زائلاً، كذلك إظهار الإيمان نافع للمنافق لو وافقه الباطن، وأما مع عدم الموافقفهو ضرر. الثالث: أنه مثل حال المنافقين في ظنهم أن ما أظهروه نافعهم وليس بنافعهم بمن نزلت به هذه الأمورمع الصواعق، فإنه يظن أن المخلص له منها جعل أصابعه في أذانه وهو لا ينجيه ذلك مما يريد الله بهمن موت أو غيره. الرابع: أنه مثل لتأخر المنافق عن الجهاد فراراً من الموت بمن أراد دفع هذه الأمور بجعلأصابعهم في آذانهم. الخامس: أنه مثل لعدم خلاص المنافق من عذاب الله بالجاعلين أصابعهم في آذانهم، فإنهم وإن تخلصوا منالموت في تلك الساعة، فإن الموت من ورائهم.

يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِعدل

{ يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

{يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْوَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ }. يكاد: مضارع كاد التي هي من أفعال المقاربة، ووزنها فعل يفعل، نحوخاف يخاف، منقلبة عن واو، وفيها لغتان: فعل كما ذكرناه، وفعل، ولذلك إذا اتصل بها ضمير الرفع لمتكلم أو مخاطبأو نون إناث ضموا الكاف فقالوا: كدت، وكدت، وكدن، وسمع نقل كسر الواو إلى الكاف، مع ما إسناده لغير ماذكر قول الشاعر:

وكيدت ضباع القف يأكلن جثتي وكيد خراش عند ذلك ييتم

يريد، وكادت، وكاد،وليس، من أفعال المقاربة ما يستعمل منها مضارع إلا: كاد، وأوشك. وهذه الأفعال هي من باب كان، ترفع الإسم وتنصبالخبر، إلا أن خبرها لا يكون إلا مضارعاً، ولها باب معقود في النحو، وهي نحو من ثلاثين فعلاً ذكرها أبوإسحاق البهاري في كتابه (شرح جمل الزجاجي). وقال بعض المفسرين: يكاد فعل ينفي المعنى مع إيجابه ويوجبه مع النفي، وقدأنشدوا في ذلك شعراً يلغز فيه بها، وهذا الذي ذكر هذا المفسر هو مذهب أبي الفتح وغيره، والصحيح عند أصحابناأنها كسائر الأفعال في أن نفيها نفي وإيجابها إيجاب، والاحتجاج للمذهبين مذكور في كتب النحو. الخطف: أخذ الشيء بسرعة. كل:للعموم، وهو اسم جمع لازم للإضافة، إلا أن ما أضيف إليه يجوز حذفه ويعوض منه التنوين، وقيل: هو تنوين الصرف،وإذا كان المحذوف معرفة بقيت كل على تعريفها بالإضافة، فيجيء منها الحال، ولا تعرف باللام عند الأكثرين، وأجاز ذلك الأخفش،والفارسي، وربما انتصب حالاً، والأصل فيها أن تتبع توكيداً كأجمع، وتستعمل مبتدأ، وكونها كذلك أحسن من كونها مفعولاً، وليس ذلكبمقصور على السماع ولا مختصاً بالشعر خلافاً لزاعمه. وإذا أضيفت كل إلى نكرة أو معرفة بلام الجنس حسن أن تليالعوامل اللفظية، وإذا ابتدىء بها مضافة لفظاً إلى نكرة طابقت الأخبار وغيرها ما تضاف إليه وإلى معرفة، فالأفصح إفراد العائدأو معنى لا لفظاً، فالأصل، وقد يحسن الإفراد وأحكاك كل كثيرة. وقد ذكرنا أكثرها في كتابنا الكبير الذي سميناه بالتذكرة،وسردنا منها جملة لينتفع بها، فإنها تكررت في القرآن كثيراً. المشي: الحركة المعروفة. لو: عبارة سيبويه، إنها حرف لماكان سيقع لوقوع غيره، وهو أحسن من قول النحويين إنها حرف امتناع لامتناع لاطراد تفسير سيبويه، رحمه الله، في كلمكان جاءت فيه لو، وانخرام تفسيرهم في نحو: لو كان هذا إنساناً لكان حيواناً، إذ على تفسير الإمام يكون المعنىثبوت الحيوانية على تقدير ثبوت الإنسانية، إذ الأخص مستلزم الأعم، وعلى تفسيرهم ينخرم ذلك، إذ يكون المعنى ممتنع الحيوانية لأجلامتناع الإنسانية، وليس بصحيح، إذ لا يلزم من انتفاء الإنسانية انتفاء الحيوانية، إذ توجد الحيوانية ولا إنسانية. وتكون لو أيضاًشرطاً في المستقبل بمعنى أن، ولا يجوز الجزم بها خلافاً لقوم، قال الشاعر:

لا يلفك الراجوك إلا مظهرا خلق الكرام ولو تكون عديماً

وتشرب لو معنى التمني، وسيأتي الكلام على ذلك عند قوله تعالى:

{ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فنتبرأ مِنْهُمْ }

، إن شاء الله تعالى، ولا تكون موصولة بمعنى أن خلافاً لزاعم ذلك. شاء: بمعنى أراد، وحذف مفعولهاجائز لفهم المعنى، وأكثر ما يحذف مع لو، لدلالة الجواب عليه. قال الزمخشري: ولقد تكاثر هذا الحذف في شاء وأراد،يعني حذف مفعوليهما، قال: لا يكادون يبرزون هذا المفعول إلا في الشيء المستغرب، نحو قوله:

فلو شئت أن أبكي دماً لبكيته

وقوله تعالى:

{ لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَـٰهُ }

، و

{ لَوْ رَادَّ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ }

، انتهىكلامه. قال صاحب التبيان، وذلك بعد أن أنشد قوله:

فلو شئت أن أبكي دماً لبكيته عليه ولكن ساحة الصبر أوسع

متى كان مفعول المشيئة عظيماً أو غريباً، كان الأحسن أن يذكر نحو: لو شئت أن ألقى الخليفة كليوم لقيته، وسر ذكره أن السامع منكر لذلك، أو كالمنكر، فأنت تقصد إلى إثباته عنده، فإن لم يكن منكراً فالحذفنحو: لو شئت قمت. وفي التنزيل:

{ لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا }

، انتهى. وهو موافق لكلام الزمخشري. وليس ذلك عنديعلى ما ذهبنا إليه من أنه إذا كان في مفعول المشيئة غرابة حسن ذكره، وإنما حسن ذكره في الآية والبيتمن حيث عود الضمير، إذ لو لم يذكر لم يكن للضمير ما يعود عليه، فهما تركيبان فصيحان، وإن كان أحدهماأكثر. فأحدهما الحذف ودلالة الجواب على المحذوف، إذ يكون المحذوف مصدراً دل عليه الجواب، وإذا كانوا قد حذفوا أحد جزأيالإسناد، وهو الخبر في نحو: لولا زيد لأكرمتك، للطول بالجواب، وإن كان المحذوف من غير جنس المثبت فلأن يحذف المفعولالذي هو فضلة لدلالة الجواب عليه، إذ هو مقدر من جنس المثبت أولى. والثاني: أن يذكر مفعول المشيئة فيحتاج أنيكون في الجواب ضمير يعود على ما قبله، نحو قوله تعالى: {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَـٰهُ }، وقول الشاعر:

فلو شئت أن أبكي دماً لبكيته

وأما إذا لم يدل على حذفه دليل فلا يحذف، نحو قوله تعالى: {لِمَن شَاءمِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ }. الشيء: ما صح أن يعلم من وجه ويخبر عنه،قال سيبويه، رحمه الله، وإنما يخرج التأنيث من التذكير، ألا ترى أن الشيء يقع على كل ما أخبر عنه منقبل أن يعلم أذكر هو أو أنثى؟ والشيء مذكر، وهو عندنا مرادف للموجود، وفي إطلاقه على المعدوم بطريق الحقيقة خلاف،ومن أطلق ذلك عليه فهو أنكر النكرات، إذ يطلق على الجسم والعرض والقديم والمعدوم والمستحيل. القدرة: القوة على الشيء والاستطاعةله، والفعل قدر ومصادره كثيرة: قدر، قدرة، وبتثليث القاف، ومقدرة، وبتثليث الدال: وقدر، أو قدر، أو قدر، أو قدار، أوقدار، أو قدراناً، ومقدراً، ومقدراً. الجملة من قوله: {يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ } لا موضع لها من الإعراب إذهي مستأنفة جواب قائل قال: فكيف حالهم مع ذلك البرق؟ فقيل: {يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ }، ويحتمل أن تكون فيموضع جر صفة لذوي المحذوفة التقدير كائد البرق يخطف أبصارهم، والألف واللام في البرق للعهد، إذ جرى ذكره نكرة فيقوله: {فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ }، فصار نظير: لقيت رجلاً فضربت الرجل، وقوله تعالى:

{ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ }

. وقرأ مجاهد، وعلي بن الحسين، ويحيــــى بن زيد: يخطف بسكون الخاء وكسر الطاء، قال ابن مجاهد: وأظنهغلطاً واستدل على ذلك بأن أحداً لم يقرأ بالفتح إلا من خطف الخطفة. وقال الزمخشري: الفتح، يعني في المضارع أفصح،انتهى. والكسر في طاء الماضي لغة قريش، وهي أفصح، وبعض العرب يقول: خطف بفتح الطاء، يخطف بالكسر. قال ابن عطية،ونسب المهدوي هذه القراءة إلى الحسن وأبي رجاء، وذلك وهم. وقرأ علي، وابن مسعود: يختطف. وقرأ أُبي: يتخطف. وقرأ الحسنأيضاً: يخطف، بفتح الياء والخاء والطاء المشددة. وقرأ الحسن أيضاً، والجحدري، وابن أبي إسحاق: يخطف، بفتح الياء والخاء وتشديد الطاءالمكسورة، وأصله يختطف. وقرأ الحسن أيضاً، وأبو رجاء، وعاصم الجحدري، وقتادة: يخطف، بفتح الياء وكسر الخاء والطاء المشددة. وقرأ أيضاًالحسن، والأعمش: يخطف، بكسر الثلاثة وتشديد الطاء. وقرأ زيد بن علي: يخطف، بضم الياء وفتح الخاء وكسر الطاء المشددة منخطف، وهو تكثير مبالغة لا تعدية. وقرأ بعض أهل المدينة: يخطف، بفتح الياء وسكون الخاء وتشديد الطاء المكسورة، والتحقيق أنهاختلاس لفتحة الخاء لا إسكان، لأنه يؤدّي إلى التقاء الساكنين على غير حد التقائهما. فهذا الحرف قرىء عشر قراءات:السبعة يخطف، والشواذ: يخطف يختطف يتخطف يخطف وأصله يتخطف، فحذف التاء مع الياء شذوذاً، كما حذفها مع التاء قياساً. يخطفيخطف يخطف يخطف، والأربع الأخر أصلها يختطف فعرض إدغام التاء في الطاء فسكنت التاء للإدغام فلزم تحريك ما قبلها، فإمابحركة التاء، وهي الفتح مبينة أو مختلسة، أو بحركة التقاء الساكنين، وهي الكسر. وكسر الياء اتباع لكسرة الخاء، وهذه مسألةإدغام اختصم به، وهي مسألة تصريفية يختلف فيها اسم الفاعل واسم المفعول والمصدر، وتبيين ذلك في علم التصريف. ومن فسرالبرق بالزجر والوعيد قال: يكاد ذلك يصيبهم. ومن مثله بحجج القرآن وبراهينه الساطعة قال: المعنى يكاد ذلك يبهرهم. وكل:منصوب على الظرف وسرت إليه الظرفية من إضافته لما المصدرية الظرفية لأنك إذا قلت: ما صحبتني أكرمتك، فالمعنى مدّة صحبتكلي أكرمك، وغالب ما توصل به ما هذه بالفعل الماضي، وما الظرفية يراد بها العموم، فإذا قلت: أصحبك ما ذرلله شارق، فإنما تريد العموم. فكل هذه أكدت العموم الذي أفادته ما الظرفية، ولا يراد في لسان العرب مطلق الفعلالواقع صلة لما، فيكتفى فيه بمرة واحدة، ولدلالتها على عموم الزمان جزم بها بعض العرب. والتكرار الذي يذكره أهل أصولالفقه والفقهاء في كلما، إنما ذلك فيها من العموم، لا إن لفظ كلما وضع للتكرار، كما يدل عليه كلامهم، وإنماجاءت كل توكيداً للعموم المستفاد من ما الظرفية، فإذا قلت: كلما جئتني أكرمتك، فالمعنى أكرمك في كل فرد فرد منجيئاتك إليّ. وما أضاء: في موضع خفض بالإضافة، إذ التقدير كل إضاءة، وهو على حذف مضاف أيضاً، معناه: كلّ وقتإضاءة، فقام المصدر مقام الظرف، كما قالوا: جئتك خفوق النجم. والعامل في كلما قوله: مشوا فيه، وأضاء عند المبرد هنامتعد التقدير، كلما أضاء لهم البرق الطريق. فيحتمل على هذا أن يكون الضمير في فيه عائداً على المفعول المحذوف، ويحتملأن يعود على البرق، أي مشوا في نوره ومطرح لمعانه، ويتعين عوده على البرق فيمن جعل أضاء لازماً، أي: كلمالمع البرق مشوا في نوره، ويؤيد هذا قراءة ابن أبي عبلة: كلما ضاء ثلاثياً، وقد تقدّم أنها لغة. وفي مصحفأُبيّ: مرّوا فيه، وفي مصحف ابن مسعود: مضوا فيه. وهذه الجملة استئناف ثالث كأنه قيل: فأضاء لهم في حالتي وميضالبرق وخفائه، قيل: كلما أضاء لهم إلى آخره. وقرأ يزيد بن قطيب والضحاك: وإذا أظلم مبنياً للمفعول، وأصل أظلمأن لا يتعَدّى، يقال: أظلم الليل. وظاهر كلام الزمخشري أن أظلم يكون متعدياً بنفسه لمفعول، فلذلك جاز أن يبنى لمالم يسم فاعله. قال الزمخشري: أظلم على ما لم يسم فاعله، وجاء في شعر حبيب بن أوس الطائي:

هما أظلما حاليّ ثمت أجليا ظلاميهما عن وجه أمرد أشيب

وهو أن كان محدثاً لا يستشهد بشعره في اللغة، فهومن علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه. ألا ترى إلى قول العلماء الدليل عليه بيت الحماسة، فيقتنعون بذلكلوثوقهم بروايته وإتقانه، انتهى كلامه. فظاهره كما قلنا أنه متعدّ وبناؤه لما لم يسم فاعله، ولذلك استأنس يقول أبي تمام:هما أظلما حالي، وله عندي تخريج غير ما ذكر الزمخشري، وهو أن يكون أظلم غير متعدّ بنفسه لمفعول، ولكنه يتعدّىبحرف جر. ألا ترى كيف عدى أظلم إلى المجرور بعلى؟ فعلى هذا يكون الذي قام مقام الفاعل أو حذف هوالجار والمجرور، فيكون في موضع رفع، وكان الأصل: وإذا أظلم الليل عليهم، ثم حذف، فقام الجار والمجرور مقامه، نحو: غضبزيد علي عمرو، ثم تحذف زيداً وتبني الفعل للمفعول فتقول: غضب على عمرو، فليس يكون التقدير إذ ذاك: وإذا أظلمالله الليل، فحذفت الجلالة وأقيم ضمير الليل مقام الفاعل. وأما ما وقع في كلام حبيب فلا يستشهد به، وقد نقدعلى أبي علي الفارسي الاستشهاد بقول حبيب:

من كان مرعى عزمه وهمومه روض الأماني لم يزل مهزولاً

وكيفيستشهد بكلام من هو مولد، وقد صنف الناس فيما وقع له من اللحن في شعره؟ ومعنى قاموا: ثبتوا ووقفوا، وصدرتالجملة الأولى بكلما، والثانية بإذا. قال الزمخشري: لأنهم حراص على وجود ما هممهم به معقودة من إمكان المشي وتأتيه، فكلماصادفوا منه فرصة انتهزوها، وليس كذلك التوقف والتحبس، انتهى كلامه. ولا فرق في هذه الآية عندي بين كلما وإذا منجهة المعنى، لأنه متى فهم التكرار من: {كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ } لزم منه أيضاً التكرار في أنه إذاأظلم عليهم قاموا، لأن الأمر دائر بين إضاءة البرق والإظلام، فمتى وجد هذا فقد هذا، فيلزم من تكرار وجود هذاتكرار عدم هذا، على أن من النحويين من ذهب إلى أن إذاً تدل على التكرار ككلما، وأنشد:

إذا وجدت أوار الحب في كبدي أقبلت نحو سقاء القوم أبترد

قال: فهذا معناه معنى كلما. وفي تأويل هذه الآيةأقوال. قال ابن عباس والسدي: كلما أتاهم القرآن بما يحبونه تابعوه. وقال قتادة: إضاءة البرق حصول ما يرجونه من سلامةنفوسهم وأموالهم، فيسرعون إلى متابعته. وقال مقاتل: البرق الإسلام، ومشيهم فيه إهتداؤهم، فإذا تركوا ذلك وقعوا في ضلالهم. وقيل: إضاءتهلهم: تركهم بلا ابتلاء، ومشيهم فيه: إقامتهم على المسالمة بإظهار ما يظهرونه، وقيل: كلما سمع المنافقون القرآن وحججه أنسوا ومشوامعه، فإذا نزل ما يعمون فيه أو يكلفونه قاموا، أي ثبتوا على نفاقهم. وقيل: كلما توالت عليهم النعم قالوا: دينحق، وإذا نزلت بهم مصيبة سخطوا وثبتوا على نفاقهم. وقيل: كلما خفي نفاقهم مشوا، فإذا افتضحوا قاموا، وقيل: كلما أضاءلهم الحق اتبعوه، فإذا أظلم عليهم بالهوى تركوه. وقيل: ينتفعون بإظهار الإيمان، فإذا وردت محنة أو شدة على المسلمين تحيروا،كما قام أولئك في الظلمات متحيرين. قال الزمخشري: وهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما همفيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون،، إذا صادفوا من البرق خفقة مع خوف أن يخطف أبصارهم، انتهزواتلك الخفقة فرصة فحطوا خطوات يسيرة، فإذا خفي وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة، انتهى كلامه. ومفعول شاءهنا محذوف للدلالة عليه التقدير: ولو شاء الله إذهاب سمعهم وأبصارهم. والكلام في الباء في بسمعهم كالكلام فيها في: {ذَهَبَٱللَّهُ بِنُورِهِمْ }، وتوحيد السمع تقدم الكلام عليه عند الكلام على قوله: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ }. وقرأابن أبي عبلة: لأذهب بأسماعهم وأبصارهم، فالباء زائدة التقدير لأذهب أسماعهم، كما قال بعضهم: مسحت برأسه، يريد رأسه، وخشنت بصدره،يريد صدره، وليس من مواضع قياس زيادة الباء، وجمعه الإسماع مطابق لجمع الإبصار. ومعنى الجملة: أن ذهاب الله بسمعهم وأبصارهمكان يقع على تقدير مشيئة الله ذلك. وقيل: المعنى لإهلاكهم، لأن في هلاكهم ذهاب سمعهم وأبصارهم. وقيل: وعيد بإذهاب الأسماعوالأبصار من أجسادهم حتى لا يتوصلوا بهما إلى مالهم، كما لم يتوصلوا بهما إلى ما عليهم. وقيل: لأظهر عليهم بنفاقهمفذهب منهم عز الإسلام. وقيل: لأذهب أسماعهم فلا يسمعون الصواعق فيحذرون، ولأذهب أبصارهم فلا يرون الضوء ليمشوا. وقيل، عن ابنعباس: لذهب بسمعهم وأبصارهم لما تركوا من الحق بعد معرفته. وقيل: لعجل لهم العقوبة في الدنيا، فذهب بسمعهم وأبصارهم، فلمينتفعوا بها في الدنيا، لأنهم لم يستعملوها في الحق فينتفعوا بها في أخراهم. وقيل: لزاد في قصيف الرعد فأصمهم وفيضوء البرق فأعماهم. وقيل: لأوقع بهم ما يتخوفونه من الزجر والوعيد. وقيل: لفضحهم عند المؤمنين وسلطهم عليهم. وقال الزمخشري: لذهبسمعهم بقصيف الرعد وأبصارهم بوميض البرق. وظاهر الكلام أن هذا كله مما يتعلق بذوي صيب، فصرف ظاهره إلى أنهمما يتعلق بالمنافقين غير ظاهر، وإنما هذا مبالغة في تحير هؤلاء السفر وشدة ما أصابهم من الصيب الذي اشتمل علىظلمات ورعد وبرق، بحيث تكاد الصواعق تصمهم والبرق يعميهم. ثم ذكر أنه لو سبقت المشيئة بذهاب سمعهم وأبصارهم لذهبت، وكمااخترنا في قوله {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ } إلى آخره أنه مبالغة في حال المستوقد، كذلك اخترنا هنا أن هذا مبالغةفي حالة السفر، وشدة المبالغة في حال المشبه بهما يقتضي شدة المبالغة في حال المشبه، فهو وإن لم تكن هذهالجزئيات التي للمشبه به ثابتة للمشبه بنظائرها ثابتة له، ولا سيما إذا كان التمثيل من قبيل التمثيلات المفردة. وأما علىما اخترناه من أنه من التمثيلات المركبة، فتكون المبالغة في التشبيه بما آل إليه حال المشبه به، وقد تقدم الكلامعلى ذلك قبل، وخص السمع والأبصار في قوله: {لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ } لتقدم ذكرهما في قوله: {أَوْ كَصَيّبٍ }، وفيقوله: {يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ }. وقال بعضهم: تقدم ذكر الرعد والصواعق، ومدركهما السمع، والظلمات والبرق، ومدركهما: البصر، ثم قال: لو شاءأذهب ذلك من المنافقين عقوبة لهم على نفاقهم، أعقب تعالى ما علقه على المشيئة بالإخبار عنه تعالى بالقدرة لأن بهماتمام الأفعال، أعني القدرة والإرادة وأتى بصيغة المبالغة إذ لا أحق بها منه تعالى. وعلى كل شيء: متعلق بقوله: قدير،وفي لفظ قدير ما يشعر بتخصيص العموم، إذ القدرة لا تتعلق بالمستحيلات. وقد تقدم لنا بعض كلام على تناسقالآي التي تقدم الكلام عليها، ونحن نلخص ذلك هنا، فنقول: افتتح تعالى هذه السورة بوصف كلامه المبين، ثم بين أنههدى لمؤمني هذه الأمة ومدحهم، ثم مدح من ساحلهم في الإيمان وتلاهم من مؤمني أهل الكتاب، وذكر ما هم عليهمن الهدى في الحال ومن الظفر في المآل، ثم تلاهم بذكر أضدادهم المختوم على قلوبهم وأسماعهم المغطي أبصارهم الميؤوس منإيمانهم، وذكر ما أعد لهم من العذاب العظيم، ثم أتبع هؤلاء بأحوال المنافقين المخادعين المستهزئين وأخر ذكرهم وإن كانوا أسوأأحوالاً من المشركين، لأنهم اتصفوا في الظاهر بصفات المؤمنين وفي الباطن بصفات الكافرين، فقدم الله ذكر المؤمنين، وثنّى بذكر أهلالشقاء الكافرين، وثلّث بذكر المنافقين الملحدين، وأمعن في ذكر مخازيهم فأنزل فيهم ثلاث عشرة آية، كل ذلك تقبيح لأحوالهم وتنبيهعلى مخازي أعمالهم، ثم لم يكتف بذكر ذلك حتى أبرز أحوالهم في صورة الأنفال، فكان ذلك أدعى للتنفير عما اجترحوهمن قبيح الأفعال. فانظر إلى حسن هذا السباق الذي نوقل في ذروة الإحسان وتمكن في براعة أقسام البديع وبلاغة معاني البيان.

يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَعدل

{ يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } * { ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }

{ يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٱلَّذِىجَعَلَ لَكُمُ ٱلاْرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ }.يا: حرف نداء، وزعم بعضهم أنها اسم فعل معناها: أنادي، وعلى كثرة وقوع النداء في القرآن لم يقع نداء إلابها، وهي أعم حروف النداء، إذ ينادي بها القريب والبعيد والمستغاث والمندوب. وأمالها بعضهم، وقد تتجرد للتنبيه فيليها المبتدأ والأمروالتمني والتعليل، والأصح أن لا ينوي بعدها منادي. أي: استفهام وشرط وصفة ووصلة لنداء ما فيه الألف واللام، وموصولة، خلافاًلأحمد بن يحيـى، إذ أنكر مجيئها موصولة، ولا تكون موصوفة خلافاً للأخفش. ها: حرف تنبيه، أكثر استعمالها مع ضمير رفعمنفصل مبتدأ مخبر عنه باسم إشارة غالباً، أو مع اسم إشارة لا لبعد، ويفصل بها بين أي في النداء وبينالمرفوع بعده، وضمها فيه لغة بني مالك من بني أسد، يقولون: يا أيه الرجل، ويا أيتها المرأة. الخلق: الاختراع بلامثال، وأصله التقدير، خلقت الأديم قدرته، قال زهير:

ولأنت تفرى ما خلقت وبعــض القوم يخلق ثم لا يفرى

قال قطرب: الخلق هو الإيجاد على تقدير وترتيب، والخلق والخليقة تنطلق على المخلوق، ومعنى الخلق والإيجاد، والإحداث، والإبداع،والإختراع، والإنشاء، متقارب. قيل: ظرف زمان، ولا يعمل فيها عامل فيخرجها عن الظرفية إلا من، وأصلها وصف ناب عن موصوفهلزوماً، فإذا قلت: قمت قبل زيد، فالتقدير قمت زماناً قبل زمان قيام زيد، فحذف هذا كله وناب عنه قبل زيد.لعل: حرف ترج في المحبوبات، وتوقع في المحذورات، ولا تستعمل إلا في الممكن، لا يقال: لعل الشباب يعود، ولا تكونبمعنى كي، خلافاً لقطرب وابن كيسان، ولا استفهاماًخلافاً للكوفيين، وفيها لغات لم يأت منها في القرآن إلا الفصحى، ولم يحفظبعدها نصب الاسمين، وحكى الأخفش أن من العرب من يجزم بلعل، وزعم أبو زيد أن ذلك لغة بني عقيل. الفراش:الوطاء الذي يقعد عليه وينام ويتقلب عليه. البناء: مصدر، وقد يراد به المنقول من بيت أو قبة أو خباء أوطراف وأبنية العرب أخبيتهم. الماء: معروف، وقال بعضهم: هو جوهر سيال به قوام الحيوان ووزنه فعل وألفه منقلبة من واووهمزته بدل من هاء يدل عليه: مويه، ومياه، وأمواه. الثمرة: ما تخرجه الشجرة من مطعوم أو مشموم. الند: المقاوم المضاهىمثلاً كان أو ضداً أو خلافاً. وقال أبو عبيدة والمفضل: الند: الضد، قال ابن عطية، وهذا التخصيص تمثيل لا حصر.وقال غيره: الند: الضد المبغض المناوىء من الندود، وقال المهدوي: الند: الكفؤ والمثل، هذا مذهب أهل اللغة سوى أبي عبيدة.فإنه قال: الضد. قال الزمخشري: الند: المثل، ولا يقال إلا للمثل المخالف للمناوىء، قال جرير:

أتيم تجعلون إلي ندا وما تيم لذي حسب نديد

وناددت الرجل: خالفته ونافرته، من ند ندوداً إذا نفر. ومعنىقولهم: ليس لله ند ولا ضد، نفى ما يسد مسده ونفي ما ينافيه. يا أيها الناس: خطاب لجميع منيعقل، قاله ابن عباس، أو اليهود خاصة، قاله الحسن ومجاهد، أو لهم وللمنافقين، قاله مقاتل، أو لكفار مشركي العرب وغيرهم،قاله السّدي، والظاهر قول ابن عباس لأن دعوى الخصوص تحتاج إلى دليل. ووجه مناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنهتعالى لما ذكر المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين وصفاتهم وأحوالهم وما يؤول إليه حال كل منهم، انتقل من الإخبار عنهمإلى خطاب النداء، وهو التفات شبيه بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ }، بعد قوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }، وهو من أنواعالبلاغة كما تقدم، إذ فيه هز للسامع وتحريك له، إذ هو خروج من صنف إلى صنف، وليس هذا انتقالاً منالخطاب الخاص إلى الخطاب العام، كما زعم بعض المفسرين، إذ لم يتقدم خطاب خاص إلا إن كان ذلك تجوزاً فيالخطاب بأن يعني به الكلام، فكأنه قال: انتقل من الكلام الخاص إلى الكلام العام، قال هذا المفسرون، وهذا من أساليبالفصاحة، فإنهم يخصون ثم يعمون. ولهذا لما نزل:

{ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلاْقْرَبِينَ }

دعاهم رسول الله ﷺ فخصوعم، فقال: يا عباس عم محمد لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئاً . وقال الشاعر:

يا بني اندبوا ويا أهل بيتي وقبيلي عليّ عاماً فعاما

انتهى كلامه. وروي عن ابن عباس ومجاهد وعلقمة أنهمقالوا: كل شيء نزل فيه: {يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } فهو مكي، و{يا أيها ٱلَّذِينَ آمنواْ} فهو مدني. أما في {ياأيها ٱلَّذِينَ آمنواْ } فصحيح، وأما في {يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } فيحمل على الغالب، لأن هذه السورة مدنية، وقد جاءفيها يا أيها الناس. وأي في أيها منادى مفرد مبني على الضم، وليست الضمة فيه حركة إعراب خلافاً للكسائي والرياشي،وهي وصلة لنداء ما فيه الألف واللام ما لم يمكن أن ينادي توصل بنداء أي إلى ندائه، وهي في موضعنصب، وهاء التنبيه كأنها عوض مما منعت من الإضافة وارتفع الناس على الصفة على اللفظ، لأن بناء أي شبيه بالإعراب،فلذلك جاز مراعاة اللفظ، ولا يجوز نصبه على الموضع، خلافاً لأبي عثمان. وزعم أبو الحسن في أحد قوليه أن أيافيالنداء موصولة وأن المرفوع بعدها خبر مبتدأ محذوف، فإذا قال: يا أيها الرجل، فتقديره: يا من هو الرجل. والكلام علىهذا القول وقول أبي عثمان مستقصى في النحو. اعبدوا ربكم: ولما واجه تعالى الناس بالنداء أمرهم بالعبادة، وقد تقدمتفسيرها في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ }، والأمر بالعبادة شمل المؤمنين والكافرين. لا يقال: المؤمنون عابدون، فيكف يصح الأمر بماهم ملتبسون به؟ لأنه في حقهم أمر بالازدياد من العبادة، فصح مواجهة الكل بالعبادة، وانظر لحسن مجيء الرب هنا، فإنهالسيد والمصلح، وجدير بمن كان مالكاً أو مصلحاً أحوال العبد أن يخص بالعبادة ولا يشرك مع غيره فيها. والخطاب، إنكان عاماً، كان قوله: {ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ } صفة مدح، وإن كان لمشركي العرب كانت للتوضيح، إذ لفظ الرب بالنسبة إليهممشترك بين الله تعالى وبين آلهتهم، ونبه بوصف الخلق على استحقاقه العبادة دون غيره،

{ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ }

،أو على امتنانه عليهم بالخلق على الصورة الكاملة، والتمييز عن غيرهم بالعقل، والإحسان إليهم بالنعم الظاهرة والباطنة، أو على إقامةالحجة عليهم بهذا الوصف الذي لا يمكن أن يشرك معه فيه غيره، ووصف الربوبية والخلق موجب للعبادة، إذ هو جامعلمحبة الاصطناع والاختراع، والمحب يكون على أقصى درجات الطاعة لمن يحب. وقالوا: المحبة ثلاث، فزادوا محبة الطباع كمحبة الوالد لولده،وأدغم أبو عمر وخلقكم، وتقدّم تفسير الخلق في اللغة، وإذا كان بمعنى الاختراع والإنشاء فلا يتصف به إلا الله تعالى.وقد أجمع المسلمون على أن لا خالق إلا الله تعالى، وإذا كان بمعنى التقدير، فمقتضى اللغة أنه قد يوصفبه غير الله تعالى، كبيت زهير. وقال تعالى:

{ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ }

{ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطّينِ }

. وقال أبوعبد الله البصري، أستاذ القاضي عبد الجبار: إطلاق اسم الخالق على الله تعالى محال، لأن التقدير والتسوية عبارة عن الفكروالظن والحسبان، وذلك في حق الله تعالى محال. وكأنّ أبا عبد الله لم يعلم أن الخلق في اللغة يطلق علىالإنشاء، وكلام البصري مصادم لقوله تعالى:

{ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَـٰلِقُ البارىء }

، إذ زعم أنه لا يطلق اسم الخالق على الله،وفي اللغة والقرآن والإجماع ما يرد عليه. وعطف قوله: {خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } على الضمير المنصوب في خلقكم، والمعطوفمتقدّم في الزمان على المعطوف عليه وبدأ به، وإن كان متأخراً في الزمان، لأن علم الإنسان بأحوال نفسه أظهر منعلمه بأحوال غيره، إذ أقرب الأشياء إليه نفسه، ولأنهم المواجهون بالأمر بالعبادة، فتنبيههم أولاً على أحوال أنفسهم آكد وأهم، وبدأأولاً بصفة الخلق، إذ كانت العرب مقرة بأن الله خالقها، وهم المخاطبون، والناس تبع لهم، إذ نزل القرآن بلسانهم. وقرأابن السميفع: وخلق من قبلكم، جعله من عطف الجمل. وقرأ زيد بن علي: {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } بفتح ميم من،قال الزمخشري: وهي قراءة مشكلة ووجهها على أشكالها أن يقال: أقحم الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيداً، كما أقحم جريرفي قوله:

يـا تيـم تيـم عـدي لا أبـا لكـم

تيما الثاني بين الأول وما أضيف إليه، وكإقحامهم لام الإضافة بينالمضاف والمضاف إليه في لا أبا لك، انتهى كلامه. وهذا التخريج الذي خرج الزمخشري قراءة زيد عليه هو مذهب لبعضالنحويين زعم أنك إذا أتيت بعد الموصول بموصول آخر في معناه مؤكد له، لم يحتج الموصول الثاني إلى صلة، نحوقوله:

من النفر اللائي الذين أذاهم يهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا

فإذا وجوابها صلة اللائي، ولا صلة للذين، لأنه إنما أتى به للتأكيد. قال أصحابنا: وهذا الذي ذهب إليه باطل، لأن القياس إذا أكد الموصول أن تكرره مع صلته لأنها من كماله، وإذا كانوا أكدوا حرف الجر أعادوه مع ما يدخل عليه لافتقاره إليه، ولا يعيدونه وحده إلا في ضرورة، فالأحرى أن يفعل مثل ذلك بالموصول الذي الصلة بمنزلة جزء منه. وخرج أصحابنا البيتعلى أن الصلة للموصول الثاني وهو خبر مبتدأ محذوف، ذلك المبتدأ والموصول في موضع الصلة للأول تقديره من النفر اللاتيهم الذين أذا هم، وجاز حذف المبتدأ وإضماره لطول خبره، فعلى هذا يتخرج قراءة زيد أن يكون قبلكم صلة من،ومن خبر مبتدأ محذوف، وذلك المبتدأ وخبره صلة للموصول الأول وهو الذين، التقدير والذين هم من قبلكم. وعلى قراءة الجمهورتكون صلة الذين قوله: {مِن قَبْلِكُمْ }، وفي ذلك إشكال، لأن الذين أعيان، ومن قبلكم جار ومجرور ناقص ليس فيالإخبار به عن الأعيان فائدة، فكذلك الوصل به إلا على تأويل، وتأويله أنه يؤول إلى أن ظرف الزمان إذا وصفصح وقوعه خبراً نحو: نحن في يوم طيب، كذلك يقدر هذا والذين كانوا من زمان قبل زمانكم. وهذا نظير قولهتعالى: {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } وإنما ذكر {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ }، وإن كان خلقهم لا يقتضي العبادة علينا لأنهم كالأصوللهم، فخلق أصولهم يجري مجرى الأنعام على فروعهم، فذكرهم عظيم إنعامه تعالى عليهم وعلى أصولهم بالإيجاد. وليست لعل هنابمعنى كي لأنه قول مرغوب عنه ولكنها للترجي والأطماع، وهو بالنسبة إلى المخاطبين، لأن الترجي لا يقع من الله تعالى إذ { هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } ، وهي متعلقة بقوله: {ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ }، فكأنه قال: إذا عبدتم ربكم رجوتم التقوى، وهيالتي تحصل بها الوقاية من النار والفوز بالجنة. قال ابن عطية: ويتجه تعلقها بخلقكم لأن كل مولود يوجد على الفطرةفهو بحيث يرجى أن يكون متقياً. ولم يذكر الزمخشري غير تعلقها بخلقكم، قال: لعل واقعة في الآية موقع المجاز لاالحقيقة، لأن الله تعالى خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف، وركب فيهم العقول والشهوات، وأزاح العلة في أقدارهم وتمكينهم، وهداهم النجدين، ووضعفي أيديهم زمام الاختيار، وأراد منهم الخير والتقوى، فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا لترجح أمرهم، وهم مختارون بينالطاعة، والعصيان، كما ترجحت حال المرتجي بين أن يفعل وأن لا يفعل، انتهى كلامه. وهو مبني على مذهبه الاعتزالي منأن العبد مختار، وأنه لا يريد الله منه إلا فعل الخير، وهي مسألة يبحث فيها في أصول الدين. والذي يظهرترجيحه أن يكون: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } متعلقاً بقوله: {ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ }. فالذي نودوا لأجله هو الأمر بالعبادة، فناسب أن يتعلقبها ذلك وأتى بالموصول وصلته على سبيل التوضيح أو المدح للذي تعلقت به العبادة، فلم يجأ بالموصول ليحدث عنه بلجاء في ضمن المقصود بالعبادة. وأما صلته فلم يجأ بها لإسناد مقصود لذاته، إنما جيء بها لتتميم ما قبلها. وإذاكان كذلك فكونها لم يجأ بها لإسناد يقتضي أن لا يهتم بها فيتعلق بها ترج أو غيره، بخلاف قوله: اعبدوا،فإنها الجملة المفتتح بها أولاً والمطلوبة من المخاطبين. وإذا تعلق بقوله: اعبدوا، كان ذلك موافقاً، إذ قوله: اعبدوا خطاب، ولعلكمتتقون خطاب. ولما اختار الزمخشري تعلقه بالخلق قال: فإن قلت كما خلق المخاطبين لعلهم يتقون، فكذلك خلق الذين منقبهلم، لذلك قصره عليهم دون من قبلهم، قلت: لم يقصره عليهم ولكن غلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ والمعنى علىإرادتهم جميعاً، انتهى كلامه. وقد تقدم ترجيح تعلقه بقوله: اعبدوا، فيسقط هذا السؤال. وقال المهدوي: لعل متصلة باعبدوا لا بخلقكم،لأن من ذرأه الله عز وجل لجهنم لم يخلقه ليتقي. والمعنى عند سيبويه: افعلوا ذلك على الرجاء والطمع أن تتقوا،انتهى كلامه. ولما جعل الزمخشري لعلكم تتقون متعلقاً بالخلق قال: فإن قلت: فهلا قيل: تعبدون لأجل اعبدوا أو اتقوا المكانتتقون ليتجاوب طرفا النظم؟ قلت: ليست التقوى غير العبادة حتى يؤدي ذلك إلى تنافر النظم، وإنما التقوى قصارى أمر العابدومنتهى جهده، فإذا قال: {ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ } للاستيلاء على أقصى غايات العبادة كان أبعث على العبادة وأشد إلزاماًلها وأثبت لها في النفوس، انتهى كلامه. وهو مبني على مذهبه في أن الخلق كان لأجل التقوى، وقد تقدم ذلك.وأما قوله: ليتجاوب طرفا النظم فليس بشيء لأنه لا يمكن هنا تجاوب طرفي النظم لأنه يصير المعنى: اعبدوا ربكم لعلكمتتقون، أو اتقوا ربكم لعلكم تتقون، وهذا بعيد في المعنى، إذ هو مثل: اضرب زيداً لعلك تضربه، واقصد خالداً لعلكتقصده. ولا يخفى ما في هذا من غثاثة اللفظ وفساد المعنى، والقرآن متنزه عن ذلك. والذي جاء به القرآن هوفي غاية الفصاحة، إذ المعنى أنهم أمروا بالعبادة على رجائهم عند حصولها حصول التقوى لهم، لأن التقوى مصدر اتقى، واتقىمعناه اتخاذ الوقاية من عذاب الله، وهذا مرجو حصوله عند حصول العبادة. فعلى هذا، العبادة ليست نفس التقوى، لأن الاتقاءهو الاحتراز عن المضار، والعبادة فعل المأمور به، وفعل المأمور به ليس نفس الاحتراز بل يوجب الاحتراز، فكأنه قال: اعبدوهفتحترزوا عن عقابه، فإن أطلق على نفس الفعل اتقاء فهو مجاز، ومفعول يتقون محذوف. قال ابن عباس: الشرك، وقال الضحاك:النار، أو معناه تطيعون، قاله مجاهد: ومن قال المعنى الذي خلقكم راجين للتقوى. قال بعض المفسرين: فيه بعد من حيثإنه لو خلقهم راجين للتقوى كانوا مطيعين مجبولين عليها، والواقع خلاف ذلك، انتهى كلامه. ويعني أنهم لو خلقوا وهم راجونللتقوى لكان ذلك مركوزاً في جبلتهم، فكان لا يقع منهم غير التقوى وهم ليسوا كذلك، بل المعاصي هي الواقعة كثيراً،وهذا ليس كما ذكر، وقد يخلق الإنسان راجياً لشيء فلا يقع ما يرجوه، لأن الإنسان في الحقيقة ليس له الخيارفيما يفعله أو يتركه، بل نجد الإنسان يعتقد رجحان الترك في شيء ثم هو يفعله، ولقد صدق الشاعر في قوله:

علمي بقبح المعاصي حين أركبها يقضي بأني محمول على القدر

فلا يلزم من رجاءالإنسان لشيء وقوع ما يرتجي، وإنما امتنع ذلك التقدير، أعني تقدير الحال، من حيث إن لعل للإ نشاء، فهي ومادخلت عليه ليست جملة خبرية فيصح وقوعها حالاً. قال الطبري: هذه الآية، يريد: { يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ } منأدلّ دليل على فساد قول من زعم أن تكليف ما لا يطاق بمعونة الله غير جائز، وذلك أن الله عزوجل أمر بعبادته من آمن به ومن كفر بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنون وأنهم عن ضلالتهم لا يرجعون. والموصولالثاني في قوله: {ٱلَّذِى جَعَلَ} يجوز رفعه ونصبه، فرفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، فهو رفع على القطع، إذ هوصفة مدح، قالوا: أو على أنه مبتدأ خبره قوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً }، وهو ضعيف لوجهين: أحدهما: أنصلة الذي وما عطف عليها قد مضيا، فلا ينابسب دخول الفاء في الخبر. الثاني: أن ذلك لا يتمشى إلا علىمذهب أبي الحسن، لأن من الروابط عنده تكرار المبتدأ بمعناه، فالذي مبتدأ، و{فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً } جملة خبرية، والرابطلفظ الله من لله كأنه قيل: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً }، وهذا من تكرار المبتدأ بمعناه. ولا نعرف إجازة ذلكإلا عن أبي الحسن. أجاز أن تقول: زيد قام أبو عمرو، وإذا كان أبو عمرو كنية لزيد، ونص سيبويه علىمنع ذلك. وأما نصبه فيجوز أن يكون على القطع، إذ هو وصف مدح، كما ذكرنا، ويجوز أن يكون وصفاً لماكان له وصفاً الذي خلقكم، وهو ربكم، قالوا: ويجوز نصبه على أن يكون نعتاً لقوله: {ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ }، فيكون نعتاًللنعت ونعت النعت مما يحيل تكرار النعوت. والذي نختاره أن النعت لا ينعت، بل النعوت كلها راجعة إلى منعوت واحد،إلا إن كان ذلك النعت لا يمكن تبعيته للمنعوت، فيكون إذ ذاك نعتاً للنعت الأول، نحو قولك: يا أيها الفارسذو الجمة. وأجاز أبو محمد مكي نصبه بإضمار أعني، وما قبله ليس بملتبس، فيحتاج إلى مفسر له بإضمار أعني، وأجازأيضاً نصبه بتتقون، وهو إعراب غث ينزه القرآن عن مثله. وإنما أتى بقوله الذي دون واو لتكون هذه الصفة وماقبلها راجعين إلى موصوف واحد، إذ لو كانت بالواو لأوهم ذلك موصوفاً آخر، لأن العطف أصله المغايرة. وجعل: بمعنىصيَّر، لذلك نصبت الأرض. وفراشاً، ولكم متعلق بجعل، وأجاز بعضهم أن ينتصب فراشاً وبناء على الحال، على أن يكون جعلبمعنى خلق، فيتعدى إلى واحد، وغاير اللفظ كما غاير في قوله:{ خُلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ * وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } ، ولأنه قصد إلى ذكر جملتين، فغاير بين اللفظين لأن التكرار ليس في الفصاحة، كاختلاف اللفظ والمدلول واحد. وأدغم أبو عمرو لامجعل في لام لكم، والألف واللام في الأرض يجوز أن تكون للجنس الخاص، فيكون المراد أرضاً مخصوصة، وهي كل ماتمهد واستوى من الأرض وصلح أن يكون فراشاً. ويجوز أن تكون لاستغراق الجنس، ويكون المراد بالفراش مكان الاستقرار واللبث لكلحيوان. فالوهد مستقر بني آدم وغيرهم من الحيوانات، والجبال والحزون مستقر لبعض الآدميين بيوتاً أو حصوناً ومنازل، أو لبعض الحيواناتوحشاً وطيراً يفترشون منها أوكاراً، ويكون الامتنان على هذا مشتملاً على كل من جعل الأرض له قراراً. وغلب خطاب منيعقل على من لا يعقل، أو يكون خطاب الامتنان وقع على من يعقل، لأن ما عداهم من الحيوانات معد لمنافعهمومصالحهم، فخلقها من جملة المنة على من يعقل. وقرأ يزيد الشامي: بساطاً، وطلحة: مهاداً. والفراش، والمهاد، والبساط، والقرار، والوطاء نظائر.وقد استدل بعض المنجمين بقوله: {جَعَلَ لَكُمُ ٱلاْرْضَ فِرَاشاً } على أن الأرض مبسوطة لا كروية، وبأنها لو كانتكروية ما استقر ماء البحار فيها. أما استدلاله بالآية فلا حجة له في ذلك، لأن الآية لا تدل على أنالأرض مسطحة ولا كروية، إنما دلت على أن الناس يفترشونها كما يتقلبون بالمفارش، سواء كانت على شكل السطح أو علىشكل الكرة، وأمكن الافتراش فيها لتباعد أقطارها واتساع جرمها. قال الزمخشري: وإذا كان يعني الافتراش سهلاً في الجبل، وهو وتدمن أوتاد الأرض، فهو أسهل في الأرض ذات الطول والعرض. وأما استدلاله باستقرار ماء البحار فيها فليس بصحيح، قالوا: لأنهيجوز أن تكون كروية ويكون في جزء منها منسطح يصلح للاستقرار، وماء البحر متماسك بأمر الله تعالى لا بمقتضى الهيئة،انتهى قولهم. ويجوز أن يكون بعض الشكل الكروي مقراً للماء إذا كان الشكل ثابتاً غير دائر، أما إذا كان دائراًفيستحيل عادة قراره في مكان واحد من ذلك الشكل الكروي. وهذه مسألة يتكلم عليها في علم الهيئة. وقوله تعالى:{وَٱلسَّمَاء بِنَاء}: هو تشبيه بما يفهم كقوله تعالى:

{ وَٱلسَّمَاء بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْدٍ }

، شبهت بالقبة المبنية على الأرض، ويقال لسقفالبيت بناء، والسماء للأرض كالسقف، روي هذا عن ابن عباس وجماعة. وقيل: سماها بناء، لأن سماء البيت يجوز أن يكونبناء غير بناء، كالخيام والمضارب والقباب، لكن البناء أبلغ في الإحكام وأتقن في الصنعة وأمنع لوصول الأذى إلى من تحته،فوصف السماء بالأبلغ والأتقن والأمنع، ونبه بذلك على إظهار قدرته وعظيم حكمته، إذ المعلوم أن كل بناء مرتفع لا يتهيأإلا بأساس مستقر على الأرض أو بعمد وأطناب مركوزة فيها، والسماء في غاية ما يكون من العظم، وهي سبع طباقبعضها فوق بعض، وعليها من أثقال الأفلاك وأجناس الأملاك وأجرام الكواكب التي لا يعبر عن عظمها ولا يحصي عددها، وهيمع ذلك بغير أساس يمسكها ولا عمد تقلها ولا أطناب تشدها، وهي لو كانت بعمد وأساس كانت من أعظم المخلوقاتوأحكم المبدعات، فكيف وهي عارية عن ذلك ممسكة بالقدرة الإلهية:

{ إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ *أَن تَزُولاَ }

. وقيل:سميت بناء لتماسكها كما يتماسك البناء بعضه ببعض. وأنزل من السماء: يجوز أن يراد به السحاب، ويجوز أن يرادبه السماء المعروفة. فعلى الأول الجامع بينهما هو القدر المشترك من السمو، ولا يجوز الإضمار لأنه غير الأول، وعلى الثانيفحسن الإظهار دون الإضمار هنا كون السماء الأولى في ضمن جملة، والثانية جملة صالحة بنفسها أن تكون صلة تامة لولاعطفها، ومن متعلقة بأنزل وهي لابتداء الغاية، ويحتمل أن تتعلق بمحذوف على أن تكون في موضع الحال من ماء، لأنهلو تأخر لكان نعتاً فلما تقدم انتصب على الحال، ومعناها إذ ذاك التبعيض، ويكون في الكلام مضاف محذوف أي منمياه السماء ونكر. ماء لأن المنزل لم يكن عاماً فتدخل عليه الألف واللام وإنما هو ما صدق عليه الاسم. فأخرجبه: والهاء في به عائدة إلى الماء، والباء معناها السببية. فالماء سبب للخروج، كما أن ماء الفحل سبب في خلقالولد، وهذه السببية مجاز، إذ الباري تعالى قادر على أن ينشىء الأجناس، وقد أنشأ من غير مادة ولا سبب، ولكنهتعالى لما أوجد خلقه في بعض الأشياء عند أمر ما، أجرى ذلك الأمر مجرى السبب لا أنه سبب حقيقي. وللهتعالى في إنشاء الأمور منتقلة من حال إلى حال حكم يستنصر بها، لم يكن في إنشائها دفعة واحدة من غيرانتقال أطوار، لأن في كل طور مشاهدة أمر من عجيب التنقل وغريب التدريج تزيد المتأمل تعظيماً للباري. من الثمرات: منللتبعيض، والألف واللام في الثمرات لتعريف الجنس وجمع لاختلاف أنواعه، ولا ضرورة تدعو إلى ارتكاب أن الثمرات من باب الجموعالتي يتفاوت بعضها موضع بعض لالتقائهما في الجمعية، نحو:

{ كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّـٰتٍ } ، و { ثَلَـٰثَةَ قُرُوء } ، فقامت الثمرات مقامالثمر أو الثمار على ما ذهب إليه الزمخشري، لأن هذا من الجمع المحلى بالألف واللام، فهو وإن كان جمع قلة،فإن الألف واللام التي للعموم تنقله من الاختصاص لجمع القلة للعموم، فلا فرق بين الثمرات والثمار، إذ الألف واللام للاستغراقفيهما، ولذلك رد المحققون على من نقد على حسان قوله:

لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

بأن هذا جمع قلة، فكان ينبغي على زعمه أن يقول: الجفان وسيوفنا، وهو نقد غير صحيح لماذكرناه من أن الاستغراق ينقله، وأبعد من جعل من زائدة، وجعل الألف واللام للاستغراق لوجهين: أحدهما: زيادة من في الواجب،وقيل معرفة، وهذا لا يقول به أحد من البصريين والكوفيين إلا الأخفش. والثاني: أنه يلزم منه أن يكون جميع الثمراتالتي أخرجها رزقاً لنا، وكم من شجرة أثمرت شيئاً لا يمكن أن يكون رزقاً لنا، وإن كانت للتبعيض كان بعضالثمار رزقاً لنا وبعضها لا يكون رزقاً لنا، وهو الواقع. وناسب في الآية تنكير الماء وكون من دالة على التبعيضوتنكير الرزق، إذ المعنى: وأنزل من السماء بعض الماء فأخرج به بعض الثمرات بعض رزق لكم، إذ ليس جميع رزقهمهو بعض الثمرات، إنما ذلك بعض رزقهم، ومن الثمرات يحتمل أن يكون في موضع المفعول به بأخرج، ويكون على هذارزقاً منصوباً على الحال إن أُريد به المرزوق كالطحن والرعي، أو مفعولاً من أجله إن أريد به المصدر، وشروط المفعولله فيه موجودة، ويحتمل أن يكون متعلقاً بأخرج، ويكون رزقاً مفعولاً بأخرج. وقرأ ابن السميفع: من الثمرة على التوحيد، يريدبه الجمع كقولهم: فلان أدركت ثمرة بستانه، يريدون ثماره. وقولهم: للقصيدة كلمة، وللقرية مدرة، لا يريدون بذلك الإفراد. ولكم: إنأريد بالرزق المصدر كانت الكاف مفعولاً به واللام منوية لتعدّي المصدر إليه نحو: ضربت ابني تأديباً له، أي تأديبه، وإنأريد به المرزوق كان في موضع الصفة فتتعلق اللام بمحذوف، أي كائناً لكم، ويحتمل أن تكون لكم متعلقاً بأخرج، أيفأخرج لكم به من الثمرات رزقاً. وانتهى عند قوله: رزقاً لكم ذكر خمسة أنواع من الدلائل: اثنين من الأنفس خلقهموخلق من قبلهم، وثلاثة من غير الأنفس كون الأرض فراشاً وكون السماء بناءً، والحاصل من مجموعهما تقدم خلق الإنسان لأنهأقرب إلى معرفته، وثنّى بخلق الآباء، وثلث بالأرض لأنها أقرب إليه من السماء، وقدّم السماء على نزول المطر وإخراج الثمرات،لأن هذا كالأمر المتولد بين السماء والأرض والأثر متأخر عن المؤثر. وقيل: قدم المكلفين لأن خلقهم أحياء قادرين أصل لجميعالنعم. وأما خلق السماء والأرض والماء والثمر، فإنما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة والعقل. وقد اختلف أيهماأفضل، ومن قال السماء أفضل قال: لأنها متعبد الملائكة وما فيها من بقعة عصى الله فيه، ولأن آدم لما عصاهقال: لا تسكن جواري، ولتقديم السماء على الأرض في أكثر الآيات، ولأن فيها العرش والكرسي واللوح المحفوظ والقلم، وأنها قبلةالدعاء. ومن قال الأرض أفضل قال: لأن الله وصف منها بقاعاً بالبركة، ولأن الأنبياء مخلوقون منها، ولأنها مسجد وطهور.{فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً } ظاهره أنه نهى عن اتخاذ الأنداد، وسموا أنداداً على جهة المجاز من حيث أشركوهم معهتعالى في التسمية بالإلهية، والعبادة صورة لا حقيقة لأنهم لم يكونوا يعبدونهم لذواتهم بل للتقرب إلى الله تعالى، وكانوا يسمونالله إله الآلهة ورب الأرباب، ومن شابه شيئاً في وصف مّا قيل: هو مثله وشبهه ونده في ذلك الوصف دونبقية أوصافه، والنهي عن اتخاذ الأنداد بصورة الجمع هو على حسب الواقع لأنهم لم يتخذوا له تعالى نداً واحداً، وإنماجعلوا له أنداداً كثيرة، فجاء النهي على ما كانوا اتخذوه، ولذلك قال زيد بن عمرو بن نفيل:

أرباً واحداً أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور

وقرأ زيد بن علي بن محمد بن السميفع:نداً على التوحيد، وهو مفرد في سياق النهي، فالمراد به العموم، إذ ليس المعنى: فلا تجعلوا لله نداً واحداً بلأنداداً، وهذا النهي متعلق في بالأمر قوله: {ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ }، أي فوحدوه وأخلصوا له العبادة، لأن أصل العبادة هو التوحيد.قال الزمخشري: متعلق بلعل، على أن ينتصب تجعلوا انتصاب فأطَّلِعَ في قوله:

{ لَّعَـلّى أَبْلُغُ ٱلاْسْبَـٰبَ * أَسْبَـٰبَ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ * فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ }

، في رواية حفص عن عاصم، أي خلقكم لكي تتقوا وتخافوا عقابه فلا تشبهوه بخلقه، انتهىكلامه. فعلى هذا لا تكون لا ناهية بل نافية، وتجعلوا منصوب على جواب الترجي، وهو لا يجوز على مذهب البصريين،إنما ذهب إلى جواز ذلك الكوفيون، أجروا لعل مجرى هل. فكما أن الاستفهام ينصب الفعل في جوابه فكذلك الترجي. فهذاالتخريج الذي أخرجه الزمخشري لا يجوز على مذهب البصريين، وفي كلامه تعليق لعلكم تتقون بخلقكم، ألا ترى إلى تقديره أيخلقكم لكي تتقوا وتخافوا عقابه؟ فلا تشبهوه بخلقه، وهو جار على ما مر من مذهبه الاعتزالي، ويجوز أن يكون متعلقاًبالذي إذا جعلته خبر مبتدأ محذوف، أي هو الذي جعل لكم هذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية، فلا تجعلواله أنداداً. والظاهر في هذا القول هو ما قدمناه أولاً من تعلقه بقوله: {ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ }. {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }:جملة حالية، وفيها من التحريك إلى ترك الأنداد وإفراد الله بالوحدانية ما لا يخفى، أي أنتم من ذوي العلم والتمييزبين الحقائق والإدراك للطائف الأشياء والاستخراج لغوامض الدلائل، في الرتبة التي لا تليق لمن تحلى بها أن يجعل لله نداًوهو خلقه. إذ ذاك فعل من كان أجهل العالم وأبعدهم عن الفطنة وأكثرهم تجويزاً للمستحيلات. ومفعول تعلمون متروك لأن المقصودإثبات أنهم من أهل العلم والمعرفة. والتمييز تخصيص العلم بشيء، قال معناه ابن قتيبة، لأنه فسر تعلمون بمعنى تعقلون، وقيل:هو محذوف اختصاراً تقديره: وأنتم تعلمون أنه خلق السموات وأنزل الماء، وفعل ما شرحه في هذه الآيات. ومعنى هذا مرويعن ابن عباس وقتادة ومقاتل، أو أنتم تعلمون أنه ليس ذلك في كتابيكم التوراة والإنجيل. وروي ذلك أيضاً عن ابنعباس، أو أنه لا ند له، قاله مجاهد، أو أنتم تعلمون أنه لا يقدر على فعل ما ذكره أحد سواه،ذكره علي بن عبيد الله، أو وأنتم تعلمون أنها حجارة، قاله أبو محمد بن الخشاب، أو وأنتم تعلمون ما بينهوبينها من التفاوت، أو وأنتم تعلمون أنها لا تفعل مثل أفعاله كقوله:

{ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء }

؟ قالهما الزمخشري والمخاطب بقوله: فلا تجعلوا ظاهره أنه للناس المأمورين باعبدوا ربكم، وقد تقدمت أقاويل السلف في ذلك.قال ابن فورك: ويحتمل أن يكون الخطاب للمؤمنين، المعنى: فلا ترتدوا أيها المؤمنون وتجعلوا لله أنداداً بعد علمكم أنالعلم هو نفي الجهل بأن الله واحد. قال أبو محمد بن عطية، هذه الآية تعطي أن الله تعالى أغنى الإنسانبنعمه هذه عن كل مخلوق، فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا، فقد أخذبطرف من جعل نداً، انتهى. وقول أبي محمد يعطي أن الله أغنى الإنسان، خطأ في التركيب، لأن أعطى لا تنوبأنّ ومعمولاها مناب مفعوليها، بخلاف ظن، فإنها تنوب مناب مفعوليها، ولذلك ذكر في علم العربية. قال بعض المفسرين: اختصتعالى بهذه المخلوقات وهي: الخلقة البشرية، والبنيتان الأرضية والسماوية، لأنها محل الاعتبار ومسرح الإبصار ومواطن المنافع الدنيوية والأخروية، وبها يقومالدليل على وجود الصانع وقدرته وحكمته وحياته وإرادته، وغير ذلك من صفاته الذاتية والفعلية، وانفراده بخلقها وأحكامها، وقدم الخلقة البشرية،وإن كانت للعالم الأصغر، لما فيها من بدائع الصنعة ما لا يعبر عنه وصف لسان ولا يحيط بكنهه فكرجنان، وظهورحسن الصنعة في الأشياء اللطيفة الجرم أعظم منه في الأجرام العظام، ولأن اعتبار الإنسان بنفسه في تقلب أحواله أقرب إلىذهنه. قال تعالى:

{ وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } ، أو لأن العرب عادتها تقديم الأهم عندها والمعتنى به، قال: وهو تعالىبإصلاح حال البنية البشرية أكثر اهتماماً من غيرها من المخلوقات، لأنها أشرف مخلوقاته وأكرمها عليه. قال تعالى:

{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } الآية، ولأنه تعالى خلق هذه الأشياء منافع لبني آدم وأعدها نعماً يمتن بها عليهم، وذكر المنعم عليه يتقدمعلى ذكر النعمة. ثم إنه تعالى لما عرفهم أنه خالقهم أخبرهم أنه جعل لهم مكاناً يستقرون عليه، إذ كانت حكمتهاقتضت ذلك، فيستقرون فيه جلوساً ونوماً وتصرفاً في معايشهم، وجعل منه سهلاً للقرار والزرع، ووعراً للاعتصام، وجبالاً لسكون الأرض منالاضطراب. ثم لما منّ عليهم بالمستقر أخبرهم بجعل ما يقيهم ويظلهم، وجعله كالخيمة المضروبة عليهم، وأشهدهم فيها من غرائب الحكمةبأن أمسكها فوقهم بلا عمد ولا طنب لتهتدي عقولهم، أنها ليست مما يدخل تحت مقدور البشر، ثم نبههم على النعمةالعظمى، وهي إنزال المطر الذي هو مادة الحياة وسبب اهتزاز الأرض بالنبات، وأجناس الثمرات. وقدم ذكر الأرض على السماء، وإنكانت أعظم في القدرة وأمكن في الحكمة، وأتم في النعمة وأكبر في المقدار، لأن السقف والبنيان، فيما يعهد، لا بدله من أساس وعمد مستقر على الأرض، فبدأ بذكرها، إذ على متنها يوضع الأساس وتستقر القواعد، إذ لا ينبغي ذكرالسقف أولاً قبل ذكر الأرض التي تستقر عليها قواعده، أو لأن الأرض خلقها متقدم على خلق السماء، فإنه تعالى خلقالأرض ومهد رواسيها قبل خلق السماء. قال تعالى:

{ قُال أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ } إلى آخر الآيات، أو لأن ذلك منباب الترقي بذكر الأدنى إلى ذكر الأعلى. وقد تضمنت هاتان الآيتان من بدائع الصنعة، ودقائق الحكمة، وظهور البراهين، مااقتضى تعالى أنه المنفرد بالإيجاد، المتكفل للعباد، دون غيره من الأنداد، التي لا تخلق ولا ترزق ولا لها نفع ولاضر، ألا لله الخلق والأمر. قال بعض أصحاب الإشارات: لما امتن تعالى عليهم بأنه خلقهم والذين من قبهلم، ضرب لهممثلاً يرشدهم إلى معرفة كيفية خلقهم، وأنهم وإن كانوا متوالدين بين ذكر وأنثى، مخلوقين {مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ }، هوتعالى خالقهم على الحقيقة، ومصوّرهم في الأرحام كيف يشاء، ومخرجهم طفلاً، ومربيهم بما يصلحهم من غذاء وشراب ولباس، إلى غيرذلك من المنافع التي تدعو حاجتهم إليها فجعل الأرض التي هي فراش مثل الأم التي يفترشها الزوج، وهي أيضاً تسمىفراشاً، وشبه السماء التي علت على الأرض بالأب الذي يعلو على الأم ويغشاها، وضرب الماء النازل من السماء مثلاً للنطفةالتي تنزل من صلب الأب، وضرب ما يخرج من الأرض من الثمرات بالولد الذي يخرج من بطن الأم، يؤنس تعالىبذلك عقولهم ويرشدها إلى معرفة كيفية التخليق، ويعرفها أنه الخالق لهذا الولد والمخرج له من بطن أمه، كما أنه الخالقللثمرات ومخرجها من بطون أشجارها، ومخرج أشجارها من بطن الأرض، فإذا أوضح ذلك لهم أفردوه بالإلهية، وخصوه بالعبادة، وحصلت لهم الهداية.

وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَعدل

{ وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } * { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ }

قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّنمِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ }إن: حرف ثنائي الوضع يكون شرطاً، وهو أصل أدواته، وحرف نفي، وفيإعماله إعمال ما الحجازية خلاف، وزائداً مطرداً بعد ما النافية، وقبل مدة الإنكار، ولا تكون بمعنى إذ خلافا لزاعمه، ولايعد من مواضعه المخففة من الثقيلة لأنها ثلاثية الوضع، ولذلك اختلف حكمها في التصغير. العبد: لغة المملوك الذكر من جنسالإنسان، وهو راجع لمعنى العبادة، وتقدم شرحها. الإتيان: المجيء، والأمر منه: ائت، كما جاء في لفظ القرآن، وشذ حذف فائهفي الأمر قياساً واستعمالاً، قال الشاعر:

ت لي آل عوف فاندهم لي جماعة وسلٍ آل عوف أي شيء يضيرها

وقال آخر:

فإن نحن لم ننهض لكم فنبركم فتوناً قفوا دوناً إذن بالجرائم

السورة: الدرجة الرفيعة. ألمتر أن الله أعطاك سورة؟ وسميت سورة القرآن بها لأن قارئها يشرف بقراءتها على من لم تكن عنده، كسور البناء.وقيل: لتمامها وكمالها، ومنه قيل للناقة التامة: سورة، أو لأنها قطعة من القرآن، من أسأرت، والسؤر فاصلها الهمز وخففت، قالهأبو عبيدة، والهمز فيها لغة. من مثله: المماثلة تقع بأدنى مشابهة، وقد ذكر سيبويه، رحمه الله، أن: مررت برجل مثلك،يحتمل وجوهاً ثلاثة، ولفظه مثل لازمة الإضافة لفظاً، ولذلك لحن بعض المولدين في قوله:

ومثلك من يملك الناس طراً على أنه ليس في الناس مثل

ولا يكون محلاً خلافاً للكوفيين. وله في باب الصفة، إذا جرىعلى مفرد ومثنى ومجموع، حكم ذكر في النحو. الدعاء: الهتف باسم المدعو. الشهداء: جمع شهيد، للمبالغة، كعليم وعلماء، ولا يبعدأن يكون جمع شاهد، كشاعر وشعراء، وليس فعلاء باب فاعل، دون: ظرف مكان ملازم للظرفية الحقيقية أو المجازية، ولا يتصرففيه بغير من. قال سيبويه: وأما دونك فلا يرفع أبداً. قال الفراء: وقد ذكر دونك وظروفاً نحوها لا تستعمل أسماءمرفوعة على اختيار، وربما رفعوا. وظاهر قول الأخفش: جواز تصرفه، خرج قوله تعالى، ومنادون ذلك على أنه مبتدأ وبني لإضافتهإلى المبنى، وقد جاء مرفوعاً في الشعر أيضاً، قال الشاعر:

ألم ترني أني حميت حقيبتي وباشرت حد الموت والموت دونها

وتجيء دون صفة بمعنى رديء، يقال: ثوب دون، أي رديء، حكاه سيبويه في أحدقوليه، فعلى هذا يعرب بوجوه الإعراب ويكون دون مشتركاً. الصدق: يقابله الكذب، وهو مطابقة الخبر للمخبر عنه. لن: حرف نفيثنائي الوضع بسيط، لا مركب من لا إن خلافاً للخليل في أحد قوليه، ولا نونها بدل من ألف، فيكون أصلهالا خلافاً للفرّاء، ولا يقتضي النفي على التأييد خلافاً للزمخشري في أحد قوليه، ولن هي أقصر نفياً من لا إذلن تنفي ما قرب، ولا يمتد معنى النفي فيها كما يمتد في لا خلافاً لزاعمه، ولا يكون دعاء خلافاً لزاعمه،وعملها النصب، وذكروا أن الجزم بها لغة، وأنشد ابن الطراوة:

لن يخب الآن من رجائك من حرك دون بابك الحلقة

ولها أحكام كثيرة ذكرت في النحو. الوقود: اسم لما يوقد به، وقد سمع مصدراً،وهو أحد المصادر التي جاءت على فعول، وهي قليلة، لم يحفظ منها، فيما ذكر، الأستاذ أبو الحسن بن عصفور سوىهذا، والوضوء والطهور والولوع والقبول، الحجارة: جمع الحجر، والتاء فيها التأكيد تأنيث الجمع كالفحولة. أُعدّت: هيئت. {وَإِن كُنتُمْ فِىرَيْبٍ } نزلت في جميع الكفار. وقال ابن عباس ومقاتل: نزلت في اليهود، وسبب ذلك أنهم قالوا: هذا الذي يأتينابه محمد لا يشبه الوحي وإنا لفي شك منه، والأظهر القول الأول. ومناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما احتجتعالى عليهم بما يثبت الوحدانية ويبطل الإشراك، وعرفهم أن من جعل لله شريكاً فهو بمعزل من العلم والتمييز، أخذ يحتجعلى من شك في النبوة بما يزيل شبهته، وهو كون القرآن معجزة، وبين لهم كيف يعلمون أنه من عند اللهأم من عنده، بأن يأتوا هم ومن يستعينون به بسورة هذا، وهم الفصحاء البلغاء المجيدون حوك الكلام، من الثار والنظاموالمنقلبون في أفانين البيان، والمشهود لهم في ذلك بالإحسان. ولما كانوا في ريب حقيقة، وكانت إن الشرطية إنما تدخل علىالممكن أو المحقق المبهم زمان وقوعه، ادعى بعض المفسرين أن إن هنا معناها: إذا، لأن إذا تفيد مضي ما أضيفتإليه، ومذهب المحققين أن إن لا تكون بمعنى إذا. وزعم المبرد ومن وافقه أن لكان الماضية الناقصة معان حكماً ليستلغيرها من الأفعال الماضية، فلقوة كان زعم أن إن لا يقلب معناها إلى الاستقبال، بل يكون على معناه من المضيإن دخلت عليه إن، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من أن كان كغيرها من الأفعال، وتأولوا ما ظاهره ما ذهبإليه المبرد، إما على إضمار يكن بعد إن نحو:

{ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ } أي إن يكن كان قميصه، أوعلى أن المراد به التبيين، أي أن يتبين كون قميصه قدّ. فعلى قول أبي العباس يكون كونهم في ريبماضياً، ويصير نظير ما لو جاء إن كنت أحسنت إليّ فقد أحسنت إليك، إذا حمل على ظاهره ولم يتأول. ولهذاقال بعض المفسرين في قوله: {وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ }: جرى كلام الله فيه على التحقيق، مثال قول الرجل لعبده:إن كنت عبدي فأطعني لأن الله تعالى عالم بما تكنه القلوب، قال: وبين هذا أن سبب نزول هذه الآية قولاليهود: وإنا لفي شك مما جاء به، وجعلها بمعنى إذا وكان ماضيه اللفظ والمعنى، أو مثل قول القائل: إن كنتعبدي فأطعني، فراراً من جعل ما بعد إن مستقبل المعنى وذلك ممكن، ولا تنافي بين إن كانوا في ريب فيمامضى وإن تعلق على كونهم في ريب في المستقبل، لأن الماضي من الجائز أن يستدام، بأن يظهر لمعتقد الريب فيمامضى خلاف ذلك فيزول عنه الريب، فقيل: وإن كنتم، أي: وإن تكونوا في ريب، باستصحاب الحالة الماضية التي سبقت لكم،فأتوا، وهذا مثل من يقول لولده العاق له: إن كنت تعصيني فارحل عني، فمعناه: إن تكن في المستقبل تعصيني فارحلعني، لا يريد التعليق على الماضي، ولا أن إن بمعنى إذا، إذ لا تنافي بين تقدّم العصيان وتعليق الرحيل علىوقوعه في المستقبل، ولا حاجة إلى جعل ما يثبت حرفيته بمعنى إذا الظرفية. وقد تقدّم لنا أنه لا تنافيبين قوله تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ } وبين قوله: {وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ } عند الكلام على قوله: {لاَ رَيْبَفِيهِ }. وفي ريب من تنزيل المعاني منزلة الإجرام. ومن تحتمل ابتداء الغاية والسببية، ولا يجوز أن تكون للتبعيض. وماموصولة، أي من الذي نزلناه، والعائد محذوف، أي نزلناه، وشرط حذفه موجود. وأجاز بعضهم أن تكون ما نكرة موصوفة، وقدتقدم لنا الكلام على ما النكرة الموصوفة، ونزلنا التضعيف فيه هنا للنقل، وهو المرادف لهمزة النقل. ويدل على مرادفتهما فيهذه الآية قراءة يزيد بن قطيب مما أنزلنا بالهمزة، وليس التضعيف هنا دالاً على نزوله منجماً في أوقات مختلفة، خلافاًللزمخشري، قال: فإن قلت لم قيل: مما نزلنا على لفظ التنزيل دون الإنزال؟ قلت: لأن المراد النزول على التدريج والتنجمي،وهو من مجازه لمكان التحدي. وهذا الذي ذهب إليه الزمخشري في تضعيف عين الكلمة هنا، هو الذي يعبر عنهبالتكثير، أي يفعل ذلك مرة بعد مرة، فيدل على هذا المعنى بالتضعيف ويعبر عنه بالكثرة. وذهل الزمخشري عن إن ذلكإنما يكون غالباً في الأفعال التي تكون قبل التضعيف متعدية، نحو: جرحت زيداً، وفتحت الباب، وقطعت، وذبحت، لا يقال: جلسزيد، ولا قعد عمر، ولا صوم جعفر، ونزلنا لم يكن متعدياً قبل التضعيف إنما كان لازماً، وتعديه إنما يفيده التضعيفأو الهمزة، فإن جاء في لازم فهو قليل. قالوا: مات المال، وموت المال، إذا كثر ذلك فيه، وأيضاً، فالتضعيف الذييراد به التكثير إنما يدل على كثرة وقوع الفعل، أما أن يجعل اللازم متعدياً فلا، ونزلنا قبل التضعيف كان لازماًولم يكن متعدياً، فيكون التعدي المستفاد من التضعيف دليلاً على أنه للنقل لا للتكثير، إذ لو كان للتكثير، وقد دخلعلى اللازم، بقي لازماً نحو: مات المال، وموّت المال. وأيضاً فلو كان التضعيف في نزل مفيداً للتنجمي لاحتاج قوله تعالى:

{ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءانُ جُمْلَةً وٰحِدَةً }

إلى تأويل، لأن التضعيف دال على التنجمي والتكثير، وقوله: {جُمْلَةً وٰحِدَةً } ينافيذلك. وأيضاً فالقراءات بالوجهين في كثير مما جاء يدل على أنهما بمعنى واحد. وأيضاً مجيء نزل حيث لا يمكن فيهالتكثير والتنجيم إلا على تأويل بعيد جداً يدل على ذلك. قال تعالى: { وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ } ، وقال تعالى: { قُل لَوْ كَانَ فِى ٱلاْرْضِ مَلَـٰئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ ٱلسَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً } ، ليس المعنى على أنهماقترحوا تكرير نزول الآية، ولا أنه علق تكرير نزول ملك رسول على تقدير كون ملائكة في الأرض، وإنما المعنى، واللهأعلم، مطلق الإنزال. وفي نزلنا التفات لأنه انتقال من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم، لأن قبله {ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ } و{فَلاَتَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً }. فلو جرى الكلام على هذا السياق لكان مما نزل على عبده، لكن في هذا الالتفات منالتفخيم للمنزل والمنزل عليه ما لا يؤديه ضمير غائب، لا سيما كونه أتى بنا المشعرة بالتعظيم التام وتفخيم الأمر ونظيره،

{ وَهُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا } ، وتعدي نزل بعلى إشارة إلى استعلاء المنزل على المنزل عليه وتمكنه منه،وأنه قد صار كالملابس له، بخلاف إلى فإنها تدل على الانتهاء والوصول. ولهذا المعنى الذي أفادته على تكرار ذلكفي القرآن في آيات، قال تعالى:

{ نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ }

{ طه مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ لِتَشْقَىٰ }

{ هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ }. وفي إضافة العبد إليه تعالى تنبيه على عظيم قدره، واختصاصه بخالص العبودية، ورفع محله وإضافتهإلى نفسه تعالى، واسم العبد عام وخاص، وهذا من الخاص:

لا تدعني إلا بيا عبدها لأنه أشرف أسمائي

ومن قرأ: على عبادنا بالجمع، فقيل: يريد رسول الله ﷺ وأمته، قاله الزمخشري،وصار نظير قوله تعالى:

{ إِنَّمَا أُنزِلَ ٱلْكِتَـٰبُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا } ، لأن جدوى المنزل والهداية الحاصلة به من امتثالالتكاليف، والموعود على ذلك لا يختص بل يشترك فيه المتبوعون والتباع، فجعل كأنه نزل عليهم. وذلك نوع من المجاز يجعلفيه من لم يباشر الشيء إذا كان مكلفاً به منزلة من باشر، ويحتمل أن يريد به النبيين الذين أنزل عليهمالوحي، والكتب والرّسول أول مقصود بذلك، وأسبق داخل في العموم، لأنه هو الذي طلب معاندوه بالتحدي في كتابه، ويكون ذلكخطاباً لمنكري النبوات، كما قال تعالى، حكايةعن بعضهم:

{ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَىْء } . ويحتمل أن يراد بالمفرد الجمع. وتبينه هذه القراءة كقوله تعالى:

{ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا * إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى ٱلاْيْدِى وَٱلاْبْصَـٰرِ } ، في قراءة من أفرد، فيكون إذ ذاك للجنس. فأتوا بسورة: طلب منهم الإتيان بمطلق سورة، وهيالقطعة من القرآن التي أقلها ثلاث آيات، فلم يقترح عليهم الإتيان بسورة طويلة فتعنتوا في ذلك، بل سهل عليهم وأراحعليهم بطلب الإتيان بسورة ما، وهذا هو غاية التبكيت والتخجيل لهم. فإذا كنتم لا تقدرون أنتم ولا معاضدوكم بالإتيان بسورةمن مثله، فكيف تزعمون أنه من جنس كلامكم؟ وكيف يلحقكم في ذلك ارتياب أنه من عند الله؟ وقد تعرضالزمخشري هنا لذكر فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً، وليس ذلك من علم التفسير، وإنما هو من فوائد التفصيل والتسوير. منمثله: الهاء عائدة على ما، أو على عبدنا، والراجح الأول وهو قول أكثر المفسرين ورجحانه من وجوه: أحدها: أن الارتيابأولاً إنما جيء به منصباً على المنزل لا على المنزل عليه، وإن كان الريب في المنزل ريباً في المنزل عليهبالالتزام، فكان عود الضمير عليه أولى. الثاني: أنه قد جاء في نظير هذه الآية وهذا السياق قوله: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّنمِّثْلِهِ}،

{ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ }

{ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } . الثالث: اقتضاءذلك كونهم عاجزين عن الإتيان، سواء اجتمعوا أو انفردوا، وسواء كانوا أميين أم كانوا غير أميين، وعوده على المنزل يقتضيكون آحاد الأدميين عاجزاً عنه، لأنه لا يكون مثله إلا الشخص الواحد الأمي. فأما لو اجتمعوا أو كانوا قارئين فلاشك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى، فإذا جعلنا الضمير عائداً على المنزل، فمن: للتبعيض وهي في موضع الصفة لسورةأي بسورة كائنة من مثله. ويظهر من كلام الزمخشري تناقض في من هذه قال: من مثله متعلق بسورة صفةلها، أي بسورة كائنة من مثله فقوله متعلق بسورة يقتضي أن يكون معمولاً لها، وقوله صفة لها، أي بسورة كائنةمن مثله يقتضي أن لا يكون معمولاً لها فتناقض كلامه ودافع آخره أوله، ولكن يحمل على أنه لا يريد التعلقالصناعي كتعلق الباء في نحو: مروري بزيد حسن، لكنه يريد التعلق المعنوي، أي تعلق الصفة بالموصوف، واحترز من القول الآخرأنها تتعلق بقوله: فأتوا، فلا يكون من مثله عائداً على المنزل، على ما سيأتي تبيينه إن شاء الله. وأجاز المهدويوأبو محمد بن عطية أن تكون لبيان الجنس على تقدير أن يكون الضمير عائداً على المنزل، وتفسر المثلية بنظمه ورصفهوفصاحة معانيه التي تعرفونها، ولا يعجزهم إلا التأليف الذي خص به القرآن، أو في غيوبه وصدقه، وأجازا على هذا الوجهأيضاً أن تكون زائدة، وستأتي الأقوال في تفسير المثلية على عود الضمير إلى المنزل، إن شاء الله. وقد اختلفالنحويون في إثبات هذا المعنى لمن، والذي عليه أصحابنا أن من لا تكون لبيان الجنس، والفرق بين كونها للتبعيض ولبيانالجنس مذكور في كتب النحو. وأما كونها زائدة في هذا الموضع فلا يجوز، على مذهب الكوفيين وجمهور البصريين. وفي المثليةعلى كون الضمير عائداً على المنزل أقوال: الأول: من مثله في حسن النظم، وبديع الرصف، وعجيب السرد، وغرابة الأسلوب وإيجازهوإتقان معانيه. الثاني: من مثله في غيوبه من إخباره بما كان وبما يكون. الثالث: في احتوائه على الأمر، والنهي، والوعد،والوعيد، والقصص، والحكم، والمواعظ، والأمثال. الرابع: من مثله في صدقه وسلامته من التبديل والتحريف. الخامس: من مثله، أي كلام العربالذي هو من جنسه. السادس: في أنه لا يخلق على كثرة الرد، ولا تمله الأسماع، ولا يمحوه الماء، ولا تغنىٰعجائبه، ولا تنتهي غرائبه، ولا تزول طلاوته على تواليه، ولا تذهب حلاوته من لهوات تاليه. السابع: من مثله في دوامآياته وكثرة معجزاته. الثامن: من مثله، أي مثله في كونه من كتب الله المنزلة على من قبله، تشهد لكم بأنما جاءكم به ليس هو من عند الله، كما قال تعالى:

{ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }

وإن جعلناالضمير عائداً على المنزل عليه، فمن متعلقة بقوله: فأتوا من مثل الرسول بسورة. ومعنى من على هذا الوجه ابتداء الغاية،ويجوز أن تكون في موضع الصفة فتتعلق بمحذوف. وهي أيضاً لابتداء الغاية، أي بسورة كائنة من رجل مثل الرسول، أيابتداء كينونتها من مثله. وفي المثلية على كون الضمير عائداً على المنزل على أقوال: الأول: من مثله من أميلا يحسن الكتابة على الفطرة الأصلية. الثاني: من مثله لم يدارس العلماء، ولم يجالس الحكماء، ولم يؤثر عنه قبل ذلكتعاطي الأخبار، ولم يرحل من بلده إلى غيره من الأمصار. الثالث: من مثله على زعمكم أنه ساحر شاعر مجنون. الرابع:من مثله من أبناء جنسه وأهل مدرته، وذكر المثل في قوله: من مثله هو على سبيل الفرض على أكثر الأقوالالتي فسرت بها المماثلة، إذا كان الضمير عائداً على المنزل، وعلى بعضها لا يكون على سبيل الفرض، وهو على قولمن فسر أنه أراد بالمثل: كلام العرب الذي هو من جنسه، وأما إذا كان عائداً على المنزل عليه فليس علىسبيل الفرض، لوجود أمي لا يحسن الكتابة، ولوجود من لم يدارس العلماء، ولوجود من هو ساحر على زعمهم ذلك فيالمنزل عليه. واختار الزمخشري أن لا مثل ولا نظير. قال بعد أن فسر المثل على تقدير عود الضمير علىالمنزل: فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب وعلو الطبقة في حسن النظم، وعلى تقدير عوده على المنزلعليه، أو فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشراً عربياً أو أمياً لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء،قال الزمخشري، ولا قصد إلى مثل ونظير هنالك، ولكنه نحو قول القبعثري للحجاج، وقال له: لأحملنك على الأدهم مثل الأميرحمل على الأدهم والأشهب. أراد من كان على صفة الأمير من السلطان والقوة وبسطة اليد، ولم يقصد أحداً يجعله مثلاًللحجاج. انتهى كلام الزمخشري. وعلى ما فسرت به المماثلة إذ جعل الضمير عائداً على المنزل عليه، وقد تقدم بيان وجودالمثل، وعلى أنه عائد على المنزل يمكن وجوده في بعض تفاسير المماثلة. فقول الزمخشري: لا مثل ولا نظير مع تفسيرهالمماثلة في كونه بشراً عربياً أو أمياً لم يقرأ الكتب ليس بصحيح، لأن المماثل في هذا الشيء الخاص موجود.ولما طلب منهم المعارضة بسورة على تقدير حصولهم في ريب من كونه من عند الله، لم يكتف بقولهم ذلك بأنفسهم،حتى طلب منهم أن يدعو شهداءهم على الاجتماع على ذلك والتظافر والتعاون والتناصر، فقال: {وَٱدْعُواْ شُهَدَاءكُم }، وفسر هنا ادعوا:باستغيثوا. قال أبو الهيثم: الدعاء طلب الغوث، دعا: استغاث وباستحضر دعا فلان فلاناً إلى الحاكم، استحضره، وشهداؤهم: آلهتهم، فإنهم كانوايعتقدون أنهم يشهدون لهم عند الله، قاله ابن عباس، والسدي، ومقاتل، والفراء، أو من يشهدهم ويحضرهم من الأعوان والأنصار، قالهابن قتيبة. وروي عن ابن عباس، أو من يشهد لكم، أن ما تأتون به مثل القرآن، روي عن مجاهد وكونهجمع شهيداً حسن من جمع شاهد لجريانه على قياس جمع فعيل نحو: هذا ولما في فعيل من المبالغة وكأنه أشارإلى أن يأتوا بشهداء بالغين في الشهادة يصلحون أن تقام بهم الحجة. {مِن دُونِ ٱللَّهِ }: تتعلق بادعوا، أي وادعوامن دون الله شهداءكم، أي لا تستشهدوا بالله فتقولوا: الله يشهد أن ما ندعيه حق، كما يقول العاجز عن إقامةالبيت قبل ادعوا من الناس الشهداء الذين شهادتهم تصحح بها الدعاوى، فكأنه قال: وادعوا من غير الله من يشهد لكم،ويحتمل أن يتعلق من دون الله بشهداءكم. والمعنى: ادعوا من اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يومالقيامة أنكم على الحق، أو أعوانكم من دون الله، أي من دون أولياء الله الذين يستعينون بهم دون الله، أويكون معنى من دون الله: بين يدي الله، كما قال الأعشى:

تـريك القـذى مـن دونهـا وهي دونـه

أي تريك القذىقدامها، وهي قدام القذى لرقتها وصفائها. وأمره تعالى إياهم بالمعارضة وبدعاء الأنصار والأعوان، مع علمه أنهم لا يقدرون على ذلك،أمر تهكم وتعجيز. وقد بين تعالى بعد ذلك أن ذلك لا يقع منهم سيما تفسير الشهداء بآلهتهم لأنها جماد لاتنطق، فالأمر بأن يستعينوا بما لا ينطق في معارضة المعجز غاية التهكم بهم، فظاهر قوله: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } معناه:في كونكم في ريب من المنزل على عبدنا أنه من عندنا، وقيل: فيما تقتدرون عليه من المعارضة. وقد حكى عنهمفي آية أخرى:

{ لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا } ، لكن لم يجر ذكر المعارضة في هذه الآية، إلا أن كونهمفي ريب يقتضي عندهم أنه ليس من عند الله، وما لم يكن من عند الله فهو عندهم تمكن معارضته، فيحتملأن يكون المعنى: إن كنتم صادقين في القدرة على المعارضة. ولما كان أمره تعالى إياهم بالإتيان بسورة من مثلهأمر تهكم وتعجيز لأنهم غير قادرين على ذلك، انتقل إلى إرشادهم، إذ ليسوا بقادرين على المعارضة، وأمرهم باتقاء النار التيأعدت لمن كذب، وأتى بإن، وإن كان من مواضع إذا تهكماً بهم، كما يقول القائل: أن غلبتك لم أبق عليك،وهو يعلم أنه غالب، أو أتى بان على حسب ظنهم، وإن المعجز منهم كان قبل التأمل، كالمشكوك فيه عندهم لاتكالهمعلى فصاحتهم. ومعنى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } فإن لم تأتوا، وعبر عن الإتيان بالفعل، والفعل يجري مجرى الكناية، فيعبر بهعن كل فعل، ويغنيك عن طول ما تكنى عنه. قال الزمخشري: لو لم يعدل عن لفظ الإتيان إلى لفظ الفعللاستطيل أن يقال: فإن لم تأتوا بسورة من مثله، ولن تأتوا بسورة من مثله، ولا يلزم ما قال الزمخشري، لأنهلو قيل: فإن لم تأتوا ولن تأتوا، كان المعنى على ما ذكر ويكون قد حذف ذلك اختصاراً، كما حذف اختصاراًمفعول لم تفعلوا ولن تفعلوا. ألا ترى أن التقدير: فإن لم تفعلوا الإتيان بسورة من مثله ولن تفعلوا لإتيان بسورةمن مثله فهما سيان في الحذف؟ وفي كتاب ابن عطية تعليل غريب لعمل لم الجزم، قال: وجزمت لم لأنها أشبهتلا في التبرئة في أنهما ينفيان، فكما تحذف لا تنوين الاسم، كذلك تحذف لم الحركة أو العلامة من الفعل.وفي قوله: {وَلَن تَفْعَلُواْ } إثارة لهممهم ليكون عجزهم بعد ذلك أبلغ وأبدع، وفي ذلك دليلان على إثبات النبوة. أحدهما:صحة كون المتحدي به معجزاً، الثاني: الإخبار بالغيب من أنهم لن يفعلوا، وهذا لا يعلمه إلا الله تعالى، ويدل علىذلك أنهم لو عارضوه لتوفرت الدواعي على نقله خصوصاً من الطاعنين عليه، فإذا لم ينقل دل على أنه إخبار بالغيبوكان ذلك معجزه. وأما ما أتى به مسيلمة الكذاب في هذره، وأبو الطيب المتنبي في عبره ونحوهما، فلم يقصدوا بهالمعارضة، إنما ادعوا أنه نزل عليهم وحي بذلك، فأتوا من ذلك باللفظ الغث، والمعنى السخيف، واللغة المهجنة، والأسلوب الرذل، والفقرةغير المتمكنة، والمطلع المستقبح، والمقطع المستوهن، بحيث لو قرن ذلك بكلامهم في غير ما ادّعوا أنه وحي، كان بينهما منالتفاوت في الفصاحة والتباين في البلاغة ما لا يخفى عمن له يسير تمييز في ذلك: فكيف الجهابذة النقاد والبلغاء الفصحاء،فسلبهم الله فصاحتهم بادعائهم وافترائهم على الله الكذب. وقوله: {وَلَن تَفْعَلُواْ } جملة اعتراض، فلا موضع لها من الإعراب، وفيهامن تأكيد المعنى ما لا يخفى، لأنه لما قال: فإن لم تفعلوا، وكان معناه نفي في المستقبل مخرجاً ذلك مخرجالممكن، أخبر أن ذلك لا يقع، وهو إخبار صدق، فكان في ذلك تأكيد أنهم لا يعارضونه. واقتران الفعل بلن مميزلجملة الإعتراض من جملة الحال، لأن جملة الحال لا تدخل عليها لن، وكان النفي بلن في هذه الجملة دون لا،وإن كانتا أختين في نفي المستقبل، لأن في لن توكيداً وتشديداً، تقول لصاحبك: لا أقيم غداً، فإن أنكر عليك قلت:لن أقيم غداً، كما تفعل في: أنا مقيم، وإنني مقيم، قاله الزمخشري، وما ذكره هنا مخالف لما حكي عنه أنلن تقتضي النفي على التأبيد. وأما ما ذهب إليه ابن خطيب زملكا من أن لن تنفي ما قرب وأن لايمتد النفي فيها، فكاد يكون عكس قول الزمخشري. وهذه الأقوال، أعني التوكيد والتأبيد ونفي ما قرب: أقاويل المتأخرين، وإنماالمرجوع في معاني هذه الحروف وتصرفاتها لأئمة العربية المقانع الذين يرجع إلى أقاويلهم. قال سيبويه، رحمه الله: ولن نفي لقوله:سيفعل، وقال: وتكون لا نفياً لقوله: تفعل، ولم تفعل، انتهى كلامه. ويعني بقوله: تفعل، ولم تفعل المستقبل، فهذا نص منهأنهما ينفيان المستقبل إلا أن لن نفي لما دخلت عليه أداة الاستقبال، ولا نفي للمضارع الذي يراد به الاستقبال. فلنأخص، إذ هي داخلة على ما ظهر فيه دليل الاستقبال لفظاً. ولذلك وقع الخلاف في لا: هل تختص بنفي المستقبل،أم يجوز أن تنفي بها الحال؟ وظاهر كلام سيبويه، رحمه الله، هنا أنها لا تنفي الحال، إلا أنه قد ذكرفي الاستثناء من أدواته لا يكون ولا يمكن حمل النفي فيه على الاستقبال لأنه بمعنى إلا، فهو للإنشاء، وإذا كانللإنشاء فهو حال، فيفيد كلام سيبويه في قوله: وتكون لا نفياً لقوله يفعل، ولم يفعل هذا الذي ذكر في الاستثناء،فإذا تقرر هذا الذي ذكرناه، كان الأقرب من هذه الأقوال قول الزمخشري: أولاً: من أن فيها توكيداً وتشديداً لأنها تنفيما هو مستقبل بالأداة، بخلاف لا، فإنها تنفي المراد به الاستقبال مما لا أداة فيه تخلصه له، ولأن لا قدينفى بها الحال قليلاً، فلن أخص بالاستقبال وأخص بالمضارع، ولأن ولن تفعلوا أخصر من ولا تفعلون، فلهذا كله ترجيح النفيبلن على النفي بلا. فاتقوا النار: جواب للشرط، وكنى به عن ترك العناد، لأن من عاند بعد وضوح الحقله استوجب العقاب بالنار. واتقاء النار من نتائج ترك العناد ومن لوازمه. وعرف النار هنا لأنه قد تقدم ذكرها نكرةفي سورة التحريم، والتي في سورة التحريم نزلت بمكة، وهذه بالمدينة. وإذا كررت النكرة سابقة ذكرت ثانية بالألف واللام، وصارتمعرفة لتقدمها في الذكر ووصفت بالتي وصلتها. والصلة معلومة للسامع لتقدم ذكر قوله:

{ نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } ، أو لسماعذلك من أهل الكتاب قبل نزول الآية، والجمهور على فتح الواو. وقرأ الحسن باختلاف، ومجاهد وطلحة وأبو حياة وعيسى بنعمر الهمداني بضم الواو. وقرأ عبيد بن عمير وقيدها على وزن فعيل. فعلى قراءة الجمهور وقراءة ابن عمير هو الحطب،وعلى قراءة الضم هو المصدر على حذف مضاف، أي ذو وقودها لأن الناس والحجارة ليسا هما الوقود، أو على أنجعلوا نفس الوقود مبالغة، كما يقول: فلان فخر بلده، وهذه النار ممتازة عن غيرها بأنها تتقد بالناس والحجارة، وهما نفسما يحرق، وظاهر هذا الوصف أنها نار واحدة ولا يدل على أنها نيران شتى قوله تعالى:

{ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } ، ولا قوله تعالى:

{ فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ } ، لأن الوصف قد يكون بالواقع لا للامتياز عن مشتركفيه، والناس يراد به الخصوص ممن شاء الله دخولها، وإن كان لفظه عاماً، والحجارة الأصنام، وكانا وقوداً للنار مقرونين معاً،كما كانا في الدنيا حيث نحتوها وعبدوها آلهة من دون الله. ويوضحه قوله تعالى:

{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } ، أو حجارة الكبريت، روي ذلك عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن جريج. واختصت بذلك لما فيه منسرعة الالتهاب، ونتن الرائحة، وعظم الدخان، وشدة الالتصاق بالبدن، وقوة حرها إذا حميت. وقيل: هو الكبريت الأسود، أو حجارة مخصوصةأعدت لجهنم، إذا اتقدت لا ينقطع وقودها. وقيل: إن أهل النار إذا عيل صبرهم بكوا وشكوا، فينشىء الله سحابة سوداءمظلمة، فيرجون الفرج، ويرفعون رؤوسهم إليها، فتمطر عليهم حجارة عظاماً كحجارة الرحى، فتزداد النار إيقاداً والتهاباً أذ الحجارة ما اكتنزوهمن الذهب والفضة تقذف معهم في النار ويكوون بها. وعلى هذه الأقوال لا تكون الألف واللام في الحجارة للعموم بللتعريف الجنس. وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تجوز أن تكون لاستغراق الجنس، ويكون المعنى أن النار التي وعدوا بهاصالحة لأن تحرق ما ألقي فيها من هذين الجنسين، فعبر عن صلاحيتها واستعدادها بالأمر المحقق، قال: وإنما ذكر الناس والحجارةتعظيماً لشأن جهنم وتنبيهاً على شدّة وقودها، ليقع ذلك من النفوس أعظم موقع، ويحصل به من التخويف ما لا يحصلبغيره، وليس المراد الحقيقة. وما ذهب إليه هذا الذاهب من أن هذا الوصف هو بالصلاحية لا بالفعل غير ظاهر،بل الظاهر أن هذا الوصف واقع لا محالة بالفعل، ولذلك تكرر الوصف بذلك، وليس في ذلك أيضاً ما يدل علىأنها ليس فيها غير الناس والحجارة، بدليل ما ذكر في غير موضع من كون الجن والشياطين فيها، وقدم الناس علىالحجارة لأنهم العقلاء الذين يدركون الآلام والمعذبون، أو لكونهم أكثر إيقاداً للنار من الجماد لما فيهم من الجلود واللحوم والشحوموالعظام والشعور، أو لأن ذلك أعظم في التخويف. فإنك إذا رأيت إنساناً يحرق، أقشعرّ بدنك وطاش لبك، بخلاف الحجر. قالابن عطية: وفي قوله تعالى: {أُعِدَّتْ } ردّ على من قال: إن النار لم تخلق حتى الآن، وهو القول الذيسقط فيه منذر بن سعيد، انتهى كلامه. ومعناه أنه زعم أن الإعداد لا يكون إلا للموجود، لأن الإعداد هو التهيئةوالإرصاد للشيء، قال الشاعر:

أعـددت للحـدثـان سابغـة وعـداءً علنـدا

أي هيأت. قالوا: ولا يكون ذلك إلا للموجود. قال بعضهم: أوما كان في معنى الموجود نحو قوله تعالى: { أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً }. ومنذر الذي ذكره ابن عطيةكان يعرف بالبلوطي، وكان قاضي القضاة بالأندلس، وكان معتزلياً في أكثر الأصول ظاهرياً في الفروع، وله ذكر ومناقب في التواريخ،وهو أحد رجالات الكمال بالأندلس. وسرى إليه ذلك القول من قول كثير من المعتزلة، وهي مسألة تذكر في أصول الدينوهو: أن مذهب أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان على الحقيقة. وذهب كثير من المعتزلة والجهمية والنجاومية إلى أنهما لميخلقا بعد، وأنهما سيخلقان. وقرأ عبد الله اعتدت: من العتاد بمعنى العدة. وقرأ ابن أبي عبلة: أعدها الله للكافرين، ولايدل إعدادها للكافرين على أنهم مخصوصون بها، كما ذهب إليه بعض المتأولين من أن نار العصاة غير نار الكفار، بلإنما نص على الكافرين لانتظام المخاطبن فيهم، إذ فعلهم كفر. وقد ثبت في الحديث الصحيح إدخال طائفة من أهل الكبائرالنار، لكنه اكتفى بذكر الكفار تغليباً للأكثر على الأقل، أو لأن الكافرين لن يشتمل من كفر بالله وكفر بأنعمه، أولأن من أخرج منها من المؤمنين لم تكن معدة له دائماً بخلاف الكفار. والجملة من قوله: أعدت للكافرين في موضعالحال من النار، والعامل فيها: فاتقوا، قاله أبو البقا، وفي ذلك نظر، لأن جعله الجملة حالاً يصير المعنى: فاتقوا النارفي حال إعدادها للكافرين، وهي معدّة للكافرين، اتقوا النار أو لم يتقوها، فتكون إذ ذاك حالاً لازمة. والأصل في الحالالتي ليست للتأكيد أن تكون منتقلة، والأولى عندي أن تكون الجملة لا موضع لها من الإعراب، وكأنها سؤال جواب مقدّركأنه لما وصفت بأن وقودها الناس والحجارة قيل: لمن أعدت؟ فقيل: أعدت للكافرين.

وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُعدل

{ وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

{وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلانْهَـٰرُ كُلَّمَارُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ }. البشارة: أول خبر يرد على الإنسان من خير كان أو شر، وأكثر استعمالهفي الخبر، وظاهر كلام الزمخشري. أنه لا يكون إلا في الخير، ولذلك قال: تأول { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } ، وهو محجوجبالنقل. قيل عن سيبويه: هو خبر يؤثر في البشرة من حزن أو سرور. قال بعضهم: ولذا يقيد في الحزن، والبشارة:الجمال، والبشير: الجميل، قاله ابن دريد، وتباشير الفجر: أوائله. وفي الفعل لغتان: التشديد، وهي اللغة العليا، والتخفيف: وهي لغة أهلتهامة. وقد قرىء باللغتين في المضارع في مواضع من القرآن، ستأتي إن شاء الله. الصلاح: يقابله الفساد. الجنة: البستان الذيسترت أشجاره أرضه، وكل شيء ستر شيئاً فقد أجنه، ومن ذلك الجنة والجنة والجن والمجن والجنين. المفضل الجنة: كل بستانفيه ظل، وقيل: كل أرض كان فيها شجر ونخل فهي جنة، فإن كان فيها كرم فهي: فردوس. تحت: ظرف مكانلا يتصرف فيه بغير من، نص على ذلك أبو الحسن. قال العرب: تقول تحتك رجلاك، لا يختلفون في نصب التحت.النهر: دون البحر وفوق الجدول، وهل هو نفس مجرى الماء أو الماء في المجرى المتسع قولان، وفيه لغتان: فتح الهاء،وهي اللغة العالية، والسكون، وعلى الفتح جاء الجمع أنهاراً قياساً مطرداً إذ أفعال في فعل الاسم الصحيح العين لا يطرد،وإن كان قد جاءت منه ألفاظ كثيرة، وسمي نهراً لاتساعه، وأنهر: وسع، والنهار لاتساع ضوئه. التشابه: تفاعل من الشبهوالشبه المثل. وتفاعل تأتي لستة معان: الاشتراك في الفاعلية من حيث اللفظ، وفيها وفي المفعولية من حيث المعنى، والإبهام، والروم،ومطاوعة فاعل الموافق أفعل، ولموافقة المجرد وللإغناء عنه. الزوج: الواحد الذي يكون معه آخر، واثنان: زوجان. ويقال للرجل: زوج، ولامرأتهأيضاً زوج وزوجة أقل. وذكر الفراء أن زوجاً المراد به المؤنث فيه لغتان: زوج لغة أهل الحجاز، وزوجة لغة تميموكثير من قيس وأهل نجد، وكل شيء قرن بصاحبه فهو زوج له، والزوج: الصنف ومنه: زوج بهيج، أو يزوجهم ذكراناًوإناثاً. الطهارة: النظافة، والفعل طهر بفتح الهاء وهو الأفصح، وطهر بالضم، واسم الفاعل منهما طاهر. فعلى الفتح قياس وعلى الضمشاذ نحو: حمض فهو حامض، وخثر فهو خاثر. الخلود: المكث في الحياة أو الملك أو المكان مدّة طويلة لا انتهاءلها وهل يطلق على المدّة الطويلة التي لها انتهاء بطريق الحقيقة أو بطريق المجاز قولان، وقال زهير:

فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت ولكن حمد الناس ليس بمخلد

ويقال: خلد بالمكان أقام به، وأخلد إلىكذا، سكن إليه، والمخلد: الذي لم يشب، ولهذا المعنى، أعني من السكون والاطمئنان، سمي هذا الحيوان اللطيف الذي يكون فيالأرض خلداً. وظاهره هذه الاستعمالات وغيرها يدل على أن الخلد هو المكث الطويل، ولا يدل على المكث الذي لا نهايةله إلا بقرينة. واختار الزمخشري فيه: أنه البقاء اللازم الذي لا ينقطع، تقوية لمذهبه الاعتزالي في أن من دخل النارلم يخرج منها بل يبقى فيها أبداً. والأحاديث الصحيحة المستفيضة دلت على خروج ناس من المؤمنين الذين دخلوا الناربالشفاعة من النار، ومناسبة قوله تعالى: وبشر لما قبله ظاهره، وذلك أنه لما ذكر ما تضمن ذكر الكفار وما تؤولإليه حالهم في الآخرة، وكان ذلك من أبلغ التخويف والإنذار، أعقب ما تضمن ذكر مقابليهم وأحوالهم وما أعد الله لهمفي الآخرة من النعيم السرمدي. وهكذا جرت العادة في القرآن غالباً متى جرى ذكر الكفار وما لهم أعقب بالمؤمنين ومالهم وبالعكس، لتكون الموعظة جامعة بين الوعيد والوعد واللطف والعنف، لأن من الناس من لا يجذبه التخويف ويجذبه اللطف، ومنهممن هو بالعكس. والمأمور بالتبشير قيل: النبي ﷺ، وقيل: كل من يصلح للبشارة من غير تعيين. قالالزمخشري: وهذا أحسن وأجزل لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارةبه، انتهى كلامه. والوجه الأول عندي أولى، لأن أمره ﷺ لخصوصيته بالبشارة أفخم وأجزل، وكأنه ما اتكلعلى أن يبشر المؤمنين كل سامع، بل نص على أعظمهم وأصدقهم ليكون ذلك أوثق عندهم وأقطع في الإخبار بهذه البشارةالعظيمة، إذ تبشيره ﷺ تبشير من الله تعالى. والجملة من قوله: وبشر معطوفة على ما قبلها، وليسالذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب مشاكل من أمر أو نهي بعطف عليه، إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصفثواب المؤمنين، فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين، كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والإزهاق، وبشر عمراً بالعفو والإطلاق، قالهذا الزمخشري وتبعه أبو البقاء فقال: الواو في وبشر عطف بها جملة ثواب المؤمنين على جملة عقاب الكافرين، انتهى كلامه.وتلخص من هذا أن عطف الجمل بعضها على بعض ليس من شرطه أن تتفق معاني الجمل، فعلى هذا يجوزعطف الجملة الخبرية على الجملة غير الخبرية، وهذه المسألة فيها اختلاف. ذهب جماعة من النحويين إلى اشتراط اتفاق المعاني، والصحيحأن ذلك ليس بشرط، وهو مذهب سيبويه. فعلى مذهب سيبويه يتمشى إعراب الزمخشري وأبي البقاء. وأجاز الزمخشري وأبو البقاء أنيكون قوله: وبشر معطوفاً على قوله: فاتقوا النار، ليكون عطف أمر على أمر. قال الزمخشري: كما تقول يا بني تميماحذروا عقوبة ما جنتيم، وبشر يا فلان بني أسد بإحسان إليهم، وهذا الذي ذهبا إليه خطأ لأن قوله: فاتقوا جوابللشرط وموضعه جزم، والمعطوف على الجواب جواب، ولا يمكن في قوله: وبشر أن يكون جواباً لأنه أمر بالبشارة ومطلقاً، لاعلى تقدير إن لم تفعلوا، بل أمر أن يبشر الذين آمنوا أمراً ليس مترتباً على شيء قبله، وليس قوله: وبشرعلى إعرابه مثل ما مثل به من قوله: يا بني تميم إلخ، لأن قوله: احذروا لا موضع له من الإعراب،بخلاف قوله: فاتقوا. فلذلك أمكن فيما مثل به العطف ولم يمكن في وبشر. وقرأ زيد بن علي: وبشر فعلاً ماضياًمبنياً للمفعول. قال الزمخشري: عطفاً على أعدت انتهى. وهذا الإعراب لا يتأتى على قول من جعل أعدت جملة في موضعالحال، لأن المعطوف على الحال حال، ولا يتأتى أن يكون وبشر في موضع الحال، فالأصح أن تكون جملة معطوفة علىما قبلها، وإن لم تتفق معاني الجمل، كما ذهب إليه سيبويه وهو الصحيح، وقد استدل لذلك بقول الشاعر:

تناغى غزالاً عند باب ابن عامر وكحل أماقيك الحسان بإثمد

وبقول امرىء القيس:

وإن شفائي عبرة إن سفحتها وهل عند رسم دارس من معوّل

وأجاز سيبويه: جاءني زيد، ومن أخوكالعاقلان، على أن يكون العاقلان خبر ابتداء مضر. وقد تقدم لنا أن الزمخشري يخص البشارة بالخبر الذي يظهر سرور المخبربه. وقال ابن عطية: الأغلب استعماله في الخير، وقد يستعمل في الشر مقيداً به منصوصاً على الشر للمبشر به، كماقال تعالى: { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } . ومتى أطلق لفظ البشارة فإنما يحمل على الخير، انتهى كلامه. وتقدم لنا ما يخالفقوليهما من قول سيبويه وغيره، وأن البشارة أول خبر يرد على الإنسان من خير كان أو شر، قالوا: وسمي بذلكلتأثيره في البشرة، فإن كان خيراً أثر المسرة والانبساط، وإن كان شراً أثر القبض والانكماش. قال تعالى: { يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ وَرِضْوٰنٍ } ، وقال تعالى: {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }، وجعل الزمخشري هذا العكس في الكلام الذي يقصد به استهزاء الزائدفي غيظه المستهزأ به وتألمه. وقيل: معناه ضع هذا موضع البشارة منهم، قالوا: والصحيح أن كل خبر غير البشرة خيراًكان أو شراً بشارة، قال الشاعر:

يبشرني الغراب ببين أهل فقلت له ثكلتك من بشير

وقال آخر:

وبشرتني يا سعد أن أحبتي جفوني وأن الود موعده الحشر

والتضعيففي بشر من التضعيف الدال على لتكثير فيما قال بعضهم، ولا يتأتى التكثير في بشر إلا بالنسبة إلى المفاعيل، لأنالبشارة أول خبر يسر أو يحزن على المختار، ولا يتأتى التكثير فيه بالنسبة إلى المفعول الواحد، فبالنسبة إليه يكون فعلفيه مغنياً عن فعل، لأن الذي ينطق به مشدداً غير العرب الذين ينطقون به مخففاً، كما بينا قبل. وكون مفعولبشر موصولاً بجملة فعلية ماضية ولم يكن اسم فاعل، دلالة على أن مستحق التبشير بفضل الله من وقع منه الإيمانوتحقق به وبالأعمال الصالحة. والصالحات: جمع صالحة، وهي صفة جرت مجرى الأسماء في إيلائها العوامل، قال الحطيئة:

كيف الهجاء وما ينفك صالحة من آل لام بظهر الغيب تأتيني

فعلى هذا انتصابها على أنها مفعولبها، والألف واللام في الصالحات للجنس لا للعموم، لأنه لا يكاد يمكن أن يعمل المؤمن جميع الصالحات، لكن يعمل جملةمن الأعمال الصحيحة المستقيمة في الدين على حسب حال المؤمن في مواجب التكليف. والفرق بين لام الجنس إذا دخلت علىالمفرد، وبينها إذا دخلت على الجمع، أنها في المفرد يحتمل أن يراد بها واحد من الجنس، وفي الجمع لا يحتمله.قال عثمان بن عفان: الصالح ما أخلص لله تعالى، وقال معاذ بن جبل: ما احتوى على أربعة: العلم والنية والصبروالإخلاص، وقال سهل بن عبد الله: ما وافق الكتاب والسنة، وقال علي بن أبي طالب: الصلوات في أوقاتها وتعديل أركانهاوهيئاتها، وقيل: الأمانة، وقيل: التوبة والاختيار، قول الجمهور: وهو كل عمل صالح أريد به الله. قال ابن عطية: وفي قولهتعالى: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } ردّ على من يقول: إن لفظة الإيمان بمجردها تقتضي الطاعات، لأنه لو كان ذلك ما أعادها،انتهى كلامه. وفي ذلك أيضاً دليل على أن الذين أمر الله بأن يبشروا هم من جمعوا بين الإيمان والأعمال الصالحات،وأن من اقتصر على الإيمان فقط دون الأعمال الصالحات لا يكون مبشراً. من هذه الآية: وبشر يتعدى لمفعولين: أحدهمابنفسه، والآخر بإسقاط حرف الجر. فقوله: {أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ } هو في موضع هذا المفعول، وجاز حذف حرف الجر معأن قياساً مطرداً، واختلفوا بعد حذف الحرف، هل موضع أن ومعموليها جر أم نصب؟ فمذهب الخليل والكسائي: أن موضعه جر،ومذهب سيبويه والفراء: أن موضعه نصب، والاستدلال في كتب النحو. وجنات: جمع جنة، جمع قلة، فروي عن ابن عباس أنهاسبع جنات. وقال قوم: هي ثمان جنات. وزعم بعض المفسرين أن في تضاعيف الكتاب والسنة ما يدل على أنها أكثرمن العدد الذي أشار إليه ابن عباس وغيره، قال: فإنه قال:

{ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَهَرٍ }

{ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ }

{ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ }

{ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ }

{ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ }

وعن النبي ﷺقال: جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما، وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن وهذا الذي أورده هذا المفسر لا يدل على أنها أكثر مماروي عن ابن عباس. وقال الزمخشري: الجنة اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب علىحسب استحقاق العاملين، لكل طبقة منهم جنة من تلك الجنان، انتهى كلامه. وقد دس فيه مذهبه الاعتزالي بقوله: على حسباستحقاق العاملين. وقد جاء في القرآن ذكر الجنة مفردة ومجموعة، فإذا كانت مفردة فالمراد الجنس، واللام في لهم للاختصاص، وتقديمالخبر هنا آكد من تقديم المخبر عنه لقرب عود المضير على الذين آمنوا، فهو أسر للسامع، والشائع أنه إذا كانالاسم نكرة تعين تقديمه { أئن لَنَا لاجْرًا } ، ولم يذكر في الآية الموافاة على الإيمان فإن الردة تحبطه، وذلك مفهوممن غير هذه الآية. وأما الزمخشري فجرى على مذهبه الاعتزالي من أنه يشترط في استحقاق الثواب بالإيمان والعمل، أن لايحبطهما المكلف بالكفر والإقدام على الكبائر، وأن لا يندم على ما أوجده من فعل الطاعة وترك المعصية، وزعم أن اشتراطذلك كالداخل تحت الذكر. وقد علم من مذهب أهل السنة أن من وافى على الإيمان فهو من أهل الجنة،سواء كان مرتكباً كبيرة أم غير مرتكب، تائباً أو غير تائب، ومن قال: إن من زائدة والتقدير تجري تحتها، أوبمعنى في، أي في تحتها، فغير جار على مألوف المحققين من أهل العربية، بل هي متعلقة بتجري، وهي لابتداء الغاية.وإذا فسرنا الجنات بأنها الأشجار الملتفة ذوات الظل، فلا يحتاج إلى حذف. وإذا فسرناها بالأرض ذات الأشجار، احتاج، إذ يصيرالتقدير من تحت أشجارها أو غرفها ومنازلها. وقيل: عبر بتحتها عن أسافلها وأصولها. وقيل: المعنى في تجري من تحتها: أيبأمر سكانها واختيارهم، فعبر بتحتها عن قهرهم لها وجريانها على حكمهم، كما قيل فيم قوله تعالى، حكاية عن فرعون:

{ وَهَـٰذِهِ ٱلاْنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِى } ، أي بأمري وقهري. وهذا المعنى لا يناسب إلا لو كانت التلاوة: أن لهم جنات تجريمن تحتهم، فيكون نظير من تحتي إذا جعل على حذف مضاف، أي من تحت أهلها، استقام المعنى الذي ذكر أنهلا يناسب، إذ ليس المعنى بأمر الجنات واختيارها. وقيل: المعنى في من تحتها: من جهتها. وقد روي عن مسروق: أنأنهار الجنة تجري في غير أخاديد، وأنها تجري على سطح أرض الجنة منبسطة. وإذا صح هذا النقل، فهو أبلغ فيالنزهة، وأحلى في المنظر، وأبهج للنفس. فإن الماء الجاري ينبسط على وجه الأرض جوهره فيحسن اندفاعه وتكسره، وأحسن البساتين ماكانت أشجاره ملتفة وظله ضافياً وماؤه صافياً منساباً على وجه أرضه، لا سيما الجنة، حصباؤها الدر والياقوت واللؤلؤ، فتنكسر تلكالمياه على ذلك الحصى، ويجلو صفاء الماء بهجة تلك الجواهر، وتسمع لذلك الماء المتكسر على تلك اليواقيت واللآلىء له خريراً،قال شيخنا الأديب البارع أبو الحكم مالك بن المرحل المالقي، رحمه الله تعالى، من كلمة:

وتحدث الماء الزلال مع الحصى فجرى النسيم عليه يسمع ما جرى

خرج الترمذي من حديث حكيم بن معاوية، عنأبيه، عن النبي ﷺ: إن في الجنة بحر الماء، وبحر العسل، وبحر اللبن، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار بعده . ويؤيد هذا الحديث قوله تعالى:

{ فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ }

الآية. ولما كانت الجنة لا تشوق،والروض لا يروق إلا بالماء الذي يقوم لها مقام الأرواح للأشباح، ما كاد مجيء ذكرها إلا مشفوعاً بذكر الأنهار، مقدماًهذا الوصف فيها على سائر الأوصاف. قال ابن عطية: نسب الجري إلى النهر، وإنما يجري الماء وحده توسعاً وتجوزاً، كماقال تعالى: { وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } ، وكما قال الشاعر:

نبئت أن النار بعدك أوقدت واستب بعدك يا كليب المجلس

انتهى كلامه. وناقض قوله هذا ما شرح به الأنهار قبله بنحو من خمسة أسطر قال:والأنهار المياه في مجاريها المتطاولة الواسعة، انتهى كلامه. والألف واللام في الأنهار للجنس، قال الزمخشري: أو يراد أنهارها، فعوض التعريفباللام من تعريف الإضافة، كقوله تعالى:

{ وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً } ، وهذا الذي ذكره الزمخشري، وهو أن الألف واللام تكون عوضاًمن الإضافة، ليس مذهب البصريين، بل شيء ذهب إليه الكوفيون، وعليه خرج بعض الناس قوله تعالى:

{ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلاْبْوَابُ } ،أي أبوابها. وأما البصريون فيتأولون هذا على غير هذا الوجه ويجعلون الضمير محذوفاً، أي الأبواب منها، ولو كانت الألف واللامعوضاً من الإضافة لما أتى بالضمير مع الألف واللام، وقال الشاعر:

قطوب رحيب الجيب منها رقيقة بجس الندامى بضة المتجرد

ويجوز أن تكون الألف واللام للعهد الثابت في الذهن من الأنهار الأربعة المذكورة فيسورة القتال. وجاء هذا الجمع بصيغة جمع القلة إشارة إلى الأنهار الأربعة، إن قلنا: إن الألف واللام فيها للعهد، أوإشارة إلى أنهار الماء، وهي أربعة أو خمسة، في الصحيح. إن رسول الله ﷺ ذكر الجنة فقال: نهران باطنان: الفرات والنيل، ونهران ظاهران: سيحان وجيحان . وفي رواية سيحون وجيحون، وعن أنس قال: سئل رسول الله صلى اللهعليه وسلم عن ماء الكوثر قال: ذاك نهر أعطانيه الله تعالى، يعني في الجنة، ماؤه وأشدّ بياضاً من اللبن وأحلى من العسل الحديث. وإن كانت أنهاراً كثيرة فيكون ذلك من إجراء جمع القلة مجرى جمع الكثرة، كما جاء العكس علىجهة التوسع والمجاز لاشتراكهما في الجمعية. {كُلَّمَا رُزِقُواْ }، تقدّم الكلام على كلما عند قوله تعالى: {كُلَّمَا أَضَاء لَهُم}، وبينا كيفية التكرار فيها على خلاف ما يفهم أكثر الناس، والأحسن في هذه الجملة أن تكون مستأنفة لا موضعلها من الإعراب، وأنه لما ذكر أن من آمن وعمل الصالحات لهم جنات صفتها كذا، هجس في النفوس حيث ذكرتالجنة الحديث عن ثمار الجنات، وتشوقت إلى ذكر كيفية أحوالها، فقيل لهم: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً }، وأجيزأن تكون الجملة لها موضع من الإعراب: نصب على تقدير كونها صفة للجنات، ورفع: على تقدير خبر مبتدأ محذوف. ويحتملهذا وجهين: إما أن يكون المبتدأ ضميراً عائداً على الجنات، أي هي {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا }، أو عائداً على {ٱلَّذِينَآمنوا }، أي هم كلما رزقوا، والأولى الوجه الأول لاستقلال الجملة فيه لأنها في الوجهين السابقين تتقدّر بالمفرد، فهي مفتقرةإلى الموصوف، أو إلى المبتدأ المحذوف. وأجاز أبو البقاء أن تكون حالاً من الذين آمنوا تقديره مرزوقين على الدوام، ولايتم له ذلك إلا على تقدير أن يكون الحال مقدرة، لأنهم وقت التبشير لم يكونوا مرزوقين على الدوام. وأجاز أيضاًأن تكون حالاً من جنات لأنها نكرة قد وصفت بقوله: تجري، فقربت من المعرفة، وتؤول أيضاً إلى الحال المقدرة. والأصلفي الحال أن تكون مصاحبة، فلذلك اخترنا في إعراب هذه الجملة غير ما ذكره أبو البقاء. ومن: في قوله: منها،هي لابتداء الغاية، وفي: من مثمرة كذلك، لأنه بدل من قوله: منها، أعيد معه حرف كقوله تعالى: { كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُواْ فِيهَا } ، على أحد الاحتمالين، وكلتاهما تتعلق برزقوا على جهة البدل، كما ذكرناه، لأن الفعللا يقضي حرفي جر في معنى واحد إلا بالعطف، أو على طريقة البدل، وهذا البدل هو بدل الاشتمال. وقد طولالزمخشري في إعراب قوله: من ثمرة، ولم يفصح بالبدل، لكن تمثيله يدل على أنه مراده، وأجاز أن يكون من ثمرةبياناً على منهاج قولك: رأيت منك أسداً، تريد أنت أسد، انتهى كلامه. وكون من للبيان ليس مذهب المحققين من أهلالعربية، بل تأولوا ما استدل به من أثبت ذلك، ولو فرضنا مجيء من للبيان، لما صح تقديرها للبيان هنا، لأنالقائلين بأن من للبيان قدروها بمضمر وجعلوه صدراً لموصول صفة، إن كان قبلها معرفة، نحو:{ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلاْوْثَـٰنِ } ،أي الرجس الذي هو الأوثان، وإن كان قبلها نكرة، فهو يعود على تلك النكرة نحو: من يضرب من رجل، أيهو رجل، ومن هذه ليس قبلها ما يصلح أن يكون بياناً له، لا نكرة ولا معرفة، إلا إن كان يتمحللذلك أنها بيان لما بعدها، وأن التقدير: كلما رزقوا منها رزقاً من ثمرة، فتكون من مبينة لرزقاً، أي: رزقاً هوثمرة، فيكون في الكلام تقديم وتأخير. فهذا ينبغي أن ينزه كتاب الله عن مثله. وأما: رأيت منك أسداً، فمن لابتداءالغاية أو للغاية ابتداء وانتهاء، نحو: أحدته منك، ولا يراد بثمرة الشخص الواحد من التفاح أو الرمان أو غير ذلك،بل المراد، والله أعلم، النوع من أنواع الثمار. قال الزمخشري: وعلى هذا، أي على تقدير أن تكون من بياناً يصحأن يراد بالثمرة النوع من الثمار، والجنات الواحدة، انتهى كلامه. وقد اخترنا أن من لا تكون بياناً فلا نختار ماابتنى عليه، مع أن قوله: والجنات الواحدة مشكل يحتاج فهمه إلى تأمل، ورزقاً هنا هو المرزوق، والمصدر بعيد جداً لقوله:{هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ * كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً }، فإن المصدر لا يؤتى به متشابهاً، إنما هذا من الإخبار عنالمرزوق لا عن المصدر. {قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ }، قالوا: هو العامل في كلما، وهذا الذي: مبتدأمعمول للقول. فالجملة في موضع مفعول، والمعنى: هذا، مثل: الذي رزقنا، فهو من باب ما الخبر شبه به المبتدأ، وإنمااحتيج إلى هذا الإضمار، لأن الحاضر بين أيديهم في ذلك الوقت يستحيل أن يكون عين الذي تقدم إن رزقوه، ثمهذه المثلية المقدرة حذفت لاستحكام الشبه، حتى كأن هذه الذات هي الذات، والعائد على الذي محذوف، أي رزقناه، ومن متعلقةبرزقناً، وهي لابتداء الغاية. وقيل: مقطوع عن الإضافة، والمضاف إليه معرفة محذوف لدلالة المعنى عليه وتقديره من قبله: أي منقبل المرزوق. واختلف المفسرون في تفسير ذلك، فقال ابن عباس، والضحاك، ومقاتل: معناه رزق الغداة كرزق العشي. وقال يحيـى بنأبي كثير، وأبو عبيد: ثمر الجنة إذا جني خلفه مثله، فإذا رأوا ما خلف المجني اشتبه عليهم. فقالوا: هذا الذيرزقنا من قبل، وقال مجاهد، وابن زيد: يعني بقوله: من قبل في الدنيا، والمعنى أنه مثله في الصورة، فالقبلية علىالقولين الأولين تكون في الجنة، وعلى هذا القول تكون في الدنيا. وقال بعض المفسرين: معناه هذا الذي وعدنا في الدنياأن نرزقه في الآخرة، فعلى هذا القول يكون المبتدأ، هو نفس الخبر، ولا يكون التقدير مثل: وعبر عن الوعد بمتعلقهوهو الرزق، وهو مجاز، فلصدق الوعد به صار كأنهم رزقوه في الدنيا، وكون الخبر يكون غير المبتدأ أيضاً مجاز، إلاأن هذا المجاز أكثر وأسوغ. وعلى هذا القول تكون القبلية أيضاً في الدنيا، لأن الوعد وقع فيها إلا أن كونالقبلية في الدنيا يبعده دخول من على قبل لأنها لابتداء الغاية، فهذا موضع قبل لا موضع من، لأن بين الزمانينتراخياً كثيراً، ومن تشعر بابتداء القبلية فتنافي التراخي والابتداء. وإذا كانت القبلية في الآخرة كان في ذلك إشكال من حيثإن الرزق الأول الذي رزقوه لا يكون له مثل رزقوه قبل لأن الفرض أنه أول، فإذا كان أول لم يكنقبله شيء رزقوه. قال ابن عطية: هذا إشارة إلى الجنس، أي هذا من الجنس الذي رزقناه من قبل، انتهى كلامه.وليس هذا إشارة إلى الجنس، بل هذا إشارة إلى الرزق. وكيف يكون إشارة إلى الجنس وقد فسر قوله بعد منالجنس الذي رزقناه من قبل؟ فكأنه قال: هذا الجنس من الجنس الذي رزقنا من قبل، وأنت ترى هذا التركيب كيفهو. ولعل الناقل صحف مثل بمن، فكان التقدير هذا الجنس مثل الجنس الذي رزقنا من قبل، والأظهر أنه تصحيف، لأنالتقدير من الجنس بعيد، وإنما يصح ذلك على ضرب من التجوز من إطلاق كل، ويراد به بعض فتقول: هذا منبني تميم، ثم تتجوز فتقول: هذا بنو تميم، تجعله كل بني تميم مجازاً توسعاً. ومعمول القول جملة خبرية يخاطب بهابعضهم بعضاً، وليس ذلك على معنى التعجب، قاله: جماعة. وقال ابن عباس يقولون ذلك على طريق التعجب. قال الحسن ومجاهد:يرزقون الثمرة ثم يرزقون بعدها مثل صورتها، والطعم مختلف، فهم يتعجبون لذلك ويخبر بعضهم بعضاً. قال ابن عباس: ليسفي الجنة شيء مما في الدنيا سوى الأسماء، وأما الذوات فمتباينة. وقراءة الجمهور: وأتوا مبنياً للمفعول وحذف الفاعل للعلم به،وهو الحذم والولدان. يبين ذلك قراءة هارون الأعور والعتكي. وأتوا به على الجمع، وهو إضمار لدلالة المعنى عليه. ألا ترىإلى قوله تعالى: { يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدٰنٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ } إلى قوله تعالى: { وَفَـٰكِهَةٍ مّمَّا يَتَخَيَّرُونَ } ؟ فدل ذلكعلى أن الولدان هم الذين يأتون بالفاكهة، والضمير في قوله تعالى: به، عائد على الرزق، أي: وأتوا بالرزق الذي هومن الثمار، كما أن هذا إشارة إليه. قال الزمخشري: قال قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: وأتوا به؟ قلت: إلىالمرزوق في الدنيا والآخرة، لأن قوله: {هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين، انتهىكلامه. أي لما كان التقدير هذا مثل الذي رزقناه كان قد انطوى على المرزوقين معاً. ألا ترى أنك إذا قيل:زيد مثل حاتم، كان منطوياً على ذكر زيد وحاتم؟ وما ذكره الزمخشري غير ظاهر الآية، لأن ظاهر الكلام يقتضي أنيكون الضمير عائداً على مرزوقهم في الآخرة فقط، لأنه هو المحدث عنه والمشبه بالذي رزقوه من قبل، مع أنه إذافسرت القبلية بما في الجنة تعين أن لا يعود الضمير إلا إلى المرزوق في الجنة، كأنه قال: وأتوا بالمرزوق فيالجنة متشابهاً، ولا سيما إذا أعربت الجملة حالاً، إذ يصير التقدير قالوا: هذا مثل الذي رزقنا من قبل. وقد أتوابه متشابهاً، أي قالوا ذلك في هذه الحال، وكان الحامل على القول المذكور كونه أتوا به متشابهاً. ومجيء الجملة المصدرةبماض حالاً ومعها الواو على إضمار قد جائز في فصيح الكلام. قال تعالى: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ }أي وقد كنتم الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا، أي وقد قعدوا. وقال الذي نجا منهما: { وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ } أيوقد ادّكر إلى غير ذلك مما خرج على أنه حال، وكذلك أيضاً لا يستقيم عوده إلى المرزوق في الدارين إذاكانت الجملة معطوفة على قوله تعالى: {قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } لأن الإتيان إذ ذاك يستحيل أن يكونماضياً معنى لازماً في حيز كلما، والعامل فيها يتعين هنا أن يكون مستقبل المعنى، وإن كان ماضي اللفظ لأنها لاتخلو من معنى الشرط. ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة تضمنت الإخبار عن الإتيان بهذا الذي رزقوه متشابهاً. وقول الزمخشري فيعود الضمير إلى المرزوق في الدنيا والآخرة لا يظهر أيضاً، لأن هذه الجمل إنما جاءت محدثاً بها عن الجنة وأحوالها،وكونه يخبر عن المرزوق في الدنيا والآخرة أنه متشابه، ليس من حديث الجنة إلا بتكلف. فالظاهر ما ذكرناه أولاً منعود الضمير إلى الذي أشير إليه بهذا فقط، وانتصب متشابهاً على الحال من الضمير في به، وهي حال لازمة، لأنالتشابه ثابت له، أتوا به أو لم يؤتوا به، والتشابه قيل: في الجودة والخيار، فإن فواكه الجنة ليس فيها رديء،قاله قتادة، وذلك كقوله تعالى: { كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً }، قال ابن عطية: كأنه يريد متناسباً في أن كل صنف هو أعلىجنسه، فهذا تشابه مّا أو في اللون، وهو مختلف في الطعم، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد، أو في الطعم واللذةوالشهوة، وإن اختلفت ألوانه، أو متشابه بثمر الدنيا في الاسم مختلف في اللون والرائحة والطعم، أو متشابه بثمر الدنيا فيالصورة لا في القدر والطعم، قاله عكرمة وغيره. وروى ابن المبارك حديثاً يرفعه. قال أصحاب رسول الله صلى الله عليهوسلم: إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم. أقبل أعرابي يوماً فقال: يا رسول الله، ذكر الله في الجنة شجرة مؤذية،وما كنت أرى في الجنة شجرة مؤذية تؤذي صاحبها، فقال رسول الله ﷺ: ما هي؟ قال: السدرة،فإن لها شوكاً مؤذياً. فقال رسول الله ﷺ: أليس يقول في سدر مخضود، خضد الله، الشوك، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها لتنبت ثمراً يفتق من الثمرة منها على اثنين وسبعين لوناً طعاماً ما فيه لون يشبه الآخر؟ واختار الزمخشري أن ثمر الجنة متشابه بثمر الدنيا، وأطلق القول في كونه كان مشابهاً لثمر الدنيا، ولم يكن أجناساًأخر. وملخص ما ذكر أن الإنسان يأنس بالمألوف، وإذا رأى غير المألوف نفر عنه طبعه، وإذا ظفر بشيء مماألفه وظهر له فيه مزية، وتفاوت في الجنس، سر به واغتبط بحصوله. ثم ذكر ما ورد في مقدار الرمانة والنبقةوالشجرة وكيفية نخل الجنة والعنقود والأنهار ما يوقف عليه في كتابه. وليس في الآية ما يدل على ما اختاره الزمخشري.والأظهر أن يكون المعنى ثبوت التشابه له، ولم يقيد التشابه بل أطلق، فتقييده يحتاج إلى دليل. ولما كانت مجامع اللذاتفي المسكن البهي والمطعم الشهي والمنكح الوضي، ذكرها الله تعالى فيما يبشر به المؤمنون. وقد بدأ بالمسكن لأن به الاستقرارفي دار المقام، وثنى بالمطعم لأن به قوام الأجسام، ثم ذكر ثالثاً الأزواج لأن بها تمام الالتئام، فقال تعالى: {وَلَهُمْفِيهَا أَزْوٰجٌ } والأولى أن تكون هذه الجملة مستأنفة. كما اخترنا في قوله: {كُلَّمَا رُزِقُواْ } لأن جعلها استئنافاً يكونفي ذلك اعتناء بالجملة، إذ سيقت كلاماً تاماً لا يحتاج إلى ارتباط صناعي، ومن جعلها صفة فقد سلك بها مسلكغير ما هو أصل للحمل. وارتفاع أزواج على الابتداء، وكونه لم يشرك في العامل في جنات يدل على ما قلناهمن الاستئناف أيضاً، وخبر أزواج في المجرور الذي هو لهم وفيها متعلق بالعامل في لهم الذي هو خبر. والأزواج منجموع القلة، لأن زوجاً جمع على زوجة نحو: عود وعودة، وهو من جموع الكثرة، لكنه ليس في الكثير من الكلاممستعملاً، فلذلك استغنى عنه بجمع القلة توسعاً وتجوزاً. وقد ورد في الحديث الصحيح ما يدل على كثرة الأزواج من الحوروغيرهم. وأريد هنا بالأزواج: القرناء من النساء اللاتي تختص بالرجل لا يشركه فيها غيره. ومطهرة: صفة للأزواج مبنية على طهرتكالواحدة المؤنثة. وقرأ زيد بن علي: مطهرات، فجمع بالألف والتاء على طهرن. قال الزمخشري: هما لغتان فصيحتان، يقال: النساء فعلن،وهن فاعلات، والنساء فعلت، وهي فاعلة، ومنه بيت الحماسة:

وإذا العذارى بالدخان تقنت واستعجلت نصب القدور فملت

والمعنى: وجماعة أزواج مطهرة، انتهى كلامه. وفيه تعقب أن اللغة الواحدة أولى من الأخرى، وذلك أنجمع ما لا يعقل، إما أن يكون جمع قلة، أو جمع كثرة إن كان جمع كثرة فمجيء الضمير على حدضمير الواحدة أولى من مجيئه على حد ضمير الغائبات، وإن كان جمع قلة فالعكس، نحو: الأجذاع انكسرن، ويجوز انكسرت، وكذلكإذا كان ضميراً عائداً على جمع العاقلات الأولى فيه النون من التاء، فإذا بلغن أحلهن، والوالدات يرضعن، ولم يفرقوا فيذلك بين جمع القلة والكثرة كما فرقوا في جمع ما لا يعقل. فعلى هذا الذي تقرر تكون قراءة زيد الأولىإذ جاءت في الظاهر على ما هو أولى. ومجيء هذه الصفة مبنية للمفعول، ولم تأت ظاهرة أو ظاهرات، أفخم لأنهأفهم أن لها مطهِّراً وليس إلا الله تعالى. وقراءة عبيد بن عمير مطهرة، وأصله متطهرة، فأدغم. وفي كلام بعض العربما أحوجني إلى بيت الله فاطهر به أطهرة، أي: فأتطهر به تطهرة، وهذه القراءة مناسبة لقراءة الجمهور، لأن الفعل ممايحتمل أن يكون مطاوعاً نحو: طهرته فتطهر، أي أن الله تعالى طهرهن فتطهرن. وهذه الأزواج التي وصفها الله بالتطهير إنكن من الحور العين، كما روي عن عبد الله. فمعنى التطهير: خلقهن على الطهارة لم يعلق بهن دنس ذاتي ولاخارجي وإن كن من بني آدم، كما روي عن الحسن: عن عجائزكم الرمص الغمص يصرن شواب، فقيل: مطهرة من العيوبالذاتية وغير الذاتية، وقيل: مطهرة من الأخلاق السيئة والطبائع الرديئة، كالغضب والحدة والحقد والكيد المكر، وما يجري مجرى ذلك، وقيل:مطهرة من الفواحش والخنا والتطلع إلى غير أزواجهن، وقيل: مطهرة من الأدناس الذاتية، مثل الحيض والنفاس والجنابة والبول والتغوط وغيرذلك من المقادير الحادثة عن الأعراض المنقبلة إلى فساد: كالبخر والذفر والصنان والقيح والصديد، أو إلى غير فساد: كالدمع والعرقوالبصاق والنخامة. وقيل: مطهرة من مساوىء الأخلاق، لا طمحات ولا مرجات ولا يغرن ولا يعزن. وقال النخعي: الولد. وقال يمان:من الإثم والأذى، وكل هذه الأقوال لا يدل على تعيينها قوله تعالى: {مُّطَهَّرَةٍ } لكن ظاهر اللفظ يقتضي أنهن مطهراتمن كل ما يشين، لأن من طهره الله تعالى ووصفه بالتطهير كان في غاية النظافة والوضاءة. ولما ذكر تعالى مسكنالمؤمنين ومطعهمهم ومنحكهم، وكانت هذه الملاذ لا تبلغ درجة الكمال مع توقع خوف الزوال، ولذلك قيل:

أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه ارتحالا

أعقب ذلك تعالى بما يزيل تنغيص التنعم بذكر الخلودفي دار النعيم، فقال تعالى: {وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ }. وقد تقدم ذكر الخلاف في الخلود، وأن المعتزلة تذهب إلى أنهالبقاء الدائم الذي لا ينقطع أبداً، وأن غيرهم يذهب إلى أنه البقاء الطويل، انقطع أو لم ينقطع، وأن كون نعيمأهل الجنة وعذاب أهل النار سرمدي لا ينقطع، ليس مستفاداً من لفظ الخلود بل من آيات من القرآن وأحاديث صحاحمن السنة، قال تعالى:

{ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } ، وقال تعالى: { وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } . وفي الحديث: يا أهل الجنة خلود بلا موت . وفي حديث أخرجه مسلم في وصف أهل الجنة: وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً . إلى غيرذلك من الآيات والأحاديث.

إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَاعدل

{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ } * { ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ } * { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } * { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ * يَسْتَحْىِ * إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاًمَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّهِمْ }، الحياء: تغير وإنكسار يعتري الإنسان من خوفما يعاب به ويذم، ومحله الوجه، ومنبعه من القلب، واشتقاقه من الحياة، وضده: القحة، والحياء، والاستحياء، والانخزال، والانقماع، والانقلاع، متقاربةالمعنى، فتنوب كل واحدة منها مناب الأخرى. أن: حرف ثنائي الوضع ينسبك منه مع الفعل الذي يليه مصدر، وعمله فيالمضارع النصب، إن كان معرباً، والجزم بها لغة لبني صباح، وتوصل أيضاً بالماضي المتصرف، وذكروا أنها توصل بالأمر، وإذا نصبتالمضارع فلا يجوز الفصل بينهما بشيء. وأجاز بعضهم الفصل بالظرف، وأجاز الكوفيون الفصل بينها وبين معمولها بالشرط. وأجازوا أيضاً إلغاءهاوتسليط الشرط على ما كان يكون معمولاً لها لولاه، وأجاز الفراء تقديم معمول معمولها عليها، ومنعه الجمهور. وأحكام أن الموصولةكثيرة، ويكون أيضاً حرف تفسير خلافاً للكوفيين، إذ زعموا أنها لا تأتي تفسيراً، وسيأتي الكلام على التفسيرية عند قوله تعالى: { وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ أَن طَهّرَا بَيْتِىَ } ، إن شاء الله تعالى. وتكون أن أيضاً زائدة وتطرد زيادتها بعد لما،ولا تفيد إذ ذاك غير التوكيد، خلافاً لمن زاد على ذلك أنها تفيد اتصال الفعل الواقع جواباً بالفعل الذي زيدتقبله، وبعد القسم قبل لو والجواب خلافاً لمن زعم أنها إذ ذاك رابطة لجملة القسم بالمقسم عليه إذا كان لووالجواب، ولا تكون أن للمجازاة خلافاً للكوفيين، ولا بمعنى إن المكسورة المخففة من الثقيلة خلافاً للفارسي، ولا للنفي، ولا بمعنىإذ، ولا بمعنى لئلا خلافاً لزاعمي ذلك. وأما أن المخففة من الثقيلة فحرف ثلاثي الوضع، وسيأتي الكلام عليه عند أولما يذكر، إن شاء الله تعالى. والضرب: إمساس جسم بجسم بعنف ويكنى به عن السفر في الأرض ويكون بمعنى الصنعوالاعتمال. وروى ضرب رسول الله ﷺ خاتماً من ذهب. والبعوضة: واحد البعوض، وهي طائر صغير جداًمعروف، وهو في الأصل صفة على فعول كالقطوع فغلبت، واشتقاقه من البغض بمعنى القطع. أما: حرف، وفيه معنى الشرط، وبعضهميعبر عنها بحرف تفصيل، وبعضهم بحرف إخبار، وإبدل بنو تميم الميم الأولى ياء فقالوا: أيما. وقال سيبويه في تفسير أما:أن المعنى مهما يكن من شيء فزيد ذاهب، والذي يليها مبتدأ وخبر وتلزم الفاء فيما ولي الجزاء الذي وليها، إلاإن كانت الجملة دعاء فالفاء فيما يليها ولا يفصل بغيرها من الجمل بينها وبين الفاء، وإذا فصل بها فلا بدمن الفصل بينها وبين الجملة بمعمول يلي أما، ولا يجوز أن يفصل بين أما وبين الفاء بمعمول خبر أن وفاقاًلسيبويه وأبي عثمان، وخلافاً للمبرود وابن درستويه، ولا بمعمول خبر ليت ولعل خلافاً للفراء. ومسألة أما علماً، فعالم لزم أهلالحجاز فيه النصب وتختاره تميم، وتوجيه هاتين المسألتين مذكور في النحو. الحق: الثابت الذي لا يسوغ إنكاره. حق الأمر ثبتووجب ومنه: { حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ } ، والباطل مقابله، وهو المضمحل الزائل، ماذا: الأصل في ذا أنها اسم إشارة، فمتى أريدموضوعها الأصلي كانت ماذا جملة مستقلة، وتكون ما استفهامية في موضع رفع بالابتداء وذا خبره. وقد استعملت العرب ماذا ثلاثةاستعمالات غير الذي ذكرناه أولاً: أحدها: أن تكون ما استفهاماً وذا موصولاً بدليل وقوع الاسم جواباً لها مرفوعاً في الفصيح،وبدليل رفع البدل قال الشاعر:

ألا تسألان المرء ماذا يحاول أنحب فيقضى أم ضلال وباطل

الثاني: أن تكون ماذا كلها استفهاماً، وهذا الوجه هو الذي يقول بعض النحويين فيه: إن ذا لغو ولا يريدبذلك الزيادة بل المعنى أنها ركبت مع ما وصارت كلها استفهاماً، ويدل على هذا الوصف وقوع الإسم جواباً لها منصوباًفي الفصيح، وقول العرب: عماذا تسأل بإثبات ألف ما، وقول الشاعر:

يا خزر تغلب ماذا بال نسوتكم لا يستفقن إلى الديرين تحتانا

ولا يصح موصولية ذاهنا، الثالث: أن تكونما مع ذا اسماً موصولاً، وهوقليل، قال الشاعر:

دعي ماذا علمت سأتقيه ولكن بالمغيب نبئيني

فعلى هذا الوجه والأوليكون الفعل بعدها صلة لا موضع له من الإعراب ولا يتسلط على ماذا: وعلى الوجه الثاني يتسلط على ماذا إنكان مما يمكن أن يتسلط. وأجاز الفارسي أن تكون ماذا نكرة موصوفة وجعل منه: دعى ماذا علمت. الإرادة: طلب نفسكالشيء وميل قلبك إليه، وهي نقيض الكرهة، ويأتي الكلام عليها مضافة إلى الله تعالى، إن شاء الله. الفسوق: الخروج، فسقتالرطبة: خرجت، والفاسق شرعاً: الخارج عن الحق، ومضارعه جاء على يفعل ويفعل. النقض: فك تركيب الشيء وردّه إلى ما كانعليه أولاً، فنقض البناء هدمه، ونقض المبرم حله. والعهد: الموثق، وعهد إليه في كذا: أوصاه به ووثقه عليه. والعهد فيلسان العرب على ستة محامل: الوصية، والضمان، والأمر، والالتقاء، والرؤية، والمنزل. والميثاق: العهد المؤكد باليمين. والميثاق والتوثقة: كالميعاد بمعنى الوعد،والميلاد بمعنى الولادة. الخسار: النقصان أو الهلاك، كيف: اسم، ودخول حرف الجر عليها شاذ، وأكثر ما تستعمل استفهاماً، والشرط بهاقليل، والجزم بها غير مسموع من العرب، فلا نجيزه قياساً، خلافاً للكوفيين وقطرب، وقد ذكر خلاف فيها: أهي ظرف أماسم غير طرف؟ والأول عزوه إلى سيبويه، والثاني إلى الأخفش والسيرافي، والبدل منها والجواب إذا كانت مع فعل مستغن منصوبان،ومع ما لا يستغنى مرفوع إن كان مبتدأ، ومنصوب إن كان ناسخاً. أمواتاً: جمع ميت، وهو أيضاً جمع ميتة، وجمعهماعلى أفعال شذوذ، والقياس في فيعل إذا كسر فعائل. الاستواء: الاعتدال والاستقامة، استوى العود وغيره: إذا استقام واعتدل، ثم قيل:استوى إليه كالسهم المرسل، إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء، والتسوية: التقويم والتعديل. { إِنَّٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّهِمْ وأما الذينكفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً}، الآيات. قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومقاتل، والفراء: نزلت في اليهود لما ضربالله تعالى الأمثال في كتابه بالعنكبوت، والذباب، والتراب، والحجارة، وغير ذلك مما يستحقر ويطرح. قالوا: إن الله أعز وأعظم منأن يضرب الأمثال بمثل هذه المحقرات، فردّ الله عليهم بهذه الآية. وقال الحسن، ومجاهد، والسدّي، وغيرهم: نزلت في المنافقين، قالوا:لما ضرب الله تعالى المثل بالمستوقد والصيب قالوا: الله أعلى وأعظم أن يضرب الأمثال بمثل هذه الأشياء التي لا بالبها، فرد الله عليهم بهذه الآية، وقيل نزلت في المشركين، والكل محتمل، إذ اشتملت على نقض العهد، وهو من صفةاليهود، لأن الخطاب بوفاء العهد إنما هو لبني إسرائيل، وعلى الكافرين

{ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ }

، وهم المشركون والمنافقون، وكلهمكانوا في إيذائه ﷺ متوافقين. وقد نص من أول السورة إلى هنا ذكر ثلاث طوائف، وكلهم منالذين كفروا، قاله القفال، قال: ويجوز أن ينزل ذلك ابتداء من غير سبب. وقال الربيع بن أنس: هذا مثل ضربهالله تعالى للدنيا وأهلها، وأن البعوضة تحيا ما جاعت، فإذا شبعت وامتلأت ماتت. كذلك مثل أهل الدنيا إذا امتلؤوا منهاكان سبباً لهلاكهم، وقيل: ضرب ذلك تعالى مثلاً لأعمال العباد أنه لا يمتنع أن يذكر ما قل منها أو كثرليجازي عليها ثواباً أو عقاباً، والأَظهر في سبب النزول القولان الأولان. ومناسبة هذه الآية ظاهرة، إذ قد جرى قبل ذكرالمثل بالمستوقد والصيب، ونزل التمثيل بالعنكبوت والذباب، فأنكر ذلك الجهلة وأهل العناد، واستغربوا ما ليس بمستغرب ولا منكر، إذ التمثيليكشف المعنى ويوضح المطلوب. وقد تقدم الكلام في فائدته عند قوله تعالى:

{ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً } ، والعاقل إذاسمع التمثيل استبان له به الحق، وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور والأجناس والحشرات والهوام، ولسان العرب ملآن منذلك، ألا ترى إلى قول الشاعر:

وإني لألقى من ذوي الضغن منهم وما أصبحت تشكو من الوجد ساهره كما لقيت ذات الصفا من حليفهاوما انفكت الأمثال في الناس سائره

فذكر قصة ذات الصفا، وهي حية كانت قد قتلتقرابة حليفها، فتواثقا بالله على أنها تدي ذلك القتيل ولا تؤذيها، إلى آخر القصة المذكورة في ذلك الشعر. والأمثال مضروبةفي الإنجيل بالأشياء الحقيرة كالنخالة والدود والزنابير. وكذلك أيضاً قرأت أمثالاً في الزبور. فإنكار ضرب الأمثال جهالة مفرطة أو مكابرةواضحة، ومساق هذه الجملة مصدرة بأن يدل على التوكيد. وقرأ الجمهور: يستحيـي بياءين، والماضي: استحيا، وهي لغة أهل الحجاز،واستفعل هنا جاء للإغناء عن الثلاثي المجرد: كاستنكف، واستأثر، واستبد، واستعبر، وهو من المعاني التي جاء لها استفعل. وقد تقدمذكرها عند قوله:

{ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ، وهذا هنا من الحياء. وفي كلام الزمخشري ما يدل على أن استحيا ليس مغنياًعن المجرد بل هو موافق للمجرد، وهو أحد المعاني أيضاً الذي جاء لها استفعل. قال الزمخشري: يقال حيـي الرجل كمايقال: نسي وخشي وشظي الفرس، إذا اعتلت هذه الأعضاء جعل الحيـي لما يعبر به عن الانكسار، والتغير منكسر القوة منتقضالحياة، كما قالوا: فلان هلك حياء من كذا، ومات حياء، ورأيت الهلال في وجهه من شدة الحياء، وذاب حياء، وجمدفي مكانه خجلاً، انتهى كلامه. فظاهره أنه يقال: من الحياء حيـي الرجل، فيكون استحيا على ذلك موافقاً للمجرد، وعلى مانقلناه قبل يكون مغنياً عن المجرد. وقرأ ابن كثير في رواية شبل، وابن محيصن، ويعقوب: يستحي بياء واحدة، وهي لغةبني تميم، يجرونها مجرى يستبي. قال الشاعر:

ألا تستحي منا ملوك وتتقي محارمنا لا يبوء الدم بالدم

والماضي: استحى، قال الشاعر:

إذا ما استحين الماء يعرض نفسه كرعن بسيت في إناء من الورد

واختلف النحاة في المحذوفة، فقيل لام الكلمة، فالوزن يستفع، فنقلت حركة العين إلى الفاء وسكنت العين فصارتيستفع. وقيل المحذوف العين، فالوزن يستيفل ثم نقلت حركة اللام إلى الفاء وسكنت اللام فصارت يستفل. وأكثر نصوص الأئمة علىأن المحذوف هو العين. وقد تكلمنا على هذه المسألة في (كتاب التكميل لشرح التسهيل) من تأليفنا، وليس هذا الحذفمختصاً بالماضي والمضارع، بل يكون أيضاً في سائر التصرفات، كاسم الفاعل، واسم المفعول، وغير ذلك. وهذا الفعل مما نقلوا أنهيكون متعدياً بنفسه، ويكون متعدياً بحرف جر، يقال: استحييته واستحييت منه. فعلى هذا يحتمل {أَن يَضْرِبَ } أن يكون مفعولاًبه على أن يكون الفعل تعدى إليه بنفسه، أو تعدى إليه على إسقاط حرف الجر. وفي ذلك الخلاف الذي ذكرناهفي قوله تعالى: { أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ } ، أذلك في موضع نصب بعد حذف حرف الجر أم في موضع جر؟.واختلف المفسرون في معنى الاستحياء المنسوب إلى الله تعالى نفيه، فقيل: المعنى لا يترك، فعبر بالحياء عن الترك، قاله الزمخشريوغيره، لأن الترك من ثمرات الحياء، لأن الإنسان إذا استحيا من فعل شيء تركه، فيكون من باب تسمية المسبب باسمالسبب. وقيل: المعنى لا يخشى، وسميت الخشية حياء لأنها من ثمراته، ورجحه الطبري. وقد قيل في قوله تعالى:

{ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ } ، أن معناه تستحي من الناس. وقيل: المعنى لا يمتنع. وكل هذه الأقوال متقاربة من حيث المعنى، يجوز أن يوصفالله تعالى بها، وهذه التأويلات هي على مذهب من يرى التأويل في الأشياء التي موضوعها في اللغة لا ينبغي أنيوصف الله تعالى به، وقيل: ينبغي أن تمر على ما جاءت، ونؤمن بها ولا نتأولها ونكل علمها إليه تعالى، لأنصفاته تعالى لا يطلع على ماهيتها الخلق. والذي عليه أكثر أهل العلم أن الله تعالى خاطبنا بلسان العرب، وفيه الحقيقةوالمجاز، فما صح في العقل نسبته إليه نسبناه إليه، وما استحال أوّلناه بما يليق به تعالى، كما نؤول فيما ينسبإلى غيره مما لا يصح نسبته إليه، والحياء بموضوع اللغة لا يصح نسبته إلى الله تعالى، فلذلك أوله أهل العلم،وقد جاء منسوباً إلى الله مثبتاً فيما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن الله حيـي كريم يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً ، وأول بأن هذا جار على سبيلالتمثيل مثل تركه تخييب العبد من عطائه لكرمه بترك من ترك رد المحتاج إليه حياء منه، وقد يجوز أيضاً فيالاستحياء، فنسب إلى ما لا يصح منه بحال، كالبيت الذي أنشدناه قبل وهو:

إذا مـا استحيـن المـاء يعرض نفسـه

قالأبو التمام:

هو الليث ليث الغاب بأساً ونجدة وإن كان أحيا منه وجهاً وأكرما

ويجوز أن يكون قولهتعالى: {لاَ يَسْتَحْىِ } على سبيل المقابلة، لأنه روي أن الكفار قالوا: ما يستحي رب محمد أن يضرب الأمثال بالذبابوالعنكبوت ومجيء الشيء على سبيل المقابلة، وإن لم يكن من جنس ما قوبل به، شائع في لسان العرب، ومنه: { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }، وجاء ذكر الاستحياء منفياً عن الله تعالى، وإن كان إثباته بموضوع اللغة لا يصح نسبته إلىالله تعالى، فكل أمر مستحيل على الله تعالى إثباته، يصح أن ينفي عن الله تعالى، وبذلك نزل القرآن وجاءت السنة.ألا ترى إلى قوله تعالى:

{ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ }

{ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ }

{ مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ }

{ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } ؟ ونقول: الله تعالى ليس بجسم. فالإخبار بانتفاء هذه الأشياء هو الصدق المحض، وليسانتفاء الشيء مما يدل على تجويزه على من نفي عنه، ولا صحة نسبته إليه، كما ذهب إليه أبو بكر بنالطيب وغيره. زعم أن ما لا يجوز على الله إثباتاً يجب أن لا يطلق على طريق النفي، قال: فيما وردمن ذلك هو بصورة النفي وليس بنفي على الحقيقة، وكثرة ذلك، أعني نفي الشيء عما لا يصح إثباته، له كثيرفي القرآن ولسان العرب، بحيث لا يحصر ما ورد من ذلك. ويضرب: قيل معناه: يبين، وقيل: يذكر، وقيل: يضع، منضربت عليهم الذلة، وضرب البعث على بني فلان، ويكون يضرب قد تعدى إلى واحد، وقيل يضرب: في معنى يجعل ويصير،كما تقول: ضربت الطين لبناً، وضربت الفضة خاتماً. فعلى هذا يتعدى لاثنين، والأصح أن ضرب لا يكون من باب ظنوأخواتها، فيتعدى إلى اثنين، وبطلان هذا المذهب مذكور في كتب النحو. وما: إذا نصبت بعوضة زائدة للتأكيد أو صفة للمثلتزيد النكرة شياعاً، كما تقول: ائتني برجلٍ ما، أي: أيّ رجل كان. وأجاز الفراء، وثعلب، والزجاج: أن تكون ما نكرة،وينتصب بدلاً من قوله: مثلاً. وقرأ الجمهور: بنصب بعوضة. واختلف في توجيه النصب على وجوه: أحدها: أن تكون صفةلما، إذا جعلنا ما بدلاً من مثل، ومثلاً مفعول بيضرب، وتكون ما إذ ذاك قد وصفت باسم الجنس المتنكر لإبهامما، وهو قول الفراء. الثاني: أن تكون بعوضة عطف بيان، ومثلاً مفعول بيضرب. الثالث: أن تكون بدلاً من مثل. الرابع:أن يكون مفعولاً ليضرب، وانتصب مثلاً حالاً من النكرة مقدمة عليها. والخامس: أن تكون مفعولاً ليضرب ثانياً، والأول هو المثلعلى أن يضرب يتعدى إلى اثنين. والسادس: أن تكون مفعولاً أول ليضرب، ومثلاً المفعول الثاني. والسابع: أن تكون منصوباً علىتقدير إسقاط الجار، والمعنى {أَن يَضْرِبَ مَثَلاً } ما بين {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا }، وحكوا له عشرون ما ناقة فجملاً،ونسبه ابن عطية لبعض الكوفيين، ونسبه المهدوي للكوفيين، ونسبه غيرهما للكسائي والفراء، ويكون: مثلاً مفعولاً بيضرب على هذا الوجه، وأنكرهذا النصب، أعني نصب بعوضة على هذا الوجه، أبو العباس. وتحرير نقل هذا المذهب: أن الكوفيين يزعمون أن ما تكونجزاء في الأصل وتحول إلى لفظ الذي، فينتصب ما بعدها، سواء كان نكرة أم غير نكرة، ويعطف عليه بالفاء فقط،وتلزم ولا يصلح مكانها الواو، ولا ثم، ولا أو، ولا لاو، ويجعلون النصب في ذلك الاسم على حذف مضاف، وهوبين. فلما حذف بين، قام هذا مقامه في الإعراب. ويقدرون الفاء بإلى، وقد جاء التصريح بها في بعض المواضع. حكىالكسائي عن العرب: مطرنا ما زبالة فالثعلبية، وما منصوبة بمطرنا. وحكى الكسائي والفراء عن العرب: هي أحسن الناس ما قرنا،وانتصاب ما في هذه المسألة على التفسير، وتقول: هي حسنة ما قرنها إلى قدمها. قال الفراء: أنشدنا أعرابي من بنيسليم:

يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم ولا حبال محب واصل تصل

وقال الكسائي: سمعتأعرابياً نظر إلى الهلال فقال: الحمد لله ما إهلالك إلى سرارك، وحكى الفراء عن العرب: الشنق ما خما فعشرين. والمعنىفيما تقدم ما بين كذا إلى كذا، وما في هذا المعنى لا تسقط، فخطأ أن يقول: مطرنا زبالة فالثعلبية. وهذاالذي ذهب إليه الكوفيون لا يعرفه البصريون، ورده إلى قواعد البصريين مذكور في غير هذا، والذي نختاره من هذه الأعاريبأن ضرب يتعدى إلى اثنين هو الصحيح، وذلك لواحد هو مثلاً لقوله تعالى: ضرب مثل، ولأنه المقدم في التركيب، وصالحلأن ينتصب بيضرب. وما: صفة تزيد النكرة شياعاً، لأن زيادتها في هذا الموضع لا تنقاس. وبعوضة: بدل لأن عطف البيانمذهب الجمهور فيه أنه لا يكون في النكرات، إنما ذهب إلى ذلك الفارسي، ولأن الصفة بأسماء الأجناس لا تنقاس. وقرأالضحاك، وإبراهيم بن أبي عبلة، ورؤبة بن العجاج، وقطرب: بعوضة بالرفع، واتفق المعربون على أنه خبر، ولكن اختلفوا فيما يكونعنه خبراً، فقيل: خبر مبتدأ محذوف تقديره هو بعوضة، وفي هذا وجهان: أحدهما: أن هذه الجملة صلة لما، وما موصولةبمعنى الذي، وحذف هذا العائد وهذا الإعراب لا يصح إلا على مذهب الكوفيين، حيث لم يشترطوا في جواز حذف هذاالضمير طول الصلة. وأما البصريون فإنهم اشترطوا ذلك فير غير أيّ من الموصولات، وعلى مذهبهم تكون هذه القراءة على هذاالتخريج شاذة، ويكون إعراب ما على هذا التخريج بدلاً، التقدير: مثلاً الذي هو بعوضة. والوجه الثاني: أن تكون ما زائدةأو صفة وهو بعوضة وما بعده جملة، كالتفسير لما انطوى عليه الكلام السابق، وقيل: خبر مبتدأ ملفوظ به وهو ما،على أن تكون استفهامية. قال الزمخشري، لما استنكفوا من تمثيل الله لأصنامهم بالمحقرات قال: إن الله لا يستحي أنيضرب للأنداد ما شاء من الأشياء المحقرة بله فما فوقها، كما يقال، فلأن لا يبالي بما وهب ما دينار وديناران،والمختار الوجه الثاني لسهولة تخريجه، لأن الوجه الأول لا يجوز فصيحاً على مذهب البصريين، والثاني فيه غرابة واستبعاد عن معنىالاستفهام، وما من قوله: فما معطوفة على قوله بعوضة إن نصبنا لما موصولة وصلتها الظرف، أو موصوفة وصفتها الظرف، والموصوفةأرجح. وإن رفعنا بعوضة، وكانت ما موصولة فعطف ما الثانية عليها أو استفهاماً، فذلك من عطف الجمل، أو كانت البعوضةخبراً لهو محذوفة، وما زائدة، أو صفة فعطف على البعوضة، إما موصولة أو موصوفة، وما فوقها الظاهر أنه يعني فيالحجم كالذباب والعنكبوت، قاله ابن عباس: ويكون ذكر البعوضة تنبيهاً على الصغر، وما فوقها تنبيهاً على الكبر، وبه قال أيضاًقتادة، وابن جريج، وقيل: المعنى فما فوقها في الصغر، أي وما يزيد عليها في الصغر، كما تقول: فلان أنذل الناس،فيقال لك: هو فوق ذلك، أي أبلغ وأعرق في النذالة، قاله أبو عبيدة، والكسائي. وقال ابن قتيبة: فوق منالأضداد ينطلق على الأكثر والأقل، فعلى قول من قال بأن اللفظ المشترك يحمل على معانيه، يكون دلالة على ما هوأصغر من البعوضة وما هو أكبر. وقيل: أراد ما فوقها وما دونها، فاكتفى بأحد الشيئين عن الآخر لدلالة المعنى عليها،كما اكتفى في قوله:

{ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ }

عن قوله: والبرد، ورجح القول بالفوقية في الصغر بأن المقصود من التمثيلتحقير الأوثان، وكلما كان المشبه به أشد حقارة كان المقصود من هذا الباب أكمل، وبأن الغرض هنا أن الله لايمتنع عن التمثيل بالشيء الحقير، وبأن الشيء كلما كان أصغر كان الاطلاع على أسراره أصعب. فإذا كان في نهاية الصغرلم يحط به إلا علم الله سبحانه، فكان التمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من التمثيل بالكبير، والذينختاره القول الأول لجريان فوق على مشهور ما استقر فيها في اللغة، وفي المعنى الذي أسند الله إليه عدم الاستحياءمن أجله في ضرب المثل بهذه المصغرات والمستضعفات وجوه: أحدها: أن البعوضة قد أوجدها على الغاية القصوى من الإحكام وحسنالتأليف والنظام، وأظهر فيها، مع صغر حجمها، من بدائع الحكمة كمثل ما أظهره في الفيل الذي هو في غاية الكبروعظم الخلقة. وإذا كل واحد منهما قد استوفى نصاب حسن الصنعة وبدائع التأليف والصنعة، فضرب المثل بالصغير والكبير سيان عندهإذا كانا في توفية الحكمة سواء. الثاني: أن البعوضة لما كانت من أصغر ما خلق الله تعالى خصها بالذكر فيالقلة، فلا يستحي أن يضرب المثل في الشيء الكبير بالكبير والحقير بالحقير، وله المثل الأعلى في ضرب الأمثال. الثالث: أنفي البعوضة، مع صغر حجمها وضعف بنيانها، من حسن التأليف ودقيق الصنع، من اختصار الخصر ودقة الخرطوم ولطيف تكوين الأعضاءولين البشرة، ما يعجز أن يحاط بوصفه، وهي مع ذلك تبضع بشوكة خرطومها، مع لينها، جلد الجاموس والفيل، وتهتدي إلىمراق البشرة بغير دليل، فلا يستحي الله تعالى أن يضرب بها المثل، إذ ليس في وسع أحد من البشر أنيخلق مثلها ولا أقل منها، كما قال تعالى: { لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ } . الرابع: أن المثل بالذباب والبعوضوالعنكبوت، وما يجري مجراه، أتى به تعالى في غاية ما يكون من التمثيل، وأحسن ما يكون من التشبيه، لأن الذيجعلها مثلاً لهم في غاية ما يكون من الحقارة، وضعف القوة، وخسة الذات والفعل، فلو شبههم بغير ذلك ما حسنموقع التشبيه، ولا عذب مذاق التمثيل، إذ الشيء لا يشبه إلا بما يماثله ويشاكله، ومن أتى بالشيء على وجهه فلايستحيا منه. وتصدير الجملتين بأما التي معناها الشرط مشعر بالتوكيد، إذ هي أبلغ من: فالذين آمنوا يعلمون، والذين كفروا يقولون،إذ قد تقرر أن ما برز في حيز أما من الخبر كان واقعاً لا محالة، وما مفيد ذلك ومثيرهإلا ترتب الحكم على معنى الشرط، والضمير في أنه عائد على المثل، وقيل: هو عائد على المصدر المفهوم من يضربكأنه قال: فيعلمون أن ضرب المثل. وقيل: هو عائد على المصدر المفهوم من لا يستحي، أن فيعلمون أن إنتفاء الاستحياءمن ذكر الحق، والأظهر الأول لدلالة قوله تعالى: {مَاذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً } فميز الله تعالى المشار إليه هنابالمثل. والتقسيم ورد على شيء واحد، فظهر أنه عائد على المثل، وأخبر عن المؤمنين بالعلم لأنه الجزم المطابق لدليل، وأخبرعن الكافرين بالقول، وهو اللفظ الجاري على اللسان، وجعل متعلقه الجملة الاستفهامية الشاملة للاستغراق والاستبعاد والاستهزاء، وهي قوله: {مَاذَا أَرَادَٱللَّهُ }. وقد تقدم الكلام على أقسام ماذا، وهي ههنا تحتمل وجهين من تلك الأقسام. أحدهما: أن تكون مااستفهاماً في موضع رفع بالابتداء، وذا بمعنى الذي خبر عن ما. وأراد صلة لذا الموصولة والعائد محذوف، إذ فيه شروطجواز الحذف، والتقدير ما الذي أراده الله. والثاني: أن تكون ماذا كلها استفهاماً، وتركيب ذا مع ما، وتكون مفعولاً بإرادةالتقدير، أي شيء أراده الله، وهذان الوجهان فصيحان. قال ابن عطية: واختلف النحويون في ماذا فقيل: هي بمنزلة اسم واحدبمعنى أي شيء أراد الله، وقيل: ما اسم وذا اسم آخر بمعنى الذي، فما في موضع رفع بالابتداء وذا خبر.انتهى كلام ابن عطية، وظاهره اختلاف النحويين في ماذا هنا وليس كذلك، إذ هما وجهان سائغان فصيحان في لسان العربوليست مسألة خلاف عند النحويين، بل كل من شدا طرفاً من علم النحو يجوز هذين الوجهين في ماذا هنا، وكذاكل من وقفنا على كلامه من المفسرين والمعربين ذكروا الوجهين في ماذا هنا. والإرادة بالتفسير اللغوي، وهي ميل القلب إلىالشيء، يستحيل نسبتها إلى الله تعالى. قال بعض المفسرين: الإرادة ماهية يجدها العاقل من نفسه ويدرك التفرقة البديهية بينها وبينعلمه وقدرته ولذته وألمه. وقال المتكلمون: إنها صفة تقتضي رجحان طرفي الجائز على الآخر في الإيقاع، لا في الوقوع، واحترزبهذا القيد الأخير من القدرة. وأهل السنة يعتقدون أن الله مريد بإرادة واحدة أزلية موجودة بذاته، والقدرية المعتزلة والنجارية والجهميةوبعض الرافضة نفوا الصفات التي أثبتها أهل السنة، والبهشمية والبصريون من المعتزلة يقولون بحدوث إرادة الله تعالى لا في محل،والكرّامية تقول بحدوثها فيه تعالى، وإنها إرادات كثيرة، وأكثرهم زعموا مع القول بالحدوث أنه يستحيل فيها العدم، ومنهم من قاليجوز عدمها، وهذه المسألة يبحث فيها في أصول الدين. وانتصاب مثلاً على التمييز عند البصريين، أي من مثل، وأجاز بعضهمنصبه على الحال من اسم الإشارة، أي متمثلاً به، والعامل فيه اسم الإشارة، وهو كقولك: لمن حمل سلاحاً رديئاً، ماذاأردت بهذا سلاحاً، فنصبه من وجهين: التمييز والحال من اسم الإشارة. وأجاز بعضهم أن يكون حالاً من الله تعالى، أيمتمثلاً. وأجاز الكوفيون أن يكون منصوباً على القطع، ومعنى هذا أنه كان يجوز أن يعرب بإعراب الاسم الذي قبله، فإذالم تتبعه في الإعراب وقطعته عنه نصب على القطع، وجعلوا من ذلك.

وعـاليـن قنوانـا مـن البسـر أحمـرا

فأحمر عندهم منصفات البسر، إلا أنه لما قطعته عن إعرابه نصبته على القطع وكان أصله من البسر الأحمر، كذلك قالوا: ما أرادالله بهذا المثل. فلما لم يجر على إعراب هذا، انتصب مثلاً على القطع، وإذا قلت: عبد الله في الحمام عرياناً،ويجيء زيد راكباً، فهذا ونحوه منصوب على القطع عند الكسائي. وفرق الفراء فزعم أن ما كان فيما قبله دليل عليهفهو المنصوب على القطع، ومـالاً فمنصوب على الحال، وهذا كله عند البصريين منصوب على الحال، ولم يثبت البصريون النصب علىالقطع. والاستدلال على بطلان ما ذهب إليه الكوفيون مذكور في مبسوطات النحور، المختار انتصاب مثل على التمييز، وجاء على معنىالتوكيد لأنه من حيث أشير إليه علم أنه مثل، فجاء التمييز بعده مؤكداً للاسم الذي أشير إليه. يضلّ بهكثيراً ويهدي به كثيراً}: جملتان مستأنفتان جاريتان مجرى البيان والتفسير للجملتين السابقتين المصدرتين بإما، ووصف تعالى العالمين بأنه الحق، والسائلينعنه سؤال استهزاء بالكثرة، وإن كان قد قال تعالى:

{ وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ }

{ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات }

وقليلمّا هم، فلا تنافي بينهما لأن الكثرة والقلة أمران نسبيان، فالمهتدون في أنفسهم كثير، وإذا وصفوا بالقلة فبالنسبة إلى أهلالضلال، أو تكون الكثرة بالنسبة إلى الحقيقة، والقلة بالنسبة إلى الأشخاص، فسموا كثيراً ذهاباً إلى الحقيقة، كما قال الشاعر:

إن الكرام كثير في البلاد وإن قلوا كما غيرهم قلوا وإن كثروا

واختار بعض المعربين والمفسرين أنيكون قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } في موضع الصفة لمثل، وكان المعنى: {مَاذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَامَثَلاً } يفرق به الناس إلى ضلال وإلى هداية، فعلى هذا يكون من كلام الذين كفروا. وهذا الوجه ليس بظاهر،لأن الذي ذكر أنّ الله لا يستحي منه هو ضرب مثل مّا، أي مثل: كان بعوضة، أو ما فوقها، والذينكفروا إنما سألوا سؤال استهزاء وليسوا معترفين بأن هذا المثل {يُضِلُّ ٱللَّهُ * بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا }، إلاأن ضمن معنى الكلام أن ذلك على حسب اعتقادكم وزعمكم أيها المؤمنون فيمكن ذلك، ولكن كونه إخباراً من الله تعالىهو الظاهر، وإسناد الضلال إلى الله تعالى إسناد حقيقي كما أن إسناد الهداية كذلك، فهو خالق الضلال والهداية، وقد تؤولهنا الإضلال بالإضلال عن طريق الجنة، والإضلال عن الدين في اللغة هو الدعاء إلى تقبيح الدين وتركه، وهو الإضلال المضافإلى الشيطان، والإضلال بهذا المعنى منتف عن الله بالإجماع. والزمخشري على طريقته الاعتزالية يقول: إسناد الضلال إلى الله تعالى إسنادإلى السبب، لأنه لما ضرب به المثل فضل به قوم واهتدى به قوم تسبب لضلالهم وهداهم. وقيل: يضل بمعنى يعذب،كقوله تعالى:

{ إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ }

، قاله بعض المعتزلة، وردّ القفال هذا وقال: بل المراد في الشاهد فيضلال عن الحق وجوز ابن عطية أن يكون قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا } من كلام الكفار، ويكون قوله: {وَيَهْدِي بِهِكَثِيرًا } إلى آخر الآية، من كلام الله تعالى. وهذا الذي جوزه ليس بظاهر لأنه إلباس في التركيب، لأن الكلامإما أن يجري على أنه من كلام الكفار، أو يجري على أنه من كلام الله. وإما أن يجري بعضه علىأنه من كلام الكفار وبعضه من كلام الله تعالى من غير دليل على ذلك فإنه يكون إلباساً في التركيب، وكتابالله منزه عنه. وقرأ زيد بن علي: يضلّ به كثير ويهدي به كثير وما يضلّ به إلا الفاسقون، فيالثلاثة على البناء للمفعول. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة، في الثلاثة على البناء للفاعل الظاهر، مفتوح حرف المضارعة. قال عثمانبن سعيد الصيرفي: هذه قراءة القدرية. وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: يضلّ بضمّ الياء في الأول، وما يضلّ بهبفتح الياء، والفاسقون بالواو، وكذا أيضاً في القراءتين السابقتين، وهي قراءات متجهة إلى أنها مخالفة للمصحف المجمع عليه. والظاهر أنالضمير في به في الثلاثة عائد على مثلاً، وهو على حذف المضاف، أي يضرب المثل. وقيل: الضمير في به منقوله: {يُضِلُّ بِهِ }، أي بالتكذيب في به من قوله: {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا }، أي بالتصديق. ودلّ على ذلك قوةالكلام في قوله تعالى: {فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا ٱلَّذِينَ } {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ }. ومعنى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّٱلْفَـٰسِقِينَ }، أي: وما يكون ذلك سبباً للضلالة إلا عند من خرج عن الحق. وقال بعض أهل العلم: معنى يضلّويهدي: الزيادة في الضلال والهدى، لا أن ضرب المثل سبب للضلالة والهدى، فعلى هذا يكون التقدير: نزيد من لم يصدقبه وكفر ضلالاً على ضلالة، ومن آمن به وصدق إيماناً على إيمانه. والفاسقين: مفعول يضلّ لأنه استثناء مفرغ، ومنع أبوالبقاء أن يكون منصوباً على الاستثناء. ويكون مفعول يضل محذوفاً تقديره: وما يضل به أحداً إلا الفاسقين، وليس بممتنع، وذلكأن الاسم بعد إلا: إما أن يفرغ له العامل، فيكون على حسب العامل نحو: ما قام إلا زيد، وما ضربتإلا زيداً، وما مررت إلا بزيد، إذا جعلت زيداً وبزيد معمولاً للعامل قبل لا، أو لا يفرغ. وإذا لم يفرغ،فأما أن يكون العامل طالباً مرفوعاً، فلا يجوز إلا ذكره قبل إلا، وإضماره إن كان مما يضمر، أو منصوباً، أومجروراً، فيجوز حذفه لأنه فضلة وإتيانه. فإن حذفته كان الاسم الذي بعد إلا منصوباً على الاستثناء فتقول: ما ضربت إلازيداً، تريد ما ضربت أحداً إلا زيداً، وما مررت إلا عمراً، تريد ما ضربت أحداً إلا زيداً، وما مررت إلاعمراً، قال الشاعر:

نجا سالم والنفس منه بشدقه ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا

يريد ولم ينج بشيء إلا جفن سيف، وإن أثبته، ولم يحذفه، فله أحكام مذكورة. فعلى هذا الذي قد قعده النحويونيجوز في الفاسقين أن يكون معمولاً ليضل، ويكون من الاستثناء المفرغ، ويجوز أن يكون منصوباً على الاستثناء، ويكون معمول يضلقد حذف لفهم المعنى، والفاسق هو الخارج من طاعة الله تعالى. فتارة يكون ذلك بكفر وتارة يكون بعصيان غير الكفر.قال الزمخشري: الفاسق في الشريعة: الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة، وهو النازل بين المنزلتين، أي بين منزلة المؤمنوالكافر. وقالوا: إن أول من حد له هذا الحد أبو حذيفة واصل بن عطاء، رضي الله عنه وعن أشياعه. وكونهبين بين، أي حكمه حكم المؤمن في أنه يناكح، ويوارث، ويغسل، ويصلي عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، وهو كالكافر فيالذم، واللعن، والبراءة منه، واعتقاد عداوته، وأن لا تقبل شهادته. ومذهب مالك بن أنس والزيدية أن الصلاة لا تجزي خلفه،ويقال للخلفاء المردة من الكفار الفسقة، وقد جاء الاستعمالان في كتاب الله تعالى:

{ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلاْيمَانِ } ، يريداللمز والتنابز، { إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ الْفَـٰسِقُونَ } ، انتهى كلام الزمخشري. وهو جار على مذهبه الاعتزالي، والذي عليه سلف هذه الأمة:أن من كان مؤمناً وفسق بمعصية دون الكفر، فإنه فاسق بفسقه مؤمن بإيمانه، وأنه لم يخرج بفسقه عن ازيمان، ولابلغ حد الكفر. وذهبت الخوارج إلى أن من عصى وأذنب ذنباً فقد كفر بعد إيمانه. ومنهم من قال: من أذنببعد الإيمان فقد أشرك. ومنهم من قال: كل معصية نفاق، وإن حكم القاضي بعد التصديق أنه منافق. وذهبت المعتزلة إلىما ذكره الزمخشري، وذكر أن لأصل هذه المسألة سموا معتزلة، فإنهم اعتزلوا قول الأمة فيه، فإن الأمة كانوا على قولين،فأحدثوا قولاً ثالثاً فسموا معتزلة لذلك، وهذه المسألة مقررة في أصول الدين. {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ}: يحتمل النصب والرفع. فالنصب من وجهين: إما على الاتباع، وإما على القطع، أي أذم الذين. والرفع من وجهين: إماعلى القطع، أي هم الذين، وإما على الابتداء، ويكون الخبر الجملة من قوله: {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ }. وعلى هذا الإعرابتكون هذه الجملة كأنها كلام مستأنف، لا تعلق لها بما قبلها إلا على بعد، فالأولى من هذا الإعراب الأعاريب التيذكرناها وأولاها الاتباع، وتكون هذه الصفة صفة ذم، وهي لازمة، إذ كل فاسق ينقض العهد ويقطع ما أمر الله بوصله.واختلفوا في تفسير العهد على أقوال: أحدها: أنه وصية الله إلى خلقه، وأمره لهم بطاعته، ونهيه لهم عن معصيته فيكتبه المنزلة وعلى ألسنة أنبيائه المرسلة، ونقضهم له تركهم العمل به. الثاني: أنه العهد الذي أخذه الله عليهم حين أخرجهممن أصلاب آبائهم في قوله: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ } الآية، ونقضهم له كفر، بعضهم بربوبيته، وبعضهم بحقوق نعمته. الثالث: ماأخذه الله عليهم في الكتب المنزلة من الإقرار بتوحيده والاعتراف بنعمه والتصديق لأنبيائه ورسله، وبما جاؤوا به في قوله: { وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ }الآية، ونقضهم له نبذه وراء ظهورهم، وتبديل ما في كتبهم من وصفهﷺ. الرابع: ما أخذه الله تعالى على الأنبياء ومتبعيهم أن لا يكفروا بالله ولا بالنبي صلى اللهعليه وسلم، وأن ينصروه ويعظموه في قوله تعالى: { وَإِذَا * وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ لَمَا آتيتكم } الآية، ونقضهم لهإنكارهم لنبوته وتغييرهم لصفته. الخامس: إيمانهم به ﷺ ورسالته قبل بعثه ونقضهم له جحدهم لنبوته ولصفته. السادس:ما جعله في عقولهم من الحجة على توحيده وتصديق رسوله، بالنظر في المعجزات الدالة على إعجاز القرآن وصدقه ونبوة محمدﷺ، ونقضهم هو تركهم النظر في ذلك وتقليدهم لآبائهم. السابع: الأمانة المعروضة على السموات والأرض التي حملهاالإنسان، ونقضهم تركهم القيام بحقوقها. الثامن: ما أخذه عليهم من أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، ونقضهمعودهم إلى ما نهوا عنه، وهذا القول يدل على أن المخاطب بذلك بنو إسرائيل. التاسع: هو الإيمان والتزام الشرائع، ونقضهكفره بعد الإيمان. وهذه الأقوال التسعة منها ما يدل على العموم في كل ناقض للعهد، ومنها ما يدل علىأن المخاطب قوم مخصوصون، وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف الذي وقع في سبب النزول، والعموم هو الظاهر. فكل من نقضعهد الله من مسلم وكافر ومنافق أو مشرك أو كتابي تناوله هذا الذم، ومن متعلقة بقوله ينقضون، وهي لابتداء الغاية،ويدل على أن النقض حصل عقيب توثق العهد من غير فصل بينهما، وفي ذلك دليل على عدم اكتراثهم بالعهد، فإثرما استوثق الله منهم نقضوه. وقيل: من زائدة وهو بعيد، والميثاق مفعول من الوثاقة، وهو الشدّ في العقد، وقد ذكرناأنه العهد المؤكد باليمين. وليس المعنى هنا على ذلك، وإنما كنى به عن الالتزام والقبول. قال أبو محمد بن عطية:هو اسم في موضع المصدر، كما قال عمرو بن شييم:

أكفراً بعد رد الموت عني وبعد عطائك المائة الرتاعا

أراد بعد إعطائك، انتهى كلامك. ولا يتعين ما ذكر، بل قد أجاز الزمخشري أن يكونبعد التوثقة، كما أن الميعاد بمعنى الوعد، والميلاد بمعنى الولادة، وظاهر كلام الزمخشري أن يكون مصدراً، والأصل في مفعال أنيكون وصفاً نحو: مطعام ومسقام ومذكار. وقد طالعت كلام أبي العباس بن الحاج، وكلام أبي عبد الله بن مالك، وهمامن أوعب الناس لأبنية المصادر، فلم يذكرا مفعالاً في أبنية المصادر. والضمير في ميثاقه عائد على العهد لأنه المحدث عنه،وأجيز أن يكون عائداً على الله تعالى، أي من توثيقه عليهم، أو من بعد ما وثق به عهده على اختلافالتأويلين في الميثاق. قال أبو البقاء: أن أعدت الهاء على اسم الله كان المصدر مضافاً إلى الفاعل، وإن أعدتها إلىالعهد كان مضافاً إلى المفعول، وهذا يدل على أن الميثاق عنده مصدر. {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}: وما موصولة بمعنى الذي، وفيه خمسة أقوال: أحدها: أنه رسول الله ﷺ، قطعوه بالتكذيب والعصيان، قالهالحسن وفيه ضعف، إذ لو كان كما قال لكان من مكان ما. الثاني: القول: أمر الله أن يوصل بالعمل فقطعوابينهما، قالوا: ولم يعملوا، يشير إلى أنها نزلت في المنافقين { يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ . الثالث: التصديق بالأنبياء،أمروا بوصله فقطعوه بتكذيب بعض وتصديق بعض. الرابع: الرحم والقرابة، قاله قتادة، وهذا يدل على أنه أراد كفار قريش ومنأشبههم. الخامس: أنه على العموم في كل ما أمر الله به أن يوصل، وهذا هو الأوجه، لأن فيه حمل اللفظعلى مدلوله من العموم، ولا دليل واضح على الخصوص. وأجاز أبو البقاء أن تكون ما نكرة موصوفة، وقد بيناضعف القول بأن ما تكون موصوفة خصوصاً هنا، إذ يصير المعنى: ويقطعون شيئاً أمر الله به أن يوصل، فهو مطلقولا يقع الذم البليغ والحكم بالفسق والخسران بفعل مطلق ما، والأمر هو استدعاء الأعلى من الفعل من الأدنى، قال الزمخشري:وبعثه عليه، وهي نكتة اعتزالية لطيفة، قال: وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور، لأن الداعي الذي يدعو إليه منلا يتولاه شبه بآمر يأمره به، فقيل له: أمر تسمية للمفعول به بالمصدر كأنه مأمور به، كما قيل له: شأن،والشأن الطلب والقصد، يقال شأنت شأنه، أي قصدت قصده، وأمر يتعدى إلى اثنين، والأول محذوف لفهم المعنى، أي ما أمرالله به، وأن يوصل في موضع جر بدل من الضمير في به تقديره به وصله، أي ما أمرهم الله بوصله،نحو قول الشاعر:

أمن ذكر سلمى أن نأتك تنوص فتقصر عنها حقبة وتبوص

أي أمن ذكرسلمى نأيها. وأجاز المهدوي وابن عطية وأبو البقاء أن تكون أن يوصل في موضع نصب بدلاً من ما، أيوصله، والتقدير: ويقطعون وصل ما أمر الله به. وأجاز المهدوي وابن عطية أن تكون في موضع نصب مفعولاً من أجله،وقدره المهدوي كراهية أن يوصل، فيكون الحامل على القطع لما أمر الله كراهية أن يوصل. وحكى أبو البقاء وجه المفعولمن أجله وقدره لئلا، وأجاز أبو البقاء أن يكون أن يوصل في موضع رفع، أي هو أن يوصل. وهذه الأعاريبكلها ضعيفة، ولولا شهرة قائلها لضربت عن ذكرها صفحاً. والأول الذي اخترناه هو الذي ينبغي أن يحمل عليه كلام اللهوسواه من الأعاريب، بعيد عن فصيح الكلام له أفصح الكلام وهو كلام الله. {وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلاْرْضِ }، فيه أربعةأقوال: أحدها: استدعاؤهم إلى الكفر، والترغيب فيه، وحمل الناس عليه. الثاني: إخافتهم السبيل، وقطعهم الطريق على من هاجر إلى النبيﷺ وغيرهم. الثالث: نقض العهد. الرابع: كل معصية تعدى ضررها إلى غير فاعلها. وقال ابن عطية: يعبدونغير الله، ويجوزون في الأفعال، إذ هي بحسب شهواتهم، وهذا قريب من القول الرابع. وقد تقدّم ما معنى في الأرض،والتنبيه على ذكر الأرض، عند الكلام على قوله: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلارْضِ } ، فأغنى عن إعادته هنا.وقد تضمنت هذه الآية الكبيرة نوعاً من البديع يسميه أرباب البيان: بالطباق. وقد تقدّم شيء منه، وهو أن تأتي بالشيءوضدّه، ووقع هنا في قوله تعالى: {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا }، فإنهما دليلان على الحقير والكبير، وفي قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ}، {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }، وفي قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا * وَفِى * قَوْلُهُ * يَنقُضُونَعَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ }، وفي قوله: {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل. وجاء في هذه الثلاثة الأخيرةمناسبة الطباق، وهو أن كل أول منها كائن بعد مقابله، فالضلال بعد الهداية لقوله: كل مولود يولد على الفطرة، ولدخولأولاد الذين كفروا الجنة إذا ماتوا قبل البلوغ، والنقض بعد التوثقة، والقطع بعد الوصل. فهذه ثلاثة تناسبت في الطباق. وفيوصل الذين بالمضارع وعطف المضارعين عليه دليل على تجدد النقض والقطع والإفساد، وإشعار أيضاً بالديمومة، وهو أبلغ في الذم، وبناءيوصل للمفعول هو أبلغ من بنائه للفاعل، لأنه يشمل ما أمر الله بأن يصلوه أو يصله غيرهم. وترتيب هذهالصلات في غاية من الحسن، لأنه قد بدأ أولاً بنقض العهد، وهو أخص هذه الثلاث، ثم ثنى بقطع ما أمرالله بوصله، وهو أعم من نقض العهد وغيره، ثم أتى ثالثاً بالإفساد الذي هو أعم من القطع، وكلها ثمرات الفسق،وأتى باسم الفاعل صلة للألف واللام ليدل على ثبوتهم في هذه الصفة، فيكون وصف الفسق لهم ثابتاً، وتكون النتائج عنهمتجدّدة متكررة، فيكون الذم لهم أبلغ لجمعهم بين ثبوت الأصل وتجدّد فروعه ونتائجه، ولما ذكر أوصاف الفاسقين أشار إليهم بقوله:{أولئك}، أي: أولئك الجامعون لتلك الأوصاف الذميمة من النقض والقطع والإفساد. {هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ }: وفسر الخاسرون بالناقصين حظوظهم وشرفهم،وبالهالكين، وسبب خسرانهم استبدالهم النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والإفساد بالإصلاح، وعقابها بالثواب، وقيل: الخاسرون المغبونون بفوت المثوبة ولزوم العقوبة وقيل:خسروا نعيم الآخرة، وقيل: خسروا حسناتهم التي عملوها، أحبطوها بكفرهم. والآية في اليهود، ولهم أعمال في شريعتهم وفي المنافقين، وهميعملون في الظاهر عمل المخلصين. قال القفال: الخاسر اسم عام يقع على كل من عمل عملاً يجزى عليه. {كَيْفَ }:قد تقدم أنه اسم استفهام عن حال، وصحيه معنى التقرير والتوبيخ، فخرج عن حقيقة الاستفهام. وقيل: صحبه الإنكار والتعجب، أيإن من كان بهذه المثابة من القدرة الباهرة والتصرف التام والمرجع إليه آخراً فيثيب ويعاقب، لا يليق أن يكفر به.والإنكار بالهمزة إنكار لذات الفعل، وبكيف إنكار لحاله وإنكار حاله إنكار لذاته، لأن ذاته لا تخلو من حال يقع فيها،فاستلزم إنكار الحال إنكار الذات ضرورة، وهو أبلغ، إذ يصير ذلك من باب الكناية حيث قصد إنكار الحال، والمقصود إنكاروقوع ذات الكفر. قال الزمخشري: وتحريره أنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها، وقد علم أن كل موجودلا ينفك من حال وصفة عند وجوده، ومحال أن يوجد تغير صفة من الصفات، كان إنكاراً لوجوده على الطريق البرهاني،انتهى كلامه. وهذا الخطاب فيه التفات، لأن الكلام قبل كان بصورة الغيبة، ألا ترى إلى قوله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} إلى آخره؟ وفائدة هذا الالتفات أن الإنكار إذا توجه إلى المخاطب كان أبلغ من توجهه إلى الغائب لجواز أنلا يصله الإنكار، بخلاف من كان مخاطباً، فإن الإنكار عليه أردع له عن أن يقع فيما أنكر عليه. والناصب لـ{كَيْفَتَكْفُرُونَ }. وأتى بصيغة تكفرون مضارعاً ولم يأت به ماضياً وإن كان الكفر قد وقع منهم، لأن الذي أنكر أوتعجب منه الدوام على ذلك، والمضارع هو المشعر به ولئلا يكون ذلك توبيخاً لمن وقع منه الكفر ثم آمن، إذلو جاء كيف كفرتم {بِٱللَّهِ } لاندرج في ذلك من كفرتم آمن كأكثر الصحابة رضي الله عنهم. والواو في قوله:{وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ }: واو الحال، نحو قوله تعالى:{ وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ * أُمُّهُ }

{ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ } . قال الزمخشري: فإن قلت فكيف صح أن يكون حالاً، وهو ماض؟ ولا يقال: جئت وقامالأمير، ولكن: وقد قام، إلا أن يضمر قد. قلت: لم تدخل الواو على كنتم أمواتاً وحده، ولكن على جملة قوله:كنتم أمواتاً إلي ترجعون، كأنه قيل: كيف تكفرون بالله وقصتكم هذه وحالكم أنكم كنتم أمواتاً نطفاً في أصلاب آبائكم فجعلكمأحياء؟ {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } بعد هذه الحياة؟ {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } بعد الموت ثم يحاسبكم؟ انتهى كلامه. ونحن نقول: إنه علىإضمار قد، كما ذهب إليه أكثر الناس، أي وقد كنتم أمواتاً فأحياكم. والجملة الحالية عندنا فعلية. وأما أن نتكلف ونجعلتلك الجملة اسمية حتى نفر من إضمار قد، فلا نذهب إلى ذلك، وإنما حمل الزمخشري على ذلك اعتقاده أن جميعالجمل مندرجة في الحال، ولذلك قال: فإن قلت، بعض القصة ماض وبعضها مستقبل، والماضي والمستقبل كلاهما لا يصح أن يقعحالاً حتى يكون فعلاً حاضراً وقت وجود ما هو حال عنه، فما الحاضر الذي وقع حالاً؟ قلت: هو العلم بالقصة،كأنه قيل: كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصة، وبأولها وبآخرها؟ انتهى كلامه. ولا يتعين أن تكون جميع الجمل مندرجةفي الحال، إذ يحتمل أن يكون الحال قوله: وكنتم أمواتاً فأحياكم، ويكون المعنى كيف تكفرون بالله وقد خلقكم فعبر عنالخلق بقوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ }، ونظيره قوله ﷺ: أن تجعل لله نداً وهو خلقك أيأن من أوجدك بعد العدم الصرف حر أن لا تكفر به، لأنه لا نعمة أعظم من نعمة الاختراع، ثم نعمةالاصطناع، وقد شمل النعمتين قوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُم} لأن بالإحياء حصلتا. ألا ترى أنها تضمنت الجملة الإيجاد والإحسان إليكبالتربية والنعم إلى زمان أن توجه عليك إنكار الكفر؟ ولما كان مركوزاً في الطباع ومخلوقاً في العقول أن لا خالقإلا الله،

{ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } ، كانت حالاً تقتضي أن لا تجامع الكفر، فلا يحتاج إلى تكلف.إن الحال هو العلم بهذه الجملة. وعلى هذا الذي شرحناه يكون قوله تعالى: {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِتُرْجَعُونَ } جملاً أخبر الله تعالى بها مستأنفة لا داخلة تحت الحال، ولذل كغاير فيها بحرف العطف وبصيغة الفعل عماقبلها من الحرف والصيغة. ومن جعل العلم بمضمون هذه الجمل هو الحال، جعل تمكنهم من العلم بالإحياء الثاني والرجوع لمانصب على ذلك من الدلائل التي توصل إليه بمنزلة حصول العلم. فحصوله بالإماتتين والإحياء الأول، وكثير من الناس علموا ثمعاندوا، وفي ترتيب هاتين الموتتين والحياتين اللاتي ذكر الله تعالى وامتن عليها بها أقوال: الأول: أن الموت الأول: العدم السابققبل الخلق، والإحياء الأول: الخلق، والموت الثاني: المعهود في دار الدنيا، والحياة الثانية: البعث للقيامة، قاله ابن مسعود وابن عباسومجاهد. الثاني: أن الموت الأول: المعهود في الدنيا، والإحياء الأول: هو في القبر للمسألة، والموت الثاني: في القبر بعد المسألة،والإحياء الثاني: البعث، قاله ابن عباس وأبو صالح. الثالث: أن الموت الأول: كونهم في أصلاب آبائهم، والإحياء الأول: الإخراج منبطون الأمهات، والموت الثاني: المعهود، والإحياء الثاني: البعث، قاله قتادة. الرابع: أن الموت الأول: هو الذي اعتقب إخراجهم من صلبآدم نسماً كالذر، والإحياء الأول: إخراجهم من بطون أمهاتهم، والموت الثاني: المعهود، والإحياء: البعث، قاله ابن زيد. الخامس: أن الموتالأول: مفارقة نطفة الرجل إلى الرحم فهي ميتة إلى نفخ الروح فيحييها بالنفخ، والموت الثاني: المعهود، والإحياء الثاني: البعث. السادس:أن الموت الأول هو الخمول، والإحياء الأول: الذكر والشرف بهذا الدين والنبي الذي جاءكم، والموت الثاني: المعهود، والإحياء الثاني: البعث،قاله ابن عباس. السابع: أن الموت الأول: كون آدم من طين، والإحياء الأول: نفخ الروح فيه فحييتم بحياته، والموت الثاني:المعهود، والإحياء الثاني: البعث. واختار ابن عطية القول الأول وقال: هو أولى الأقوال، لأنه لا محيد للكفار عن الإقراربه في أول ترتيبه، ثم إن قوله: وكنتم أمواتاً، وإسناده آخراً الإماتة إليه، مما يقوي ذلك القول، وإذا أذعنت نفوسالكفار لكونهم أمواتاً معدومين ثم للإحياء في الدنيا ثم للإماتة فيها، قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر وجاء جحدهم له دعوىلا حجة عليها. انتهى كلامه، وهو كلام حسن. وللمنسوبين إلى علم الحقائق أقوال تخالف ما تقدم: أحدها: أمواتاً بالشركفأحياكم بالتوحيد. الثاني: أمواتاً بالجهل فأحياكم بالعلم. الثالث: أمواتاً بالاختلاف فأحياكم بالائتلاف. الرابع: أمواتاً بحياة نفوسكم وإماتتكم بإماتة نفوسكم وإحياءقلوبكم. الخامس: أمواتاً عنه فأحياكم به، قاله الشبلي. السادس: أمواتاً بالظواهر فأحياكم بمكاشفة السرائر، قاله ابن عطاء. السابع: أمواتاً بشهودكمفأحياكم بمشاهدته ثم يميتكم عن شواهدكم ثم يحييكم بقيام الحق عنه ثم إليه ترجعون من جميع ما لكم، قاله ابنفارس. واختار الزمخشري: أن الموت الأول كونهم نطفاً في أصلاب آبائهم فجعلهم أحياء، ثم يميتهم بعد هذه الحياة، ثميحييهم بعد الموت، ثم يحاسبهم. وجوز أيضاً أن يكون المراد بالإحياء الثاني: الإحياء في القبر، وبالرجوع: النشور، وأن يراد بالإحياءالثاني أيضاً النشور، وبالرجوع: المصير إلى الجزاء. وهذا الذي جوز أن يراد به الإحياء في القبر لا يفهم منه أنهيحيا للمسألة في القبر، ولا لأن ينعم فيه أو يعذب لأنه ليس مذهبه، لأن المعتزلة وأتباعهم أنكروا عذاب القبر، وأهلالسنة والكرامية أثبتوه بلا خلاف بينهم، إلا أن أهل السنة يقولون: يحيا الميت الكافر فيعذب في قبره، والفاسق يجوز أنيعذب في قبره، والكرامية تقول: يعذب وهو ميت. والأحاديث الصحيحة قد استفاضت بعذاب القبر، فوجب القول به واعتقاده. واختارصاحب المنتخب أن المراد بقوله: أمواتاً أي تراباً ونطفاً، لأن ابتداء خلق آدم من التراب، وخلق سائر المكلفين من أولاده،إلا عيسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، من النطف. قال: واختلفوا، فالأكثرون على أن إطلاق اسم الميت على الجمادمجاز، لأن الميت من يحله الموت، ولا بد أن يكون بصفة من يجوز أن يكون حياً في العادة، والقول بأنهحقيقة في الجماد مروي عن قتادة، انتهى كلامه. وتفسيره الأموات بالتراب والنطف لا يظهر ذلك في التراب، لأن المخلوق منالتراب لم يتصف بالصفة التي أنكرت أو تعجب منها وقتاً قط، فكيف يندرج في قوله: {وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا }؟ والذي نختارهأن كونهم أمواتاً، ومن وقت استقرارهم نطفاً في الأرحام إلى تمام الأطوار بعدها، وأن الحياة الأولى نفخ الروح بعد تلكالأطوار من النطفة والعلقة والمضغة واكتساء العظام لحماً. والإماتة الثانية هي المعهودة، والإحياء هو البعث بعد الموت. ويكون الإحياء الأولوالموت الأول، والإحياء الثاني حقيقة، وأما كونهم أمواتاً، فمن ذهب إلى أن الجماد يوصف بالموت حقيقة فيكون إذ ذاك حقيقة،ومن ذهب إلى المجاز فهو مجاز سائغ قريب، لأنه على كل حال موجود، فقرب اتصافه بالموت، بخلاف من زعم أنهأريد به كونه معدوماً وكونه في الصلب. أو حين كان آدم طيناً، فإن المجاز في ذلك بعيد لأن ذلك عدمصرف، والعدم الذي لم يسبقه وجود يبعد فيه أن يسمى موتاً، ألا ترى ما أطلق عليه في اللفظ لفظ الموتمما لا تحله الحياة كيف يكون موجوداً لا عدماً صرفاً؟

{ وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلاْرْضُ ٱلْمَيْتَةُ }

{ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاء ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ }

{ إِنَّ ٱلَّذِى أَحْيَـٰهَا لمحيي الموتى } { وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاء كُلَّ شَىْء حَىّ } ، وتقول العرب: أرض موات. وأماقول من ذهب إلى أن الموت الأول: هو الخمول، والإحياء الأول: هو التنويه والذكر، فمجاز بعيد هنا، لأنه متى أمكنالحمل على الحقيقة أو المجاز الحقيقة أو المجاز الغريب كان أولى. وقد أمكن ذلك بما ذكرناه، ثم أكثر تلكالأقاويل يبعد فيها التعقيب بالفاء في قوله: فأحياكم، لأن بين ذاك الموت والإحياء مدة طويلة، وعلى ما اخترناه تكون الفاءدالة على معناها من التعقيب. ومن قال: إن الموت الأول: هو المعهود، والإحياء الأول هو للمسألة، فيكون فيه الماضي قدوضع موضع المستقبل مجاز التحقق وقوعه، أي وتكونون أمواتاً فيحييكم، كقوله: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ }. وقد استدل بهذه الآية قومعلى نفي عذاب القبر، لأنه ذكر تعالى موتتين وحياتين، ولم يذكر حياة بين إحيائهم في الدنيا وإحيائهم في الآخرة. قالوا:ولا يجوز أن يستدل بقوله تعالى: { ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } ، لأنه من كلام الكفار، ولأن كثيراً من الناس أثبتواحياة الذر في صلب آدم. والجواب: أنه لا يلزم من عدم ذكر هذه الحياة للمسألة عدمها قبل وأيضاً، فيمكن أنيكون قوله: ثم يحييكم هو للمسألة، ولذلك قال: ثم إليه ترجعون، فعطف بثم التي تقتضي التراخي في الزمان. والرجوع إلىالله تعالى حاصل عقب الحياة التي للبعث، فدل ذلك على أن تلك الحياة المذكورة هي للمسألة. قال الحسن: ذكرالموت مرتين هنا لأكثر الناس، وأما بعضهم فقد أماتهم ثلاث مرات، { أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ }

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ }

{ فخذ أربعة من الطير } ، الآيات. وفي قوله تعالى: {فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} دليل علىاختصاصه تعالى بذلك، ودليل على النشر والحشر. والظاهر في قوله تعالى: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } أن الهاء عائدة على اللهسبحانه وتعالى، لأن الضمائر السابقة عائدة عليه تعالى، ويكون ذلك على حذف مضاف، أي إلى جزائه من ثواب أو عقاب.وقيل: عائدة على الجزاء على الأعمال. وقيل: عائدة على الموضع الذي يتولى الله الحكم بينكم فيه. وقيل: عائدة على الإحياءالمدلول عليه بقوله: فأحياكم. وشرح هذا أنكم ترجعون بعد الحياة الثانية إلى الحال التي كنتم عليها في ابتداء الحياة الأولى،من كونكم لا تملكون لأنفسكم شيئاً. واستدلت المجسمة بقوله: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }، على أنه تعالى في مكان ولا حجةلهم في ذلك. وقرأ الجمهور: ترجعون مبنياً للمفعول من رجع المتعدي. وقرأ مجاهد، ويحيـى بن يعمر، وابن أبيإسحاق، وابن محيصن، والفياض بن غزوان، وسلام، ويعقوب: مبنياً للفاعل، حيث وقع في القرآن من رجع اللازم، لأن رجع يكونلازماً ومتعدياً. وقراءة الجمهور أفصح، لأن الإسناد في الأفعال السابقة هو إلى الله تعالى، {فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ }،فكان سياق هذا الإسناد أن يكون الفعل في الرجوع مسنداً إليه، لكنه كان يفوت تناسب الفواصل والمقاطع، إذ كان يكونالترتيب: { ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } ، فحذف الفاعل للعلم به وبنى الفعل للمفعول حتى لا يفوت التناسب اللفظي. وقد حصل التناسبالمعنوي بحذف الفاعل، إذ هو وقبل البناء للمفعول مبني للفاعل. وأما قراءة مجاهد، ومن ذكر معه، فإنه يفوت التناسب المعنوي،إذ لا يلزم من رجوع الشخص إلى شيء أن غيره رجعه إليه، إذ قد يرجع بنفسه من غير رادّ. والمقصودهنا إظهار القدرة والتصرف التام بنسبة الإحياء والإماتة، والإحياء والرجوع إليه تعالى، وإن كنا نعلم أن الله تعالى هو فاعلالأشياء جميعها. وفي قوله تعالى: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } من الترهيب والترغيب ما يزيد المسيء خشية ويرده عن بعض مايرتكبه، ويزيد المحسن رغبة في الخير ويدعوه رجاؤه إلى الازدياد من الإحسان، وفيها رد على الدهرية والمعطلة ومنكري البعث، إذهو بيده الإحياء والإماتة والبعث وإليه يرجع الأمر كله. {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلاْرْضِ جَمِيعاً }: مناسبةهذه الآية لما قبلها ظاهرة، وهو أنه لما ذكر أن من كان منشئاً لكم بعد العدم ومفنياً لكم بعد الوجودوموجداً لكم ثانية، إما في جنة، وإما إلى نار، كان جديراً أن يعبد ولا يجحد، ويشكر ولا يكفر. ثم أخذيذكرهم عظيم إحسانه وجزيل امتنانه من خلق جميع ما في الأرض لهم، وعظيم قدرته وتصرفه في العالم العلوي، وأن العالمالعلوي والعالم السفلي بالنسبة إلى قدرته على السواء، وأنه عليم بكل شيء. ولفظة هو من المضمرات وضع للمفرد المذكر الغائب،وهو كلي في الوضع كسائر المضمرات، جرى في النسبة المخصوصة حالة الاستعمال، فما من مفرد مذكر غائب إلا ويصح أنيطلق عليه هو، ولكن إذا أسند لهذا الاسم شيء تعين. ومشهور لغات العرب تخفيف الواو مفتوحة، وشددتها همدان، وسكنتها أسدوقيس، وحذف الواو مختص بالشعر. ولهؤلاء المنسوبين إلى علم الحقائق وإلى التصوف كلام غريب بالنسبة لمعقولنا، رأيت أن أذكره هناليقع الذكر فيه. قالوا: أسماء الله تعالى على ثلاثة أقسام: مظهرات، ومضمرات، ومستترات. فالمظهرات: أسماء ذات، وأسماء صفات، وهذهكلها مشتقة، وأسماء الذات مشتقة وهي كثيرة، وغير المشتق واحد وهو الله. وقد قيل: إنه مشتق، والذي ينبغي اعتقاده أنهغير مشتق، بل اسم مرتجل دال على الذات. وأما المضمرات فأربعة: أنا في مثل: { ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ } ،وأنت في مثل: { لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ } ، وهو في مثل: { هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم }، ونحن في مثل: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ } . قالوا: فإذا تقرر هذا فالله أعظم أسمائه المظهرات الدالة على الذات، ولفظة هو من أعظم أسمائهالمظهرات والمضمرات للدلالة على ذاته، لأن أسماءه المشتقة كلها لفظها متضمن جواز الاشتراك لاجتماعهما في الوصف الخاص، ولا يمنع أنيكون أحد الوصفين حقيقة والآخر مجازاً من الاشتراك، وهو اسم من أسماء الله تعالى ينبىء عن كنه حقيقته المخصوصة المبرأةعن جميع جهات الكثرة من حيث هو هو. فلفظة هو توصلك إلى الحق وتقطعك عما سواه، فإنك لا بد أنيشرك مع النظر في معرفة ما يدل عليه الاسم المشتق النظر في معرفة المعنى الذي يشتق منه، وهذا الاسم لأجلدلالته على الذات ينقطع معه النظر إلى ما سواه، اختاره الجلة من المقربين مداراً لذكرهم ومناراً لكل أمرهم فقالوا: ياهو، لأن لفظة هو إشارة بعين المشار إليه بشرط أن لا يحضر هناك شيء سوى ذلك الواحد، والمقربون لا يخطرفي عقولهم وأرواحهم موجود آخر سوى الذي دلت عليه إشارته، وهو اسم مركب من حرفين وهما: الهاء والواو، والهاء أصلوالواو زائدة بدليل سقوطها في التثنية، والجمع في هما وهم، والأصل حرف واحد يدل على الواحد الفرد. انتهى ما نقلعن بعض من عاصرناه في هو بالنسبة إلى الله تعالى مقرراً لما ذكروه ومعتقداً لما حبروه. ولهم في لفظة أناوأنت وهو كلام غريب جداً بعيد عما تكلم عليها به أهل اللغة والعربية، وحديث هؤلاء المنتمين إلى هذه العلوم لميفتح لي فيه ببارقة، ولا ألممت فيه إلى الآن بغادية ولا طارقة، نسأل الله تعالى أن ينور بصائرنا بأنوار الهداية،وأن يجنبنا مسالك الغواية، وأن يلهمنا إلى طريق الصواب، وأن يرزقنا اتباع الأمرين النيرين: السنة والكتاب. ولكم: متعلق بخلق، واللام فيه، قيل: للسبب، أي لأجلكم ولانتفاعكم، وقدر بعضهم لاعتباركم. وقيل: للتمليك والإباحة، فيكون التمليك خاصاً، وهو تمليك ما ينتفعالخلق به وتدعو الضرورة إليه. وقيل: للاختصاص، وهو أعم من التمليك، والأحسن حملها على السبب فيكون مفعولاً من أجله لأنهبما في الأرض يحصل الانتفاع الديني والدنيوي. فالديني: النظر فيه وفيما فيه من عجائب الصنع ولطائف الخلق الدالة على قدرةالصانع وحكمته ومن التذكير بالآخرة والجزاء، وأما الدنيوي: فظاهر، وهو ما فيه من المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمركب والمناظر البهيةوغير ذلك. وقد استدل بقوله: {خَلَقَ لَكُمْ }، من ذهب إلى أن الأشياء قبل ورود الشرع على الإباحة، فلكل أحدأن ينتفع بها، وإذا احتمل أن يكون اللام لغير التمليك والإباحة، لم يكن في ذلك دليل على ما ذهبوا إليه.وقد ذهب قوم إلى أن الأشياء قبل ورود الشرع على الحظر، فلا يقدم على شيء إلا بإذن. وذهب قوم إلىأن الوقف لنا تعارض عندهم دليل القائلين بالإباحة، ودليل القائلين بالحظر قالوا بالوقف. وحكى أبو بكر بن فورك عن ابنالصائغ أنه قال: لم يخل العقل قط من السمع، فلا نازلة إلا وفيها سمع، أو لها تعلق به أثر لهاحال تستصحب، وإذا جعلنا اللام للسبب، فليس المعنى أن الله فعل شيئاً لسبب، لكنه لما فعل ما لو فعله غيرهلفعله لسبب أطلق عليه لفظ السبب واندرج تحت قوله: {مَّا فِى ٱلاْرْضِ جَمِيعاً }، جميع ما كانت الأرض مستقراً لهمن الحيوان والنبات والمعدن والجبال، وجميع ما كان بواسطة من الحرف والأمور المستنبطة. واستدل بعضهم بذلك على تحريم الطين، قال:لأنه خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض. وقد تقدم قبل هذا الإمتنان بجعل الأرض لنا فراشاً، وهناامتن بخلق ما فيها لنا وانتصب جميعاً على الحال من المخلوق، وهي حال مؤكدة لأن لفظة ما في الأرض عام،ومعنى جميعاً العموم. فهو مرادف من حيث المعنى للفظة كل كأنه قيل: ما في الأرض كله، ولا تدل على الاجتماعفي الزمان، وهذا هو الفارق بين معاً وجميعاً. وقد تقدم شيء من ذلك عند الكلام على مع، ومن زعم أنالمعنى بقوله: ما في الأرض، الأرض وما فيها، فهو بعيد عن مدلول اللفظ، لكنه تفسير معنى من هذا اللفظ، ومنقوله تعالى: { ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلاْرْضَ فِرَاشاً }، فانتظم من هذين الأرض وما فيها خلق الله ذلك لنا. وقال الزمخشري:إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء، كما تذكر السماء، ويراد بها الجهات العلوية، جاز ذلك، فإن الغبراء وما فيهاواقعة في الجهات السفلية. وقال بعض المنسوبين للحقائق: خلق لكم لبعد نعمه عليكم، فتقتضي الشكرمن نفسك لتطلب المزيد منه. وقالأبو عثمان وهب لك الكل وسخره لك لتستدل به على سعة جوده وتسكن إلى ما ضمنه لك من جزيل العطاءفي المعاد، ولا تستكثر كثير بره على قليل عملك، فإنه قد ابتدأك بعظيم النعم قبل العمل وقبل التوحيد. وقال ابنعطاء: خلق لكم ليكون الكون كله لك وتكون لله فلا تشتغل بما لك عما أنت له. وقال بعض البغداديين: أنعمعليك بها، فإن الخلق عبدة النعم لاستيلاء النعم عليهم، فمن ظهر للحضرة أسقط عنه المنعم رؤية النعم. وقال الثوري: أعلىمقامات أهل الحقائق الانقطاع عن العلائق: والعطف بثم يقتضي التراخي في الزمان، ولا زمان إذ ذاك، فقيل: أشار بثم إلىالتفاوت الحاصل بين خلق السماء والأرض في القدر، وقيل: لما كان بين خلق الأرض والسماء أعمال من جعل الرواسي والبركةفيها وتقدير الأقوات عطف بثم، إذ بين خلق الأرض والاستواء تراخ يدل على ذلك: { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلاْرْضَ فِى يَوْمَيْنِ } ، الآية. استوى أهل الحجاز على الفتح، ونجد على الإمالة. وقرىء في السبعة بهما، (وفي الاستواء هنا سبعةأقوال): أحدها: أقبل وعمد إلى خلقها وقصد من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر، وهو استعارة منقولهم: استوى إليه كالسهم المرسل، إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء، قال معناه الفراء، واختاره الزمخشري،وبين ما الذي استعير منه. الثاني: علا وارتفع من غير تكييف ولا تحديد، قاله الربيع بن أنس، والتقدير: علا أمرهوسلطانه، واختاره الطبري. الثالث: أن يكون إلى بمعنى على، أي استوى على السماء، أي تفرد بملكها ولم يجعلها كالأرض ملكاًلخلقه، ومن هذا المعنى قول الشاعر:

فلما علونا واستوينا عليهم تركناهم صرعى لنسر وكاسر

ومعنى هذا الاستيلاء كما قال الشاعر:

قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق

الرابع: أن المعنى تحول أمره إلى السماء واستقر فيها، والاستواء هو الاستقرار، فيكون ذلك على حذف مضاف، أيثم استوى أمره إلى السماء، أي استقر لأن أوامره وقضاياه تنزل إلى الأرض من السماء، قاله الحسن البصري. والخامس: أنالمعنى استوى بخلقه واختراعه إلى السماء، قاله ابن كيسان، ويؤول المعنى إلى القول الأول. السادس: أن المعنى كمل صنعه فيها،كما تقول: استوى الأمر، وهذا ينبو اللفظ عن الدلالة عليه. السابع: أن الضمير في استوى عائد على الدخان، وهذا بعيدجدًّا يبعده قوله تعالى: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَاء وَهِىَ دُخَانٌ } ، واختلاف الضمائر وعوده على غير مذكور، ولا يفسره سياقالكلام. وهذه التأويلات كلها فرار عما تقرر في العقول من أن الله تعالى يستحيل أن يتصف بالانتقال المعهود فيغيره تعالى، وأن يحل فيه حادث أو يحل هو في حادث، وسيأتي الكلام على الاستواء بالنسبة إلى العرش، إن شاءالله تعالى. ومعنى التسوية: تعديل خلقهن وتقويمه وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهن وتكميله من قولهم: درهم سواء، أيوازن كامل تام، أو جعلهن سواء من قوله: { إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أو تسوية سطوحها بالإملاس. والضمير في فسوّاهنعائد على السماء على أنها جمع سماوة، أو على أنه اسم جنس فيصدق إطلاقه على الفرد والجمع، ويكون مراداً بههنا الجمع. قال الزمخشري، والضمير في فسواهن ضمير مبهم. و{سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } تفسيره كقولهم: ربه رجلاً، انتهى كلامه. ومفهومه أنّهذا الضمير يعود على ما بعده، وهو مفسر به، فهو عائد على غير متقدّم الذكر. وهذا الذي يفسره ما بعده:منه ما يفسر بجملة، وهو ضمير الشأن أو القصة، وشرطها عند البصريين أن يصرح بجزأيها، ومنه ما يفسر بمفرد، أيغير جملة، وهو الضمير المرفوع بنعم وبئس وما جرى مجراهما. والضمير المجرور بربّ، والضمير المرفوع بأول المتنازعين على مذهب البصريين،والضمير المجعول خبره مفسراً له، والضمير الذي أبدل منه مفسره في إثبات هذا القسم الأخير خلاف، وذلك نحو: ضربتهم قومك،وهذا الذي ذكره الزمخشري ليس واحداً من هذه الضمائر التي سردناها، إلا أن تخيل فيه أن يكون سبع سموات بدلاًمنه ومفسراً له، وهو الذي يقتضيه تشبيه الزمخشري له بربه رجلاً، وأنه ضمير مبهم ليس عائداً على شيء قبله، لكنهذا يضعف بكون هذا التقدير يجعله غير مرتبط بما قبله ارتباطاً كلياً، إذ يكون الكلام قد تضمن أنه تعالى استوىعلى السماء، وأنه سوى سبع سموات عقيب استوائه السماء، فيكون قد أخبر بإخبارين: أحدهما استواؤه إلى السماء والآخر: تسويته سبعسموات. وظاهر الكلام أن الذي استوى إليه هو بعينه المستوي سبع سموات. وقد أعرب بعضهم سبع سموات بدلاً منالضمير على أن الضمير عائد على ما قبله، وهو إعراب صحيح، نحو: أخوك مررت به زيد، وأجازوا في سبع سمواتأن يكون منصوباً على المفعول به، والتقدير: فسوى منهن سبع سموات، وهذا ليس بجيد من حيث اللفظ ومن حيث المعنى.أما من حيث اللفظ فإن سوى ليس من باب اختار، فيجوز حذف حرف الجر منه في فصيح الكلام، وأما منحيث المعنى فلأنه يدل على أن الموات كثيرة، فسوى منهن سبعاً، والأمر ليس كذلك، إذ المعلوم أن السموات سبع. وأجازواأيضاً أن يكون مفعولاً ثانياً لسوى، ويكون معنى سوى: صير، وهذا ليس بجيد، لأن تعدى سوى لواحد هو المعلوم فياللغة،

{ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ }

{ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ }. وأما جعلها بمعنى صير، فغير معروف في اللغة. وأجازوا أيضاًالنصب على الحال، فتلخص في نصب سموات أوجه البدل باعتبارين، والمفعول به، ومفعول ثان، وحال، والمختار البدل باعتبار عود الضميرعلى ما قبله والحال، ويترجح البدل بعدم الاشتقاق. وقد اختلف أهل العلم في أيهما خلق قبل، فمنهم من قال:السماء خلقت قبل الأرض، ومنهم من قال: الأرض خلقت قبل السماء، وكل تعلق في الاستدلال بظواهر آيات يأتي الكلام عليهاإن شاء الله تعالى. والذي تدل عليه هذه الآية أن خلق ما في الأرض لنا متقدم على تسوية السماء سبعاًلا غير، والمختار أن جرم الأرض خلق قبل السماء، وخلقت السماء بعدها، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء وبهذا يحتملالجمع بين الآيات. وقال بعضهم: وإنما خلق السموات سبعاً، لأن السبعة والسبعين فيه دلالة على تضاعيف القوة والشدة، كأنه ضوعفسبع مرات. ومن شأن العرب أن يبالغوا بالسبعة والسبعين من العدد، لما في ذكرها من دليل المضاعفة. قال تعالى:

{ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً }

{ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً } ، والسبعة تذكر في جلائل الأمور: الأيام سبعة، والسموات سبع، والأرضين سبع،والنجوم التي هي أعلام يستدل بها سبعة: زحل، والمشتري، وعطارد، والمريخ، والزهرة، والشمس، والقمر، والبحار سبعة، وأبواب جهنم. وتسكين الهاءفي هو وهي بعد الواو والفاء واللام وثم جائز، وقل بعد كاف الجر وهمزة الاستفهام، وندر بعد لكن، في قراءةأبي حمدون، لكن هو الله ربي، وهو تشبيه بتسكين سبع وكرش، شبه الكلمتان بالكلمة. {وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ }: وقرأبتسكين {وَهُوَ } أبو عمرو والكسائي وقالون، وقرأ الباقون بضم الهاء على الأصل. ووقف يعقوب على وهو بالهاء نحو: وهوه{بِكُلّ } متعلق بقوله: {عَلِيمٌ }، وكان القياس التعدي باللام حالة التقديم، أو بنفسه. وأما حالة التأخير فبنفسه لأنه منفعل متعد، وهو أحد الأمثلة الخمسة التي للمبالغة، وقد حدث فيها بسبب المبالغة من الأحكام في فعلها ولا في اسمالفاعل، وذلك أن هذا المبني للمبالغة المتعدي، إما أن يكون فعله متعدياً بنفسه، أو بحرف جر، فإن كان متعدياً بحرفجر تعدى المثال بحرف الجر نحو: زيد صبور على الأذى زهيد في الدنيا، لأن صبر يتعدى بعلى، وزهد يتعدى بفي،وإن كان متعدياً بنفسه. فإما أن يكون ما يفهم علماً وجهلاً، أو لا. إن كان مما يفهم علماً أو جهلاًتعدى المثال بالباء نحو: زيد عليم بكذا، وجهول بكذا، وخبير بذلك، وإن كان لا يفهم علماً ولا جهلاً فيتعدى باللامنحو قوله تعالى:

{ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ }

وفي تعديها لما بعدها بغير الحرف ونصبها له خلاف مذكور في النحو، وإنماخالفت هذه الأمثلة التي للمبالغة أفعالها المتعدية بنفسه، لأنها بما فيها من المبالغة أشبهت أفعل التفضيل، وأفعل التفضيل حكمه هكذا.قال تعالى:

{ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ } ، وقال الشاعر:

أعطــى لفــارهــة حلــو مــراتعهــا

وقال:

أكــر وأحمــى للحقيقــة منهــم

فإن جاء بعدهما ظاهره أنه منصوب به نحو: قوله تعالى

{ إن ربك هو أعلم من يضل }

، وقول الشاعر:

وأضــرب منــا بــالسيـوف القـوانســا

أول بأنه معمول لفعل محذوف يدل عليه أفعال التفضيل. {شَىْء }: قد تقدم اختلاف الناس في مدلول شيء. فمنأطلقه على الموجود والمعدوم كان تعلق العلم بهما من هذه الآية ظاهراً، ومن خصه بالموجود فقط كان تعلق علمه تعالىبالمعدوم مستفاداً من دليل آخر غير هذه الآية. {عَلِيمٌ }؛ قد ذكرنا أنه من أمثلة المبالغة، وقد وصف تعالى نفسهبعالم وعليم وعلام، وهذان للمبالغة. وقد أدخلت العرب الهاء لتأكيد المبالغة في علامة، ولا يجوز وصفه به تعالى. والمبالغة بأحدأمرين: أما بالنسبة إلى تكرير وقوع الوصف سواء اتحد متعلقه أم تكثر، وأما بالنسبة إلى تكثير المتعلق لا تكثير الوصف.ومن هذا الثاني المبالغة في صفات الله تعالى، لأن علمه تعالى واحد لا تكثير فيه، فلما تعلق علمه تعالى بالجميعكلية وجزئية دقيقة، وجليلة معدومة وموجودة، وصف نفسه تعالى بالصفة التي دلت على المبالغة، وناسب مقطع هذه الآية بالوصف بمبالغةالعلم، لأنه تقدم ذكر خلق الأرض والسماء والتصرف في العالم العلوي والسفلي وغير ذلك من الإماتة والإحياء، وكل ذلك يدلعلى صدور هذه الأشياء عن العلم الكامل التام المحيط بجميع الأشياء. وقال بعض الناس: العليم من كان علمه من ذاته،والعالم من كان علمه متعدياً من غيره، وهذا ليس بجيد لأن الله تعالى قد وصف نفسه بالعالم، ولم يكن علمهبتعلم. وفي تعميم قوله تعالى: {بكل شيء عليم رد على من زعم أن علم الله تعالى متعلق بالكليات لا بالجزئيات،تعالى الله عن ذلك. وقالوا: علم الله تعالى يتميز على علم عباده بكونه واحداً يعلم به جميع المعلومات، وبأنه لايتغير بتغيرها، وبأنه غير مستفاد من حاسة ولا فكر، وبأنه ضروري لثبوت امتناع زواله، وبأنه تعالى لا يشغله علم عنعلم، وبأن معلوماته تعالى غير متناهية. وفي قولهم لا يشغله علم عن علم، يريدون، معلوم عن معلوم، لأنه قد تقدمأن علم الله واحد ولا يشغله تعلق علم شيء عن تعلقه بشيء آخر. وتضمن قوله تعالى: {إن الله لايستحي} إلى آخر قوله: {وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ }: أن ما ضرب به المثل في كتابه: من مستوقد النار، والصيب،والذباب، والعنكبوت، وما يجري مجرى ذلك، فيه عجائب من الحكم الخفية، والجلية، وبدائع الفصاحة العربية، وموافقة المثل لما ضرب به،وأنه لا يحسن في مثله الأمثلة، وأنه تعالى لا يترك ذلك لما فيه من الحكم ومدح من عرف أن ذلكحق، وذم من أنكره وعابه، وأن في ضربه هدى لمن آمن، وضلالاً لمن صد عنه، وذم من نقض عهد اللهوقطع ما يجب أن يوصل، وأفسد في الأرض، وإعلامه بأن ذلك سبب خسرانه، والإعلام أن ناقضي عهده هو تعالى قادرعلى إحيائهم بعد الموت، كما كان قادراً على إيجادهم بعد العدم، وأنه جامعهم وباعثهم ومجازيهم بأعمالهم، وفي ذلك أشد التخويفوالتهديد. ثم بعد التخويف ذكرهم تعالى بنعمه التي أنعمها عليهم: من خلق الأرض المقلة، والسماء المظلة، والمخلوقات المتعددة التي ينتفعونبها ويعتبرون بها، ليجمع بذلك بين الترهيب والترغيب، وهذه هي الموعظة التي يتعظ بها ذو العقل السليم والذهن المستقيم. ثمختم ذلك بالفضل الأكبر من إعلامهم بإحاطة علمه بجميع الأشياء من الابتداء إلى الانتهاء.

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةًعدل

{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } * { وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } * { قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ } * { قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ }

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلارْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنيُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبّحُ }.. إذ: اسم ثنائي الوضع مبني لشبهه بالحرف وضعاً أو افتقاراً، وهو ظرفزمان للماضي، وما بعده جملة اسمية أو فعلية، وإذا كانت فعلية قبح تقديم الاسم على الفعل وإضافته إلى المصدرة بالمضارع،وعمل المضارع فيه مما يجعل المضارع ماضياً، وهو ملازم للظرفية إلا أن يضاف إليه زمان، ولا يكون مفعولاً به، ولاحرفاً للتعليل أو المفاجأة، ولا ظرف مكان، ولا زائدة، خلافاً لزاعمي ذلك، ولها أحكام غير هذا ذكرت في النحو. الملك:ميمه أصلية وهو فعل من الملك، وهو القوة، ولا حذف فيه، وجمع على فعائله شذوذاً، قاله أبو عبيدة، وكأنهم توهمواأنه ملاك على وزن فعال، وقد جمعوا فعالاً المذكر، والمؤنث على فعائل قليلاً. وقيل وزنه في الأصل فعأل نحو شمألثم نقلوا الحركة وحذفوا، وقد جاء فيه ملأك، فيحتمل أن يكون فعأ، وعلى هذا تكون الهمزة زائدة في فاء الكلمةوعينها، فمنهم من قال: الفاء لام، والعين همزة، من لاك إذا أرسل، وهي لغة محكية، فملك أصله ملأك، فخفف بنقلالحركة والحذف إلى فعل، قال الشاعر:

فلست لإنسى ولكن لملأك تنزل من جو السماء يصوب

فجاء به على الأصل، وهذا قول أبي عبيدة، واختاره أبو الفتح، وملائكة على هذا القول مفاعلة. ومنهم من قالالفاء همزة، والعين لام من الألوكة، وهي الرسالة، فيكون على هذا أصله مألكاً، ويكون ملأك مقلوباً، جعلت فاؤه مكان عينه،وعينه مكان فائه، فعلى هذا القول يكون في وزنه معلاً. ومنهم من قال: الفاء لام، والعين واو، ومن لاك الشيء:أداره في فيه، وصاحب الرسالة يديرها في فيه، فهو مفعل من ذلك، نحو: معاذ، ثم حذفوا العين تخفيفاً. فعلى هذاالقول يكون وزنه معلاً، وملائكة على القول مفاعلة، والهمزة أبدلت من واو كما أبدلت في مصائب. وقال النضر بن شميل:الملك لا تشتق العرب فعله ولا تصرفه، وهو مما فات علمه، انتهى. والتاء في الملائكة لتأنيث الجمع، وقبل: للمبالغة، وقدورد بغير تاء، قال الشاعر:

أنـا خـالـد صلـت عليـك المـلائـك

خليفة: فعيلة، وفعيلة تأتي بمعنى الفاعل للمبالغة، كالعليم، أو بمعنىالمفعول كالنظيحة، والهاء للمبالغة. السفك: الصب والإراقة، لا يستعمل إلا في الدم، ويقال: سفك وسفك وأسفك بمعنى، ومضارع سفك يأتيعلى بفعل ويفعل. الدماء: جمع دم، ولامه ياء أو واو محذوفة لقولهم: دميان ودموان، وقصره وتضعيفه مسموعان من لسان العرب.والمحذوف اللام، قيل: أصله فعل، وقيل: فعل، التسبيح: تنزيه الله وتبرئته عن السوء، ولا يستعمل إلا لله تعالى، وأصله منالسج، وهو الجري. والمسبح جار في تنزيه الله تعالى، التقديس: التطهير، ومنه بيت المقدس والأرض المقدسة، ومنه القدس: السطل الذييتطهر به، والقداس: الجمان، قال الشاعر:

كنظــم قــداس سلكــه متقطــع

وقال الزمخشري: من قدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد.علم: منقول من علم التي تتعدى لواحد، فرقوا بينها وبين علم التي تتعدى لاثنين في النقل، فعدوا تلك بالتضعيف، وهذهبالهمزة، قاله الأستاذ أبو علي الشلوبين، وسيأتي لكلام عليه عند الشرح. آدم: اسم أعجمي كآزر وعابر، ممنوع الصرف للعلمية والعجمة،ومن زعم أنه أفعل مشتق من الأدمة، وهي كالسمرة، أو من أديم الأرض، وهو وجهها، فغير صواب، لأن الاشتقاق منالألفاظ العربية قد نص التصريفيون على أنه لا يكون في الأسماء الأعجمية، وقيل: هو عبري من الإدام، وهو التراب، ومنزعم أنه فاعل من أديم الأرض فجعلوه ظاهراً لعدم صرفه، وأبعد الطبري في زعمه أنه فعل رباعي سمي به. العرض:إظهار الشيء حتى تعرف جهته. الإنباء: الإخبار، ويتعدى فعله الواحد بنفسه والثاني بحرف جر، ويجوز حذف ذلك الحرف، ويضمن معنىأعلم فيتعدى إلى ثلاثة. هؤلاء: إسم إشارة للقريب، وها: للتنبيه، والاسم أولاء: مبني على الكسر، وقد تبدل همزته هاء فيقال:هلاء، قد يبنى على الضم فيقال: أولاء، وقد تشبع الضمة قبل اللام فيقال: أولاء، قاله قطرب. وقد يقال: هؤلاء بحذفألف ها وهمزة أولاء وإقرار الواو التي بعد تلك الهمزة، حكاه الأستاذ أبو علي الشلوبين، وأنشد قوله:

تجلد لا تقل هولاء هذا بكى لما بكى أسفاً عليكا

وذكر الفراء: أن المد في أولاء لغةالحجاز، والغصر لغة تميم، وزاد غيره أنها لغة بعض قيس وأسد، وأنشد للأعشى:

هؤلاء ثم هؤلاء كلا أعطيت نعالاً محذوة بنعال

والهمزة عند أبي علي لام الفعل، ففاؤه ولامه همزة، وعند أبي العباس بدلمن الياء وقعت بعد ألف فقلبت همزة. سبحانك: معناه تنزيهك، وسبحان اسم وضع موضع المصدر، وهو مما ينتصب بإضمار فعلمن معناه لا يجوز إظهاره، وهو من الأسماء التي لزمت النصب على المصدرية، ويضاف ويفرد، فإذا أفرد كان منوناً، نحوقول الشاعر:

سبحانه ثم سبحاناً نعوذ به وقبلنا سبح الجودي والجمد

فقيل: صرفه ضرورة،وقيل: لجعله نكرة غير منون، نحو قول الشاعر:

أقول لما جاءني فخبره سبحان من علقمة الفاخر

جعله علماً فمنعه الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. وزعم بعض النحويين أنه إذا أفرد كان مقطوعاً عن الإضافة،فعاد إليه التنوين، ومن لم ينونه جعله بمنزلة قبل وبعد، وقد ردّ هذا القول في كتب النحو. الحكيم: فعيل بمعنىمفعل، من أحكم الشيء: أتقنه ومنعه من الخروج عما يريده. الإبداء: الإظهار، والكتم: الإخفاء. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ }:لم يرد في سبب نزول هذه الآيات شيء. ومناسبتها لما قبلها أنه لما امتن عليهم بخلق ما في الأرض لهم،وكان قبله إخراجهم من العدم إلى الوجود، أتبع ذلك ببدء خلقهم، وامتن عليهم بتشريف أبيهم وتكريمه وجعله خليفة وإسكانه داركرامته، وإسجاد الملائكة تعظيماً لشأنه وتنبيهاً على مكانه واختصاصه بالعلم الذي به كمال الذات وتمام الصفات، ولا شك أن الإحسانإلى الأصل إحسان إلى الفرع، وشرف الفرع بشرف الأصل. واختلف المعربون في إذ، فذهب أبو عبيدة وابن قتيبة إلى زيادتها،وهذا ليس بشيء، وكان أبو عبيدة وابن قتيبة ضعيفين في علم النحو. وذهب بعضهم إلى أنها بمعنى قد، التقدير: وقدقال ربك، وهذا ليس بشيء، وذهب بعضهم إلى أنه منصوب نصب المفعول به باذكر، أي واذكر: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ }،وهذا ليس بشيء، لأن فيه إخراجها عن بابها، وهو أنه لا يتصرف فيها بغير الظرفية، أو بإضافة ظرف زمان إليها.وأجاز ذلك الزمخشري وابن عطية وناس قبلهما وبعدهما، وذهب بعضهم إلى أنها ظرف. واختلوا، فقال بعضهم: هي في موضع رفع،التقدير: ابتداء خلقكم. وقال بعضهم في موضع نصب، التقدير: وابتداء خلقكم، إذ قال ربك. وناسب هذا التقدير لما تقدم قوله:

{ خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلاْرْضِ جَمِيعاً }، وكلا هذين القولين لا تحرير فيه، لأن ابتداء خلقنا لم يكن وقت قولالله للملائكة: {إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلارْضِ خَلِيفَةً }، لأن الفعل العامل في الظرف لا بد أن يقع فيه، أما أنيسبقه أو يتأخر عنه، فلا لأنه لا يكون له ظرفاً. وذهب بعضهم إلى أن إذ منصوب يقال بعدها، وليس بشيء،لأن إذ مضافة إلى الجملة بعدها والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. وذهب بعضهم إلى أن نصبها بأحياكم، تقديره:

{ وَهُوَ ٱلَّذِى أَحْيَاكُمْ } ، {إِذْ قَالَ رَبُّكَ }، وهذا ليس بشيء لأنه حذف بغير دليل، وفيه أن الإحياء ليس واقعاً فيوقت قول الله للملائكة، وحذف الموصول وصلته، وإبقاء معمول الصلة. وذهب بعضهم إلى أنه معمول لخلقكم من قوله تعالى:

{ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ }

{إِذْ قَالَ رَبُّكَ }، فتكون الواو زائدة، ويكون قد فصل بين العامل والمعمول بهذه الجمل التيكادت أن تكون سوراً من القرآن، لاستبداد كل آية منها بما سيقت له، وعدم تعلقها بما قبلها التعلق الإعرابي.فهذه ثمانية أقوال ينبغي أن ينزل كتاب الله عنها. والذي تقتضيه العربية نصبه بقوله: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ }، أي وقت قولالله للملائكة: {إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلارْضِ }، {قَالُواْ أَتَجْعَلُ }، كما تقول في الكلام: إذ جئتني أكرمتك، أي وقت مجيئكأكرمتك، وإذ قلت لي كذا قلت لك كذا. فانظر إلى حسن هذا الوجه السهل الواضح، وكيف لم يوفق أكثر الناسإلى القول به، وارتبكوا في دهياء وخبطوا خبط عشواء. وإسناد القول إلى الرب في غاية من المناسبة والبيان، لأنه لماذكر أنه خلق لهم ما في الأرض، كان في ذلك صلاح لأحوالهم ومعايشهم، فناسب ذكر الرب وإضافته إلى رسول اللهﷺ تنبيه على شرفه واختصاصه بخطابه، وهز لاستماع ما يذكر بعد ذلك من غريب افتتاح هذا الجنسالإنساني، وابتداء أمره ومآله. وهذا تنويع في الخطاب، وخروج من الخطاب العام إلى الخطاب الخاص، وفي ذلك أيضاً إشارة لطيفةإلى أن المقبل عليه بالخطاب له الحظ الأعظم والقسم الأوفر من الجملة المخبر بها، إذ هو في الحقيقة أعظم خلفائه،ألا ترى إلى عموم رسالته ودعائه وجعل أفضل أنبيائه أمّ بهم ليلة إسرائه، وجعل آدم فمن دونه يوم القيامة تحتلوائه، فهو المقدم في أرضه وسمائه وفي داري تكليفه وجزائه. واللام في للملائكة: للتبليغ، وهو أحد المعاني التي جاءت لهااللام، فظاهر لفظ الملائكة العموم. وقال بذلك قوم، وقال قوم هو عام المراد به الخصوص، وهم سكان الأرض من الملائكةبعد الجان. وقيل: هم المحاربون مع إبليس. ومعمول القول إني جاعل، وكان ذلك مصدراً بأن، لأن المقصود تأكيد الجملة المخبربها، وإن هذا واقع لا محالة وإن تكسر بعد القول، ولفتحها بعده عند أكثر العرب شروط ذكرت في النحو، وبنوسليم يفتحونها بعده من غير شرط، وقال شاعرهم:

إذا قلت إني آيب أهل بلدة نزعت بها عنها الولية بالهجر

جاعل: اسم فاعل بمعنى الاستقبال، ويجوز إضافته للمفعول إلا إذا فصل بينهما كهذا، فلا يجوز، وإذا جازإعماله، فهو أحسن من الإضافة، نص على ذلك سيبويه، وقال الكسائي: هما سواء، والذي أختاره أن الإضافة أحسن، وقد ذكرناوجه اختيارنا ذلك في بعض ما كتبناه في العربية. وفي الجعل هنا قولان: أحدهما: أنه بمعنى الخلق، فيتعدى إلى واحد،قاله أبو روق، وقريب منه ما روي عن الحسن وقتادة أنه بمعنى فاعل، ولم يذكر ابن عطية غير هذا. والثاني:أنه بمعنى التصيير، فيتعدى إلى اثنين. والثاني هو في الأرض، أي: مصير في الأرض خليفة، قاله الفراء، ولم يذكر الزمخشريغيره. وكلا القولين سائغ، إلا أن الأول عندي أجود، لأنهم قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا }؟ فظاهر هذا أنهمقابل لقوله: {جَاعِلٌ فِى ٱلارْضِ خَلِيفَةً }. فلو كان الجعل الأول على معنى التصيير لذكره ثانياً، فكان: أتجعل فيها خليفةمن يفسد فيها؟ وإذا لم يأت كذلك، كان معنى الخلق أرجح. ولا احتياج إلى تقدير خليفة لدلالة ما قبله عليه،لأنه إضمار، وكلام بغير إضمار أحسن من كلام بإضمار، وجعل الخبر اسم فاعل، لأنه يدل على الثبوت دون التجدد شيئاًشيئاً. والجعل: سواء كان بمعنى الخلق أو التصيير، وكان آدم هو الخليفة على أحسن الفهوم، لم يكن إلا مرةواحدة، فلا تكرر فيه، إذ لم يخلقه أو لم يصيره خليفة إلا مرة واحدة. وقوله: في الأرض: ظاهره الأرض كلها،وهو قول الجمهور. وقيل: أرض مكة. وروى ابن سابط هذا التفسير بأنها أرض مكة مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليهوسلم، فإن صح ذلك لم يعدل عنه، قيل: ولذلك سمي وسطها بكة، لأن الأرض بكت من تحتها، واختصت بالذكر لأنهامقر من هلك قومه من الأنبياء، ودفن بها نوح وهود وصالح بين المقام والركن، وتكون الألف واللام فيها للعهد نحو:

{ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلاْرْضَ }

{ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلاْرْضِ }

{ ٱسْتُضْعِفُواْ فِى ٱلاْرْضِ }

، وقال الشاعر:

يقولون لي أرض الحجاز جديبة فقلت وما لي في سوى الأرض مطلب

وقرأ الجمهور: خليفة، بالفاء، ويحتمل أن يكون بمعنى الخالف، ويحتملأن يكون بمعنى المخلوف، وإذا كان بمعنى الفاعل كان معناه: القائم مقام غيره في الأمر الذي جعل إليه. والخليفة، قيل:هو آدم لأنه خليفة عن الملائكة الذين كانوا في الأرض، أو عن الجن بني الجان، أو عن إبليس في ملكالأرض، أو عن الله تعالى، وهو قول ابن مسعود وابن عباس. والأنبياء هم خلائف الله في أرضه، واقتصر على آدملأنه أبو الخلائف، كما اقتصر على مضر وتميم وقيس، والمراد القبيلة. وقيل: ولد آدم لأنه يخلف بعضهم بعضاً: إذا هلكتأمة خلفتها أخرى، قاله الحسن، فيكون مفرداً أُريد به الجمع، كما جاء:

{ وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ ٱلاْرْضِ }

{ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلاْرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }

. وقيل: الخليفة اسم لكل من انتقل إليه تدبير أهل الأرض والنظر في مصالحهم،كما أن كل من ولى الروم: قيصر، والفرس: كسرى، واليمن: تبع. وفي المستخلف فيه آدم قولان: أحدهما: الحكم بالحق والعدل.الثاني: عمارة الأرض، يزرع ويحصد ويبني ويجري الأنهار. وقرأ زيد بن علي وأبو البرهسم عمران: خليقة، بالقاف ومعناه واضح.وخطاب الله الملائكة بقوله: {إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلارْضِ خَلِيفَةً } أن كان للملائكة الذين حاربوا مع إبليس الجن، فيكون ذلكعاماً بأنه رافعهم إلى السماء ومستخلف في الأرض آدم وذريته. وروي ما يدل على ذلك عن ابن عباس، وهو ماملخصه: أن الله أسكن الملائكة السماء، والجن الأرض، فعبدوا دهراً طويلاً ثم أفسدوا وحسدوا، فاقتتلوا، فبعث الله إليهم جنداً منالملائكة رأسهم إبليس، وكان أشدهم وأعلمهم، فهبطوا الأرض وطردوا الجن إلى شعف الجبال وبطون الأودية وجزائر البحور وسكنوها، وخفف عنهمالعبادة، وأعطى الله إبليس ملك الأرض وملك سماء الدنيا وخزانة الجنة، فكان يعبد تارة في الأرض وتارة في الجنة، فدخلهالعجب وقال في نفسه: ما أعطاني الله هذا إلا أني أكرم الملائكة عليه. فقال الله تعالى له ولجنوده: {إِنّي جَاعِلٌفِى ٱلارْضِ خَلِيفَةً } بدلاً منكم ورافعكم إليّ، فكرهوا ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة، وقالوا: {أَتَجْعَلُ } الآية. وإنكان الملائكة، جميع الملائكة. فسبب القول: إرادة الله أن يطلع الله الملائكة على ما في نفس إبليس من الكبر وأنيظهر ما سبق عليه في علمه. روي عن ابن عباس، وعن السدي، عن أشياخه: وأن يبلو طاعة الملائكة، قالهالحسن، أو أن يظهر عجزهم عن الإحاطة بعلمه، أو أن يعظم آدم بذكر الخلافة قبل وجوده، ليكونوا مطمئنين له إذاوحدوا، أو أن يعلمهم بخلقه ليسكن الأرض وإن كان ابتداء خلقه في السماء، وأن يعلمنا أن نشاور ذوي الأحلام مناوأرباب المعرفة إذ استشار الملائكة اعتباراً لهم، مع علمه بحقائق الأشياء، أو أن يتجاوز الخطاب بما ذكر فيحصل منهم الاعترافوالرجوع عما كانوا يظنون من كمال العلم، أو أن يظهر علو قدر آدم في العلم بقوله لآدم: {أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ }،أو أن يعلمنا الأدب معه وامتثال الأمر، عقلنا معناه أو لم نعقله، لتحصل بذلك الطاعة المحضة أو أن تطمئن قلوبالملائكة حين خلق الله النار فخافت وسألت: لمن خلقت هذا؟ قال: لمن عصاني. إذ لم يعلموا وجود خلق سواهم، قالهابن زيد. وقال بعض أهل الإشارة في قوله: {إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلارْضِ خَلِيفَةً }: سابق العناية، لا يؤثر فيه حدوثالجناية، ولا يحط عن رتبة الولاية، وذلك أنه تعالى نصب آدم خليفة عنه في أرضه مع علمه بما يحدث عنهمن مخالفة أمره التي أوجبت له الإخراج من دار الكرامة وأهبطه إلى الأرض التي هي محل الأكدار، ومع ذلك لميسلبه ما ألبسه من خلع كرامته، ولا حطه عن رتبة خلافته، بل أجزل له في العطية فقال:

{ ثُمَّ ٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ } ، قال الشاعر:

وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع

كان عمر ينقل الطعام إلى الأصنام والله يحبه، قال الشاعر:

أتظنني من زلة أتعتب قلبي عليك أرق مما تحسب

ويقال إن الله سبحانه خلق ما خلق ولم يقل في شيء منها ما قالفي حديث آدم، حيث قال: {إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلارْضِ خَلِيفَةً }. فظاهر هذا الخطاب تنبيه لشرف خلق الجنان وما فيها،والعرش بما هو عليه من انتظام الأجزاء وكمال الصورة، ولم يقل: إني خالق عرشاً أو جنة أو ملكاً، وإنما قالذلك تشريفاً وتخصيصاً لآدم. قالوا تقدم أن الاختيار في العامل إذ هو، قالوا: ومعموله الجملة من قوله: أتجعل؟ ولما كانتالملائكة لا تعلم الغيب ولا تسبق بالقول، لم يكن قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا } الآية، إلا عن نبأ ومقدمة، فقيل: الهمزة،وإن كان أصلها للاستفهام، فهو قد صحبه معنى التعجب، قاله مكي وغيره، كأنهم تعجبوا من استخلاف الله من يعصيه أومن يعصي من يستخلفه في أرضه. وقيل: هو استفهام على طريق الاستعظام، والإكبار للاستخلاف والعصيان. وقيل: هو استفهام معناه التقرير،قاله أبو عبيدة، قال الشاعر:

ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح

وعلى هذهالأقوال يكون علمهم بذلك قد سبق، إما بإخبار من الله، أو بمشاهدة في اللوح، أو يكون ومخلوق غيرهم وهم معصومون،أو قالوا ذلك بطريق القياس على من سكن الأرض فأفسد قبل سكنى الملائكة، أو استنبطوا ذلك من لفظ خليفة، إذالخليفة من يكون نائباً في الحكم، وذلك يكون عند التظالم. وقيل: هو استفهام محض، قاله أحمد بن يحيـى، وقدره: أتجعلهذا الخليفة على طريقة من تقدّم من الجن أم لا؟ وفسره أبو الفضل التجلي: أي أم تجعل من لا يفسد،وقدره غيرهما، ونحن نسبح بحمدك، أم تتغير؟ فعلى الأقوال الثلاثة الأول لا معادل للاستفهام، لأنه مذهوب به مذهب التعجب أوالاستعظام أو التقرير. وعلى القول الرابع يكون المعادل مفعول أتجعل، وهو من يفسد. وعلى القول الخامس تكون المعادلة من الجملةالحالية التي هي قوله، ونحن نسبح بحمدك. وقرأ الجمهور: ويسفك بكسر الفاء ورفع الكاف. وقرأ أبو حياة وابن أبي عبلة:بضم الفاء. وقُرىء: ويسفك من أسفك ويسفك من سفك مشدّد الفاء. وقرأ ابن هرمز: ويسفك بنصب الكاف، فمن رفع الكافعطف على يفسد، ومن نصب فقال المهدوي: هو نصب في جواب الاستفهام، وهو تخريج حسن وذلك أن المنصوب في جوابالاستفهام أو غيره بعد الواو بإضمار أن يكون المعنى على الجمع، ولذلك تقدر الواو بمعنى مع، فإذا قلت: أتأتينا وتحدثناونصبت، كان المعنى على الجمع بين أن تأتينا وتحدثنا، أي ويكون منك إتيان مع حديث، وكذلك قوله:

أتبيت ريان الجفون من الكرى وأبيت منك بليلة الملسوع

معناه: أيكون منك مبيت ريان مع مبيتي منكبكذا، وكذلك هذا يكون منك جعل مفسد مع سفك الدماء. وقال أبو محمد بن عطية: النصب بواو الصرف قال: كأنهقال من يجمع أن يفسد وأن يسفك، انتهى كلامه. والنصب بواو الصرف ليس من مذاهب البصريين. ومعى واو الصرف: أنالفعل كان يستحق وجهاً من الإعراب غير النصب فيصرف بدخول الواو عليه عن ذلك الإعراب إلى النصب كقوله تعالى:

{ وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ } ، في قراءة من نصب، وكذلك: { وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } . فقياس الأول الرفع، وقياس الثاني الجزم، فصرفت الواو الفعلإلى النصب، فسميت واو الصرف، وهذا عند البصريين منصوب بإضمار أن بعد الواو. والعجب من ابن عطية أنه ذكر هذاالوجه أولاً وثنى بقول الهدوي، ثم قال: والأول أحسن. وكيف يكون أحسن وهو شيء لا يقول به البصريون وفساده مذكورفي علم النحو؟ ولما كانت الصلة يفسد، وهو فعل في سياق الإثبات، فلا يدل على التعميم في الفساد. نصوا علىأعظم الفساد، وهو سفك الدماء، لأنه به تلاشي الهياكل الجسمانية التي خلقها الله، ولو لم ينصوا عليه لجاز أن لايراد من قولهم: يفسد، وكرر فيها لأن في ذلك تنبيهاً على أن ما كان محلاً للعبادة وطاعة الله كيف يصيرمحلاً للفساد؟ كما مر مثله في قوله:

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلارْضِ }

ولم يحتج إلى تكرير فيهابعد قوله: ويسفك، اكتفاء بما سبق وتنكباً أن يكرروا فيها ثلاث مرات. ألا ترى أنهم نقدوا على أبي الطيب قوله:

ونهب نفوس أهل النهب أولى بأهل النهب من نهب القماش

{وَنَحْنُ نُسَبّحُ }: جملةحالية، والتسبيح التنزيه، قاله قتادة: أو رفع الصوت بذكر الله تعالى، قاله المفضل: والخضوع والتذلل، قاله ابن الأنباري، أو الصلاة،أي نصلي لك، من المسبحين: أي من المصلين، قاله ابن مسعود وابن عباس، أو التعظيم، أي ونحن نعظمك، قاله مجاهد،أو تسبيح خاص، وهو: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العظمة والجبروت، سبحان الحيّ الذي لا يموت. ويعرف هذا بتسبيحالملائكة، أو بقول: سبحان الله وبحمده. وفي حديث عن عبادة بن الصامت، عن أبي ذر، أن النبي صلى اللهعليه وسلم سئل: أي الكلام أفضل قال: ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده . {بِحَمْدِكَ }: في موضعالحال، والباء فيه للحال، أي نسبح ملتبسين بحمدك، كما تقول: جاء زيد بثبابه، وهي حال متداخلة لأنها حال في حال.وقيل: الباء للسبب، أي بسبب حمدك، والحمد هو الثناء، والثناء ناشيء عن التوفيق للخير والإنعام على المثنى، فنزل الناشىء عنالسبب منزلة السبب فقال: ونحن نسبح بحمدك، أي بتوفيقك وإنعامك، والحمد مصدر مضاف إلى المفعول نحو قوله: من دعاء الخير،أي بحمدنا إياك. والفاعل عند البصريين محذوف في باب الصمدر، وإن كان من قواعدهم أن الفاعل لا يحذف وليس ممنوعفي المصدر، كما ذهب إليه بعضهم، لأن أسماء الأجناس لا يضمر فيها، لأنه لا يضمر إلا فيما جرى مجرى الفعل،إذ الإضمار أصل في الفعل، ولا حاجة تدعو إلى أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، كما ذهب إليه بعضهم، وأن التقدير:ونحن نسبح ونقدس لك بحمدك، فاعترض بحمدك بين المعطوف والمعطوف عليه لأن التقديم والتأخير مما يختص بالضرورة، فلا يحمل كلامالله عليه، وإنما جاء بحمدك بعد نسبح لاختلاط التسبيح بالحمد. وجاء قوله بعد: {وَنُقَدّسُ لَكَ } كالتوكيد، لأن التقديس هو:التطهير، والتسبيح هو: التنزيه والتبرئة من السوء، فهما متقاربان في المعنى. ومعنى التقديس كما ذكرنا التطهير، ومفعوله أنفسنا لك منالأدناس، قاله الضحاك وغيره، أو أفعالنا من المعاصي، قاله أبو مسلم، أو المعنى: نكبرك ونعظمك. قاله مجاهد وأبو صالح، أونصلي لك، أو نتطهر من أعمالهم يعنون بني آدم. حكى ذلك عن ابن عباس، أو نطهر قلوبنا عن الالتفات إلىغيرك، واللام في لك زائدة، أي نقدّسك. وقيل: لام العلة متعلقة بتقدّس، قيل: أو بنسج وقيل: معدية للفعل، كهي فيسجدت لله، وقيل: اللام للبيان كاللام بعد سقياً لك، فتتعلق إذ ذاك بمحذوف دلّ عليه ما قبله، أي تقديسنا لك.والأحسن أن تكون معدية للفعل، كهي في قوله:

{ يُسَبّحُ لِلَّهِ }

{ وَسَبّحْ لِلَّهِ }

. وقد أبعد من ذهب إلىأن هذه الجملة من قوله: {وَنَحْنُ نُسَبّحُ } استفهامية حذف منها أداة الاستفهام وأن التقدير، أو نحن نسبح بحمدك، أمنتغير، بحذف الهمزة من غير دليل، ويحذف معادل الجملة المقدرة دخول الهمزة عليها، وهي قوله: أم نتغير، وليس ذلك مثلقوله:

لعمرك ما أدري وإن كنت داريا بسبع رمين الجمر أم بثمان

يريد: أبسبع،لأن الفعل المعلق قبل بسبع والجزء المعادل بعده يدلان على حذف الهمزة. ولما كان ظاهر قول الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنيُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ }، مما لا يناسب أن يجاوبوا به الله، إذ قال لهم:{إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلارْضِ خَلِيفَةً }. وكان من القواعد الشرعية والعقائد الإسلامية عصمة الملائكة من المعاصي والاعتراض، لم يخالف فيذلك إلا طائفة من الحشوية. وهي مسألة يتكلم عليها في أصول الدين، ودلائلها مبسوطة هناك، احتاج أهل العلم إلى إخراجالآية السابقة عن ظاهرها وحملها كل قائل ممن تقدّم قوله على ما سبح له، وقوي عنده من التأويل الذي هوسائغ في علم اللسان. وقال بعض أهل الإشارات: الملائكة لما توهموا أن الله تعالى أقامهم في مقام المشورة بأن لهموجه المصلحة في بقاء الخلافة فيمن يسبح ويقدس، وأن لا ينقلها إلى من يفسد فيها ويسفك، فعرضوا ذلك على الله،وكان ذلك من جملة النصح في الاستشارة، والنصح في ذلك واجب على المستشار، ولله تعالى الحكم فيما يمضي من ذلكويختار. ومن أندر ما وقع في تأويل الآية ما ذهب إليه صاحب (كتاب فك الأزرار)، وهو الشيخ صفي الدينأبو عبد الله الحسين بن الوزير أبي الحسن علي بن أبي المنصور الخزرجي، قال: في كتاب ظاهر كلام الملائكة يشعربنوع من الاعتراض، وهم منزهون عن ذلك والبيان، أن الملائكة كانوا حين ورود الخطاب عليهم مجملين، وكان إبليس مندرجاً فيجملتهم، فورد منهم الجواب مجملاً. فلما انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه وظهورإبليسيته واستكباره، انفصل الجواب إلى نوعين: فنوع الاعتراض منهكان عن إبليس، وأنواع الطاعة والتسبيح والتقديس كان عن الملائكة. فانقسم الجواب إلى قسمين، كانقسام الجنس إلى جنسين، وناسب كلجواب من ظهر عنه والله أعلم. انتهى كلامه. وهو تأويل حسن، وصار شبيهاً بقوله تعالى:

{ وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُواْ }

، لأن الجملة كلها مقولة، والقائل نوعان، فرد كل قول لمن ناسبة. وقيل في قوله: {وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُلَكَ }، إشارة إلى جواز التمدح إلى من له الحكم في التولية ممن يقصد الولاية، إذا أمن على نفسه الجوروالحيف، ورأى في ذلك مصلحة. ولذلك جاز ليوسف، على نبينا وعليه السلام، طلبه الولاية، ومدح نفسه بما فيها فقال:

{ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلاْرْضِ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ }

، قال: {إِنِي أَعْلَمُ }، مضارع علم وما مفعولة بها موصولة، قيل: أو نكرةموصوفة، وقد تقدم: أنا لا نختار، كونها نكرة موصوفة. وأجاز مكي بن أبي طالب والمهدوي وغيرهما أن تكون أعلم هنااسماً بمعنى فاعل، وإذا كان كذلك جاز في ما أن تكون مجرورة بالإضافة، وأن تكون في موضع نصب، لأن هذاالاسم لا ينصرف، وأجاز بعضهم أن تكون أفعل التفضيل. والتقدير: أعلم منكم، وما منصوبة بفعل محذوف يدل عليه أعلم، أيعلمت، وأعلم ما لا تعلمون. وهذا القول فيه خروج عن الظاهر وادعاء حذفين: أحدهما: حذف المفضل عليه وهو منكم.والثاني: الفعل الناصب للموصول، وأما ما أجازه مكي فهو مبني على أمرين غير صحيحين. أحدهما: ادّعاء أن أفعل تأتي بمعنىفاعل، وهذا قال به أبو عبيدة من المتقدمين، وخالفه النحويون وردوا عليه قوله، وقالوا: لا يخلوا أفعل من التفضيل، وإنكان يوجد في كلام بعض المتأخرين أن أفعل قد يخلو من التفضيل، وبنوا على ذلك جواز مسألة يوسف أفضل إخوته،حتى أن بعضهم ذكر في جواز اقتياسه خلافاً، تسليماً منه أن ذلك مسموع من كلام العرب فقال: واستعماله عارياً دونمن مجرداً عن معنى التفضيل، مؤولاً باسم فاعل أو صفة مشبهة، مطرد عند أبي العباس، والأصح قصره على السماع، انتهىكلامه. والأمر الثاني: أنه إذا سلم وجود أفعل عارياً من معنى التفضيل، فهو يعمل عمل اسم الفاعل أم لا. والقائلونبوجود ذلك لا يقولون بإعماله عمل اسم الفاعل إلا بعضهم، فأجاز ذلك، والصحيح ما ذهب إليه النحويون المتقدمون من كونأفعل لا يخلو من التفضيل، ولا مبالاة بخلاف أبي عبيدة لأنه كان يضعف في النحو، ولا بخلاف بعض المتأخرين لأنهممسبوقون بما هو كالإجماع من المتقدمين، ولو سلمنا إسماع ذلك من العرب، فلا نسلم اقتياسه، لأن المواضع التي أوردت دليلاًعلى ذلك في غاية من القلة، مع أنها قد تؤولت. ولو سلمنا اقتباس ذلك، فلا نسلم كونه يعمل عمل اسمالفاعل. وكيف نثبت قانوناً كلياً ولم نسمع من العرب شيئاً من أفراد تركيباته لا يحفظ: هذا رجل أضرب عمراً، بمعنىضارب عمراً، ولا هذه امرأة أقتل خالداً، بمعنى قاتلة خالداً، ولا مررت برجل أكسى زيداً جبة، بمعنى: كاس زيداً جبة.وهل هذا إلا إحداث تراكيب لم تنطق العرب بشيء من نظيرها؟ فلا يجوز ذلك. وكيف يعدل في كتاب الله عنالشيء الظاهر الواضح من كون أعلم فعلاً مضارعاً إلى هذا الذي هو؟ كما رأيت في علم النحو، وإنما طولت فيهذه المسألة لأنهم يسلكون ذلك في مواضع من القرآن سيأتي بيانها، إن شاء الله تعالى، فينبغي أن يتجنب ذلك. ولأناستعمال أفعل عارية من معنى التفضيل مشهور عند بعض المتأخرين، فنبهت على ما في ذلك، والمسألة مستوفاة الدلائل. نذكر فيعلم النحو: {مَا لاَ تَعْلَمُونَ } الذي مدح الله به نفسه من العلم دونهم علمه ما في نفس إبليس معالبغي والمعصية، قاله ابن عباس ومجاهد والسدي عن أشياخه أو علمه بأنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء وصالحون، قاله قتادة،أو علمه بمن يملأ جهنم من الجنة والناس، قاله ابن زيد؛ أو علمه بعواقب الأمور فيبتلي من تظنون أنه مطيعفيؤديه الابتلاء إلى المعصية، ومن تظنون أنه عاص فيؤديه الابتلاء إلى الطاعة فيطيع، قاله الزجاج، أو علمه بظواهر الأمور وباطنها،جليها ودقيقها، عاجلها وآجلها، صالحها وفاسدها، على اختلاف الأحوال والأزمان علماً حقيقياً، وأنتم لا تعلمون ذلك، أو علمه بغير اكتسابولا نظر ولا تدبر ولا فكر، وأنتم لا تعلمون المعلومات على هذا النسق. أو علمه بأن معهم إبليس، أو علمهباستعاظمكم أنفكم بالتسبيح والتقديس. والذي يدل عليه ظاهر اللفظ أنه أخبرهم إذا تكلموا بالجملة السابقة التي هي أتجعل فيها بأنهيعلم ما لا تعلمونه. وأبهم في إخباره الأشياء التي يعلمها دونهم، فإذا كان كذلك، فإخباره بأنه يجعل في الأرض خليفةيقتضي التسليم له والرجوع إليه فيما أراد أن يفعله والرضا بذلك، لأن علمه محيط بما لا يحيط به علم عالم،جل الله وعز. والأحسن أن يفسر هذا المبهم بما أخبر به تعالى عنه من قوله، قال: {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِيأَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضِ } الآية. {وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلاسْمَاء كُلَّهَا }: لما أخبر تعالى الملائكة عن وجه الحكمة فيخلق آدم وذريته على سبيل الإجمال، أراد أن يفصل، فبين لهم من فضل آدم ما لم يكن معلوماً لهم، وذلكبأن علمه الأسماء ليظهر فضله وقصورهم عنه في العلم، فتأكد الجواب الإجمالي بالتفضيل. ولا بد من تقدير جملة محذوفة قبلهذا، لأنه بها يتم المعنى ويصح هذا العطف، وهي: فجعل في الأرض خليفة. ولما كان لفظ الخليفة محذوفاً مع الجملةالمقدرة، أبرزه في قوله: {وَعَلَّمَ ءادَمَ }، ناصاً عليه ومنوهاً بذكره باسمه. وأبعد من زعم أن: {وَعَلَّمَ ءادَمَ } معطوفعلى قوله، قال من قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ }. وهل التعليم بتكليم الله تعالى له فيالسماء، كما كلم موسى في الأرض، أو بوساطة ملك أو بالإلهام؟ أقوال أظهرها أن الباري تعالى هو المعلم، لا بواسطةولا إلهام. وقرأ اليماني ويزيد اليزيدي: وعلم آدم مبنياً للمفعول، وحذف الفاعل للعلم به والتضعيف في علم للتعدية، إذ كانقبل التضعيف يتعدى لواحد، فعدى به إلى اثنين. وليست التعدية بالتضعيف مقيسة، إنما يقتصر فيه على مورد السماع، سواء كانالفعل قبل التضعيف لازماً أم كان متعدياً، نحو: علم المتعدية إلى واحد. وأما إن كان متعدياً إلى اثنين، فلا يحفظفي شيء منه التعدية بالتضعيف إلى ثلاث. وقد وهم القاسم بن علي الحريري في زعمه في شرح الملحة له أنعلم تكون منقولة من علم التي تتعدى إلى اثنين فتصير بالتضعيف متعدية إلى ثلاثة، ولا يحفظ ذلك من كلامهم.وقد ذهب بعض النحويين إلى اقتباس التعدية بالتضعيف. قال الإمام أبو الحسين بن أبي الربيع في (كتاب التلخيص) من تأليفه:الظاهر من مذهب سيبويه أن النقل بالتضعيف سماع في المتعدي واللازم، وفيما علمه أقوال: أسماء جميع المخلوقات، قاله ابن نعباسوابن جبير ومجاهد وقتادة، أو اسم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وعزى إلى ابن عباس، وهو قريب منالأول، أو جميع اللغات، ثم كلم كل واحد من بنيه بلغة فتفرقوا في البلاد، واختص كل فرقة بلغة أو كلمةواحدة تفرع منها جميع اللغات، أو أسماء النجوم فقط، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، أو أسماء الملائكة فقط، قاله الربيعبن خيثم، أو أسماء ذريته، قاله الربيع بن زيد، أو أسماء ذريته والملائكة، قاله الطبري واختاره؛ أو أسماء الأجناس التيخلقها، علماً أن هذا اسمه فرس، وهذا اسمه بعير، وهذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا، وعلمه أحوالها وما يتعلق بهامن المنافع الدينية والدنيوية، واختاره الزمخشري، أو أسماء ما خلق في الأرض، قاله ابن قتيبة، أو الأسماء بلغة ثم وقعالاصطلاح من ذريته في سواها، أو علمه كل شيء حتى نحو سيبويه، قاله أبو علي الفارسي، أو أسماء الله عزوجل، قاله الحكيم الترمذي، أو أسماء من أسمائه المخزونة، فعلم بها جميع الأسماء، قاله الجريري، أو التسميات. ومعنى هذا علمهأن يسمي الأشياء، وليس المعنى علمه الأسماء، لأن التسمية غير الاسم، قاله الجمهور، وحالة تعليمه تعالى آدم، هل عرض عليهالمسميات أو وصفها له ولم يعرضها عليه قولان: قال بعض من عاصرناه: المختار أسماء ذريته، وعرفه العاصي والمطيع ليعرف الملائكةبأسمائهم وأفعالهم رداً عليهم قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا }، الأسماء كلها يحتمل أسماء المسميات، فحذف المضاف إليه لدلالةالأسماء عليه. قال الزمخشري: وعوض منه اللام كقوله:

{ وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً }

، انتهى. وقد تقدم لنا أن اللام عوضمن الإضافة ليس مذهب البصريين، ويحتمل أن يكون التقدير مسميات، الأسماء، فحذف المضاف وقيم المضاف إليه مقامه، ويترجح الأول، وهوتعليق التعليم بالأسماء تعلق الأنباء به في قوله: {أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَـؤُلاء }، والآية التي بعدها، ولم يقل: أنبئوني بهؤلاء، ولاأنبئهم بهم. ويترجح الثاني بقوله، ثم عرضهم إذا حمل على ظاهره، لأن الأسماء لا تجمع كذلك، فدل على عوده علىالمسميات نحو قوله تعالى:

{ أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ فِى بَحْرٍ لُّجّىّ يَغْشَـٰهُ }

، التقدير: أو كذي ظلمات، فعاد الضمير من يغشاه علىذي المحذوفة، القائم مقامها في الإعراب ظلمات. والذي يدل عليه ظاهر اللفظ أن الله علم آدم الأسماء ولم يبين لناأسماء مخصوصة، بل دل قوله تعالى: {كُلَّهَا } على الشمول، والحكمة حاصلة بتعليم الأسماء، وإن لم تعلم مسمياتها. ويحتمل أنيريد بالأسماء المسميات، فيكون من إطلاق اللفظ ويراد به مدلوله. {ثُمَّ عَرَضَهُمْ }: ثم: حرف تراخ، ومهلة علم آدمثم أمهله من ذلك الوقت إلى أن قال: {أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ } ليتقرر ذلك في قلبه ويتحقق المعلوم ثم أخبره عماتحقق به واستيقنه. وأما الملائكة فقال لهم على وجه التعقيب دون مهلة {أَنبِئُونِى }، فلما لم يتقدم لهم تعريف لميخبروا، ولما تقدم لآدم التعليم أجاب وأخبر ونطق إظهاراً لعنايته السابقة به سبحانه. عرضهم خلقهم وعرضهم عليهم، قاله ابن مسعود،أو صورهم لقلوب الملائكة، أو عرضهم وهم كالذر، أو عرض الأسماء، قاله ابن عباس، وفيه جمعها بلفظة هم. والظاهر أنضمير النصب في عرضهم يعود على المسميات، وظاهره أنه للعقلاء، فيكون إذ ذاك المعنى بالأسماء أسماء العاقلين، أو يكون فيهمغير العقلاء، وغلب العقلاء. وقرأ أبي ثم عرضها. وقرأ عبد الله ثم عرضهن، والضمير عائد على الأسماء، فتكون هي المعروضة،أو يكون التقدير مسمياتها، فيكون المعروض المسميات لا الأسماء. {عَلَى ٱلْمَلَـٰئِكَةِ }: ظاهره العموم، فقيل: هو مراد، وقيل: الملائكة الذينكانوا مع إبليس في الأرض. {فَقَالَ }: الفاء: للتعقيب، ولم يتخلل بين العرض والأمر مهلة بحيث يقع فيها تروّ أوفكر، وذلك أجدر بعدم الإضافة. {أَنبِئُونِى }: أمر تعجيز لا تكليف. وقرأ الأعمش: أنبوني، بغير همز، وقد استدل بقوله: أنبئونيعلى جواز تكليف ما لا يطاق، وهو استدلال ضعيف، لأنه على سبيل التبكيت، ويدل عليه: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }. {بِأَسْمَاءهَـؤُلاء }: ظاهره حضور أشخاص حالة العرض على الملائكة، ومن قال: إن المعروض إنما هي أسماء فقط، جعل الإشارة إلىأشخاص الأسماء وهي غائبة، إذ قد حضر ما هو منها بسبب وذلك أسماؤها وكأنه قال لهم: في كل اسم لأيشخص هذا الإسم، وهذا فيه بعد وتكلف وخروج عن الظاهر بغير داعية إلى ذلك. {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }: شرطجوابه محذوف تقديره فأنبئوني يدل عليه أنبئوني السابق، ولا يكون أنبؤني السابق هو الجواب، هذا مذهب سيبويه وجمهور البصريين، وخالفالكوفيون وأبو زيد وأبو العباس، فزعموا أن جواب الشرط هو المتقدّم في نحو هذه المسألة، هذا هو النقل المحقق، وقدوهم المهدوي، وتبعه ابن عطية، فزعما أن جواب الشرط محذوف عند المبرد، التقدير: فأنبئوني، إلا إن كانا اطلعا على نقلآخر غريب عن المبرد يخالف مشهور ما حكاه الناس، فيحتمل. وكذلك وهم ابن عطية وغيره، فزعما أنّ مذهب سيبويه تقديمالجواب على الشرط، وأن قوله: أنبئوني المتقدم هو الجواب. والصدق هنا هو الصواب، أي إن كنتم مصيبين، كما يطلق الكذبعلى الخطأ، كذلك يطلق الصدق على الصواب. ومتعلق الصدق فيه أقوال:

{ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }

، إني لا أخلق خلقاً، لاكنتم أعلم منه، لأنه هجس في أنفسهم أنهم أعلم من غيرهم، أو فيما زعمتم أن خلفائي يفسدون في الأرض، أوفيما وقع في نفوسكم أني لا أخلق خلقاً إلا كنتم أفضل منه، أو بأمور من أستخلفهم بعدكم، أو إني إناستخلفتكم فيها سبحتموني وقدّستموني، وإن استخلفت غيركم فيها عصاني، أو في قولكم: إنه لا شيء مما يتعبد به الخلق إلاوأنتم تصلحون له وتقومون به، قاله ابن مسعود وابن عباس، أو في ذلك أنباء، وجواب السؤال بالأسماء، روي أن الملائكةحين خلق الله آدم قالت: يخلق ربنا ما شاء، فلن يخلق خلقاً أعلم منا ولا أكرم عليه. فأراد أن يريهممن علم آدم وكرامته خلاف ما ظنوا، قالوا: ولقوله إن كنتم صادقين، لم يجز لهم الاجتهاد، إذ لو لم يقيدبالصدق، وهو الإصابة، لجاز الاجتهاد، كما جاز للذي قال له: كم لبثت؟ ولم يشرط عليه الإصابة فلم يصب ولم يعنف.وأبعد من ذهب إلى أن الصدق هنا ضد الكذب المتعارف لعصمة الملائكة، كما أبعد من جعل إن بمعنى إذ، فأخرجهاعن الشرطية إلى الظرفية. وإذا التقت همزتان مكسورتان من كلمتين نحو: هؤلاء إن كنتم، فورش وقنبل يبدلان الثانية ياء ممدودة،إلا أن ورشاً في: هؤلاء إن كنتم، وعلى البغاء إن أردن، يجعل الياء مكسورة، وقالون والبزي يلينان الأولى ويحققان الثانية،وعنهما في بالسوء إلا وجوه: أحدها: هذا الأصل الذي تقرر لهما. الثاني: إبدال الهمزة الأولى واواً مكسورة وإدغام الواو الساكنةقبلها فيها وتحقيق الثانية. الثالث: إبدال الهمزة الأولى ياء، نحو: بالسوي. الرابع: إبدالها واواً من غير إدغام، نحو: السوو. وقرأأبو عمرو: بحذف الأولى، وقرأ الكوفيون وابن عامر: بتحقيق الهمزتين. { قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا }: أي تنزيهكعن الادعاء وعن الاعتراض. وقيل: معناه تنزيه لك بعد تنزيه لفظه لفظ تثنية، والمعنى كذلك كما قالوا في لبيك، ومعناه:تلبية بعد تلبية. وهذا قول غريب يلزم عنه أن مفرده يكون سبحاً، وأنه لا يكون منصوباً بل مرفوعاً، وأنه لمتسقط النون للإضافة، وأنه التزم فتحها. والكاف في سبحانك مفعول به أضيف إليه. وأجاز بعضهم أن يكون فاعلاً، لأن المعنىتتزهت. وقد ذكرنا، حين تكملنا على المفردات، أنه منصوب على معنى المصدر بفعل من معناه واجب الحذف. وزعم الكسائي أنهمنادي مضاف، ويبطله أنه لا يحفظ دخول حرف النداء عليه، ولو كان منادى لجاز دخول حول حرف النداء عليه، ونقللنا. ولما سأل تعالى الملائكة، ولم يكن عندهم علم بالجواب، وكانوا قد سبق منهم قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} الآية، أرادوا أن يجيبوا بعدم العلم إلا ما علمهم، فقدموا بين يدي الجواب تنزيه الله اعتذاراً وأدباً منهم فيالجواب، وإشعاراً بأن ما صدر منهم قبل يمحوه هذا التنزيه لله تعالى، فقالوا: سبحانك، ثم أجابوا بنفي العلم بلفظ لاالتي بنيت معها النكرة، فاستغرف كل فرد من أنواع العلوم، ثم استثنوا من ذلك ما علمهم هو تعالى، فقالوا: {إِلاَّمَا عَلَّمْتَنَا }، وهذا غاية في ترك الدعوى والاستسلام التام للمعلم الأول لله تعالى. قال أبو عثمان المغربي: مابلاء الخلق إلا الدعاوى. ا ترى أن الملائكة لما قالوا: ونحن نسبح بحمدك، كيف ردوا إلى الجهل حتى قالوا: لاعلم لنا؟ وروي معنى هذا الكلام عن جعفر الصادق، وخبر: لا علم، في الجار والمجرور. وتقدم لنا الكلام في لاريب فيه، ولا علم مثله، فأغنى عن إعادته. وما موصولة يحتمل أن تكون في موضع نصب على الاستثناء، والأولى أنتكون في موضع رفع على البدل. وحكى ابن عطية في عن الزهراوي: أن موضع ما من قولهم: ما علمتنا، نصببعلمتنا، وهذا غير معقول. ألا ترى أن ما موصولة، وأن الصلة: علمتنا، وأن الصلة لا تعمل في الموصول ولكن يتكلفبه وجه وهو أن يكون استثناء منقطعاً فيكون معنى إلا: لكن، على التقدير الذي استقر في الاستثناء المنقطع، وتكون ماشرطية منصوبة بعلمتنا، ويكون الجواب محذوفاً كأنهم نفوا أولاً سائر العلوم ثم استدركوا أنه في المستقبل، أي شيء علمهم علموه،ويكون هذا أبلغ في ترك الدعوى، إذ محوا أنفسهم من سائر العلوم ونفوا جميعها، فلم يستثنوا لهم شيئاً سابقاً ماضياًتحلوا به، بل صاروا إلى الجهل الصرف والتبري من كل علم. وهذا الوجه ينافي ما روي أنه كان أعلمهم تعالى،أو علموا باطلاع من اللوح بأنه سيكون في الأرض من يفسد ويسفك، فإذا صح هذا كانوا قد بالغوا في نفيكل علم عنهم، وجعلوا هذا العلم الخاص كالمعدوم، ومن اعتقد أن الملائكة غير معصومين جعل قولهم، لا علم لنا توبة،ومن اعتقد بعصمتهم قال: قالوا ذلك على وجه الاعتراف بالعجز والتسليم بأنهم لا يعلمون إلا ما علموا، أو قالوا: {أَتَجْعَلُفِيهَا } الآية، لأنه أعلمهم بذلك، وأما الأسماء فكيف يعلمونها وما أعلمهم ذلك؟ ولما نفوا العلم عن أنفسهم أثبتوه للهتعالى على أكمل أوصافه من المبالغة فيه، ثم أردفوا الوصف بالعلم، الوصف بالحكمة، لأنه سبق قوله: {إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلارْضِخَلِيفَةً }. فلما صدر من هذا المجعول خليفة، ما صدر من فضيلة العلم تبين لهم وجه الحكمة في قوله: وجعلهخليفة. فانظر إلى حسن هذا الجواب كيف قدموا بين يديه تنزيه الله، ثم اعترفوا بالجهل، ثم نسبوا إلى اللهالعلم والحكمة، وناسب تقديم الوصف بالعلم على الوصف بالحكمة، لأنه المتصل به في قوله: {وَعَلَّمَ }، {أَنبِئُونِى }، {لاَ عِلْمَلَنَا }. فالذي ظهرت به المزية لآدم والفضيلة هو ، فناسب ذكره متصلاً به، ولأن الحكمة إنما هي آثار وناشئةعنه، ولذلك أكثر ما جاء في القرآن تقديم الوصف بالعلم على الوصف بالحكمة. ولأن يكون آخر مقالهم مخالفاً لأوله حتىيبين رجوعهم عن قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا }، وعلى القول بأن الحكيم هو ذو الحكمة، يكون الحكيم صفة ذات، وعلى القولبأنه المحكم لصنعته يكون صفة فعل. وأنت: يحتمل أن يكون توكيداً للضمير، فيكون في موضع نصب، أو مبتدأ فيكون فيموضع رفع، والعليم مخبره، أو فضلاً فلا يكون له موضع من الإعراب، على رأي البصريين، ويكون له موضع من الإعرابعلى رأي الكوفيين. فعند الفراء موضعه على حسب الاسم قبله، وعند الكسائي على حسب الاسم بعده، والأحسن أن يحمل العليمالحكيم على العموم، وقد خصه بعضهم فقال: العليم بما أمرت ونهيت، الحكيم فيما قدرت وقضيت. وقال آخر: العليم بالسر والعلانية،والحكيم فيما يفعله وهو قريب من الأول. {قَالَ يَـاءادَمُ * ءادَمَ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ }: نادى آدم باسمه العلم، وهيعادة الله مع أنبيائه، قال تعالى:

{ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مّنَّا }

{ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ }

{ يٰإِبْرٰهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَا }

{ يٰمُوسَىٰ إِنّى أَنَا ٱللَّهُ }

{ ُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ }

، ونادى محمداًنبينا ﷺ وعلى سائر الأنبياء بالوصف الشريف من الإرسال والإنباء فقال:

{ يا أيها ٱلرَّسُولَ }

{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ }

. فانظر تفاوت ما بين هذا النداء وذاك النداء، والضمير في أنبئهم عائد إلى الملائكة، وفي بأسمائهم عائد على المعروضينعلى الخلاف السابق. قال القشيري: من آثار العناية بآدم عليه السلام لما قال للملائكة: أنبئوني، داخلهم من هيبة الخطاب ماأخذهم عنهم، لا سيما حين طالبهم بإنبائهم إياه ما لم تحط بهم علمومهم. ولما كان حديث آدم رده في الإنباءإليهم فقال: {أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ }، ومخاطبة آدم للملائكة لم توجب الاستغراق في الهيبة. فلما أخبرهم آدم عليه السلام بأسماء ماتقاصرت عنه علومهم، ظهرت فضيلته عليهم فقال: {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ }، يعني ما تقاصرت عنه علومالخلق وأعلم ما تبدون من الطاعات وتكتمون من اعتقاد الخيرية على آدم. انتهى كلام القشيري. والجملة المفتتحة بالقول إذاكانت مرتباً بعضها على بعض في المعنى، فالأصح في لسان العرب أنها لا يؤتى فيها بحرف ترتب، اكتفاء بالتريب المعنوي،نحو قوله تعالى: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا }، أتى بعده، {قَالَ إِنّي أَعْلَمُ }، ونحو: {قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ }، {قَالَ يَـاءادَمُ *ءادَمَ أَنبِئْهُم }، ونحو:

{ قَالَ لاَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ }

{ قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ }

، {قَالَ كَمْ لَبِثْتَقَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ }،

{ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ }

، {قَالَ أو لَّمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِنلّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى }،

{ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ ٱلطَّيْرِ }

. وقد جاء في سورة الشعراء من ذلك عشرون موضعاً في قصةموسى، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، في إرساله إلى فرعون ومحاورته معه، ومحاورة السحرة، إلى آخر القصة، دون ثلاثة،جاء منها اثنان جواباً وواحد كالجواب، ونحو هذا في القرآن كثير. وقرأ الجمهور: أنبئهم بالهمز وضم الهاء، وهذا الأصل كماتقول: أكرمهم. وروي عن ابن عباس: أنبئهم بالهمز وكسر الهاء، ووجهه أنه أتبع حركة الهاء لحركة الباء، ولم يعتد بالهمزةلأنها ساكنة، فهي حاجز غير حصين. وقرىء: أنبيهم، بإبدال الهمزة وكسر الهاء. وقرأ الحسن والأعرج وابن كثير من طريق القواس:أنبهم، على وزن أعطهم، قال ابن جني: هذا على إبدال الهمزة ياء، على أنك تقول: أنبيت، كأعطيت، قال: وهذا ضعيففي اللغة لأنه بدل لا تخفيف. والبدل عندنا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر. انتهى كلام أبي الفتح. وما ذكرمن أنه لا يجوز إلا في ضرورة الشعر ليس بصحيح. حكى الأخفش في الأوسط: أن العرب تحول من الهمزةموضع اللام ياء، فيقولون: قريت، وأخطيت، وتوضيت، قال: وربما حولوه إلى الواو، وهو قليل، نحو: رفوت، والجيد: رفأت، ولم أسمع:رفيت. انتهى كلام الأخفش. ودل ذلك على أنه ليس من ضرائر الشعر، كما ذكر أبو الفتح، وهو قوله تعالى: {أَنبِئْهُمبِأَسْمَائِهِمْ }. وقوله: {فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم }: جملة محذوفة، التقدير: فأنبئهم بها، فلما أنبأهم حذفت لفهم المعنى، وفي قوله: أنبئوني،فلما أنبأهم تنبيه على إعلام الله أنه قد أعلم الله أنه قد أعلم آدم من أحوالهم ما لم يعلمهم منحاله، لأنهم رأوه قبل النفخ مصوراً، فلم يعلموا ما هو، وعلى أنه رفع درجة آدم عندهم، لكونه قد علم لآدمما لم يعلمهم، وعلى إقامته مقام المفيد المعلم، وإقامتهم مقام المستفيدين منه، لأنه أمره أن يعلمهم أسماء الذين عرضهم عليهموعلى أدبهم على ترك الأدب من حيث قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا }، فإن الطواعية المحضة ويكونوا مع عدم العلم بالحكمة فيماأمروا به، وعدم الاطلاع على ذلك الأمر ومصلحته ومفسدته كهم مع العلم والاطلاع. وكان الامتثال والتسليم، بغير تعجب ولا استفهام،أليق بمقامهم لطهارة ذواتهم وكمال صفاتهم. وفي كتاب بعض من عاصرناه، قالت المعتزلة: ظهر من آدم عليه السلام فيعلمه بالأسماء معجزة دالة على نبوته في ذلك الوقت، والأقرب أنه كان مبعوثاً إلى حواء، ولا يبعد أن يكون أيضاًمبعوثاً إلى من توجه التحدي إليهم من الملائكة، لأن جميعهم، وإن كانوا رسلاً، فقد يجوز الإرسال إلى الرسول، كبعثه إبراهيمعليه السلام إلى لوط عليه السلام، واحتجوا بكونه ناقضاً للعادة. ولقائل أن يقول: حصول العلم باللغة لمن علمه الله وعدمحصوله لمن لم يعلم ليس بناقض للعادة. وأيضاً، فالملائكة أما إن علموا وضع تلك الأسماء للمسميات فلا مزية أو لا،فكيف علموا إصابته في ذلك؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أنه ربما يكون لكل صنف منهم لغة، ثم حضر جميعهم فعرفكل صنف إصابته في تلك اللغة، إلا أنهم بأسرهم عجزوا عن معرفتها بأسرها. الثاني: أن الله عرفهم الدليل على صدقه،ولم لا يكون من باب الكرامات أو من باب الإرهاص؟ واحتج من قال: لم يكن نبياً، بوجوه: أحدها: صدور المعصيةعنه بعد، وذلك غير جائز على النبي. وثانيها: أنه لو كان مبعوثاً لكان إلى أحد، لأن المقصود منه التبليغ، وذلكلا يكون الملائكة، لأنهم أفضل، ولا حوّاء، لأنها مخاطبة بلا واسطة بقوله: {وَلاَ تَقْرَبَا }، ولا الجن، لأنهم لم يكونوافي السماء. وثالثها: قوله: {ثُمَّ ٱجْتَبَـٰهُ }، وهذا يدل على أن الاجتباء كان بعد الزلة، والنبي لا بد أن يكونمجتبى وقت كونه نبياً. {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ }؛ جواب فلما، وقد تقدّم ذكر الخلاف في لما المقتضية للجواب،أي حرف أم ظرف؟ ورجحنا الأول وذكرنا أنه مذهب سيبويه. وألم: أقل تقرير، لأن الهمزة إذا دخلت على النفي كانالكلام في كثير من المواضع تقريراً نحو قوله تعالى:

{ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ }

{ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ }

{ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً }

؟ ولذلك جاز العطف على جملة إثباتية نحو: ووضعنا، ولبثت، ولكم فيه، تنبيههم بالخطاب وهزهم لسماع المقول، نحو قوله:

{ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً }

نبهه في الثانية بالخطاب. وقد تقدم أن اللام في نحو: قلتلك، أو لزيد، للتبليغ، وهو أحد المعاني التي ذكرناها فيها. {إِنِي أَعْلَمُ }: ياء المتكلم المتحرك ما قبلها، إذا لقيتهمزة القطع المفتوحة، جاز فيها وجهان: التحريك والإسكان، وقرىء بالوجهين في السبعة، على اختلاف بينهم في بعض ذلك، وتفصيل ذلكمذكور في كتب القراءات. وسكنوا في السبعة إجماعاً تفتني ألا،

{ أَرِنِى أَنظُرْ }

{ فَٱتَّبِعْنِى أَهْدِكَ }

{ وَتَرْحَمْنِى أَكُن }

، ولايظهر بشيء من اختلافهم واتفاقهم علة إلا اتباع الرواية. والخلاف الذي تقدم في أعلم من كونه منصوباً أو مجروراً جازهنا، وقد تقدم إيضاحه هناك فلا نعيده هنا. وقد حكى ابن عطية عن المهدوي ما نصه: قال المهدوي: ويجوزأن يكون قوله: أعلم اسماً بمعنى التفضيل في العلم، فتكون ما في موضع خفض بالإضافة. قال ابن عطية: وإذا قدرالأول اسماً، فلا بد من إضمار فعل ينصب غيب، تقديره: إني أعلم من كل أعلم غيب، وكونها في الموضعين فعلاًمضارعاً أخصر وأبلغ. انتهى. وما نقله ابن عطية عن المهدوي وهم. والذي ذكر المهدوي في تفسيره ما نصه: {وَأَعْلَمُ مَاتُبْدُونَ }، يجوز أن ينتصب ما بأعلم على أنه فعل، ويجوز أن يكون بمعنى عالم، أو يكون ما جراً بالإضافة،ويجوز أن يقدر التنوين في أعلم إذا قدرته بمعنى عالم وتنصب ما به، فيكون بمعنى حواج بيت الله، انتهى. فأنتترى أنه لم يذهب إلى أن أفعل للتفضيل وأنه لم يجز الجر في ما والنصب، وتكون أفعل اسماً إلا إذاكان بمعنى فاعل لا أفعل تفضيل، ولا يمكن أن يقال ما نقله ابن عطية عن المهدوي من جواز أن يكونأعلم أفعل بمعنى التفضيل، وخفض ما بالإضافة ألبتة. {غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضِ }: تقدم الكلام على هذه الألفاظ الثلاثة، واختلففي الغيب هنا، فقيل: غيب السموات: كل آدم وحواء من الشجرة، لأنها أول معصية وقعت في السماء، وغيب الأرض: قتلقابيل هابيل، لأنها أول معصية كانت في الأرض. وقيل: غيب السموات ما قضاه من أمور خلقه، وغيب الأرض ما فعلوهفيها بعد القضاء. وقيل: غيب السموات ما غاب عن ملائكته المقربين وحملة عرشه مما استأثر به تعالى من أسرار الملكوتالأعلى، وغيب الأرض ما أخفاه عن أنبيائه وأصفيائه من أسرار ملكوته الأدنى وأمور الآخرة الأولى. {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَاكُنتُمْ تَكْتُمُونَ } قال علي وابن مسعود وابن عباس، رضوان الله عليهم أجمعين: ما تبدون: الضمير للملائكة، وما كنتم تكتمون:يعني إبليس. فيكون من خطاب الجمع، ويراد به الواحد نحو:

{ إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ }

. وروي أن إبليس مرّ على جسدآدم بين مكة والطائف قبل أن ينفخ فيه الروح فقال: لأمر مّا خلق هذا، ثم دخل من فيه وخرج مندبره وقال: إنه خلق لا يتمالك لأنه أجوف، ثم قال للملائكة الذين معه: أرأيتم إن فضل هذا عليكم وأمرتم بطاعتهما تصنعون؟ قالوا: نطيع الله، فقال إبليس في نفسه: والله لئن سلّطت عليه لأهلكنه، ولئن سلّط علي لأعصينه، فهذا قولهتعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } الآية، يعني: من قول الملائكة وكتم إبليس. وقال الحسن وقتادة: ما أبدوه هو قولهم: {أَتَجْعَلُفِيهَا * وَمَا * يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ * وَقُل رَّبّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ ٱلرحِمِينَ * سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا وَفَرَضْنَـٰهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا}، وما كتموه أضمروه من الطاعة لله والسجود لآدم. وقيل: ما أبدوه هو الإقرار بالعجز، وما كتموه الكراهية لاستخلاف آدمعليه السلام. وقيل: هو عام فيما أبدوه وما كتموه من كل أمورهم، وهذا هو الظاهر. وأبرز الفعل في قوله: {وَٱعْلَمْ} ليكون متعلقه جملة مقصودة بالعامل، فلا يكون معمولها مندرجاً تحت الجملة الأولى، وهو يدل على الاهتمام بالإخبار، إذ جعلمفرداً بعامل غير العامل، وعطف قوله {وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } هو من باب الترقي في الإخبار، لأن علم الله تعالىواحد لا تفاوت فيه بالنسبة إلى شيء من معلوماته، جهراً كان أو سراً، ووصل ما بكنتم يدل على أن الكتموقع فيما مضى، وليس المعنى أنهم كتموا عن الله لأن الملائكة أعرف بالله وأعلم، فلا يكتمون الله شيئاً، وإنما المعنىأنه هجس في أنفسهم شيء لم يظهره بعضهم لبعض، ولا أطلعه عليه، وإن كان المعنى إبليس، فقد تقدم أنه قالفي نفسه: ما حكيناه قيل عنه، فكتم ذلك عن الملائكة. وقد تضمن آخر هذه الآية من علم البديع الطباق وهوقوله: {مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ }.

{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }عدل

قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لاِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَٱلْكَـٰفِرِينَ } السجود: التذلل والخضوع، وقال ابن السكيت: هو الميل، وقال بعضهم: سجد وضع جبهته بالأرض، وأسجد: ميل رأسه وانحنى،وقال الشاعر:

تـرى ألا كـم فيهـا سجـداً للحوافـر

يريد أن الحوافر تطأ الأكم، فجعل تأثر الأكم للحوافر سجوداً مجازاً، وقالآخر:

كمــا سجــدت نصـرانـة لــم تحنـف

وقال آخر:

سجـــود النصــارى لأحبـــارهـــا

يريد الإنحناء. إبليس: اسم أعجميّ منع الصرف للعجمةوالعلمية، قال الزجاج: ووزنه فعليل، وأبعد أبو عبيدة وغيره في زعمه أنه مشتق من الإبلاس، وهو الإبعاد من الخير، ووزنهعلى هذا، فعيل، لأنه قد تقرر في علم التصريف أن الاشتقاق العربي لا يدخل في الأسماء الأعجمية، واعتذر من قالبالاشتقاق فيه عن منع الصرف بأنه لا نظير له في الأسماء، وردّ بإغريض، وإزميل، وإخريط، وإجفيل، وإعليط، وإصليت، وإحليل، وإكليل،وإحريض. وقد قيل: شبه بالأسماء الأعجمية، فامتنع الصرف للعلمية، وشبه العجمة، وشبه العجمة هو أنه وإن كان مشتقاً من الإبلاسفإنه لم يسم به أحد من العرب، فصار خاصاً بمن أطلقه الله عليه، فكأنه دليل في لسانهم، وهو علم مرتجل.وقد روي اشتقاقه من الإيلاس عن ابن عباس والسدي، وما إخاله يصح. الإباء: الامتناع، قال الشاعر:

وأما أن تقولوا قد أبينا فشرّ مواطن الحسب الإباء

والفعل منه: أبي يأبى، ولما جاء مضارعه على يفعلبفتح العين وليس بقياس أمرى، كأنه مضارع فعل بكسر العين، فقالوا فيه: يئبىٰ بكسر حرف المضارعة، وقد سمع فيه أبيبكسر العين فيكون يأبىٰ على هذه اللغة قياساً، ووافق من قال أبي بفتح العين على هذه اللغة. وقد زعم أبوالقاسم السعدي أن أبىٰ يأتي بفتح العين لا خلاف فيه، وليس بصحيح، فقد حكى أبىٰ بكسر العين صاحب المحكم. وقدجاء يفعل في أربعة عشر فعلاً وماضيها فعل، وليست عينه ولا لامه حرف حلق. وفي بعضها سمع أيضاً فعل بكسرالعين، وفي بعض مضارعها سمع أيضاً يفعل ويفعل بكسر العين وضمها، ذكرها التصريفيون. الاستكبار والتكبر: وهو مما جاء فيه استفعلبمعنى تفعل، وهو أحد المعاني الإثنى عشر التي جاءت لها استفعل، وهي مذكورة في شرح نستعين. {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِٱسْجُدُواْ لاِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } لم يؤثر فيها سبب نزول سمعي، ومناسبة هذه الآيةلما قبلها أن الله تعالى لما شرف آدم بفضيلة العلم وجعله معلماً للملائكة وهم مستفيدون منه مع قولهم السابق: {أَتَجْعَلُفِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء }. أراد الله أن يكرم هذا الذي استخلفه بأن يسجد له ملائكته، ليظهر بذلكمزية العلم على مزية العبادة. قال الطبري: قصة إبليس تقريع لمن أشبهه من بني آدم، وهم اليهود الذين كفروا بمحمدﷺ، مع علمهم بنبوته، ومع قدم نعم الله عليهم وعلى أسلافهم. وإذ: ظرف كما سبق فقيل بزيادتها.وقيل: العامل فيها فعل مضمر يشيرون إلى ادكر. وقيل: هي معطوفة على ما قبلها، يعني قوله: {وَإِذْ قَالَتْ * رَبَّكَ}، ويضعف الأول بأن الأسماءلا تزاد، والثاني أنها لازم ظرفيتها، والثالث لاختلاف الزمانين فيستحيل وقوع العامل الذي اخترناه في إذالأولى في إذ هذه. وقيل: العامل فيها أبى، ويحتمل عندي أن يكون العامل في إذ محذوف دل عليه قوله: {فَسَجَدُواْ}، تقديره: انقادوا وأطاعوا، لأن السجود كان ناشئاً عن الانقياد للأمر. وفي قوله: {قُلْنَا } التفات، وهو من أنواع البديع،إذ كان ما قبل هذه الآية قد أخبر عن الله بصورة الغائب، ثم انتقل إلى ضمير المتكلم، {وَءاتَى * بِنَا} التي تدل على التعظيم وعلوّ القدرة وتنزيله منزلة الجمع، لتعدد صفاته الحميدة ومواهبه الجزيلة. وحكمة هذا الالتفات وكونهبنون المعظم نفسه أنه صدر منه الأمر للملائكة بالسجود، ووجب عليهم الامتثال، فناسب أن يكون الأمر في غاية من التعظيم،لأنه متى كان كذلك كان أدعى لامتثال المأمور فعل ما أمر به من غير بطء ولا تأول لشغل خاطره بورودما صدر من المعظم. وقد جاء في القرآن نظائر لهذا، منها:

{ وَقُلْنَا يَاءادَمُ ٱسْكُنْ }

{ وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ }

{ قُلْنَا يٰنَّار كُونِى بَرْداً } ، وقلنا من بعده لبني إسرائيل:

{ ٱسْكُنُواْ ٱلاْرْضَ }

{ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ }

{ وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ } . فأنت ترى هذا الأمر وهذا النهي كيف تقدّمهما الفعل المسند إلى المتكلم المعظم نفسه، لأن الآمر اقتضى الاستعلاء علىالمأمور، فظهر للمأمور بصفة العظمة، ولا أعظم من الله تعالى، والمأمورون بالسجود، قال السدي: عامة الملائكة. وقال ابن عباس: الملائكةالذين يحكمون في الأرض. وقرأ الجمهور: للملائكة بجر التاء. وقرأ أبو جعفر يزيد ابن القعقاع وسليمان بن مهران: بضم التاء،اتباعاً لحركة الجيم ونقل أنها لغة أزدشنوءة. قال الزجاج: هذا غلط من أبي جعفر، وقال الفارسي: هذا خطأ، وقال ابنجني: لأن كسرة التاء كسرة إعراب، وإنما يجوز هذا الذي ذهب إليه أبو جعفر، إذا كان ما قبل الهمزة ساكناًصحيحاً نحو:

{ وَقَالَتِ ٱخْرُجْ } . وقال الزمخشري: لا يجوز لاستهلاك الحركة الإعرابية بحركة الاتباع إلا في لغة ضعيفة كقولهم: {ٱلْحَمْدُللَّهِ }، انتهى كلامه. وإذا كان ذلك في لغة ضعيفة، وقد نقل أنها لغة أزدشنوءة، فلا ينبغي أن يخطأ القارىءبها ولا يغلط، والقارىء بها أبو جعفر، أحد القراء المشاهير الذين أخذوا القرآن عرضاً عن عبد الله بن عباس وغيرهمن الصحابة، وهو شيخ نافع بن أبي نعيم، أحد القراء السبعة، وقد علل ضم التاء لشبهها بألف الوصل، ووجه الشبهأن الهمزة تسقط في الدرج لكونها ليست بأصل، والتاء في الملائكة تسقط أيضاً لأنها ليست بأصل. ألا تراهم قالوا: الملائك؟وقيل: ضمت لأن العرب تكره الضمة بعد الكسرة لثقلها. {وَٱسْجُدُواْ }: أمر، وتقتضي هذه الصيغة طلب إيقاع الفعل فيالزمان المطلق استقباله، ولا تدل بالوضع على الفور، وهذا مذهب الشافعي والقاضي أبي بكر بن الطيب، واختاره الغزالي والرازي خلافاًللماليكة من أهل بغداد، وأبي حنيفة ومتبعيه. وهذه مسألة يبحث فيها في أصول الفقه، وهذ الخلاف إنما هو حيث لاتدل قرينة على فور أو تأخير. وأما هنا فالعطف بالفاء يدل على تعقيب القول بالفعل من غير مهلة، فتكون الملائكةقد فهموا الفور من شيء آخر غير موضوع اللفظ، فلذلك بادروا بالفعل ولم يتأخروا. والسجود المأمور به والمفعول إيماء وخضوع،قاله الجمهور، أو وضع الجبهة على الأرض مع التذلل، أو إقرارهم له بالفضل واعترافهم له بالمزية، وهذا يرجع إلى معنىالسجود اللغوي، قال: فإن من أقر لك بالفضل فقد خضع لك. {لاِدَمَ }: من قال بالسجود الشرعي قال: كان السجودتكرمة وتحية له، وهو قول الجمهور: علي وابن مسعود وابن عباس، كسجود أبوي يوسف، لا سجود عبادة، أو لله تعالى،ونصبه الله قبلة لسجودهم كالكعبة، فيكون المعنى إلى آدم، قاله الشعبي، أو لله تعالى، فسجد وسجدوا مؤتمين به، وشرفه بأنجعله إماماً يقتدون به. والمعنى في: {لاِدَمَ } أي مع آدم. وقال قوم: إنما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم قبلأن يخلقه، فالسجود امتثال لأمر الله، والسجود له، قاله مقاتل، والقرآن يرد هذا القول. وقال قوم: كان سجود الملائكة مرتين.قيل: والإجماع يرد هذا القول، والظاهر أن السجود هو بالجبهة لقوله: { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ } . وقيل: لا دليل في ذلك، لأن الجاثي على ركبتيه واقع، وأن السجود كان لآدم على سبيل التكرمة، وقال بعضهم:السجود لله بوضع الجبهة، وللبشر بالانحناء، انتهى. ويجوز أن يكون السجود في ذلك الوقت للبشر غير محرم، وقد نقل أنالسجود كان في شريعة من قبلنا هو التحية، ونسخ ذلك في الإسلام. وقيل: كان السجود لغير الله جائزاً إلى زمنيعقوب، ثم نسخ، وقال الأكثرون: لم ينسخ إلى عصر رسول الله ﷺ. وروي أنه صلى الله عليهوسلم قال في حديث عرض عليه الصحابة أن يسجدوا له: لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله رب العالمين ،وأن معاذاً سجد للنبي ﷺ فنهاه عن ذلك. قال ابن عطاء: لما استعظموا تسبيحهم وتقديسهم أمرهم بالسجودلغيره ليريهم بذلك استغناءه عنهم وعن عبادتهم. {فَسَجَدُواْ }، ثم: محذوف تقديره: فسجدوا له، أي لآدم. دل عليه قول:{ٱسْجُدُواْ لاِدَمَ }، واللام في لآدم للتبيين، وهو أحد المعاني السبعة عشر التي ذكرناها عند شرح {ٱلْحَمْدُ للَّهِ }. {إِلاَّإِبْلِيسَ }: هو مستنثى من الضمير في فسجدوا، وهو استثناء من موجب في نحو هذه المسألة فيترجح النصب، وهو استثناءمتصل عند الجمهور: ابن مسعود وابن عباس وابن المسيب وقتادة وابن جريج، واختاره الشيخ أبو الحسن والطبري، فعلى هذا يكونملكاً ثم أبلس وغضب عليه ولعن فصار شيطاناً. وروى في ذلك آثار عن ابن عباس وقتادة وابن جبير، وقد اختلففي اسمه فقيل: عزازيل، وقيل: الحارث. وقيل: هو استثناء منقطع، وأنه أبو الجن، كما أن آدم أبو البشر، ولم يكنقط ملكاً، قاله ابن زيد والحسن، وروي عن ابن عباس. وروي عن ابن مسعود وشهر بن حوشب: أنه من الجنالذين كانوا في الأض وقاتلتهم الملائكة، فسبوه صغيراً وتعبد مع الملائكة وخوطب معهم، واستدل على أنه ليس من الملائكة بقوله تعالى: { جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } فعم، فلا يجوز على الملائكة الكفر ولا الفسق، كما لا يجوز على رسله من البشر،وبقوله: { لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } ، وبقوله: { كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ } ، وبأن له نسلاً، بخلاف الملائكة،والظاهر أنه استثناء متصل لتوجه الأمر على الملائكة، فلو لم يكن لما توجه الأمر عليه، فلم يقع عليه ذم لتركهفعل ما لم يؤمر به. وأما جاعل الملائكة رسلاً، ولا يعصون الله ما أمرهم، فهو عام مخصوص، إذ عصمتهم ليستلذاتهم، إنما هي بجعل الله لهم ذلك، وأما إبليس فسلبه الله تعالى الصفات الملكية وألبسه ثياب الصفات الشيطانية. وأما قولهتعالى: {كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ }، فقال قتادة: هم صنف من الملائكة يقال لهم الجنة. وقال ابن جبير: سبط من الملائكةخلقوا من نار، وإبليس منهم، أو أطلق عليه من الجن لأنه لا يرى، كما سمي الملائكة جنة، أو لأنه سميباسم ما غلب عليه، أو بما كان من فعله، أو لأن الملائكة تسمى جنَّاً. قال الأعشى في ذكر سليمان علىنبينا وعليه السلام:

وسخر من جن الملائك تسعة قياماً لديه يعملون بلا أجر

{أَبَىٰ}: امتنع وأنف من السجود لآدم. {وَٱسْتَكْبَرَ }: تكبر وتعاظم في نفسه وقدم الإباء على الاستكبار، وإن كان الاستكبار هوالأول، لأنه من أفعال القلوب وهو التعاظم، وينشأ عنه الإباء من السجود اعتباراً بما ظهر عنه أولاً، وهو الامتناع منالسجود، ولأن المأمور به هو السجود، فلما استثنى إبليس كان محكوماً عليه بأنه ترك السجود، أو بأنه مسكوت عنه غيرمحكوم عليه على الاختلاف الذي نذكره قريباً إن شاء الله. والمقصود: الإخبار عنه بأنه خالف حاله حال الملائكة. فناسب أنيبدأ أولاً بتأكيد ما حكم به عليه في الاستثناء، أو بإنشاء الإخبار عنه بالمخالفة، والذي يؤدي هذا المعنى هو الإباءمن السجود. والخلاف الذي أشرنا إليه هو أنك إذا قلت: قام القوم إلا زيداً، فمذهب الكسائي أن التخريج من الاسم،وأن زيداً غير محكوم عليه ام ولا غيره، فيحتمل أن يكون قد قام، وأن يكون غير قائم. ومذهب الفراء أنالاستثناء من القول، والصحيح مذهبنا، وهو أن الاسم مستثنى من الاسم وأن الفعل مستثنى من الفعل. ودلائل هذه المذاهب مذكورةفي كتب النحو، ومفعول أبي محذوف لأنه يتعدى بنفسه إلى مفعول واحد، قال الشاعر:

أبى الضيم والنعمان يحرق نابه عليه فأفضى والسيوف معاقله

والتقدير: أبى السجود، وأبى من الأفعال الواجبة التي معناها النفي، ولهذايفرغ ما بعد إلا كما يفرغ لفعل المنفي، قال تعالى: { وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ } ، ولا يجوز: ضربتإلا زيداً على أن يكون استثناء مفرغاً لأن إلا لا تدخل في الواجب، وقال الشاعر:

أبى الله إلا عدله ووفاءه فلا النكر معروف ولا العرف ضائع

وأبى زيد الظلم: أبلغ من لم يظلم، لأن نفي الشيءعن الشخص قد يكون لعجز أو غيره، فإذا قلت: أبى زيد كذا، دل على نفي ذلك عنه على طريق الامتناعوالأنفة منه، فلذلك جاء قوله تعالى: {أَبَىٰ }، لأن استثناء إبليس لا يدل إلا على أنه لم يسجد، فلو اقتصرعليه لجاز أن يكون تخلفه عن السجود لأمر غير الإباء، فنص على سبب كونه لم يسجد وهو الإباء والأنفة.{وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } قيل: كان بمعنى صار، وقيل: على بابها أي كان في علم الله لأنه لا خلاف أنهكان عالماً بالله قبل كفره. فالمعنى: أنه كان في علم الله سيكون من الكافرين. قال أبو العالية: من العاصين، وصلةأل هنا ظاهرها الماضي، فيكون قد سبق إبليس كفار، وهم الجن الذين كانوا في الأرض، أو يكون إبليس أول منكفر مطلقاً، إن لم يصح أنه كان كفار قبله، وإن صح، فيفيد أول من كفر بعد إيمانه، أو يراد الكفرالذي هو التغطية للحق، وكفر إبليس قيل: جهل سلبه الله ما كان وهبه من العلم، فخالف الأمر ونزع يده منالطاعة، وقيل: كفر عناد ولم يسلب العلم بل كان الكبر مانعه من السجود. قال ابن عطية: والكفر عناداً مع بقاءالعلم مستبعد، إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذل الله لمن شاء، انتهى كلامه. وهذا الذي ذكره جوازهواقع بالفعل. هذا فرعون كان عالماً بوحدانية الله وربوبيته دون غيره، ومع ذلك حمله حب الرئاسة والإعجاب بما أوتي منالملك، فادعى الألوهية مع علمه. وأبو جهل، كان يتحقق رسالة النبي ﷺ ويعلم أن ما جاء بهحق، ومع ذلك أنكر نبوته، وأقام على الكفر. وكذلك الأخنس، وأمية بن أبي الصلت، وغيرهما ممن كفر عناداً، مع علمهمبصدق الرسل، وقد قسم العلماء الكفار إلى كافر بقلبه ولسانه، كالدهرية والمنكرين رسالة النبي ﷺ، وكافر بقلبهمؤمن بلسانه وهم المنافقون، ومؤمن بقلبه كافر بلسانه، كفرعون ومن ذكر معه فلا ينكر الكفر مع وجود العلم. وقد استدلالمعتزلة بهذه الآية على أن المعصية توجب الكفر، وأجيب بأنه كافر منافق وإن كان مؤمناً فإنما كفر لاستكباره واعتقاد كونهمحقاً في ذلك التمرد، واستدلاله على ذلك بقوله:

{ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } . قال القشيري: لما كان إبليس مدة في دلالطاعته يختال في مراد موافقته، سلموا له رتبة التقدم واعتقدوا فيه استحقاق التخصص، فصار أمره كما قيل:

وكان سراج الوصل أزهر بيننا فهبت به ريح من البين فانطفا

سئل أبو الفتوح أحمد، أخو أبيحامد الغزالي عن إبليس فقال: لم يدر ذلك المسكين أن أظافير القضاء إذا حكت أدمت وقسي القدر إذا رمت أصمت،ثم أنشد:

وكنا وليلى في صعود من الهوى فلما توافينا ثبت وزلت

{ وَقُلْنَا يَاآدَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ }عدل

{وَقُلْنَا يَاءادَمُ * ءادَمَ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَاوَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ } أسكن، أقم، ومصدره السكنى كالرجعى، والمعنى راجع إلى السكون، وهو عدم الحركة.وكان الساكن في المكان للبثه واستقراره فيه غير متحرك بالنسبة إلى غيره من الأماكن. رغداً: أي واسعاً كثير الاعناء فيه،قال امرؤ القيس:

بينما المرء تراه ناعما يأمن الأحداث في عيش رغد

وتميم تسكنالغين. وزعم بعض الناس أن كل اسم ثلاثي حلقي العين صحيح اللام يجوز فيه تحريك عينه وتسكينها، مثل: بحر وبحر،ونهر ونهر، فأطلق هذا الإطلاق، وليس كذلك، بل ما وضع من ذلك على فعل بفتح العين لا يجوز فيه التسكيننحو: السحر لا يقال فيه السحر، وإنما الكلام في فعل المفتوح الفاء الساكن العين، وفي ذلك خلاف. ذهب البصريون إلىأن فتح ما ورد من ذلك مقصور على السماع، وهو مع ذلك مما وضع على لغتين، لا أن أحدهما أصلللآخر. وذهب الكوفيون إلى أن بعضه ذو لغتين، وبعضه أصله التسكين ثم فتح. وقد اختار أبو الفتح مذهب الكوفيين، والاستدلالمذكور في كتب النحو. حيث: ظرف مكان مبهم لازم الظرفية، وجاء جره بمن كثيراً وبفي، وإضافة لدى إليه قليلاً، ولإضافتهالا ينعقد منها مع ما بعدها كلام، ولا يكون ظرف زمان خلافاً للأخفش، ولا ترفع اسمين نائبة عن ظرفين، نحو:زيد حيث عمر، وخلافاً للكوفيين، ولا يجزم بها دون ما خلافاً للفراء، ولا تضاف إلى المفرد خلافاً للكسائي، وما جاءمن ذلك حكمنا بشذوذ، وهي مبنية وتعتقب على آخرها الحركات الثلاث، ويجوز: حوث، بالواو وبالحركات الثلاثة. وحكى الكسائي أن إعرابهالغة بني فقعس. القربان: معروف، وهو الدنوّ من الشيء. هذه: تكسر الهاء باختلاس وأشباع، وتسكن، ويقال: هذي بالياء، والهاء فيماذكر وابدل منها، وقالوا: ذ بكسر الذال بغير ياء ولا هاء، وهي تأنيث ذا، وربما ألحقوا التاء لتأنيث ذا فقالواذات مبنية على الكسر. الشجرة: بفتح الشين والجيم، وبعض العرب تكسر الشين، وإبدال الجيم ياء مع كسر الشين وفتحها منقول،وخالف أبو الفتح في كون اليد بدلاً، وقد أطلنا الكلام على ذلك في تأليفنا (كتاب التكميل لشرح التسهيل). والشجر: ماكان على ساق، والنجم: ما نجم وانبسط على الأرض ليس له ساق. الظلم: أصله وضع الشيء في غير موضعه، ثميطلق على الشرك، وعلى الجحد، وعلى النقص. والمظلومة: الأرض التي لم تمطر، ومعناه راجع إلى النقص. {وَقُلْنَا يَاءادَمُ *ءادَمَ * ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ } الآية: لم يؤثر فيها سبب نزول سمعي، ومناسبتها لما قبلها: أن الله لماشرف آدم برتبة العلم وبإسجاد الملائكة له، امتن عليه بأن أسكنه الجنة التي هي دار النعيم. أباح له جميع مافيها إلا الشجرة، على ما سيأتي فيها، إن شاء الله. وقلنا: معطوف على الجملة السابقة التي هي قوله تعالى: {وَإِذْقُلْنَا} لا على قلنا وحده لاختلاف زمانيهما، ومعمول القول المنادى وما بعده، وفائدة النداء تنبيه المأمور له يلقى إليه منالأمر، وتحريكه لما يخاطب به، إذ هو من الأمور التي ينبغي أن يجعل لها البال، وهو الأمر بسكنى الجنة. قالوا:ومعنى الأمر هنا إباحة السكنى والإذن فيها، مثل:

{ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـٰدُواْ }

{ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلاْرْضِ }

لأنالاستقرار في المواضع الطيبة لا تدخل تحت التعبد، وقيل: هو أمر وجوب وتكليف، لأنه أمر بسكنى الجنة، وبأن يأكل منها،ونهاه عن شجرة واحدة. والأصح أن الأمر بالسكنى وما بعده مشتمل على ما هو إباحة، وهو الانتفاع بجميع نعيم الجنة،وعلى ما هو تكليف، وهو منعه من تناول ما نهى عنه. وأنت: توكيد للضمير المستكن في أسكن، وهذا أحد المواضعالتي يستكن فيها الضمير وجوباً. وزوجك: معطوف على ذلك الضمير المستكن، وحسن العطف عليه تأكيده بأنت، ولا يجوز عند البصريينالعطف عليه دون تأكيد أو فصل يقوم مقام التأكيد، أو فصل بلا بين حرف العطف والمعطوف، وما سوى ذلك ضرورةوشاذ. وقد روي: قم وزيد، وأجاز الكوفيون العطف على ذلك الضمير من غير توكيد ولا فصل. وتظافرت نصوص النحويين والمعربينعلى ما ذكرناه من أن وزوجك معطوف على الضمير المستكن في اسكن، ويكون إذ ذاك من عطف المفردات. وزعم بعضالناس أنه لا يجوز إلا أن يكون من عطف الجمل، التقدير: ولتسكن زوجك، وحذف: ولتسكن، لدلالة اسكن عليه، وأتى بنظائرمن هذا الباب نحو: لا نخلفه نحن ولا أنت، ونحو: تقوم أنت وزيد، ونحو: ادخلوا أولكم وآخركم، وقوله:

نطوف ما نطوف ثم يأوي ذوو الأموال منا والعديم

إذا أعربناه بدلاً لا توكيداً، هو علىإضمار، فتقديره عنده، ولا تخلفه أنت، ويقوم زيد، وليدخل أولكم وآخركم، ويأوي ذوو الأموال. وزعم أنه استخرج ذلك من نصكلام سيبويه، وليس كما زعم بل نص سيبويه على مسألة العطف في كتابه، كما ذهب إليه النحويون. قال سيبويه، رحمهالله: وأما ما يقبح أن يشركه المظهر فهو الضمير المرفوع، وذلك فعلت وعبد الله، وأفعل وعبد الله، ثم ذكر تعليلالخليل لقبحه، ثم قال: نعته حسن أن يشركه المظهر، وذلك قولك: ذهبت أنت وزيد. وقال الله عز وجل:

{ ٱذْهَبْ أَنتَ * وَرَبُّكَ فَقَاتِلا }

{ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ }، انتهى. فهذا نص من سيبويه على أنه من عطف المظهرعلى المضمر، وقد أجمع النحويون على جواز: تقوم عائشة وزيد، ولا يمكن لزيد أن يباشر العامل، ولا نعلم خلافاً أنهذا من عطف المفردات. ولتكميل الكلام على هذه المسألة مكان غير هذا، وتوجه الأمر بالسكنى على زوج آدم دليل علىأنها كانت موجودة قبله، وهو قول بعض المفسرين أنها خلقت من وقت علمه الله الأسماء وأنبأهم هو إياها. نام نومةفخلقت من ضلعه الأقصر قبل دخول الجنة. وأكثر أئمة التفسير أنها خلقت بعد دخول آدم الجنة. استوحش بعد لعن إبليسوإخراجه من الجنة فنام، فاستيقظ فوجدها عند رأسه قد خلقها الله من ضلعه الأيسر، فسألها: من أنت؟ قالت: امرأة، قال:ولم خلقت؟ قالت: تسكن إليّ، فقالت له الملائكة، ينظرون مبلغ علمه: ما اسمها؟ قال: حوّاء. قالوا: لم سميت حوّاء؟ قال:لأنها خلقت من شيء حي. وفي هذه القصة زيادات ذكرها المفسرون لا نطول بذكرها لأنها ليست مما يتوقف عليها مدلولالآية ولا تفسيرها. وعلى هذا القول يتوجه الخطاب على المعدوم، لأنه في علم الله موجود، ويكون آدم قد سكنالجنة لما خلقت أمراً معاً بالسكنى، لتسكن قلوبهم وتطمئن بالقرار في الجنة. وقد تكلم بعض الناس على أحكام السكنى، والعمرى،والرقبى، وذكر كلام الفقاء في ذلك، واختلافهم حين فسر قوله تعالى: {ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ }، وليس في الآية مايدل على شيء مما ذكر. الجنة: قال أبو القاسم البلخي، وأبو مسلم الأصبهاني: كانت في الأرض، قيل: بأرض عدن.والهبوط: الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في قوله:

{ ٱهْبِطُواْ مِصْرًا }

، لأنها لو كانت دار الخلد لما لحقه الغرورمن إبليس بقوله:

{ هَلْ أَدُلُّكَ }

، ولأن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله:

{ وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ }

،ولأن إبليس ملعون، فلا يصل إلى جنة الخلد، ولأن دار الثواب لا يفنى نعيمها لقوله:

{ أُكُلُهَا دَائِمٌ }

، ولأنه لايجوز في حكمته أن يبتدىء الخلق في جنة يخلدهم، ولأنه لا نزاع في أنه تعالى خلق آدم في الأض، ولميذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء. ولو كان نقله إلى السماء لكان أولى بالذكر، لأنه من أعظم النعم.وقال الجبائي: كانت في السماء السابعة لقوله: {ٱهْبِطُواْ }، ثم الهبوط الأول كان من تلك السماء إلى السماء الأولى، والهبوطالثاني كان من السماء إلى الأرض. وقالت الجمهور: هي في السماء، وهي دار الثواب، لأن الألف واللام في الجنة لاتفيد العموم، لأن سكنى جميع الجنان محال، فلا بد من صرفها إلى المعهود السابق، والمعهود دار الثواب، ولأنه ثبت فيالصحيح في محاجة آدم موسى فقال له: يا آدم أنت أشقيت بنيك وأخرجتهم من الجنة؟ فلم ينازعه آدم في ذلك.وقيل: هي السماء وليست دار الثواب، بل هي جنة الخلد. وقيل: في السماء جنة غير دار الثواب وغير جنة الخلد.ورد قول من قال: إنها بستان في السماء، فلم يصح أن في السماء بساتين غير بساتين الجنة. ومما استدل بهمن قال: إنها في الأرض قوله تعالى:

{ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً * إِلاَّ قِيلاً سَلَـٰماً سَلَـٰماً }

{ وَلاَ * لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيم

{ وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } . وقد لغا إبليس فيها وكذب وأخرج منها آدم وحوّاء،ولأنها لو كانت دار الخلد لما وصل إليها إبليس ووسوس لهما حتى أخرجهما، ولأن جنة الخلد دار نعيم وراحة وليستبدار تكليف. وقد تكلف آدم أن لايأكل من الشجرة، ولأن إبليس كان من الجن المخلوقين من نار السموم. وقد نقلأنه كان من الجن الكفار الذين طردوا في الأرض، ولو كانت جنة الخلد لما دخلها، ولأنها محل تطهير، فكيف يحسنأن يقع فيها العصيان والمخالفة ويحل بها غير المطهرين؟. وأجيب عن الآيات أنها محمولة على حالهم بعد دخول الاستقراروالخلود، لا على دخولهم على سبيل المرور والجواز. فقد صح دخول رسول الله ﷺ الجنة في ليلةالمعراج وفي غيرها، وأنه رآها في حديث الكسوف. وأما دخول إبليس إليها فدخول تسليط لا تكريم، وذلك إن صح قالوا:والصحيح أنه لم يدخل الجنة وقف على بابها وكلمهما، وأراد الدخول فردته الخزنة، وقيل: دخل في جوف الحية مستتراً. وأماكونها ليست دار تكليف، فذلك بعد دخولهم فيها للإقامة المستمرة والجزاء بالأعمال الصالحة. وأما الدخول الذي يعقبه الخروج بسبب المخالفة،فلا ينافي التكليف بل لا يكون خالياً منه. {وَكُلاًّ }: دليل على أن الخطاب لهما بعد وجود حوّاء، لأنالأمر بالأكل للمعدوم فيه بعد، إلا على تقدير وجوده، والأصل في: كل أؤكل. الهمزة الأولى هي المجتلبة للوصل، والثانية هيفاء الكلمة، فحذفت الثانية لاجتماع المثلين حذف شذوذ، فوليت همزة الوصل الكاف، وهي متحركة، وإنما اجتلبت للساكن، فلما زال موجباجتلابها زالت هي. قال ابن عطية وغيره: وحذفت النون من كلا للأمر، انتهى كلامه. وهذا الذي ذكر ليس على طريقةالبصريين، فإن فعل الأمر عندهم مبني على السكون، فإذا اتصل به ضمير بارز كانت حركة آخره مناسبة للضمير، فتقول: كلى،وكلا، وكلوا، وفي الإناث يبقى ساكناً نحو: كلن. وللمعتل حكم غير هذا، فإذا كان هكذا فقوله: وكلا، لم تكن فيهنون فتحذف للأمر، وإنما يكون ما ذكره على مذهب الكوفيين، حيث زعموا أن فعل الأمر معرب، وأن أصل: كل التأكل،ثم عرض فيه من الخذف بالتدريج إلى أن صار: كل. فأصل كلا: لتأكلا، وكان قبل دخول لام الأمر عليه فيهنون، إذ كان أصله: تأكلان، فعلى قولهم يتم قول ابن عطية: إن النون من كلا حذفت للأمر. {مِنْهَا }:الضمير عائد على الجنة، والمعنى على حذف مضاف، أي من مطاعمها، من ثمارها وغيرها، ودل ذلك على إباحة الأكل لهمامن الجنة على سبيل التوسعة، إذ لم يحظر عليهما أكل ما، إذ قال: {رَغَدًا }، والجمهور على فتح الغين. وقرأإبراهيم النخعي ويحيـى بن وثاب: بسكونها، وقد تقدم أنهما لغتان، وانتصاب رغداً، قالوا: على أنه نعت لمصدر محذوف تقديره أكلارغداً. وقال ابن كيسان: هو مصدر في موضع الحال، وفي كلا الإعرابين نظر. أما الأول: فإن مذهب سيبويه يخالفه، لأنهالا يرى ذلك، وما جاء من هذا النوع جعله منصوباً على الحال من الضمير العائد على المصدر الدال عليه الفعل.وأما الثاني: فإنه مقصور على السماع، قال الزجاج: الرغد الكثير الذي لا يعنيك، وقال مقاتل: الواسع، وقال مجاهد: الذي لايحاسب عليه، وقيل: السالم من الإنكار الهني، يقال: رغد عيش القوم، ورغد، بكسر الغين وضمها، إذا كانوا في رزق واسعكثير، وأرغد القوم: أخصبوا وصاروا في رغد من العيش. وقالوا عيشة رغد بالسكون أيضاً. {حَيْثُ شِئْتُمَا }: أباح لهماالأكل حيث شاءا فلم يحظر عليهما مكاناً من أماكن الجنة، كما لم يحظر عليهما مأكولاً إلا ما وقع النهي عنه.وشاء في وزنه خلاف، فنقل عن سيبويه: أن وزنه فعل بكسر العين فنقلت حركتها إلى الشين فسكنت، واللام ساكنة للضمير،فالتقى ساكنان، فحذفت لالتقاء الساكنين، وكسرت الشين لتدل على أن المحذوف هو ياء، كما صنعت في بعت. {وَلاَ تَقْرَبَا}: نهاهما عن القربان، وهو أبلغ من أن يقع النهي عن الأكل، لأنه إذا نهى عن القربان، فكيف يكون الأكلمنها؟ والمعنى: لا تقرباها بالأكل، لا أن الإباحة وقعت في الأكل. وحكى بعض من عاصرناه عن ابن العربي، يعني القاضيأبا بكر، قال: سمعت الشاشي في مجلس النضر بن شميل يقول: إذ قلت: لا تقرب، بفتح الراء معناه: لا تلبسبالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدن، وقد تقدم أن معنى: لا تقرب زيد: ألا تدن منه. وفيهذه الحكاية عن ابن العربي من التخليط ما يتعجب من حاكيها، وهو قوله: سمعت الشاشي في مجلس النضر بن شميل،وبين النضر والشاشي من السنين مئون، إلا إن كان ثم مكان معروف بمجلس النضر بن شميل فيمكن. وقرىء: ولا تقربابكسر التاء، وهي لغة عن الحجازيين في فعل يفعل، يكسرون حرف المضارعة التاء والهمزة والنون، وأكثرهم لا يكسر الياء، ومنهممن يكسرها، فإن كان من باب: يوحل، وكاسر، وفاتح، مع إقرار الواو وقلبها ألفاً. {هَـٰذِهِ }: إشارة للحاضر الغريب منالمخاطب. وقرأ ابن محيصن: هذي بالياء. وقرأ الجمهور بالهاء. {ٱلشَّجَرَةِ }: نعت لإسم الإشارة، ويحتمل الإشارة أن تكون إلىجنس من الشجر معلوم، ويحتمل أن تكون إلى شجرة واحدة من الجنس المعلوم، وهذا أظهر، لأن الإشارة لشخص ما يشارإليه. قال ابن مسعود وابن عباس وابن جبير وجعدة بن هبيرة: هي الكرم، ولذلك حرمت علينا الخمر، وقال ابن عباسأيضاً، وأبو مالك وقتادة: السنبلة، وكان حبها ككلى البقر أحلى من العسل وألين من الزبد. روي ذلك عن وهب. ولماتاب الله على آدم جعلها غذاء لبنيه. قال بعض الصحابة وقتادة: التين، وقال علي: شجرة الكافور. وقال الكلبي: شجرة العلم،عليها من كل لون، ومن أكل منها علم الخير والشر. وقال وهب: شجرة الخلد، تأكل منها الملائكة. وقال أبو العالية:شجرة من أكل منها أحدث. وقال بعض أهل الكتاب: شجرة الحنظل. وقال أبو مالك: النخلة. وقيل: شجرة المحنة. وقيل: شجرةلم يعلمنا الله ما هي، وهذا هو الأظهر، إذ لا يتعلق بعرفانها كبير أمر، وإنما المقصود إعلامنا أن فعل مانهينا عنه سبب للعقوبة. وقرىء: الشجرة بكسر الشين، حكاها هارون الأعور عن بعض القراء. وقرىء أيضاً الشيرة، بكسر الشين والياءالمفتوحة بعدها، وكره أبو عمرو هذه القراءة وقال: يقرأ بها برابر مكة وسودانها، وينبغي أن لا يكرهها، لأنها لغة منقولة،فيها قال الرياشي: سمعت أبا زيد يقول: كنا عند المفضل وعنده أعراب، فقلت: إنهم يقولون شيرة، فقالوا: نعم، فقلت له:قل لهم يصغرونها، فقالوا سبيرة، وأنشد الأصمعي:

نحسبــه بيــن الأنــام شيــره

وفي نهي الله آدم وزوجه عن قربان الشجرة دليلعلى أن سكناهما في الجنة لا تدوم، لأن المخلد لا يؤمر ولا ينهى ولا يمنع من شيء. فتكونا منصوب جوابالنهي، ونصبه عند سيبويه والبصريين بأن مضمرة بعد الفاء، وعند الجرمي بالفاء نفسه، وعند الكوفيين بالخلاف. وتحرير القول في هذهالمذاهب يذكر في كتب النحو. وأجازوا أن يكون فتكونا مجزوماً عطفاً على تقربا، قاله الزجاج وغيره، نحو قوله:

فقلت له صوب ولا تجهدنه فيذرك من أعلى القطاة فتزلق

والأول أظهر لظهور السببية، والعطف لايدل عليها. {مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ }: قيل لأنفسكما بإخراجكما من دار النعيم إلى دار الشقاء، أو بالأكل من الشجرة التي نهيتماعنها، أو بالفضيحة بين الملأ الأعلى، أو بمتابعة إبليس، أو بفعل الكبيرة، قاله الحشوية، أو بفعل الصغيرة، قاله المعتزلة، أوبإلزامها ما يشق عليها من التوبة والتلافي، قاله أبو علي، أو بحط بعض الثواب الحاصل، قاله أبو هاشم، أو بتركالأولى، قال قوم: هما أول من ظلم نفسه من الآدميين، وقال قوم: كان قبلهم ظالمون شبهوا بهم ونسبوا إليهم. وفيقوله: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ } دلالة على أن النهي كان على جهة الوجوب لا على جهة الندب، لأن تاركه لايسمى ظالماً. قال بعض أهل الإشارات: الذي يليق بالخلق عدم السكون إلى الخلق، وما زال آدم وحده بكل خير وبكلعافية، فلما جاءه الشكل والزوج، ظهر إتيان الفتنة وافتتاح باب المحنة، وحين ساكن حواء أطاعها فيما أشارت عليه من الأكل،فوقع فيما وقع. ولقد قيل:

داء قديم في بني آدم صبوة إنسان بإنسان

وقالالقشيري: كل ما منع منه توفرت دواعي ابن آدم للاقتراب منه. هذا آدم عليه السلام أُبيح له الجنة بجملها، ونهيعن شجرة واحدة، فليس في المنقول أنه مد يده إلى شيء من جملة ما أُبيح له، وكأنه عيل صبره حتىذاق ما نهي عنه، هكذا صفة الخلق. وقال: نبه على عاقبة دخول آدم الجنة من ارتكابه ما يوجب خروجه منهاقوله تعالى: {إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلارْضِ خَلِيفَةً } فإذا أخبر تعالى بجعله خليفة في الأرض، فكيف يمكن بقاؤه في الجنة؟كان آدم لا أحد يوفيه في الرتبة يتوالى عليه النداء: يا آدم ويا آدم فأمسى وقد نزع عنه لباسه وسلباستئناسه، والقدرة لا تكابر، وحكم الله لا يعارض، وقال الشاعر:

لله درهم من فتية بكروا مثل الملوك وراحوا كالمساكين

فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِعدل

{ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ } * { فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ } * { قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } * { وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

{فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْفِى ٱلارْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ }. أزل: من الزلل، وهو عثور القدم. يقال: زلت قدمه، وزلت به النعل.والزلل في الرأي والنظر مجاز، وأزال: من الزوال، وأصله التنحية. والهمزة في كلا الفعلين للتعدية. الهبوط: هو النزول، مصدر هبط،ومضارعه يهبط ويهبط بكسر الباء وضمها، والهبوط بالفتح: موضع النزول. وقال المفضل: الهبوط: الخروج عن البلدة، وهو أيضاً الدخول فيهامن الأضداد، ويقال في انحطاط المنزلة مجازاً، ولهذا قال الفراء: الهبوط: الذل، قال لبيد:

إن يقنطـوا يهبطـوا يومـاً وإن أُمـروا

بعض: أصله مصدر بعض يبعض بعضاً، أي قطع، ويطلق على الجزء، ويقابله كل، وهما معرفتان لصدور الحال منهما في فصيحالكلام، قالوا: مررت ببعض قائماً، وبكل جالساً، وينوي فيهما الإضافة، فلذلك لا تدخل عليهما الألف واللام، ولذلك خطأوا أبا القاسمالزجاجي في قوله: ويبدل البعض من الكل، ويعود الضمير على بعض، إذا أريد به جمع مفرداً ومجموعاً. وكذلك الخبر والحالوالوصف يجوز إفراده إذ ذاك وجمعه. العدو: من العداوة، وهي مجاوزة الحدّ، يقال: عدا فلان طوره إذا جاوزه، وقيل: العداوة،التباعد بالقلوب من عدوى الجبل، وهما طرفاه، سميا بذلك لبعد ما بينهما، وقيل: من عدا: أي ظلم، وكلها متقاربة فيالمعنى. والعدو يكون للواحد والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث، وقد جمع فقيل: أعداء، وقد أنث فقالوا: عدوة، ومنه: أي عدوات أنفسهن.وقال الفراء: قالت العرب للمرأة: عدوة الله، وطرح بعضهم الهاء. المستقر: مستفعل من القرار، وهو اللبث والإقامة، ويكون مصدراً وزماناًومكاناً لأنه من فعل زائد على ثلاثة أحرف، فيكون لما ذكر بصورة المفعول، ولذلك سميت الأرض: القرارة، قال الشاعر:

جادت عليه كل عين ثرّة فتركن كل قرارة كالدرهم

واستفعل فيه: بمعنى فعل استقر وقرّبمعنى. المتاع: البلغة، وهو مأخوذ من متع النهار إذا ارتفع، فينطلق على ما يتحصل للإنسان من عرض الدنيا، ويطلق علىالزاد وعلى الانتفاع بالنساء، ومنه،

{ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ } ، {ونكاح المتعة}، {وَعَلَىٰ الكسوة }، { وَمَتّعُوهُنَّ } ، وعلى التعمير، { يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا } ، قالوا: ومنه أمتع الله بك، أي أطال الله الإيناس بك، وكله راجع لمعنى البلغة، الحين: الوقتوالزمان، ولا يتخصص بمدة، بل وضع المطلق منه. تلقى: تفعل من اللقاء، نحو تعدى من العدو، قالوا: أو بمعنى استقبل،ومنه: تلقى فلان فلاناً استقبله. ويتلقى الوحي: أي يستقبله ويأخذه ويتلقفه، وخرجنا نتلقى الحجج: نستقبلهم، وقال الشماخ:

إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين

وقال القفال: التلقي التعرض للقاء، ثم يوضع موضع القبولوالأخذ، ومنه وإنك لتلقى القرآن، تلقيت هذه الكلمة من فلان: أخذتها منه. الكلمة: اللفظة الموضوعة المعنى، والكلمة: الكلام، والكلمة: القصيدةسميت بذلك لاشتمالها على الكلمة والكلام، ويجمع بحذف التاء فيكون اسم جنس، نحو: نبقة ونبق. التوبة: الرجوع، تاب يتوب توباًوتوبة ومتاباً، فإذا عدى بعلى ضمن معنى العطف. تبع: بمعنى لحق، وبمعنى تلا، وبمعنى افتدى. والخوف: الفزع، خاف، يخاف خوفاًوتخوف تخوفاً، فأفزع، ويتعدى بالهمز وبالتضعيف، ويكون للأمر المستقبل. وأصل الحزن: غلظ الهم، مأخوذ من الحزن: وهو ما غلظ منالأرض، يقال: حزن يحزن حزناً وحزناً، ويعدى بالهمزة وبالفتحة، نحو: شترت عين الرجل، وشترها الله، وفي التعدية بالفتحة خلاف، ويكونللأمر الماضي. الآية: العلامة، ويجمع آيا وآيات، قال النابغة:

توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع

ووزنها عند الخليل وسيبويه: فعلة، فأعلت العين وسلمت اللام شذوذاً والقياس العكس. وعند الكسائي: فاعلة، حذفتالعين لئلا يلزم فيه من الإدغام ما لزم في دابة، فتثقل، وعند الفراء: فعلة، فأبدلت العين ألفاً استثقالاً للتضعيف، كماأبدلت في قيراط وديوان، وعند بعض الكوفيين: فعلة: استثقل التضعيف فقلبت الفاء الأولى ألفاً لانكسارها وتحرك ما قبلها، وهذه مسألةينهى الكلام عليها في علم التصريف. الصحبة: الاقتران، صحب يصحب، والأصحاب: جمع صاحب، وجمع فاعل: على أفعال شاذ، والصحبة والصحابة:أسماء جموع، وكذا صحب على الأصح خلافاً للأخفش، وهي لمطلق الاقتران في زمان ما. {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا }: الهمزة:كما تقدم في أزل للتعدية، والمعنى: جعلهما زلاً بإغوائه وحملهما على أن زلاً وحصلا في الزلة، هذا أصل همزة التعدية.وقد تأتي بمعنى جعل أسباب الفعل، فلا يقع إذ ذاك الفعل. تقول: أضحكت زيداً فما ضحك وأبكيته فما بكى، أيجعلت له أسباب الضحك وأسباب البكاء فما ترتب على ذلك ضحكه ولا بكاؤه، والأصل هو الأول، وقال الشاعر:

كميت يزل اللبد عن حال متنه كما زلت الصفواء بالمتنزل

معناه: فيما يشرح الشراح، يزل اللبد:يزلقه عن وسط ظهره، وكذلك قوله: يزل الغلام الخف عن صهواته: أي يزلقه. وقيل أزلهما: أبعدهما. تقول: زل عن مرتبته،وزل عني ذاك، وزل من الشهر كذا: أي ذهب وسقط، وهو قريب من المعنى الأول، لأن الزلة هي سقوط فيالمعنى، إذ فيها خروج فاعلها عن طريق الاستقامة، وبعده عنها. فهذا جاء على الأصل من تعدية الهمزة. وقرأ الحسن وأبورجاء وحمزة: فأزالهما، ومعنى الإزالة: التنحية. وروي عن حمزة وأبي عبيدة إمالة فأزالهما. والشيطان: هو إبليس بلا خلاف هنا. وحكواأن عبد الله قرأ، فوسوس لهما الشيطان عنها، وهذه القراءة مخالفة لسواد المصحف المجمع عليه، فينبغي أن يجعل تفسيراً، وكذاما ورد عنه وعن غيره مما خالف سواد المصحف. وأكثر قراءات عبد الله إنما تنسب للشيعة. وقد قال بعض علمائنا:إنه صح عندنا بالتواتر قراءة عبد الله على غير ما ينقل عنه مما وافق السواد، فتلك إنما هي آحاد، وذلكعلى تقدير صحتها، فلا تعارض ما ثبت بالتواتر. وفي كيفية توصل إبليس إلى إغوائهما حتى أكلا من الشجرة أقاويل:قال ابن مسعود وابن عباس والجمهور: شافههما بدليل، وقاسمهما، قيل: فدخل إبليس الجنة على طريق الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء، وقيل:دخل في جوف الحية. وذكروا كيف كانت خلقة الحية وما صارت إليه، وكيف كانت مكالمة إبليس لآدم. وقد قصها اللهتعالى أحسن القصص وأصدقه في سورة الأعراف وغيرها. وقيل: لم يدخل إبليس الجنة، بل كان يدنو من السماء فيكلمهما. وقيل:قام عند الباب فنادى. وقيل: لم يدخل الجنة بل كان ذلك بسلطانه الذي ابتلى به آدم وذريته، كقول النبي صلىالله عليه وسلم: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم . وقيل: خاطبه من الأرض ولم يصعد إلى السماء بعدالطرد واللعن، وكان خطابه وسوسة، وقد أكثر المفسرون في نقل قصص كثير في قصة آدم وحواء والحية، والله أعلم بذلك،وتكلموا في كيفية حاله حين أكل من الشجرة، أكان ذلك في حال التعمد، أم في حال غفلة الذهن عن النهيبنسيان، أم بسكر من خمر الجنة، كما ذكروا عن سعيد بن المسيب. وما أظنه يصح عنه، لأن خمر الجنة، كماذكر الله تعالى، { لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ } إلا إن كانت الجنة في الأرض، على ما فسرهبعضهم، فيمكن أن يكون خمرها بسكر. والذين قالوا: بالعمد، قالوا: كان النهي نهي تنزيه، وقيل: كان معه من الفزع عندإقدامه ما صير هذا الفعل صغيرة. وقيل: فعله اجتهاداً، وخالف لأنه تقدم الإشارة إلى الشخص لا إلى النوع، فتركها وأكلأخرى. والاجتهاد في الفروع لا يوجب العقاب. وقيل كان الأكل كبيرة، وقيل: أتاهما إبليس في غير صورته التي يعرفانها، فلميعرفاه، وحلف لهما أنه ناصح. وقيل: نسي عداوة إبليس، وقيل: يجوز أن يتأول آدم {وَلاَ تَقْرَبَا } أنه نهي عنالقربان مجتمعين، وأنه يجوز لكل واحد أن يقرب، والذي يسلك فيما اقتضى ظاهره بعض مخالفة تأويله على أحسن محمل، وتنزيهالأنبياء عن النقائص. وسيأتي الكلام على ما يرد من ذلك، وتأويله على الوجه الذي يليق، إن شاء الله. وفي(المنتخب) للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي ما ملخصه: منعت الأمة وقوع الكفر من الأنبياء عليهم الصلاةوالسلام، إلا الفضيلية من الخوارج، قالوا: وقد وقع منهم ذنوب، والذنب عندهم كفر، وأجاز الإمامية إظهار الكفر منهم على سبيلالتقية، واجتمعت الأمة على عصمتهم من الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ، فلا يجوز عمداً ولا سهواً، ومن الناس من جوزذلك سهواً وأجمعوا على امتناع خطئهم في الفتيا عمداً واختلفوا في السهو. وأما أفعالهم فقالت الحشوية: يجوز وقوع الكبائر منهمعلى جهة العمد. وقال أكثر المعتزلة: بجواز الصغائر عمداً إلا في القول، كالكذب. وقال الجبائي: يمتنعان عليهم إلا على جهةالتأويل. وقيل: يمتنعان عليهم، إلا على جهة السهو والخطأ، وهم مأخوذون بذلك، وإن كان موضوعاً عن أمتهم. وقالت الرافضة: يمتنعذلك على كل جهة. واختلف في وقت العصمة فقالت الرافضة: من وقت مولدهم، وقال كثير من المعتزلة: من وقت النبوة.والمختار عندنا: أنه لم يصدر عنهم ذنب حالة النبوة البتة، لا الكبيرة ولا الصغيرة، لأنهم لو صدر عنهم الذنب لكانواأقل درجة من عصاة الأمة، لعظيم شرفهم، وذلك محال. ولئلا يكونوا غير مقبولي الشهادة، ولئلا يجب زجرهم وإيذاؤهم، ولئلا يقتدىبهم في ذلك، ولئلا يكونوا مستحقين للعقاب، ولئلا يفعلون ضد ماأمرو به، لأنهم مصطفون، ولأن إبليس استثناهم في الاغواء. انتهىما لخصناه من المنتخب. والقول في الدلائل لهذه المذاهب، وفي إبطال ما ينبغي إبطاله منها مذكور في كتب أصولالدين. عنها: الضمير عائد على الشجرة، وهو الظاهر، لأنه أقرب مذكور. والمعنى: فحملهما الشيطان على الزلة بسببها. وتكون عن إذذاك للسبب، أي أصدر الشيطان زلتهما عن الشجرة كقوله تعالى: { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى }

{ وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لاِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } . وقيل: عائد على الجنة، لأنها أول مذكور، ويؤيده قراءة حمزة وغيره: فأزالهما، إذ يبعدفأزالهما الشيطان عن الشجرة. وقيل: عائد على الطاعة، قالوا بدليل قوله: { وَعَصَىٰ ءادَمَ رَبَّهُ } ، فيكون إذ ذاك الضمير عائداًعلى غير مذكور، إلا على ما يفهم من معنى قوله: { وَلاَ تَقْرَبَا } لأن المعنى: أطيعاني بعدم قربان هذه الشجرة.وقيل: عائد على الحالة التي كانوا عليها من التفكه والرفاهية والتبوّء من الجنة، حيث شاءا، ومتى شاءا، وكيف شاءا بدليل، { وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا } . وقيل: عائد على السماء وهو بعيد. {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } من الطاعة إلى المعصية،أو من نعمة الجنة إلى شقاء الدنيا، أو من رفعة المنزلة إلى سفل مكانة الذنب، أو رضوان الله، أو جواره.وكل هذه الأقوال متقاربة. قال المهدوي: إذا جعل أزلهما من زل عن المكان، فقوله: {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } توكيد.إذ قد يمكن أن يزولا عن مكان كانا فيه إلى مكان آخر من الجنة، انتهى. والأولى أن يكون بمعنى كسبهماالزلة لا يكون بإلقاء. قال ابن عطية: وهنا محذوف يدل عليه الظاهر تقديره: فأكلا من الشجرة، ويعني أن المحذوف يتقدرقبل قوله: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ }، ونسب الإزلال والإزالة والإخراج لإبليس على جهة المجاز، والفاعل للأشياء هو الله تعالى. {وَقُلْنَاٱهْبِطُواْ }: قرأ الجمهور بكسر الباء، وقرأ أبو حياة: اهبطوا بضم الباء، وقد ذكرنا أنهما لغتان. والقول في: {وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ} مثل القول في:

{ وَقُلْنَا يَاءادَمُ ٱسْكُنْ } . ولما كان أمراً بالهبوط من الجنة إلى الأرض، وكان في ذلك انحاطرتبة المأمور، لم يؤنسه بالنداء، ولا أقبل عليه بتنويهه بذكر اسمه. والإقبال عليه بالنداء بخلاف قوله: {وَقُلْنَا يَاءادَمُ ٱسْكُنْ }،والمخاطب بالأمر آدم وحوّاء والحية، قاله أبو صالح عن ابن عباس، أو هؤلاء وإبليس، قاله السدي عن ابن عباس، أوآدم وإبليس، قاله مجاهد، أو هما وحواء، قاله مقاتل، أو آدم وحواء فحسب. ويكون الخطاب بلفظ الجمع وإن وقع علىالتثنية نحو:

{ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَـٰهِدِينَ } ، ذكره ابن الأنباري، أو آدم وحواء والوسوسة، قاله الحسن، أو آدم وحواء وذريتهما، قالهالفراء، أو آدم وحواء، والمراد هما وذريتهما، ورجحه الزمخشري قال: لأنهما لما كانا أصل الأنس ومتشعبهم جعلا كأنهما الأنس كلهم.والدليل عليه قوله: { قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } ، ويدل على ذلك قوله: {مِنْ * تَبِعَ هُدَايَ }الآية، وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم، انتهى. وفي قول الفراء خطاب من لم يوجد بعد، لأن ذريتهما كانتإذ ذاك غير موجودة. وفي قول من أدخل إبليس معهما في الأمر ضعف، لأنه كان خرج قبلهما، ويجوز على ضربمن التجوز. قال كعب ووهب: أهبطوا جملة ونزلوا في بلاد متفرقة. وقال مقاتل: أهبطوا متفرقين، فهبط إبليس، قيل بالأيلة، وحواءبجدّة، وآدم بالهند، وقيل: بسرنديب بجبل يقال له: واسم. وقيل: كان غذاؤه جوز الهند، وكان السحاب يمسح رأسه فأورث ولدهالصلع. وهذا لا يصح إذ لو كان كذلك لكان أولاده كلهم صلعاً. وروي عن ابن عباس: أن الحية أهبطتبنصيبين. وروى الثعلبي: بأصبهان، والمسعودي: بسجستان، وهي أكثر بلاد الله حيات. وقيل: بيسان. وقيل: كان هذا الهبوط الأول من الجنةإلى سماء الدنيا. وقيل: لما نزل آدم بسرنديب من الهند ومعه ريح الجنة، علق بشجرها وأوديتها، فامتلأ ما هناك طيباً،فمن ثم يؤتى بالطيب من ريح آدم عليه السلام. وذكر أبو الفرج بن الجوزي في إخراجه كيفية ضربنا صفحاً عنذكرها، قال: وأدخل آدم في الجنة ضحوة، وأخرج منها بين الصلاتين، فمكث فيها نصف يوم، والنصف خمسمائة عام، مما يعدأهل الدنيا، والأشبه أن قوله: اهبطوا أمر تكليف، لأن فيه مشقة شديدة بسبب ما كانا فيه من الجنة، إلى مكانلا تحصل فيه المعيشة إلا بالمشقة، وهذا يبطل قول من ظن أن ذلك عقوبة، لأن التشديد في التكليف يكون بسببالثواب. فكيف يكون عقاباً مع ما في هبوطه وسكناه الأرض من ظهور حكمته الأزلية في ذلك، وهي نشر نسله فيهاليكلفهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم في جنة ونار. وكانت تلك الأكلة سبب هبوطه، والله يفعل ما يشاء. وأمره بالهبوطإلى الأرض بعد أن تاب عليه لقوله ثانية: {قُلْنَا ٱهْبِطُواْ * بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ }، إن كان المخاطبون آدم وحواءوذريتهما، كما قال مجاهد، فالمراد ما عليه الناس من التعادي وتضليل بعضهم لبعض، والبعضية موجودة في ذريتهما، لأنه ليس كلهميعادي كلهم، بل البعض يعادي البعض. وإن كان معهما إبليس أو الحية، كما قاله مقاتل، فليس بعض ذريتهما يعادي ذريةآدم، بل كلهم أعداء لكل بني آدم. ولكن يتحقيق هذا بأن جعل المأمورون بالهبوط شيئاً واحداً وجزّئوا أجزاء، فكل جزءمنها جزء من الذين هبطوا، والجزء يطلق عليه البعض فيكون التقدير: كل جنس منكم معاد للجنس المباين له. وقالالزجاج: إبليس عدوّ للمؤمنين وهم أعداؤه. وقيل معناه: عداوة نفس الإنسان له وجوارحه، وهذا فيه بعد، وهذه الجملة في موضعالحال، أي اهبطوا متعادين، والعامل فيها اهبطوا. فصاحب الحال الضمير في اهبطوا، ولم يحتج إلى الواو لإغناء الرابط عنها، واجتماعالواو والضمير في الجملة الإسمية الواقعة حالاً أكثر من انفراد الضمير. وفي كتاب الله تعالى: { وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } ، وليس مجيئها بالضمير دون الواو شاذاً، خلافاً للفراء ومن واقفه كالزمخشري. وقد روى سيبويه عنالعرب كلمته فوه إلى فيّ، ورجع عوده على بدئه، وخرجه على وجهين: أحدهما: أن عوده مبتدأ وعلى بدئه خبر، والجملةحال، وهو كثير في لسان العرب، نظمها ونثرها، فلا يكون ذلك شاذاً. وأجاز مكي بن أبي طالب أن تكون الجملةمستأنفة إخباراً من الله تعالى بأن بعضهم لبعض عدوّ، فلا يكون في موضع الحال، وكأنه فر من الحال، لأنه تخيلأنه يلزم من القيد في الأمر أن يكون مأموراً به، أو كالمأمور. ألا ترى أنك إذا قلت قم ضاحكاً كانالمعنى الأمر بإيقاع القيام مصحوباً بالحال فيكون مأموراً بها أو كالمأمور، لأنك لم تسوّغ له القيام إلا في حال الضحكوما يتوصل إلى فعل المأمور إلا به مأمور؟ والله تعالى لا يأمر بالعداوة ولا يلزم ما يتخيل من ذلك، لأنالفعل إذا كان مأموراً به من يسند إليه في حال من أحواله، لم تكن تلك الحال مأموراً بها، لأن النسبةالحالية هي لنسبة تقييدية لا نسبة إسنادية. فلو كانت مأموراً بها إذا كان العامل فيها امراً، فلا يسوغ ذلك هنا،لأن الفعل المأمور به إذا كان لا يقع في الوجود إلا بذلك القيد، ولا يمكن خلافه، لم يكن ذلك القيدمأموراً به، لأنه ليس داخلاً في حيز التكليف، وهذه الحال من هذا النوع، قل يلزم أن يكون الله أمر بها،وهذه الحال من الأحوال اللازمة. وقوله: لبعض متعلق بقوله عدوّ، واللام مقوية لوصول عدوّ إليه، وأفرد عدوّ على لفظ بعضأو لأنه يصلح للجمع، كما سبق ذكر ذلك عند الكلام على بعض وعلى عدوّ حالة الإفراد. {وَلَكُمْ فِى ٱلارْضِمُسْتَقَرٌّ }: مبتدأ وخبر. لكم هو الخبر، وفي الأرض متعلق بالخبر، وحقيقته أنه معمول للعامل في الخبر، والخبر هنا مصححلجواز الابتداء بالنكرة، ولا يجوز {فِى ٱلاْرْضِ } أن يتعلق بمستقر، سواء كان يراد به مكان استقرار كما قاله أبوالعالية وابن زيد، أو المصدر، أي استقرار، كما قاله السدي، لأن اسم المكان لا يعمل، ولأن المصدر الموصول لا يجوّزبعضهم تقديم معموله عليه، ولا يجوز في الأرض أن يكون خبراً، ولكم متعلق بمستقرّ لما ذكرناه، أو في موضع الحالمن مستقر، لأن العامل إذ ذاك فيها يكون الخبر، وهو عامل معنوي، والحال متقدمة على جزأي الإسناد، فلا يجوز ذلك،وصار نظير: قائماً زيد في الدار، أو قائماً في الدار زيد، وهو لا يجوز بإجماع. مستقرّ: أي مكان استقراركم حالتيالحياة والموت، وقيل: هو القبر، أو استقرار، كما تقدم شرحه. {وَمَتَـٰعٌ }: المتاع ما استمتع به من المنافع، أوالزاد، أو الزمان الطويل، أو التعمير. {إِلَىٰ حِينٍ }: إلى الموت، أو إلى قيام الساعة، أو إلى أجل قد علمهالله، قاله ابن عباس. ويتعلق إلى بمحذوف، أي ومتاع كائن إلى حين، أو بمتاع، أي واستمتاع إلى حين، وهو منباب الأعمال، أعمل فيه الثاني ولم يحتج إلى إضمار في الأول، لأن متعلقه فضلة، فالأولى حذفه، ولا جائز أن يكونمن إعمال الأول، لأن الأولى أن لا يحذف من الثاني والأحسن حمل القرآن على الأولى. والأفصح لا يقال إنه لايجوز أن يكون من باب الإعمال، وإن كان كل من مستقرّ ومتاع يقتضيه من جهة المعنى بسبب أن الأول لايجوز أن يتعلق به إلى حين، لأنه يلزم من ذلك الفصل بين المصدر ومعموله بالمعطوف، والمصدر موصول فلا يفصل بينهوبين معموله، لأن المصدر هنا لا يكون موصولاً، وذلك أن المصدر منه ما يلحظ فيه الحدوث فيتقدر مصدري مع الفعل،وهذا هو الموصول، وإنما كان موصولاً باعتبار تقديره بذلك الحرف الذي هو موصول بالفعل، وإلا فالمصدر من حيث هو مصدرلا يكون موصولاً، ومنه ما لا يلحظ فيه الحدوث، نحو وله: لزيد معرفة بالنحو، وبصر بالطب، وله ذكاء ذكاء الحكماء.فمثل هذا لا يتقدر بحرف مصدري والفعل، حتى ذكر النحويون أن هذا المصدر إذا أضيف لم يحكم على الاسم بعده،لا برفع ولا بنصب، قالوا: فإذا قلت: يعجبني قيام زيد، فزيد فاعل القيام تأويله يعجبني أن يقوم زيد، وممكن أنزيداً يعرى منه القيام، ولا يقصد فيه إلى إفادة المخاطب أنه فعل القيام فيما مضى، أو يفعله فيما يستقبل، بلتكون النية في الإخبار كالنية في: يعجبني خاتم زيد المحدود المعروف بصاحبه والمخفوض بالمصدر. على هذه الطريقة لا يقضى عليهبرفع، ولا يؤكد، ولا ينعت، ولا يعطف عليه إلا بمثل ما يستعمل مع المخفوضات الصحاح، انتهى. فأنت ترى تجويزهمأن لا يكون موصولاً مع المصدر الذي يمكن أن يكون موصولاً، وهو قولهم: يعجبني قيام زيد، فكيف مع ما لايجوز أن يكون موصولاً نحو: ما مثلنا به من قوله: له ذكاء ذكاء الحكماء، وبصر بالطب، ونحو ذلك، فكذلك يكونمستقر ومتاع من قبيل ما لا يكون موصولاً. ولا يمتنع أن يعمل في الجار والمجرور، وإن لم يكن موصولاً، كمامثلنا في قوله: له معرفة بالنحو، لأن الظرف والجار والمجرور يعمل فيهما روائح الأفعال، حتى الأسماء الأعلام، نحو قولهم: أناأبو المنهال بعض الأحيان، وأنا ابن ماوية إذ جدّ النقر. وأما أن تعمل في الفاعل، أو المفعول به فلا. وأماإذا قلنا بمذهب الكوفيين، وهو أن المصدر إذا نون، أو دخلت عليه الألف واللام، تحققت له الاسمية وزال عنه تقديرالفعل، فانقطع عن أن يحدث إعراباً، وكانت قصته قصة زيد وعمرو والرجل والثوب، فيمكن أيضاً أن يخرج عليه قوله تعالى:{مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ }، ولا يبعد على هذا التقدير تعلق الجار والمجرور بكل منهما، لأنه يتسع فيهما ما لايتسع في غيرهما، ولأن المصدر إذ ذاك لا يكون بأبعد في العمل في الظرف أو المجرور من الاسم العلم. ويمكنأن يفسر قوله: {مُّسْتَقِرٌّ * مَتَـٰعٌ * إِلَىٰ حِينٍ } بقوله: { قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ }

وفيقَوله {إِلَىٰ حِينٍ } دليل على عدم البقاء في الأرض، ودليل على المعاد. وفي هذه الآية التحذير عن مخالفة أمرالله بقصد أو تأويل، وأن المخالفة تزيل عن مقام الولاية. {فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ }، تلقى: تفعل مناللقاء، وهو هنا بمعنى التجرد، أي لقي آدم، نحو قولهم: تعداك هذا الأمر، بمعنى عداك، وهو أحد المعاني التي جاءتلها تفعل، وهي سبعة عشر معنى مطاوعة فعل، نحو: كسرته فتكسر، والتكلف نحو: تحلم، والتجنب نحو: تجنب، والصيرورة نحو: تألم،والتلبس بالمسمى المشتق منه نحو: تقمص، والعمل فيه نحو: تسحر، والاتخاذ نحو: تبنيت الصبي، ومواصلة العمل في مهلة نحو: تفهم،وموافقة استفعل نحو: تكبر، وموافقة المجرد نحو: تعدى الشيء، أي عداه، والإغناء عنه نحو: تكلم، والإغناء عن فعل نحو: توبل،وموافقة فعل نحو: تولى، أي ولى، والختل، نحو: تعقلته، والتوقع نحو: تخوفه، والطلب نحو: تنجز حوائجه، والتكثير نحو: تعطينا. ومعنىتلقي الكلمات: أخذها وقبولها، أو الفهم، أو الفطانة، أو الإلهام أو التعلم والعمل بها، أو الاستغفار والاستقالة من الذنب. وقولمن زعم أن أصله: تلقن، فأبدلت النون ألفاً ضعيف، وإن كان المعنى صحيحاً، لأن ذلك لا يكون إلا مما كانعينه ولامه من جنس واحد نحو: تظني، وتقضي، وتسرّي، أصله: تظنن، وتقضض، وتسرر. ولا يقال في تقبل: تقبى. وقرأ الجمهور:برفع آدم ونصب الكلمات، وعكس ابن كثير. ومعنى تلقي الكلمات لآدم: وصولها إليه، لأن من تلقاك فقد تلقيته فكأنه قال:فجاءت آدم من ربه كلمات. وظاهر قوله: كلمات، أنها جملة مشتملة على كلم، أو جمل من الكلام قالها آدم، فلذلكقدروا بعد قوله: كلمات، جملة محذوفة وهي فقالها فتاب عليه. واختلفوا في تعيين تلك الكلمات على أقوال، وقد طولوا بذكرها،ولم يخبرنا الله بها إلا مبهمة، ونحن نذكرها كما ذكرها المفسرون، قال ابن عباس والحسن وابن جبير ومجاهد وابن كعبوعطاء الخراساني والضحاك وعبيد بن عمير وابن زيد: هي { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا }، الآية. ورويعن ابن ابن مسعود، أن أحب الكلام إلى الله ما قاله أبونا حين اقترف الخطيئة: «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمكوتعالى جدّك، لا إلٰه إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». وسئل بعض السلف عماينبغي أن يقوله المذنب فقال: يقول ما قاله أبواه: «ربنا ظلمنا أنفسنا رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي» وما قالهيونس: «لا إلٰه إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين». وروي عن ابن عباس ووهب أنها: «سبحانك اللهم وبحمدك عملتسوءاً وظلمت نفسي، فاغفر لي إنك خير الغافرين». وقال محمد بن كعب هي: «لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدكعملت سوءاً وظلمت نفسي فتب عليّ إنك أنت التوّاب الرحيم». وحكى السدّي عن ابن عباس أنه قال: «رب ألم تخلقنيبيدك؟» قال: بلى، قال: ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى، قال: ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى، قال: ألمتسكني جنتك؟ قال: بلى، قال: رب إن تبت وأصلحت أراجعي إلى الجنة؟ قال: «نعم». وزاد قتادة في هذا: «وسبقت رحمتكإليّ قبل غضبك؟ قيل له بلى، قال: رب هل كتبت هذا عليّ قبل أن تخلقني؟ يل له: نعم، فقال: ربإن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قيل له: نعم». وقال قتادة هي: «أستغفرك وأتوب إليك إنك أنت التوّاب الرحيم».وقال عبيد بن عمير، قال: «يا رب خطيئتي التي أخطأتها أشيء كتبته عليّ قبل أن تخلقني؟ أو شيء ابتدعته منقبل نفسي؟ قال: بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك، قال: «فكما كتبت عليّ فاغفر لي». وقيل إنها: «سبحانك اللهملا إلٰه إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور». وقيل: رأى مكتوباً على ساق العرش محمد رسول الله،فتشفع بذلك فهي الكلمات. وقيل: قوله حين عطس: «الحمد لله». وقيل: هي الدعاء والحياء والبكاء. وقيل: الاستغفار والندم والحزن. قالابن عطية: وسماها كلمات، مجازاً لما هي في خلقها صادرة عن كلمات، وهي: كن في كل واحدة منهن»، وهذا قوليقتضي أن آدم لم يقل شيئاً إلا الاستغفار المعهود. انتهى كلامه. {فَتَابَ عَلَيْهِ }: أي تفضل عليه بقبول توبتهوأفرده بالإخبار عنه بالتوبة عليه، وإن كانت زوجته مشاركة له في الأمر بالسكنى والنهي عن قربان الشجرة وتلقي الكلمات والتوبة،لأنه هو المواجه بالأمر والنهي، وهي تابعة له في ذلك. فكملت القصة بذكره وحده، كما جاء في قصة موسى والخضر،إذ جا { حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى السفينة } ، فحملاها بغير نول، وكان مع موسى يوشع، لكنه كان تابعاً لموسى فلم يذكرهولم يجمع معهما في الضمير، أو اكتفى بذكر أحدهما، إذ كان فعلهما واحداً، نحو قوله تعالى: { وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ }

{ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ } ، أو طوى ذكرها كما طواه عند ذكر المعصية في قوله:

{ وَعَصَىٰ آدَمَ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } . وقد جاء طي ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة، وقد ذكرها في قوله:

{ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } ، وإنما لم يراع هذا الستر في امرأتي نوح ولوط لأنهما كانت كافرتين، وقد ضرب بهما المثل للكفار،لأن ذنوبهما كانت غاية في القبح والفحش. والكافر لا يناسب الستر عليه ولا الإغضاء عن ذنبه، بل ينادي عليه ليكونذلك أخزى له وأحط لدرجته. وحوّاء ليست كذلك، ولأن معصيتهما تكرّرت واستمرّ منهما الكفر والإصرار على ذلك، والتوبة متعذرة لماسبق في علم الله أنهما لا يتوبان، وليست حوّاء كذلك لخفة ما وقع منها، أو لرجوعها إلى ربها، ولأن التبكيتللمذنب شرع رجاء الإقلاع، وهذا المعنى معقود فيهما، وذكرهما بالإضافة إلى زوجيهما فيه من الشهرة ما لا يكون في ذكراسميهما غير مضافين إليهما. وتوبة العبد: رجوعه عن المعصية، وتوبة الله على العبد: رجوعه عليه بالقبول والرحمة. واختلف في التوبةالمطلوبة من العبد، فقال قوم: هي الندم، أخذاً بظاهر قوله ﷺ: الندم توبة وقال قوم: شروطها ثلاثة:الندم على ما فات، والإقلاع عنه، والعزم على أن لا يعود. وتأولوا: الندم توبة على معظم التوبة نحو: الحج عرفة،وزاد بعضهم في الشروط، برد المظالم إذا قدر على ردها، وزاد بعضهم: المطعم الحلال، وقال القفال: لا بد مع تلكالشروط الثلاثة من الإشفاق فيما بين ذلك، وذلك أنه مأمور بالتوبة، ولا سبيل له إلى القطع بأنه أتى بها كمالزمه، فيكون خائفاً. ولهذا جاء يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه. روي عن ابن عباس أن آدم وحوّاء بكيا علىما فاتهما من نعيم الجنة مائتي سنة. وقد ذكروا في كثرة دموع آدم وداود شيئاً يفوت الحصر كثرة. وقال شهربن حوشب: بلغني أن آدم لما أهبط إلى الأرض مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه حياء من الله تعالى. ورويأن الله تعالى تاب على آدم في يوم عاشوراء. وقرأ الجمهور {أَنَّهُ }: بكسر الهمزة، وقرأ نوفل بن أبي عقرب:أنه بفتح الهمزة، ووجهه أنه فتح على التعليل، التقدير: لأنه، فالمفتوحة مع ما بعدها فضلة، إذ هي في تقدير مفردثابت واقع مفروغ من ثبوته لا يمكن فيه نزاع منازع، وأما الكسر فهي جملة ثابتة تامة أخرجت مخرج الإخبار المستقلالثابت، ومع ذلك فلها ربط معنوي بما قبلها، كما جاءت في:{ وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى إِنَّ ٱلنَّفْسَ لامَّارَةٌ }

{ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْء عَظِيمٌ }

{ وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاتك } ، حتى لو وضعت الفاء التي تعطي الربط مكانها أغنت عنها،وقالوا: إن أن إنما تجيء لتثبيت ما يتردد المخاطب في ثبوته ونفيه، فإن قطع بأحد الأمرين، فليس من مظانها، فإنوجدت داخلة على ما قطع فيه بأحد الأمرين ظاهراً، فيكون ذلك لتنزيله منزلة المتردد فيه لأمر ما، وسيأتي الكلام علىذلك في نحو:

{ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيّتُونَ }

إن شاء الله. ولما دخلت للتأكيد في قوله: {إِنَّهُ هُوَٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ }، قوي التأكيد بتأكيد آخر، وهو لفظه: {هُوَ }. وقد ذكرنا فائدته في قوله: { وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } .وبولغ أيضاً في الصفتين بعده، فجاء التواب: على وزن فعال، والرحيم: على وزن فعيل، وهما من الأمثلة التي صيغت للمبالغة.وهذا كله ترغيب من الله تعالى للعبد في التوبة والرّجوع إلى الطاعة، واطماع في عفوه تعالى وإحسانه لمن تاب إليه.والتواب من أسمائه تعالى، وهو الكثير القبول لتوبة العبد، أو الكثير الإعانة عليها. وقد ورد هذا الإسم في كتاب اللهمعرفاً ومنكراً، ووصف به تعالى نفسه، فدل ذلك على أنه مما استأثر به تعالى. وذهب بعضهم إلى أنه تعالى لايوصف به إلا تجوزاً، وأجمعوا أنه لا يوصف تعالى بتائب ولا آيب ولا رجاع ولا منيب، وفرق بين إطلاقه علىالله تعالى وعلى العبد، وذلك لاختلاف صلتيهما. ألا ترى: فتاب عليه، وتوبوا إلى الله؟ فالتوبة من الله على العبد هيالعطف والتفضل عليه، ومن العبد هي الرّجوع إلى طاعته تعالى، لطلب ثواب، أو خشية عقاب، أو رفع درجات. وأعقب الصفةالأولى بصفة الرحمة، لأن قبول التوبة سببه رحمة الله لعبده، وتقدم التواب لمناسبة فتاب عليه، ولحسن ختم الفاصلة بقوله: {ٱلرَّحِيمِ}. وقد تقدم الكلام في البسملة على لفظة الرحيم وما يتعلق بها، فأغنى ذلك عن إعادته. {قُلْنَا }، كرّرالقول، إما على سبيل التأكيد المحض، لأن سبب الهبوط كان أول مخالفة، فكرّر تنبيهاً على ذلك، أو لاختلاف متعلقيهما، لأنالأول علق به العداوة، والثاني علق بإتيان الهدى. وأما لا على سبيل التأكيد، بل هما هبوطان حقيقة، الأول من الجنةإلى السماء، والثاني من السماء إلى الأرض. وضعف هذا الوجه بقوله في الهبوط الأول: {عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى ٱلارْضِ مُسْتَقَرٌّ }،ولم يحصل الاستقرار على هذا التخريج إلا بالهبوط الثاني، فكان ينبغي الاستقرار يذكر فيه وبقوله في الهبوط الثاني منها، وظاهرالضمير أنه يعود إلى الجنة، فاقتضى ذلك أن يكون الهبوط الثاني منهما. {جَمِيعاً }: حال من الضمير في اهبطوا،وقد تقدم الكلام في لفظة جميعاً وأنها تقتضي التعميم في الحم، لا المقارنة في الزمان عند الكلام على قوله تعالى: { هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلاْرْضِ جَمِيعاً } ، فهنا يدل على أنهم كلهم خوطبوا بالهبوط، فقد دلا على اتحادزمان الهبوط. وأبعد ابن عطية في قوله: كأنه قال هبوطاً جميعاً، أو هابطين جميعاً، فجعله نعتاً لمصدر محذوف، أو لاسمفاعل محذوف، كل منهما يدل عليه الفعل. قال: لأن جميعاً ليس بمصدر ولا اسم فاعل، مع منافاة ما قدره للحكمالذي صدره، لأنه قال: أولاً وجميعاً حال من الضمير في اهبطوا. فإذا كان حالاً من الضمير في اهبطوا على ماقرر أولاً، فكيف يقدر ثانياً؟ كأنه قال: هبوطاً جميعاً، أو هابطين جميعاً. فكلامه أخيراً يعارض حكمه أولاً، ولا ينافي كونهليس بمصدر ولا اسم فاعل وقوعه حالاً حتى يضطر إلى هذا التقدير الذي قدره. وأبعد غيره أيضاً في زعمه أنالتقدير: وقلنا اهبطوا مجتمعين، فهبطوا جميعاً، فجعل ثم حالاً محذوفة لدلالة جميعاً عليها، وعاملاً محذوفاً لدلالة اهبطوا عليه. ولا يلتئمهذا التقدير مع ما بعده إلا على إضمار قول: أي فقلنا: إما يأتينكم. وقد تقدم الكلام في المأمورين بالهبوط،وعلى تقدير أن يكون هبوطاً ثانياً، فقيل يخص آدم وحواء، لأن إبليس لا يأتيه هدى، وخصا بخطاب الجمع تشريفاً لهما.وقيل: يندرج في الخطاب لأن إبليس مخاطب بالإيمان بالإجماع، وإن شرطية وما زائدة بعدها للتوكيد، والنون في يأتينكم نون التوكيد،وكثر مجيء هذا النحو في القرآن: { فَإِمَّا تَرَيِنَّ }

{ وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ }

{ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ } . قال أبو العباس المهدوي: إن:هي، التي للشرط زيدت عليها ما للتأكيد ليصح دخول النون للتوكيد في الفعل، ولو سقطت، يعني ما لم تدخل النون،فما تؤكد أول الكلام، والنون تؤكد آخره. وتبعه ابن عطية في هذا فقال: فإن هي للشرط، دخلت ما عليها مؤكدةليصح دخول النون المشددة، فهي بمثابة لام القسم التي تجيء لمجيء النون، انتهى كلامه. وهذا الذي ذهبا إليه من أنالنون لازمة لفعل الشرط إذا وصلت إن بما، هو مذهب المبرد والزجاج، زعما أنها تلزم تشبيهاً بما زيدت للتأكيد فيلام اليمين نحو: والله لأخرجن. وزعموا أن حذف النون إذا زيدت ما بعد إن ضرورة. وذهب سيبويه والفارسي وجماعة منالمتقدمين إلى أن ذلك لا يختص بالضرورة، وأنه يجوز في الكلام إثباتها وحذفها، وإن كان الإثبات أحسن. وكذلك يجوز حذفما وإثبات النون، قال سيبويه: في هذه المسألة وإن شئت لم تقحم النون، كما أنك إن شئت لم تجيء بما،انتهى كلامه. وقد كثر السماع بعدم النون بعد إما، قال الشنفري:

فإما تريني كابنة الرمل ضاحيا على رقة أحفى ولا أتنعل

وقال آخر:

يا صاح إما تجدني غير ذي جدة فما التخلي عن الإخوان من شيمي

وقال آخر:

زعمت تماضر أنني إما أمت تسدد أبينوها الأصاغر خلتي

والقياس يقبله، لأن ما زيدت حيث لا يمكن دخول النون، نحو قول الشاعر:

إمّا أقمت وإمّا كنت مرتحلا فالله يحفظ ما تبقى وما تذر

فكما جاءت هنا زائدة بعد إن،فكذلك في نحو: إما تقم يأتينكم، مبني مفتوح الآخر. واختلف في هذه الفتحة أهي للبناء، أم بني على السكون وحركبالفتحة لالتقاء الساكنين: وقد أوضحنا ذلك في كتابنا المسمى (بالتكميل لشرح التسهيل). {مِنّي }: متعلق بيأتينكم، وهذا شبيه بالالتفات، لأنهانتقل من الضمير الموضوع للجمع، أو المعظم نفسه، إلى الضمير الخاص بالمتكلم المفرد. وقد ذكرنا حكمة ذاك الضمير في: قلنا،عند شرح قوله:

{ وَقُلْنَا يَاءادَمُ ٱسْكُنْ }

، وحكمة هذا الانتقال هنا أن الهدى لا يكون إلا منه وحده تعالى، فناسبالضمير الخاص كونه لا هادي إلا هو تعالى، فأعطى الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره الضمير الخاص الذي لا يحتملغيره تعالى. وفي قوله: مني، إشارة إلى أن الخير كله منه، ولذلك جاء:

{ قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ }

{ وَقَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ وَشِفَاء }

، فأتى بكلمة: من، الدالة على الابتداء في الأشياء، لينبه على أن ذلك صادر منهومبتدأ من جهته تعالى، وأتى بأداة الشرط في قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى }، وهي تدخل على ما يتردد فيوقوعه، والذي أنبهم زمان وقوعه، وإتيان الهدى واقع لا محالة، لأنه أنبهم وقت الإتيان، أو لأنه آذن ذلك بأن توحيدالله تعالى ليس شرطاً فيه إتيان رسل منه، ولا إنزال كتب بذلك، بل لو لم يبعث رسلاً، ولا أنزل كتباً،لكان الإيمان به واجباً، وذلك لما ركب فيهم من العقل، ونصب لهم من الأدلة، ومكن لهم من الاستدلال، كما قال:

وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد

قال معناه الزمخشري غير إنشادالشعر. {هدى}: تقدم الكلام على الهدى في قوله: { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } ، ونكره لأن المقصود هو المطلق، ولم يسبق عهد فيهفيعرّف. والهدى المذكور هنا: الكتب المنزلة، أو الرسل، أوالبيان، أو القدرة على الطاعة، أو محمد رسول الله صلى الله عليهوسلم، أقوال. فمن تبع: الفاء مع ما دخلت عليه جواب لقوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم }. وقال السجاوندي: الجواب محذوف تقديره فاتبعوه،انتهى. فكأنه على رأيه حذف لدلالة قوله بعده: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ }. وتظافرت نصوص المفسرين والمعربين على أن: من، فيقوله: فمن تبع، شرطية، وأن جواب هذا الشرط هو قوله: {فَلاَ خَوْفٌ }، فتكون الآية فيها شرطان. وحكى عن الكسائيأن قوله: {فَلاَ خَوْفٌ } جواب للشرطين جميعاً، وقد أتقنا مسألة اجتماع الشرطين في (كتاب التكميل)، ولا يتعين عندي أنتكون من شرطية، بل يجوز أن تكون موصولة، بل يترجح ذلك لقوله في قسيمه:

{ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ } ، فأتى بهموصولاً، ويكون قوله: {فَلاَ خَوْفٌ } جملة في موضع الخبر. وأما دخول الفاء في الجملة الواقعة خبراً، فإن الشروط المسوّغةلذلك موجودة هنا. وفي قوله: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ }، تنزيل الهدى منزلة الإمام المتبع المقتدى به، فتكون حركات التابعوسكناته موافقة لمتبوعه، وهو الهدى، فحينئذ يذهب عنه الخوف والحزن. وفي إضافة الهدى إليه من تعظيم الهدى ما لا يكونفيه لو كان معزّفاً بالألف واللام، وإن كان سبيل مثل هذا أن يعود بالألف واللام نحو قوله: { إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ } ، والإضافة تؤدي معنى الألف واللام من التعريف، ويزيد على ذلك بمزية التعظيم والتشريف. وقرأ الأعرج: هدايبسكون الياء، وفيه الجمع بين ساكنين، كقراءة من قرأ: ومحياي، وذلك من إجراء الوصل مجرى الوقف. وقرأ عاصم الجحدري وعبدالله بن أبي إسحاق وعيسى بن أبي عمر: هديّ، بقلب الألف ياء وإدغمها في ياء المتكلم، إذ لم يمكن كسرما قبل الياء، لأنه حرف لا يقبل الحركة، وهي لغة هذيل، يقلبون ألف المقصور ياء ويدغمونها في ياء المتكلم، وقالشاعرهم:

سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم فتخرموا ولكل قوم مصرع

{فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ }: قرأالجمهور بالرفع والتنوين، وقرأ الزهري وعيسى الثقفي ويعقوب بالفتح في جميع القرآن، وقرأ ابن محيصن باختلاف عنه بالرفع من غيرتنوين وجه قراءة الجمهور مراعاة الرفع في {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }، فرفعوا للتعادل. قال ابن عطية: والرفع على إعمالها إعمالليس، ولا يتعين ما قاله، بل الأولى أن يكون مرفوعاً بالابتداء لوجهين: أحدهما: أن إعمال لا عمل ليس قليل جداً،ويمكن النزاع في صحته، وإن صح فيمكن النزاع في اقتياسه. والثاني: حصول التعادل بينهما، إذ تكون لا قد دخلت فيكلتا الجملتين على مبتدأ ولم تعمل فيهما. ووجه قراءة الزهري ومن وافقه أن ذلك نص في العموم، فينفي كل فردمن مدلول الخوف، وأما الرفع فيجوزه وليس نصاً، فراعوا ما دل على العموم بالنص دون ما يدل عليه بالظاهر. وأماقراءة ابن محيصن فخرجها ابن عطية على أنه من إعمال لا عمل ليس، وأنه حذف التنوين تخفيفاً لكثرة الاستعمال. وقدذكرنا ما في إعمال لا عمل ليس، فالأولى أن يكون مبتدأ، كما ذكرناه، إذا كان مرفوعاً منوناً، وحذف تنوينه كماقال لكثرة الاستعمال، ويجوز أن يكون عرِّي من التنوين لأنه على نية الألف واللام، فيكون التقدير: فلا الخوف عليهم، ويكونمثل ما حكى الأخفش عن العرب: سلام عليكم، بغير تنوين. قالوا: يريدون السلام عليكم، ويكون هذا التخريج أولى، إذ يحصلالتعادل في كون لا دخلت على المعرفة في كلتا الجملتين، وإذا دخلت على المعارف لم تجر مجرى ليس، وقد سمعمن ذلك بيت للنابغة الجعدي، وتأوله النحاة وهو:

وحلت سواء القلب لا أنا باغيا سواها ولا في حبها متراخيا

وقد لحنوا أبا الطيب في قوله:

فـلا الحمـد مكسوباً ولا المـال باقيـاً

وكنىبقوله: {عَلَيْهِمْ } عن الاستيلاء والإحاطة، ونزل المعنى منزلة الجرم، ونفى كونه معتلياً مستولياً عليهم. وفي ذلك إشارة لطيفة إلىأن الخوف لا ينتفي بالكلية، ألا ترى إلى انصباب النفي على كينونة الخوف عليهم؟ ولا يلزم من كينونة استعلاء الخوفانتفاء الخوف في كل حال، ولذلك قال بعض المفسرين: ليس في قوله: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } دليل على نفي أهواليوم القيامة وخوفها عن المطيعين لما وصفه الله تعالى ورسوله من شدائد القيامة، إلا أنها مخففة عن المطيعين. فإذا صارواإلى رحمته، فكأنهم لم يخافوا، وقدم عدم الخوف على عدم الحزن، لأن انتفاء الخوف فيما هو آت آكد من انتفاءالحزن على ما فات، ولذلك أبرزت جملته مصدرة بالنكرة التي هي أوغل في باب النفي، وأبرزت الثانية مصدرة بالمعرفة فيقوله: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }. وفي قوله: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } إشارة إلى اختصاصهم بانتفاء الحزن، وأن غيرهم يحزن، ولولم يشر إلى هذا المعنى لكان: ولا يحزنون، كافياً. ولذلك أورد نفي الحزن عنهم وإذهابه في قوله:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ } إلى قوله: { لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلاْكْبَرُ وَتَتَلَقَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } . ومعلوم أن هذين الخبرين وما قبلهما من الخبر مختصبالذين سبقت لهم من الله الحسنى، وفي قوله:{ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ } ، فدل هذا كله على أنغيرهم يحزنه الفزع، ولا يذهب عنهم الحزن. وحكى عن المفسرين في تفسير هذه الجملة أقوال: أحدها: لا خوف عليهمفيما يستقبلون من العذاب ولا يحزنون عند الموت. الثاني: لا يتوقعون مكروهاً في المستقبل، ولا هم يحزنون لفوات المرغوب فيالماضي والحال. الثالث: لا خوف عليهم فيما يستقبلهم، ولا هم يحزنون فيما خلفه. الرابع: لا خوف عليهم فيما بين أيديهممن الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا. الخامس: لا خوف عليهم من عقاب، ولا هم يحزنون علىفوات ثواب. السادس: إن الخوف استشعار غم لفقد مطلوب، والحزن استشعار غم لفوات محبوب. السابع: لا خوف عليهم فيما بينأيديهم من الدنيا، ولا هم يحزنون على ما فاتهم منها. الثامن: لا خوف عليهم يوم القيامة، ولا هم يحزنون فيها.التاسع: أنه أشار إلى أنه يدخلهم الجنة التي هي دار السرور والأمن، لا خوف عليهم فيها ولا حزن. العاشر: ماقاله ابن زيد: لا خوف عليهم أمامهم، فليس شيء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت، فأمنهم الله منه،ثم سلاهم عن الدنيا، ولا هم يحزنون على ما خلفوه بعد وفاتهم في الدنيا. الحادي عشر: لا خوف حين أطبقتالنار، ولا حزن حين ذبح الموت في صورة كبش على الصراط، فقيل لأهل الجنة والنار: خلود لا موت. الثاني عشر:لا خوف ولا حزن على الدوام. وهذه الأقوال كلها متقاربة، وظاهر الآية عموم نفي الخوف والحزن عنهم، لكن يخصبما بعد الدنيا، لأنه في دار الدنيا قد يلحق المؤمن الخوف والحزن، فلا يمكن حمل الآية على ظاهرها من العموملذلك.. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }: قسم لقوله: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ }، وهو أبلغ من قوله: { وَمَن لَّمْ يَتَّبِعُ هُدَايَ } ،وإن كان التقسيم اللفظي اللفظي يقتضيه، لأن نفي الشيء يكون بوجوه، منها: عدم القابلية بخلقة أو غفلة، ومنها تعمد تركالشيء، فأبرز القسيم بقوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } في صورة ثبوتية ليكون مزيلاً للاحتمال الذي يقتضيه النفي، ولما كان الكفر قديعني كفر النعمة وكفر المعصية بين: أن المراد هنا الشرك بقوله: {وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا }، وبآياتنا متعلق بقوله: {وَكَذَّبُواْ }، وهومن إعمال الثاني، إن قلنا: إن كفروا، يطلبه من حيث المعنى، وإن قلنا: لا يطلبه، فلا يكون من الإعمال، ويحتملالوجهين. والآيات هنا: الكتب المنزلة على جميع الأمم، أو معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو القرآن، أو دلائل الله فيمصنوعاته، أقوال. و{أُوْلَـٰئِكَ }: مبتدأ، {وَأَصْحَـٰبُ }: خبر عنه، والجملة خبر عن قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }، وجوزوا أن يكون أولئكبدلاً وعطف بيان، فيكون أصحاب النار، إذ ذاك، خبراً عن الذين كفروا. وفي قوله: {أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } دلالة علىاختصاص من كفر وكذب بالنار. فيفهم أن من اتبع الهدى هم أصحاب الجنة. وكان التقسيم يقتضي أن من اتبع الهدىلا خوف ولا حزن يلحقه، وهو صاحب الجنة، ومن كذب يلحقه الخوف والحزن، وهو صاحب النار. فكأنه حذف من الجملةالأولى شيء أثبت نظيره في الجملة الثانية، ومن الثانية شيء أثبت نظيره في الجملة الأولى، فصار نظير قوله الشاعر:

وإني لتعروني لذكرك فترة كما انتفض العصفور بلله القطر

وفي قوله: أولئك، إشارة إلى الذواتالمتصفة بالكفر والتكذيب، وكأن فيها تكريراً وتوكيداً لذكر المبتدأ السابق. والصحبة معناها: الاقتران بالشيء، والغالب في العرف أن ينطلق علىالملازمة، وإن كان أصلها في اللغة: أن تنطلق على مطلق الاقتران. والمراد بها هنا: الملازمة الدائمة، ولذلك أكده بقوله: {هُمْفِيهَا خَـٰلِدُونَ }. ويحتمل أن تكون هذه الجملة حالية، كما جاء في مكان آخر:

{ أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا }

،فيكون، إذ ذاك، لها موضع من الإعراب نصب. ويحتمل أن تكون جملة مفسرة لما أنبهم في قوله: {أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ}، ففسر وبين أن هذه الصحبة لا يراد بها مطلق الاقتران، بل الخلود، فلا يكون لها إذ ذاك موضع منالإعراب. ويحتمل أن يكون خبراً ثانياً للمبتدأ الذي هو: أولئك، فيكون قد أخبر عنه بخبرين: أحدهما مفرد، والآخر جملة، وذلكعلى مذهب من يرى ذلك، فيكون في موضع رفع. وقد تقدم الكلام على الخلود، وهل هو المكث زماناً لا نهايةله، أو زماناً له نهاية؟

{ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ } * { وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ } * { وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } * { وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ }عدل

{خَـٰلِدُونَ يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـٰىَفَٱرْهَبُونِ وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ وَلاَ}.. ابن: محذوف اللام، وقيل: الياء خلاف، وفي وزنه على كلا التقديرين خلاف، فقيل: فعل، وقيل: فعل. فمن زعمأن أصله ياء جعله مشتقاً من البناء، وهو وضع الشيء على الشيء. والابن فرع عن الأب، فهو موضوع عليه، وجعلقولهم: البنوّة شاذ كالفتوّة، ومن زعم أن أصله واو، وإليه ذهب الأخفش، جعل البنوّة دليلاً على ذلك، ولكون اللام المحذوفةواواً أكثر منها ياء. وجمع ابن جمع تكسير، فقالوا: أبناء، وجمع سلامة، فقالوا: بنون، وهو جمع شاذ، إذ لم يسلمفيه بناء الواحد، فلم يقولوا: ابنون، ولذلك عاملت العرب هذا الجمع في بعض كلامها معاملة جمع التكسير، فألحقت التاء فيفعله، كما ألحقت في فعل جمع التكسير، قال النابغة:

قالت بنو عامر خالو بني أسد يا بؤس للجهل ضرّاراً لأقوام

وقد سمع الجمع بالواو والنون فيه مصغراً، قال يسدد:

أبينــوهـــا الأصــاغــر خلــتي

وهو شاذ أيضاً.إسرائيل: اسم عجمي ممنوع الصرف للعلمية والعجمة، وقد ذكروا أنه مركب من إسرا: وهو العبد، وإيل: اسم من أسماء اللهتعالى، فكأنه عبد الله، وذلك باللسان العبراني، فيكون مثل: جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، قاله ابن عباس. وقيل: معنى إسرا: صفوة،وايل: الله تعالى، فمعناه: صفوة الله. روي ذلك عن ابن عباس وغيره، وقال بعضهم: إسرا مشتق من الأسر، وهو الشد،فكأن إسرائيل معناه: الذي شدّه الله وأتقن خلقه. وقيل: أسري بالليل مهاجراً إلى الله تعالى فسمي بذلك. وقيل: أسر جنياًكان يطفىء سرج بيت المقدس، وكان اسم الجني: إيل، فسمي إسرائيل، وكان يخدم بيت المقدس، وكان أول من يدخل، وآخرمن يخرج، قاله كعب. وقيل: أسرى بالليل هارباً من أخيه عيصو إلى خاله، في حكاية طويلة ذكروها، فأطلق ذلك عليه.وهذه أقاويل ضعاف، وفيه تصرفات للعرب بقوله: إسرائيل بهمزة بعد الألف وياء بعدها، وهي قراءة الجمهور. وإسراييل بياءين بعد الألف،وهي قراءة أبي جعفر والأعشى وعيسى بن عمر. وإسرائل بهمزة بعد الألف ثم لام، وهو مروي عن ورش. وإسراءل بهمزةمفتوحة بعد الراء ولام، وإسرئل بهمزة مكسورة بعد الراء، وإسرال بألف ممالة بعدها لام خفيفة، واسرال بألف غير ممالة، قالأمية:

لا أرى من يعيشني في حياتي غير نفسي إلا بني إسرالا

وهي روايةخارجة عن نافع، وقرأ الحسن والزهري وابن أبي إسحاق وغيرهم: وإسرائن بنون بدل اللام، قال الشاعر:

يقول أهل السوء لما جينا هذا ورب البيت إسرائينا

كما قالوا: سجيل، وسجين، ورفلّ، ورفنّ، وجبريل، وجبرين، أبدلتبالنون كما أبدلت النون بها في أصيلان قالوا: أصيلال، وإذا جمعته جمع تكسير قلت: أساريل، وحكي: أسارلة وأسارل. الذكر: بكسرالذال وضمها لغتان بمعنى واحد، وقال الكسائي: يكون باللسان، والذكر بالقلب فبالكسر ضده: الصمت، وبالضم ضده: النسيان، وهو بمعنى التيقظوالتنبه، ويقال: اجعله منك على ذكر. النعمة: اسم للشيء المنعم به، وكثيراً ما يجيء فعل بمعنى المفعول: كالذبح، والنقص، والرعي،والطحن، ومع ذلك لا ينقاس. أوفى، ووفى، ووفى: لغى ثلاث في معنى واحد، وتأتي أوفى بمعنى: ارتفع، قال:

ربما أوفيت في علم ترفعن ثوبي شمالات

والميفات: مكان مرتفع، وقال الفراء: أهل الحجاز يقولون: أوفيت،وأهل نجد يقولون: وفيت بغير ألف، وقال الزجاج: وفي بالعهد، وأوفى به، قال الشاعر:

أما ابن طوق فقد أوفى بذمته كما وفى بقلاص النجم حاديها

وقال ابن قتيبة: يقال وفيت بالعهد، وأوفيت به، وأوفيت الكيل لاغير. وقال أبو الهيثم: وفي الشيء: تم، ووفى الكيل وأوفيته: أتممته، ووفى ريش الطائر: بلغ التمام، ودرهم واف: أي تامكامل. الرهب، والرهب، والرهب، والرهبة: الخوف، مأخوذ من الرهابة، وهو عظم الصدر يؤثر فيه الخوف. والرهب: النصل، لأنه يرهب منه،والرهبة والخشية والمخافة نظائر. التصديق: اعتقاد حقيقة الشيء ومطابقته للمخبر به، والتكذيب يقابله. أول: عند سيبويه: أفعل، وفاؤه وعينهواوان، ولم يستعمل منه فعل لاستثقال اجتماع الواوين، فهو مما فاؤه وعينه من جنس واحد، لم يحفظ منه إلا: ددن،وققس، وببن، وبابوس. وقيل: إن بابوساً أعجمي، وعند الكوفيين أفعل من وأل إذا لجأ، فأصله أوأل، ثم خفف بإبدال الهمزةواواً، ثم بالإدغام، وهذا تخفيف غير قياسي، إذ تخفيف مثل هذا إنما هو بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الساكن قبلها.وقال بعض الناس: هو أفعل من آل يؤل، فأصله أأول، ثم قلب فصار أوأل أعفل، ثم خفف بإبدال الهمزة واواً،ثم بالإدغام. وهذان القولان ضعيفان، ويستعمل أول استعمالين: أحدهما: أن يجري مجرى الأسماء، فيكون مصروفاً، وتليه العوامل نحو: أفكل، وإنكان معناه معنى قديم، وعلى هذا قول العرب: مما تركت له أولاً ولا آخراً، أي ما تركت له قديماً ولاحديثاً. والاستعمال الثاني: أن يجري مجرى أفعل التفضيل، فيستعمل على ثلاثة أنحائه من كونه بمن ملفوظاً بها، أو مقدرة، وبالألفواللام، وبالإضافة. وقالت العرب: ابدأ بهذا أول، فهذا مبني على الضم باتفاق، والخلاف في علة بنائه ذلك لقطعه عن الإضافة،والتقدير: أول الأشياء، أم لشبه القطع عن الإضافة، والتقدير: أول من كذا. والأولى أن تكون العلة القطع عن الإضافة، والخلافإذا بني، أهو ظرف أو اسم غير ظرف؟ وهو خلاف مبني على أن الذي يبنى للقطع شرطه أن يكون ظرفاً،أو لا يشترط ذلك فيه، وكل هذا مستوفى في علم النحو. الثمن: العوض المبذول في مقابلة العين المبيعة، وقال:

إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها فما أصبت بترك الحج من ثمن

أي من عوض. القليل: يقابلهالكثير، واتفقا في زنة اسم الفاعل، واختلفا في زنة الفعل، فماضي القليل فعل، وماضي الكثير فعل، وكان القياس أن يكوناسم الفاعل من قل على فاعل نحو: شذ يشذ، فهو شاذ، لكن حمل على مقابلة. ومثل قلّ فهو قليل، صحفهو صحيح. اللبس: الخلط، تقول العرب: لبست الشيء بالشيء: خلطته، والتبس به: اختلط، وقال العجاج:

لمــا لبســن الحــق بـالتجنــي

وجاءألبس بمعنى لبس. وقال آخر:

وكتيبة ألبستها بكتيبة حتى إذا التبست نفضت لها يدي

الكتم،والكتمان: الإخفاء، وضده: الإظهار، ومنه الكتم: ورق يصبغ به الشيب. الركوع: له معنيان في اللغة: أحدهما: التطامن والانحناء، وهذا قولالخليل وأبي زيد، ومنه قول لبيد:

أخبر أخبار القرون التي مضت أدبّ كأني كلما قمت راكع

والثاني: الذلة والخضوع، وهو قول المفضل والأصمعي، قال الأضبط السعدي:

لا تهين الضعيف علك أن تركع يوماً والدهر قد رفعه

{ يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } هذا افتتاح الكلاممع اليهود والنصارى، ومناسبة الكلام معهم هنا ظاهرة، وذلك أن هذه السورة افتتحت بذكر الكتاب، وأن فيه هدى للمؤمنين، ثمأعقب ذلك بذكر الكفار المختوم عليهم بالشقاوة، ثم بذكر المنافقين، وذكر جمل من أحوالهم، ثم أمر الناس قاطبة بعبادة اللهتعالى، ثم ذكر إعجاز القرآن، إلى غير ذلك مما ذكره، ثم نبههم بذكر أصلهم آدم، وما جرى له من أكلهمن الشجرة بعد النهي عنه، وأن الحامل له على ذلك إبليس. وكانت هاتان الطائفتان: أعني اليهود والنصارى، أهل كتاب، مظهريناتباع الرسل والاقتداء بما جاء عن الله تعالى. وقد اندرج ذكرهم عموماً في قوله:

{ يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ }

، فجردذكرهم هنا خصوصاً، إذ قد سبق الكلام مع المشركين والمنافقين، وبقي الكلام مع اليهود والنصارى، فتكلم معهم هنا، وذكروا مايقتضي لهم الإيمان بهذا الكتاب، كما آمنوا بكتبهم السابقة، إلى آخر الكلام معهم على ما سيأتي جملة مفصلة. وناسب الكلاممعهم قصة آدم، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، لأنهم بعدما أوتوا من البيان الواضح والدليل اللائح، المذكور ذلك في التوراةوالإنجيل، من الإيفاء بالعهد والإيمان بالقرآن، ظهر منهم ضد ذلك بكفرهم بالقرآن ومن جاء به، وأقبل عليهم بالنداء ليحركهم لسماعما يرد عليهم من الأوامر والنواهي، نحو قوله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ}

{ وَيَـا آدَمُ ٱسْكُنْ }

. وقد تقدم الإشارة إلىذلك، وأضافهم إلى لفظ إسرائيل، وهو يعقوب، ولم يقل: يا بني يعقوب، لما في لفظ إسرائيل من أن معناه عبدالله أو صفوة الله، وذلك على أحسن تفاسيره، فهزهم بالإضافة إليه، فكأنه قيل: يا بني عبد الله، أو يا بنيصفوة الله، فكان في ذلك تنبيه على أن يكونوا مثل أبيهم في الخير، كما تقول: يا ابن الرجل الصالح أطعالله، فتضيفه إلى ما يحركه لطاعة الله، لأن الإنسان يحب أن يقتفى أثر آبائه، وإن لم يكن بذلك محموداً، فكيفإذا كان محموداً؟ ألا ترى:

{ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا على أمة }

{ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا }

،وفي قوله: {مَعِىَ بَنِى إِسْرٰءيلَ } دليل على أن من انتمى إلى شخص، ولو بوسائط كثيرة، يطلق عليه أنه ابنه،وعليه

{ يا بني آدم }

ويسمى ذلك أباً. قال تعالى:

{ مّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰهِيمَ }

، وفي إضافتهم إلى إسرائيل تشريف لهم بذكرنسبتهم لهذا الأصل الطيب، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن. ونقل عن أبي الفرج بن الجوزي: أنه ليسلأحد من الأنبياء غير نبينا محمد ﷺ إسمان إلا يعقوب، فإنه يعقوب، وهو إسرائيل. ونقل الجوهري فيصحاحة: أن المسيح اسم علم لعيسى، لا اشتقاق له. وذكر البيهقي عن الخليل بن أحمد خمسة من الأنبياء ذو واسمين:محمد وأحمد نبينا ﷺ، وعيسى والمسيح، وإسرائيل ويعقوب، ويونس وذو النون، وإلياس وذو الكفل. والمراد بقوله:{خَـٰلِدُونَ يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ } من كان بحضرة رسول الله ﷺ بالمدينة، وما والاها من بني إسرائيل،أو من أسلم من اليهود وآمن بالنبي ﷺ، أو أسلاف بني إسرائيل وقدماؤهم، أقوال ثلاثة: والأقرب الأول،لأن من مات من أسلافهم لا يقال له: {وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ }، إلا على ضرب بعيد منالتأويل، ولأن من آمن منهم لا يقال له: {وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ }،إلا بمجاز بعيد. ويحتمل قوله: اذكروا الذكر باللسان والذكر بالقلب: فعلى الأول يكون المعنى: أمرّوا النعم على ألسنتكم ولا تغفلواعنها، فإن إمرارها على اللسان ومدارستها سبب في أن لا تنسى. وعلى الثاني يكون المعنى: تنبهوا للنعم ولا تغفلوا عنشكرها. وفي النعمة المأمور بشكرها أو بحفظها أقوال: ما استودعوا من التوراة التي فيها صفة رسول الله صلى الله عليهوسلم، أو ما أنعم به على أسلافهم من إنجائهم من آل فرعون وإهلاك عدوهم وإيتائهم التوراة ونحو ذلك، قاله الحسنوالزجاج، أو إدراكهم مدة النبي ﷺ، أو علم التوراة، أو جميع النعم على جميع خلقه وعلى سلفهموخلفهم في جميع الأوقات على تصاريف الأحوال. وأظهر هذه الأقوال ما اختص به بنو إسرائيل من النعم لظاهر قوله: {ٱلَّتِىأَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ }، ونعم الله على بني إسرائيل كثيرة، استنقذهم من بلاء فرعون وقومه، وجعلهم أنبياء وملوكاً، وأنزل عليهم الكتبالمعظمة، وظلل عليهم في التيه الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. قال ابن عباس: أعطاهم عموداً من النور ليضء لهم بالليل،وكانت رؤوسهم لا تتشعث، وثيابهم لا تبلى. وإنما ذكروا بهذه النعم لأن في جملتها ما شهد بنبوة محمد صلى اللهعليه وسلم، وهو: التوراة والإنجيل والزبور، ولئن يحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان برسول الله والقرآن، ولأن تذكير النعمالسالفة يطمع في النعم الخالقة، وذلك الطمع يمنع من إظهار المخالفة. وهذه النعم، وإن كانت على آبائهم، فهي أيضاً نعمعليهم، لأن هذه النعم حصل بها النسل، ولأن الانتساب إلى آباء شرفوا بنعم تعظيم في حق الأولاد. قال بعض العارفين:عبيد النعم كثيرون، وعبيد المنعم قليلون، فالله تعالى ذكر بني إسرائيل نعمه عليهم، ولما آل الأمر إلى أمة محمد صلىالله عليه وسلم ذكر المنعم فقال:

{ ٱذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ }

، فدل ذلك على فضل أمة محمد ﷺ علىسائر الأمم، وفي قوله: {نِعْمَتِيَ }، نوع التفات، لأنه خروج من ضمير المتكلم المعظم نفسه في قوله: {ءايَـٰتِنَا } إلىضمير المتكلم الذي لا يشعر بذلك. وفي إضافة النعمة إليه إشارة إلى عظم قدرها وسعة برها وحسن موقعها، ويجوز فيالياء من نعمتي الإسكان والفتح، والقراء السبعة متفقون على الفتح. وأنعمت: صلة التي، والعائد محذوف، التقدير: أنعمتها عليكم. {وَأَوْفُواْبِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ }. العهد: تقدم تفسيره لغة في قوله:

{ ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ }

، ويحتمل العهد أن يكون مضافاًإلى المعاهد وإلى المعاهد. وفي تفسير هذين العهدين أقوال: أحدها: الميثاق الذي أخذه عليهم من الإيمان به والتصديق برسله، وعهدهمما وعدهم به من الجنة. الثاني: ما أمرهم به وعهدهم ما وعدهم به، قاله ابن عباس. الثالث: ما ذكر لهمفي التوراة من صفة رسول الله ﷺ، وعهدهم ما وعدهم به من الجنة، رواه أبو صالح عنابن عباس. الرابع: أداء الفرائض وعهدهم قبولها والمجازاة عليها. الخامس: ترك الكبائر وعهدهم غفران الصغائر. السادس: إصلاح الدين وعهدهم إصلاحآخرتهم. السابع: مجاهدة النفوس وعهدهم المعونة على ذلك. الثامن: إصلاح السرائر وعهدهم إصلاح الظواهر. التاسع:

{ خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ }

،قاله الحسن. العاشر:

{ وَإِذَا * أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ يكتمونه }

. الحادي عشر: الإخلاص في العباداتوعهدهم إيصالهم إلى منازل الرعايات. الثاني عشر: الإيمان به وطاعته، وعهدهم ما وعدهم عليه من حسن الثواب على الحسنات. الثالثعشر: حفظ آداب الظواهر وعهدهم في السرائر. الرابع عشر: عهد الله على لسان موسى عليه السلام لبني إسرائيل: إني باعثمن بني إسرائيل نبياً فمن اتبعه وصدّق بالنور الذي يأتي به غفرت له وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين اثنين، قالهالكلبي. الخامس عشر: شرط العبودية وعهدهم شرط الربوبية. السادس عشر: أوفوا في دار محنتي على بساط خدمتي بحفظ حرمتي، أوفبعهدكم في دار نعمتي على بساط كرامتي بقربى ورؤيتي، قاله الثوري. السابع عشر: لا تفروا من الزحف أدخلكم الجنة، قالهإسماعيل بن زياد. الثامن عشر:

{ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ وَبَعَثْنَا }

الآية، قاله ابن جريج، وعهدهم إدخالهمالجنة. التاسع عشر: أوامره ونواهيه ووصاياه، فيدخل في ذلك ذكر محمد ﷺ الذي في التوراة، قاله الجمهور.العشرون: أوفوا بعهدي في التوكل أوف بعهدكم في كفاية المهمات، قاله أبو عثمان. الحادي والعشرون: أوفوا بعهدي في حفظ حدوديظاهراً وباطناً أوف بعهدكم بحفظ أسراركم عن مشاهدة غيري. الثاني والعشرون: عهده حفظ المعرفة وعهدنا إيصال المعرفة، قاله القشيري. الثالثوالعشرون: أوفوا بعهدي الذي قبلتم يوم أخذ الميثاق أوف بعهدكم الذي ضمنت لكم يوم التلاق. الرابع والعشرون: أوفوا بعهدي اكتفوامني بي أوف بعهدكم أرض عنكم بكم. فهذه أقوال السلف في تفسير هذين العهدين. والذي يظهر، والله أعلم، أنالمعنى طلب الإيفاء بما التزموه لله تعالى، وترتيب إنجاز ما وعدهم به عهداً على سبيل المقابلة، أو إبرازاً لما تفضلبه تعالى في صورة المشروط الملتزم به فتتوفر الدواعي على الإيفاء بعهد الله، كما قال تعالى:

{ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ }

{ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً }

، وقال رسول الله ﷺ: فإن له عهداً عند الله أن يدخله الجنة . وقرأ الزهري: أوف بعهدكم مشدّداً. ويحتمل أن يراد به التكثير، وأن يكون موافقاً للمجرّد. فإن أريدبه التكثير فيكون في ذلك مبالغة على لفظ أوف، وكأنه قيل: أبالغ في إيفائكم، فضمن تعالى إعطاء الكثير على القليل،كما قال تعالى:

{ مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }

. وانجزام المضارع بعد الأمر نحو: اضرب زيداً يغضب، يدل علىمعنى شرط سابق، وإلا فنفس الأمر وهو طلب إيجاد الفعل لا يقتضي شيئاً آخر، ولذلك يجوز الاقتصار عليه فتقول: أضربزيداً، فلا يترتب على الطلب بما هو طلب شيء أصلاً، لكن إذا لوحظ معنى شرط سابق ترتب عليه مقتضاه. وقداختلف النحويون في ذلك، فذهب بعضهم إلى أن جملة الأمر ضمنت معنى الشرط، فإذا قلت: اضرب زيداً يغضب، ضمن اضربمعنى: أن تضرب، وإلى هذا ذهب الأستاذ أبو الحسن بن خروف. وذهب بعضهم إلى أن جملة الأمر نابت مناب الشرط،ومعنى النيابة أنه كان التقدير: اضرب زيداً، إن تضرب زيداً يغضب، ثم حذفت جملة الشرط وأنيبت جملة الأمر منابها. وعلىالقول الأول ليس ثم جملة محذوفة، بل عملت الجملة الأولى الجزم لتضمن الشرط، كما عملت من الشرطية الجزم لتضمنها معنىإن. وعلى القول الثاني عملت الجزم لنيابتها مناب الجملة الشرطية، وفي الحقيقة، العمل إنما هو للشرط المقدر، وهو اختيار الفارسيوالسيرافي، وهو الذي نص عليه سيبويه عن الخليل. والترجيح بين القولين يذكر في علم النحو. {وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ }. إياي:منصوب بفعل محذوف مقدراً بعده لانفصال الضمير، وإياي ارهبوا، وحذف لدلالة ما بعده عليه وتقديره قبله، وهم من السجاوندي، إذقدره وارهبوا إياي، وفي مجيئه ضمير نصب مناسبة لما قبله، لأن قبله أمر، ولأن فيه تأكيداً، إذ الكلام مفروغ فيقالب جملتين. ولو كان ضمير رفع لجاز، لكن يفوت هذان المعنيان. وحذفت الياء ضمير النصب من فارهبون لأنها فاصلة، وقرأابن أبي إسحاق بالياء على الأصل، قال الزمخشري: وهو أوكد في إفادة الاختصاص من إياك نعبد. ومعنى ذلك أن الكلامجملتان في التقدير، وإياك نعبد، جملة واحدة، والاختصاص مستفاد عنده من تقديم المعمول على العامل. وقد تقدم الكلام معه فيذلك، وأنا لا نذهب إلى ما ذهب إليه من ذلك. والفاء في قوله: فارهبون، دخلت في جواب أمر مقدّر، والتقدير:تنبهوا فارهبون. وقد ذكر سيبويه في كتابه ما نصه: تقول: كل رجل يأتيك فاضرب، لأن يأتيك صفة ههنا، كأنك قلت:كل رجل صالح فاضرب، انتهى. قال ابن خروف: قوله كل رجل يأتيك فاضرب، بمنزلة زيداً فاضرب، إلا أن هنا معنىالشرط لأجل النكرة الموصوفة بالفعل، فانتصب كل وهو أحسن من: زيداً فاضرب، انتهى. ولا يظهر لي وجه الأحسنية التي أشارإليها ابن خروف، والذي يدل على أن هذا التركيب، أعني: زيداً فاضرب، تركيب عربي صحيح، قوله تعالى:

{ بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ }

، وقال الشاعر:

ولا تعبـد الشيطـان والله فـاعبـدا

قال بعض أصحابنا: الذي ظهر فيها بعد البحث أن الأصل في: زيداًفاضرب، تنبه: فاضرب زيداً، ثم حذف تنبه فصار: فاضرب زيداً. فلما وقعت الفاء صدراً قدّموا الاسم إصلاحاً للفظ، وإنما دخلتالفاء هنا لتربط هاتين الجملتين، انتهى ما لخص من كلامه. وإذا تقرر هذا فتحتمل الآية وجهين: أحدهما: أن يكون التقديروإياي ارهبوا، تنبهوا فارهبون، فتكون الفاء دخلت في جواب الأمر، وليست مؤخرة من تقديم. والوجه الثاني: أن يكون التقدير وتنبهوافارهبون، ثم قدّم المفعول فانفصل، وأخرت الفاء حين قدم المفعول وفعل الأمر الذي هو تنبهوا محذوف، فالتقى بعد حذفه حرفان:الواو العاطفة والفاء، التي هي جواب أمر، فتصدّرت الفاء، فقدم المفعول وأخرت الفاء إصلاحاً للفظ، ثم أعيد المفعول على سبيلالتأكيد ولتكميل الفاصلة، وعلى هذا التقدير الأخير لا يكون إياي معمولاً لفعل محذوف، بل معمولاً لهذا الفعل الملفوظ به، ولايبعد تأكيد الضمير المنفصل بالضمير المتصل، كما أكد المتصل بالمنفصل في نحو: ضربتك إياك، والمعنى: ارهبون أن أنزل بكم ماأنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره، وهذا قول ابن عباس. وقيل معنىفارهبون: أن لا تنقضوا عهدي، وفي الأمر بالرهبة وعيد بالغ، وليس قول من زعم أن هذا الأمر معناه التهديد والتخويفوالتهويل، مثل قوله تعالى:

{ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ }

، تشديد لأن هذا في الحقيقة مطلوب، واعملوا ما شئتم غير مطلوب فافترقا.وقيل: الخوف خوفان، خوف العقاب، وهو نصيب أهل الظاهر، ويزول، وخوف جلال، وهو نصيب أهل القلب، ولا يزول. وقال السلمي:الرهبة: خشية القلب من رديء خواطره. وقال سهل: {وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ }، موضع اليقين بمعرفته، {وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ }، موضع العلم السابقوموضع المكر والاستدراج. وقال القشيري: أفردوني بالخشية لانفرادي بالقدرة على الإيجاد. {وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ }: ظاهره أنه أمر لبنيإسرائيل، لأن المأمورين قبل هم، وهذا معطوف على ما قبله، فظاهره اتحاد المأمور. وقيل: أنزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه،علماء اليهود ورؤسائهم، والظاهر الأول، ويندرج فيه كعب ومن معه. وما في قوله: {بِمَا أَنزَلْتُ } موصولة، أي بالذي أنزلت،والعائد محذوف تقديره: أنزلته، وشروط جواز الحذف فيه موجودة، والذي أنزل تعالى هو القرآن، والذي معهم هو التوراة والإنجيل. وقالقتادة: المراد {بِمَا أَنزَلْتُ }: من كتاب ورسول تجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، وأبعد من جعل ما مصدرية، وأنالتقدير: وآمنوا بإنزالي لما معكم من التوراة، فتكون اللام في لما من تمام المصدر لا من تمام. {مُصَدّقاً }. وعلىالقول الأول يكون {لّمَا مَعَكُمْ } من تمام {مُصَدّقاً }، واللام على كلا التقديرين في لما مقوية للتعدية، كهي فيقوله تعالى:

{ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ }

. وإعراب مصدقاً على قول من جعل ما مصدرية حال من ما في قوله: {لّمَامَعَكُمْ }. ولا نقول: يبعد ذلك لدخول حرف الجر على ذي الحال، لأن حرف الجر كما ذكرناه هو مقوّ للتعدية،فهو كالحرف الزائد، وصار نظير: زيد ضارب، مجردة لهند، التقدير: ضارب هنداً مجردة، ثم تقدمت هذه الحال، وهذا جائز عندنا،ويبعد أن يكون حالاً من المصدر المقدر لوجهين: أحدهما: الفصل بين المصدر ومعموله الحال المصدر. والوجه الثاني: أنه يبعد وصفالإنزال بالتصديق إلا أن يتجوّز به، ويراد به المنزل، وعلى هذا التقدير لا يكون لما معكم من تمامه، لأنه إذاأريد به المنزل لا يكون متعدياً للمفعول. والظاهر أن مصدقاً حال من الضمير العائد على الموصول المحذوف، وهي حال مؤكدة،والعامل فيها أنزلت. وقيل: حال من ما في قوله: بما أنزلت، وهي حال مؤكدة أيضاً. {وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍبِهِ }: أفعل التفضيل إذا أضيف إلى نكرة غير صفة، فإنه يبقى مفرداً مذكراً، والنكرة تطابق ما قبلها، فإن كانمفرداً كان مفرداً، وإن كان تثنية كان تثنية، وإن كان جمعاً كان جمعاً، فتقول: زيد أفضل رجل، وهند أفضل امرأة،والزيدان أفضل رجلين، والزيدون أفضل رجال. ولا تخلو تلك النكرة المضاف إليها أفعل التفضيل من أن تكون صفة أو غيرصفة، فإن كانت غير صفة فالمطابقة كما ذكرنا. وأجاز أبو العباس: إخوتك أفضل رجل، بالإفراد، ومنع ذلك الجمهور. وإن كانتصفة، وقد تقدم أفعل التفضيل جمع جازت المطابقة وجاز الإفراد، قال الشاعر: أنشده الفراء:

وإذا هم طعموا فألأم طاعم وإذا هم جاعوا فشرّ جياع

فأفرد بقوله: طاعم، وجمع بقوله: جياع. وإذا أفردت النكرة الصفة،وقبل أفعل التفضيل جمع، فهو عند النحويين متأوّل، قال الفراء: تقديره من طعم، وقال غيره: يقدر وصفاً لمفرد يؤدي معنىجمع، كأنه قال: فألأم طاعم، وحذف الموصوف، وقامت الصفة مقامه، فيكون ما أضيف إليه في التقدير وفق ما تقدمه. وقالبعض الناس: يكون التجوز في الجمع، فإذا قيل مثلاً الزيدون أفضل عالم، فالمعنى: كل واحد من الزيدين أفضل عالم. وهذهالنكرة أصلها عند سيبويه التعريف والجمع، فاختصروا الألف واللام وبناء الجمع. وعند الكوفيين أن أفعل التفضيل هو النكرة في المعنى،فإذا قلت: أبوك أفضل عالم، فتقديره: عندهم أبوك الأفضل العالم، وأضيف أفضل إلى ما هو هو في المعنى. وجميع أحكامأفعل التفضيل مستوفاة في كتب النحو. وعلى ما قررناه تأولوا أول كافر بمن كفر، أو أول حزب كفر، أو لايكن كل واحد منكم أول كافر. والنهي عن أن تكونوا أول كافر به لا يدل ذلك على إباحة الكفر لهمثانياً أو آخراً، فمفهوم الصفة هنا غير مراد. ولما أشكلت الأولية هنا زعم بعضهم أن أول صلة يعني زائدة، والتقدير:ولا تكونوا كافرين به، وهذا ضعيف جداً. وزعم بعضهم أن ثم محذوفاً معطوفاً تقديره: ولا تكونوا أوّل كافر به ولاآخر كافر، وجعل ذلك مما حذف فيه المعطوف لدلالة المعنى عليه، وخص الأولية بالذكر لأنها أفحش، لما فيها من الابتداءبها، وهذا شبيه بقول الشاعر:

من أناس ليس في أخلاقهم عاجل الفحش ولا سوء جزع

لا يريد أن فيهم فحشاً آجلاً، بل أراد لافحش عندهم، لا عاجلاً، ولا آجلاً، وتأوله بعضهم على حذف مضاف،أي: ولا تكونوا مثل أول كافر به، أي ولا تكونوا وأنتم تعرفونه مذكوراً في التوراة موصوفاً مثل من لم يعرفهوهو مشرك لا كتاب له، وبعضهم على صفة محذوفة، أي أول كافر به من أهل الكتاب، إذ هم منظور إليهمفي هذا مظنون بهم علم، وبعضهم على حذف صلة يصح بها المعنى، التقدير: ولا تكونوا أول كافر به مع المعرفة،لأن كفر قريش كان مع الجهل، وهذا القول شبيه بالذي قبله. وبعضهم قدر صلة غير هذه، أي ولا تكونوا أولكافر به عند سماعكم لذكره، بل تثبتوا فيه وراجعوا عقولكم فيه. وقيل: ذكر الأولية تعريض بأنه كان يجب أن يكونواأول مؤمن به، لمعرفتهم به وبصفته، ولأنهم كانوا هم المبشرين بزمانه والمستفتحين على الذين كفروا به، فلما بعث كان أمرهمعلى العكس، قال تعالى:

{ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ }

، وقال القشيري: لا تسنوا الكفر سنة، فإن وزر المبتدئينفيما يسنون أعظم من وزر المقتدين فيما يتبعون. والضمير في به عائد على الموصول في بما أنزلت، وهو القرآن، قالهابن جريج، أو على محد ﷺ، ودل عليه المعنى، لأن ذكر المنزل يدل على ذكر المنزل عليه،قاله أبو العالية، أو على النعمة على معنى الإحسان، ولذلك ذكر الضمير، قاله الزجاج، أو على الموصول في لما معكم،لأنهم إذا كفروا بما يصدقه، فقد كفروا به، والأرجح الأول، لأنه أقرب، وهو منطوق به مقصود للحديث عنه، بخلاف الأقوالالثلاثة. {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي ثَمَنًا قَلِيلاً }. الاشتراء هنا مجاز يراد به الاستبدال، كما قال:

كمــا اشتــرى المسلـم إذ تنصــرا

وقال آخر:

فـإني شـريت الحلـم بعـدك بـالجهل

ولما كان المعنى على الاستبدال، جاز أن تدخل الباء على الآيات، وإنكان القياس أن تدخل على ما كان ثمناً، لأن الثمن في البيع حقيقته أن يشترى به، لكن لما دخل الكلامعلى معنى الاستبدال جاز ذلك، لأن معنى الاستبدال يكون المنصوب فيه هو الحاصل، وما دخلت عليه الباء هو الزائل، بخلافما يظن بعض الناس أن قولك: بدلت أو أبدلت درهماً بدينار معناه: أخذت الدينار بدلاً عن الدرهم، والمعنى، والله أعلم:ولا تستبدلوا بآياتي العظيمة أشياء حقيرة خسيسة. ولو أدخل الباء على الثمن دون الآيات لانعكس هذا المعنى، إذ كان يصيرالمعنى: أنهم هم بذلوا ثمناً قليلاً وأخذوا الآيات. قال المهدوي: ودخول الباء على الآيات كدخولها على الثمن، وكذلك كلّ مالا عين فيه، وإذا كان في الكلام دنانير أو دراهم دخلت الباء على الثمن، قاله الفراء. انتهى كلام المهدوي ومعناه:أنه إذا لم يكن دنانير ولا دراهم في البيع صح أن يكون كل واحد من المبذول ثمناً ومثمناً، لكن يختلفدخول الباء بالنسبة لمن نسب الشراء إلى نفسه من المتعاقدين جعل ما حصل هو المثمن، فلا تدخل عليه الباء، وجعلما بذل هو الثمن فأدخل عليه الباء، ونفس الآيات لا يشترى بها، فاحتيج إلى حذف مضاف، فقيل تقديره: بتعليم آياتي،قاله أبو العالية، وقيل: بتغيير آياتي، قاله الحسن. وقيل: بكتمان آياتي، قاله السدي. وقيل: لا يحتاج إلى حذف مضاف، بلكنى بالآيات عن الأوامر والنواهي. وعلى الأقوال الثلاثة التي قبل هذا القول تكون الآيات، ما أنزل من الكتب، أوالقرآن، أو ما أوضح من الحجج والبراهين، أو الآيات المنزلة عليهم في التوراة والإنجيل المتضمنة الأمر بالإيمان برسول الله صلىالله عليه وسلم. وعلى الأقاويل في ذلك المضاف المقدر، والقول بعدها اختلفوا في المعنى بقوله: ثمناً قليلاً. فمن قال: إنالمضاف هو التعليم، قال: الثمن القليل هو الأجرة على التعليم، وكان ذلك ممنوعاً منه في شريعتم، أو الراتب المرصد لهمعلى التعليم، فنهوا هنه، ومن قال: هو التغيير، قال الثمن القليل هو الرّياسة التي كانت في قومهم خافوا فواتها لوصاروا أتباعاً لرسول الله ﷺ. ومن جعل الآيات كناية عن الأوامر والنواهي، جعل الثمن القليل هو مايحصل لهم من شهوات الدنيا التي اشتغلو بها عن إيقاع ما أمرالله به واجتناب ما نهى عنه، ووصف الثمن بالقليل،لأن ما حصل عوضاً عن آيات الله كائناً ما كان لا يكون إلا قليلاً، وإن بلغ ما بلغ، كما قالتعالى: { قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ } ، فليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف التي تخصص النكرات، بل من الأوصاف اللازمة للثمنالمحصل بالآيات، إذ لا يكون إلا قليلاً. ويحتمل أن يكون ثم معطوف تقديره: ثمناً قليلاً ولا كثيراً، فحذف لدلالة المعنىعليه. وقد استدل بعض أهل العلم بقوله: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي ثَمَنًا قَلِيلاً } على نع جواز أخذ الأجرة على تعليمكتاب الله والعلم. وقد روي في ذلك أحاديث لا تصح، وقد صح أنهم قالوا: يا رسول الله، إنا نأخذ علىكتاب الله أجراً، فقال: «إن خير ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله». وقد تظافرت أقوال العلماء على جواز أخذ الأجرةعلى تعليم القرآن والعلم، وإنما نقل عن الزهري وأبي حنيفة الكراهة، لكون ذلك عبادة بدنية، ولا دليل لذلك الذاهب فيالآية، وقد مرّ تفسيرها. {وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ }: الكلام عليه إعراباً، كالكلام على قوله: {وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ }، ويقرب معنى التقوىمن معنى الرهبة. قال صاحب المنتخب: والفرق أن الرهبة عبارة عن الخوف، وأمّا الاتقاء فإنه يحتاج إليه عند الجرم بحصولما يتقي منه، فكأنه تعالى أمرهم بالرهبة لأجل أن جواز العقاب قائم، ثم أمرهم بالتقوى لأن تعين العقاب قائم، انتهىكلامه. ومعنى جواز العقاب هناك وتعيينه هنا: أن ترك ذكر النعمة والإيفاء بالعهد ظاهره أنه من المعاصي التي تجوز العقاب،إذ يجوز أن يقع العفو عن ذلك، وترك الإيمان بما أنزل الله تعالى، وشراء الثمن اليسير بآيات الله من المعاصيالتي تحتم العقاب وتعينه، إذ لا يجوز أن يقع العفو عن ذلك، فقيل في ذلك: {فَٱرْهَبُونِ }، وقيل في هذا:{فَٱتَّقُونِ }، أي اتخذوا وقاية من عذاب الله إن لم تمتثلوا ما أمرتكم به. والأحسن أن لا يقيد ارهبون واثقونبشيء، بل ذلك أمر بخوف الله واتقائه، ولكن يدخل فيه ما سيق الأمر عقيبه دخولاً واضحاً، فكان المعنى: ارهبون، إنلم تذكروا نعمتي ولم توفوا بعهدي، واتقون، إن لم تؤمنوا بما أنزلت وإن اشترتيتم بآياتي ثمناً قليلاً. {وَلاَ تَلْبِسُواْٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ }: أي الصدق بالكذب، قاله ابن عباس، أو اليهودية والنصرانية بالإسلام، قاله مجاهد، أو التوراة بما كتبوه بأيديهمفيها من غيرها، أو بما بدلوا فيها من ذكر محمد ﷺ، قاله ابن زيد، أو الأمانة بالخيانةلأنهم ائتمنوا على إبداء ما في التوراة، فخانوا في ذلك بكتمانه وتبديله، أو الإقرار بنبوّة محمد ﷺإلى غيرهم وجحدهم أنه ما بعث إليهم، قاله أبو العالية، أو إيمان منافقي اليهود بإبطان كفرهم، أو صفة النبي صلىالله عليه وسلم بصفة الدجال. وظاهر هذا التركيب أن الباء في قوله بالباطل للإلصاق، كقولك: خلطت الماء باللبن، فكأنهم نهواعن أن يخلطوا الحق بالباطل، فلا يتيمز الحق من الباطل، وجوز الزمخشري أن تكون الباء للاستعانة، كهي في كتبت بالقلم،قال: كان المعنى: ولا تجعلوا الحق ملتبساً مشتبهاً بباطلكم، وهذا فيه بعد عن هذا التركيب، وصرف عن الظاهر بغير ضرورةتدعو إلى ذلك. {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ }: مجزوم عطفاً على تلبسوا، والمعنى: النهي عن كل واحد من الفعلين، كما قالوا:لا تأكل السمك وتشرب اللبن، بالجزم نهياً عن كل واحد من الفعلين، وجوزوا أن يكون منصوباً على إضمار أن، وهوعند البصريين عطف على مصدر متوهم، ويسمى عند الكوفيين النصب على الصرف. والجرمي يرى أن النصب بنفس الواو، وهذا مذكورفي علم النحو. وما جوزوه ليس بظاهر، لأنه إذ ذاك يكون النهي منسحباً على الجمع بين الفعلين، كما إذا قلت:لا تأكل السمك وتشرب اللبن، معناه: النهي عن الجمع بينهما، ويكون بالمفهوم يدل على جواز الالتباس بواحد منهما، وذلك منهيعنه، فلذلك رجح الجزم. وقرأ عبد الله: {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ }، وخرج على أنها جملة في موضع الحال، وقدره الزمخشري:كاتمين، وهو تقدير معنى لا تقدير إعراب، لأن الجملة المثبتة المصدّرة بمضارع، إذا وقعت حالاً لا تدخل عليها الواو، والتقديرالإعرابي هو أن تضمر قبل المضارع هنا مبتدأ تقديره: وأنتم تكتمون الحق، ولا يظهر تخريج هذه القراءة على الحال، لأنالحال قيد في الجملة السابقة، وهم قد نهوا عن لبس الحق بالباطل، على كل حال فلا يناسب ذلك التقييد بالحالإلا أن تكون الحال لازمة، وذلك أن يقال: لا يقع لبس الحق بالباطل إلا ويكون الحق مكتوماً، ويمكن تخريج هذهالقراءة على وجه آخر، وهو أن يكون الله قد نعى عليهم كتمهم الحق مع علمهم أنه حق، فتكون الجملة الخبريةعطفت على جملة النهي، على من يرى جواز ذلك، وهو سيبويه وجماعة، ولا يشترط التناسب في عطف الجمل، وكلا التخريجينتخريج شذوذ. والحق الذي كتموه هو أمر رسول الله ﷺ، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وأبو العالية،والسدّي، ومقاتل، أو الإسلام، قاله الحسن، أو يكون الحق عامًّا فيندرج فيه أمر رسول الله ﷺ والقرآن،وما جاء به ﷺ وكتمانه أنهم كانوا يعلمون ذلك ويظهرون خلافه. {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } جملة حالية،ومفعول تعلمون محذوف اقتصاراً، إذ المقصود: وأنتم من ذوي العلم، فلا يناسب من كان عالماً أن يكتم الحق ويلبسه بالباطل،وقد قدروا حذفه حذف اختصار، وفيه أقاويل ستة: أحدها: وأنتم تعلمون أنه مذكور هو وصفته في التوراة صلى الله عليهوسلم. الثاني: وأنتم تعلمون البعث والجزاء. الثالث: وأنتم تعلمون أنه نبي مرسل للناس قاطبة. الرابع: وأنتم تعلمون الحق منالباطل. وقال الزمخشري: وأنتم تعلمون في حال علمكم أنكم لابسون كاتمون، فجعل مفعول العلم اللبس والكتم المفهومين من الفعلين السابقين،قال: وهو أقبح، لأن الجهل بالقبيح ربما عذر راكبه، انتهى. فكان ما قدّره هو على حذف مضاف، أي وأنتم تعلمونقبح أو تحريم اللبس والكتم، وقال ابن عطية: وأنتم تعلمون، جملة في موضع الحال ولم يشهد تعالى لهم بعلم، وإنمانهاهم عن كتمان ما علموا، انتهى. ومفهوم كلامه أن مفعول تعلمون هو الحق، كأنه قال: ولا تكتموا الحق وأنتم تعلمونه،لأن المكتوم قد يكون حقاً وغير حق، فإذا كان حقاً وعلم أنه حق، كان كتمانه له أشد معصية وأعظم ذنباً،لأن العاصي على علم أعصى من الجاهل العاصي. قال ابن عطية: ويحتمل أن تكون شهادة عليهم بعلم حق مخصوص فيأمر محمد ﷺ، ولم يشهد لهم بعلم على الإطلاق، قال: ولا تكون الجملة على هذا في موضعالحال، انتهى. يعني أن الجملة تكون معطوفة، وإن كانت ثبوتية على ما قبلها من جملة النهي، وإن لم تكن مناسبةفي الإخبار على ما قررناه من الكلام في تخريجنا لقراءة عبد الله: وتكتمون. والأظهر من هذه الأقاويل ما قدّمناهأوّلاً من كون العلم حذف مفعوله حذف اقتصار، إذ المقصود أن من كان من أهل العلم والاطلاع على ما جاءتبه الرسل، لا يصلح له لبس الحق بالباطل ولا كتمانه. وهذه الحال، وإن كان ظاهرها أنها قيد في النهي عناللبس والكتم، فلا تدل بمفهومها على جواز اللبس والكتم حالة الجهل، لأن الجاهل بحال الشيء لا يدري كونه حقاً أوباطلاً، وإنما فائدتها: أن الإقدام على الأشياء القبيحة مع العلم بها أفحش من الإقدام عليها مع الجهل بها. وقال القشيري:لا تتوهموا، إن يلتئم لكم جمع الضدّين والكون في حالة واحدة في محلين، فإما مبسوطة بحق، وإما مربوطة بحط، {وَلاَتَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ }، تدليس، {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ } تلبيس، {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أن حق الحق تقديس، انتهى. وفي هذه الآيةدليل أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره، ويحرم عليه كتمانه. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِى }: تقدّم الكلام على مثل هذافي أوّل السورة في قوله: { وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ }

، ويعني بذلك صلاة المسلمين وزكاتهم، فقيل: هي الصلاة المفروضة، وقيل:جنس الصلاة والزكاة. قيل: أراد المفروضة، وقيل: صدقة الفطر، وهو خطاب لليهود، فدل ذلك على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.قال القشيري: وأقيموا الصلاة: احفظوا أدب الحضرة، فحفظ الأدب للخدمة من الخدمة، وآتوا الزكاة، زكاة الهمم، كما تؤدى زكاة النعم،قال قائلهم:

كلّ شيء له زكاة تؤدّى وزكاة الجمال رحمة مثلي

{وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ}: خطاب لليهود، ويحتمل أن يراد بالركوع: الانقياد والخضوع، ويحتمل أن يراد به: الركوع المعروف في الصلاة، وأمروا بذلك وإنكان الركوع مندرجاً في الصلاة التي أمروا بإقامتها، لأنه ركوع في صلاتهم، فنبه بالأمر به، على أن ذلك مطلوب فيصلاة المسليمن. وقيل: كنى بالركوع عن الصلاة: أي وصلوا مع المصلين، كما يكنى عنها بالسجدة تسمية للكلّ بالجزء، ويكون فيقوله مع دلالة على إيقاعها في جماعة، لأن الأمر بإقامة الصلاة أوّلاً لم يكن فيها إيقاعها في جماعة. والراكعون: قيلالنبي ﷺ وأصحابه، وقيل: أراد الجنس من الراكعين. وفي هذه الجمل، وإن كانت معطوفات بالواو التيلا تقتضي في الوضع ترتيباً ترتيب عجيب، من حيث الفصاحة وبناء الكلام بعضه على بعض، وذلك أنه تعالى أمرهم أوّلاًبذكر النعمة التي أنعمها عليهم، إذ في ذلك ما يدعو إلى محبة المنعم ووجوب إطاعته، ثم أمرهم بإيفاء العهد الذيالتزموه للمنعم، ثم رغبهم بترتيب إيفائه هو تعالى بعهدهم في الإيفاء بالعهد، ثم أمرهم بالخوف من نقماته إن لم يوفوا،فاكتنف الأمر بالإيفاء أمر بذكر النعمة والإحسان، وأمر بالخوف من العصيان، ثم أعقب ذلك بالأمر بإيمان خاص، وهو ما أنزلمن القرآن، ورغب في ذلك بأنه مصدّق لما معهم، فليس أمراً مخالفاً لما في أيديهم، لأن الانتقال إلى الموافق أقربمن الانتقال إلى المخالف. ثم نهاهم عن استبدال الخسيس بالنفيس، ثم أمرهم تعالى باتقائه، ثم أعقب ذلك بالنهي عن لبسالحق بالباطل، وعن كتمان الحق، فكان الأمر بالإيمان أمراً بترك الضلال، والنهي عن لبس الحق بالباطل، وكتمان الحق تركاً للإضلال.ولما كان الضلال ناشئاً عن أمرين: إما تمويه الباطل حقاً إن كانت الدلائل قد بلغت المستتبع، وإما عن كتمان الدلائلإن كانت لم تبلغه، أشار إلى الأمرين بلا تلبسوا وتكتموا، ثم قبح عليهم هذين الوصفين مع وجود العلم، ثم أمرهمبعد تحصيل الإيمان وإظهار الحق بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، إذ الصلاة آكد العبادات البدنية، والزكاة آكد العبادات المالية. ثم ختمذلك بالأمر بالانقياد والخضوع له تعالى مع جملة الخاضعين الطائعين. فكان افتتاح هذه الآيات بذكر النعم واختتامها بالانقياد للمنعم،وما بينهما تكاليف اعتقادية وأفعال بدنية ومالية. وبنحو ما تضمنته هذه الآيات من الافتتاح والإرداف والاختتام يظهر فضل كلام اللهعلى سائر الكلام، وهذه الأوامر والنواهي، وإن كانت خاصة في الصورة ببني إسرائيل، فإنهم هم المخاطبون بها هي عامة فيالمعنى، فيجب على كل مكلف ذكر نعمة الله، والإيفاء بالعهد وسائر التكاليف المذكورة بعد هذا.

{ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } * { وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ } * { ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ }عدل

{أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِوَٱلصَّلَوٰةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ * ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رٰجِعُونَ } الأمر: طلب إيجاد الفعل،ويطلق على الشأن، والفعل منه: أمر يأمر، على: فعل يفعل، وتحذف فاؤه في الأمر منه بغير لام، فتقول: مر زيداًوإتمامه قليل، أومر زيداً، فإن تقدم الأمر واو أو فاء، فإثبات الهمزة أجود، وهو مما يتعدّى إلى مفعولين: أحدهما بنفسه،والآخر بحرف جر. ويجوز حذف ذلك الحرف، وهو من أفعال محصورة تحذف من ثاني مفعوليها حرف الجر جوازاً تحفظ ولايقاس عليها. البر: الصلة، وأيضاً: الطاعة. قال الراجز:

لا همّ ربّ إن بكراً دونكا يبرك الناس ويفخر ونكا

والبر: الفؤاد، وولد الثعلب والهرّ، وبرّ والده: أجله وأعظمه. يبره: على وزن فعل يفعل، ورجل بارّ،وبرّ، وبرت يمينه، وبرّ حجه: أجلها وجمع أنواعاً من الخير، والبر سعة المعروف والخير، ومنه: البر والبريّة للسعة. ويتناول كلخير، والإبرار: الغلبة، قال الشاعر:

ويبــرّون علــى الآبــي المبــر

النسيان: ضد الذكر، وهو السهو الحادث بعد حصول العلم، ويطلق أيضاًعلى الترك، وضده الفعل، والفعل: نسي ينسى على فعل يفعل، ويتعدّى لواحد، وقد يعلق نسي حملاً على علم، قال الشاعر:

ومن أنتم إنا نسينا من أنتم وريحكم من أي ريح الأعاصر

وفي البيت احتمال:التلاوة: القراءة، وسميت بها لأن الآيات أو الكلمات أو الحروف يتلو بعضها بعضاً في الذكر. والتلو: التبع، وناقة مثل: يتبعهاولده. العقل: الإدراك المانع من الخطأ، ومنه عقال البعير، يمنعه من التصرف، والمعقل: مكان يمتنع فيه، والعقل: الدّية لأن جنسهاإبل تعقل في فناء الولي، أو لأنها تمنع من قتل الجاني، والعقل: ثوب موشى، قال الشاعر:

عقلاً ورقماً تظل الطير تتبعه كأنه من دم الأجواف مدموم

والعقل: زكاة العام، قال الشاعر:

سعى عقالاً فلم يترك لنا سبدا فكيف لو قد سعى عمرو عقالين

ورمل عقنقل: متماسك عن الانهيار.الصبر: حبس النفس على المكروه، والفعل: صبر يصبر على فعل يفعل، وأصله أن يتعدى لواحد. قال الشاعر:

فصبرت عارفة لذلك حرّة ترسو إذا نفس الجبان تطلع

وقد كثر حذف مفعوله حتى صار كأنه غيرمتعدّ. الكبيرة: من كبر يكبر، ويكون ذلك في الجرم وفي القدر، ويقال: كبر عليّ كذا، أي شق، وكبر يكبر، فهوكبير من السنّ. قال الشاعر:

صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا إلى اليوم لم نكبر ولم يكبر البهم

الخشوع: قريب من الخضوع، وأصله: اللين والسهولة، وقيل: الاستكانة والتذلل. وقال الليث: الخضوع في البدن، والخشوع في البدنوالبصر والصوت، والخشعة: الرّملة المتطامنة. وفي الحديث: كانت الكعبة خشعة على الماء . الظنّ: ترجيح أحد الجانبين، وهو الذي يعبر عنهالنحويون بالشك، وقد يطلق على التيقن. وفي كلا الاستعمالين يدخل على ما أصله المبتدأ والخبر بالشروط التي ذكرت في النحو،خلافاً لأبي زيد السهيلي، إذ زعم أنها ليست من نواسخ الابتداء. والظنّ أيضاً يستعمل بمعنى: التهمة، فيتعدى إذ ذاك لواحد،قال الفراء: الظنّ يقع بمعنى الكذب، والبصريون لا يعرفون ذلك. {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ } الهمزة: للاستفهام وضعاً، وشابها هناالتوبيخ والتقريع لأن المعنى: الإنكار، وعليهم توبيخهم على أن يأمر الشخص بخير، ويترك نفسه ونظيره في النهي، قول أبي الأسود:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم

وقول الآخر:

وابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإن انتهت عنه فأنت حكيم

فيقبح في العقول أن يأمرالإنسان بخير وهو لا يأتيه، وأن ينهى عن سوء وهو يفعله. وفي تفسير البر هنا أقوال: الثبات على دين رسولالله ﷺ وهم لا يتبعونه، أو اتباع التوراة وهم يخالفونها في جحدهم صفته. وروي عن قتادة وابنجريج والسّدي: أو على الصدقة ويبخلون، أو على الصدق وهم لا يصدّقون، أو خص أصحابهم على الصلاة والزكاة ولا يأتونهما.وقال السلمي: أتطالبون الناس بحقائق المعاني وأنتم قلوبكم خالية عن ظواهر رسومها؟ وقال القشيري: أتحرّضون الناس على البدار وترضون بالتخلف؟وقال: أتدعون الخلق إلينا وتقعدون عنا؟ وألفاظاً من هذا المعنى. وأتى بالمضارع في: أتأمرون، وإن كان قد وقع ذلك منهملأنه يفهم منه في الاستعمال في كثير من المواضع: الديمومة وكثرة التلبس بالفعل، نحو قولهم: زيد يعطي ويمنع، وعبر عنترك فعلهم بالنسيان مبالغة في الترك، فكأنه لا يجري لهم على بال، وعلق النسيان بالأنفس توكيداً للمبالغة في الغفلة المفرطة.{وَتَنسَوْنَ }: معطوف على تأمرون، والمنعي عليهم جمعهم بين هاتين الحالتين من أمر الناس بالبر الذي في فعله النجاةالأبدية، وترك فعله حتى صار نسياً منسياً بالنسبة إليهم. {أَنفُسَكُـمْ }، والأنفس هنا: ذواتهم، وقيل: جماعتهم وأهل ملتهم، ثم قيدوقوع ذلك منهم بقوله: {وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ }: أي أنكم مباشروا الكتاب وقارئوه، وعالمون بما انطوى عليه، فكيف امتثلتموه بالنسبةإلى غيركم؟ وخالفتموه بالنسبة إلى أنفسكم؟ كقوله تعالى:

{ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }

. والجملة حالية ولا يخفى ما في تصديرهابقوله: {وَأَنتُمْ }، من التبكيت لهم والتقريع والتوبيخ لأجل المخاطبة بخلافها لو كانت اسماً مفرداً. والكتاب هنا: التوراة والإنجيل، وفيهماالنهي عن هذا الوصف الذميم، وهذا قول الجمهور. وقيل: الكتاب هنا القرآن، قالوا: ويكون قد انصرف من خطاب أهل الكتابإلى خطاب المؤمنين، ويكون ذلك من تلوين الخطاب، مثل قوله تعالى:

{ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنبِكِ } ، وفي هذاالقول بعد، إذ الظاهر أن هذا كله خطاب مع أهل الكتاب. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }: مذهب سيبويه والنحويين: أن أصلالكلام كان تقديم حرف العطف على الهمزة في مثل هذا ومثل {أَوَ لَمْ * يَسِيرُواْ } أثم إذا ما وقع،لكن لما كانت الهمزة لها صدر الكلام، قدمت على حرف العطف، وذلك بخلاف هل. وزعم الزمخشري أن الواو والفاء وثمبعد الهمزة واقعة موقعها، ولا تقديم ولا تأخير، ويجعل بين الهمزة وحرف العطف جملة مقدرة يصح العطف عليها، وكأنه رأىأن الحذف أولى من التقديم والتأخير. وقد رجع عن هذا القول في بعض تصانيفه إلى قول الجماعة، وقد تكلمنا علىهذه المسألة في شرحنا لكتاب التسهيل. فعلى قول الجماعة يكون التقدير: فألا تعقلون، وعلى قول الزمخشري يكون التقدير: أتعقلون فلاتعقلون، أمكثوا فلم يسيروا في الأرض، أو ما كان شبه هذا الفعل مما يصح أن يعطف عليه الجملة التي بعدحرف العطف، ونبههم بقوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }، على ن فيهم إدراكاً شريفاً يمنعهم من قبيح ما ارتكبوه من أمر غيرهمبالخير ونسيان أنفسهم عنه، وإن هذه حالة من سلب العقل، إذ العاقل ساع في تحصيل ما فيه نجاته وخلاصه أولاً،ثم يسعى بعد ذلك في خلاص غيره، إبدأ بنفسك ثم بمن تعول. ومركوز في العقل أن الإنسان إذا لم يحصللنفسه مصلحة، فكيف يحصلها لغيره؟ ألا ترى إلى قول الشاعر:

إذا المرء لم يخزن عليه لسانه فليس على شيء سواه بخزان

فإذا صدر من الإنسان تحصيل المصلحة لغيره، ومنع ذلك لنفسه، كان ذلك خارجاً عن أفعالالعقلاء، خصوصاً في الأمور التي يرجى بسلوكها النجاة من عذاب الله، والفوز بالنعيم السرمدي. وقد فسروا قوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }بأقوال: أفلا تعقلون: أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية بكم، أو أفلا تفهمون قبح ما تأتون من معصيةربكم في اتباع محمد ﷺ والإيمان به، أو أفلا تنتهون، لأن العقل ينهى عن القبيح، أو أفلاترجعون، لأن العقل يراد إلى الأحسن، أو أفلا تعقلون أنه حق فتتبعونه، أو إن وبال ذلك عليكم راجع، أو أفلاتمتنعون من المعاصي، أو أفلا تعقلون، إذ ليس في قضية العقل أن تأمر بالمعروف ولا تأتيه، أو أفلا تفطنون لقبحما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه، وكأنكم في ذلك مسلوبو العقل، لأن العقول تأباه وتدفعه. وشبيه بهذه الآية

{ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ }

الآية. والمقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الإرشاد إلى المنفعة والتحذير عن المفسدة،وذلك معلوم بشواهد العقل، فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله العقل، ويصير ذلك الوعظ سبباً للرغبةفي المعصية، لأنه يقال: لولا اطلاع الواعظ على أن لا أصل لهذه التخويفات لما أقدم على المعصية، فتكون النفس نافرةعن قبول وعظ من لم يتعظ، وأنشدوا:

مواعظ الواعظ لن تقبلا حتى يعيها قلبه أولاً
لاوقال عليّ كرم الله وجهه: قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك. ولا دليل في الآية لمن استدل بهاعلى أنه ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا في قوله تعالى: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ }،ولا للمعتزلة في أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى، قالوا: التوبيخ لا يحسن إلا إذا كانوا فاعلي أفعالهم، وهذهمسألة مشكلة يبحث فيها في علم الكلام. وهذا الإنكار والتوبيخ والتقريع، وإن كان خطاباً لبني إسرائيل، فهو عام من حيثالمعنى. وعن محمد بن واسع: بلغني أن ناساً من أهل الجنة أطلعوا على ناس من أهل النار فقالوا لهم: قدكنتم تأمروننا بأشياء عملناها فدخلنا الجنة، قالوا: كنا نأمركم بها ونخالف إلى غيرها. {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ }: تقدم ذكرمعاني استفعل عند ذكر المادة في قوله تعالى:

{ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }

، وأن من تلك المعاني الطلب، وأن استعان معناه طلبالمعونة، وظاهر الصبر أنه يراد به ما يقع عليه في اللغة. وقال مجاهد: الصبر: الصوم، والصوم: صبر، لأنه إمساك عنالطعام، وسمي رمضان: شهر الصبر. والصلاة: هي المفروضة مع ما يتبعها من السنن والنوافل، قاله مجاهد. وقيل: الصلاة الدعاء وقدأضمروا للصبر صلة تقيده، فقيل: بالصبر على ما تكرهه نفوسكم من الطاعة والعمل، أو على أداء الفرائض، روي ذلك عنابن عباس، أو عن المعاصي، أو على ترك الرياسة، أو على الطاعات وعن الشهوات، أو على حوائجكم إلى الله، أوعلى الصلاة. ولما قدر هذا التقدير، أعني بالصبر على الصلاة، توهم بعض من تكلم على القرآن، أن الواو التي فيالصلاة هنا بمعنى على، وإنما يريد قائل هذا: أنهم أمروا بالاستعانة بالصبر على الصلاة وبالصلاة، لأن الواو بمعنى على، ويكونينظر إلى قوله:

{ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا } وأمروا بالاستعانة بالصلاة، لأنه يتلى فيها ما يرغب في الآخرة ويزهدفي الدنيا، أو لما فيها من تمحيص الذنوب وترقيق القلوب، أو لما فيها من إزالة الهموم، ومنه الحديث: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة . وقد روي أن ابن عباس نعى إليه قثم أخوه،فقام يصلي، وتلا: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ }، أو لما فيها من النهي عن الفحشاء والمنكر، وكل هذه الوجوه ذكروها. وقدمالصبر على الصلاة، قيل: لأن تأثير الصبر في إزالة ما لا ينبغي، وتأثير الصلاة في حصول ما ينبغي، والنفي مقدمعلى الإثبات، ويظهر أنه قدم الاستعانة به على الاستعانة بالصلاة، لأنه سبق ذكر تكاليف عظيمة شاق فراقها على من ألفهاواعتادها من ذكر ما نسوه والإيفاء بما أخلفوه والإيمان بكتاب متجدد وترك أخذهم الرشا على آيات الله وتركهم إلباس الحقبالباطل وكتم الحق الذي لهم بذلك الرياسة في الدنيا والاستتباع لعوامهم وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وهذه أمور عظيمة، فكانت البداءةبالصبر لذلك. ولما كان عمود الإسلام هو الصلاة، وبها يتميز المسلم من الشرك، أتبع الصبر بها، إذ يحصل بها الاشتغالعن الدنيا، وبالتلاوة فيها الوقوف على ما تضمنه كتاب الله من الوعد والوعيد، والمواعظ والآداب، ومصير الخلق إلى دار الجزاء،فيرغب المشتغل بها في الآخرة، ويرغب عن الدنيا. وناهيك من عبادة تتكرر على الإنسان في اليوم والليل خمس مرات، يناجيفيها ربه ويستغفر ذنبه. وبهذا الذي ذكرناه تظهر الحكمة في أن أمروا بالاستعانة بالصبر والصلاة. ويبعد دعوى من قال: إنهخطاب للمؤمنين برسول الله ﷺ، قال: لأن من ينكره لا يكاد يقال له استعن بالصبر والصلاة. قال:ولا يبعد أن يكون الخطاب أولاً لبني إسرائيل، ثم يقع بعد الخطاب للمؤمنين، والذي يظهر أن ذلك كله خطاب لبنيإسرائيل، لأن صرف الخطاب إلى غيرهم لغير موجب، ثم يخرج عن نظم الفصاحة. {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ }: الضمير عائد علىالصلاة. هذا ظاهر الكلام، وهو القاعدة في علم العربية: أن ضمير الغائب لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل، وقيل:يعود على الاستعانة، وهو المصدر المفهوم من قوله: {وَٱسْتَعِينُواْ }، فيكون مثل

{ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ }

، أي العدل أقرب،قاله البجلي. وقيل: يعود على إجابة رسول الله ﷺ، لأن الصبر والصلاة مما كان يدعو إليه، قالهالأخفش. وقيل: على العبادة التي يتضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة. وقيل: يعود على الكعبة، لأن الأمر بالصلاة إليها. وقيل: يعودعلى جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها، من قوله: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ } إلى {وَٱسْتَعِينُواْ }. وقيل: المعنىعلى التثنية، واكتفى بعوده على أحدهما، فكأنه قال: وإنهما كقوله:

{ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا }

في بعض التأويلات،وكقوله: {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ }، وقول الشاعر:

إن شــرخ الشبــاب والشعــر الأســـود مـا لم يعـاص كـان جنونـا

فهذه سبعة أقوال فيما يعود الضمير عليه، وأظهرها ما بدأنا به أولاً، قال مؤرج في عود الضمير:لأن الصلاة أهم وأغلب، كقوله تعالى:

{ ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا }

، انتهى. يعني أن ميل أولئك الذين انصرفوا في الجمعة إلى التجارةأهم وأغلب من ميلهم إلى اللهو، فلذلك كان عود الضمير عليها، وليس يعني أن الضميرين سواء في العود، لأن العطفبالواو يخالف العطف بأو، فالأصل في العطف بالواو مطابقة الضمير لما قبله في تثنية وجمع، وأما العطف بأو فلا يعودالضمير فيه إلا على أحد ما سبق. ومعنى كبر الصلاة: ثقلها وصعوبتها على من يفعلها مثل قوله تعالى:

{ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ }

، أي شق ذلك وثقل. {إِلاَّ عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ }: استثناء مفرغ، لأن المعنى: وإنها لكبيرةعلى كل أحد إلا على الخاشعين، وهم المتواضعون المستكينون، وإنما لم تشق على الخاشعين، لأنها منطوية على أوصاف هم متحلونبها لخشوعهم من القيام لله والركوع له والسجود له والرجاء لما عنده من الثواب. فلما كان مآل أعمالهم إلى السعادةالأبدية، سهل عليهم ما صعب على غيرهم من المنافقين والمرائين بأعمالهم الذين لا يرجون لها نفعاً. ويجوز في {ٱلَّذِينَ }الاتباع والقطع إلى الرفع أو النصب، وذلك صفة مدح، فالقطع أولى بها. و{يَظُنُّونَ } معناه: يوقنون، قاله الجمهور، لأن منوصف بالخشوع لا يشك أنه ملاق ربه ويؤيده أن في مصحف عبد الله الذين يعلمون. وقيل معناه: الحسبان، فيحتاج إلىمصحح لهذا المعنى، وهو ما قدّروه من الحذف، وهو بذنوبهم فكأنهم يتوقعون لقاء ربهم مذنبين، والصحيح هو الأول، ومثله

{ إِنّى ظَنَنتُ أَنّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ }

، فظنوا أنهم مواقعوها. وقال دريد:

فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في السائريّ المسرّد

قال ابن عطية: قد يوقع الظن موقع اليقين في الأمور المتحققة، لكنه لا يوقع فيماقد خرج إلى الحس. لا تقول العرب في رجل مرئيّ حاضر: أظن هذا إنساناً، وإنما نجد الاستعمال فيما لم يخرجإلى الحس، انتهى. والظن في كلا استعماليه من اليقين، أو الشك يتعدّى إلى اثنين، وتأتي بعد الظن أن الناصبة للفعلوأنّ الناصبة للاسم الرافعة للخبر فتقول: ظننت أن تقوم، وظننت أنك تقوم. وفي توجيه ذلك خلاف. مذهب سيبويه: أن أنوإن كل واحدة منهما مع ما دخلت عليه تسد مسد المفعولين، وذلك بجريان المسند والمسند إليه في هذا التركيب. ومذهبأبي الحسن وأبي العباس: أن أن وما عملت فيه في موضع مفعول واحد أول، والثاني مقدّر، فإذا قلت: ظننت أنزيداً قائم، فتقديره: ظننت قيام زيد كائناً أو واقعاً، والترجيح بين المذهبين يذكر في علم النحو. {أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ}، الملاقاة: مفاعلة تكون من اثنين، لأن من لاقاك فقد لاقيته. وقال المهدوي والماوردي وغيرهما: الملاقاة هنا، وإن كانت صيغتهاتقتضي التشريك، فهي من الواحد كقولهم: طارقت النعل، وعاقبت اللص، وعافاك الله، قال ابن عطية: وهذا ضعيف، لأن لقي يتضمنمعنى لاقي، وليست كذلك الأفعال كلها، بل فعل خلاف في المعنى لفاعل، انتهى كلامه. ويحتاج إلى شرح، وذلك أنه ضعفهمن حيث إن مادة لقي تضمن معنى الملاقاة، بمعنى أن وضع هذا الفعل، سواء كان مجرداً أو على فاعل، معناهواحد من حيث إن من لقيك فقد لقيته، فهو لخصوص مادة يقتضي المشاركة، ويستحيل فيه أن يكون لواحد. وهذا يدلعلى أن فاعل يكون لموافقة الفعل المجرد، وهذا أحد معاني فاعل، وهو أن يوافق الفعل المجرد. وقول ابن عطية: وليستكذلك الأفعال كلها كلام صحيح، أي ليست الأفعال مجردها بمعنى فاعل، بل فاعل فيها يدل على الاشتراك. وقوله: بل فعلخلاف فاعل يعني بل المجرد فيها يدل على الانفراد، وهو خلاف فاعل، لأنه يدل على الاشتراك، فضعف بأن يكون فاعلمن اللقاء من باب: عاقبت اللص، حيث إن مادة اللقاء تقتضي الاشتراك، سواء كان بصيغة المجرد أو بصيغة فاعل. وهذهالإضافة غير محضة، لأنها إضافة اسم الفاعل بمعنى الاستقبال. وقد تقدم لنا الكلام على اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال،أو الاستقبال بالنسبة إلى أعماله في المفعول، وإضافته إليه، وإضافته إلى الرب، وإضافة الرب إليهم في غاية من الفصاحة، وذلكأن الرب على أي محامله حملته فيه دلالة على الإحسان لمن يريه، وتعطف بين لا يدل عليه غير لفظ الرب.وقد اختلف المفسرون في معنى ملاقاة ربهم، فحمله بعضهم على ظاهر من غير حذف ولا كناية بأن اللقاء هو رؤيةالباري تعالى، ولا لقاء أعظم ولا أشرف منها، وقد جاءت بها السنة المتواترة، وإلى اعتقادها ذهب أكثر المسلمين، وقيل ذلكعلى حذف مضاف، أي جزاء ربهم، لأن الملاقاة بالذوات مستحيلة في غير الرؤية، وقيل ذلك كناية عن انقضاء أجلهم كمايقال لمن مات قد لقي الله، ومنه قول الشاعر:

غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه

وكنى بالملاقاة عن الموت، لأن ملاقاة الله متسبب عن الموت، فهو من إطلاق المسبب، والمراد منه السبب، وذلك أن منكان يظن الموت في كل لحظة لا يفارق قلبه الخشوع، وقيل ذلك على حذف مضاف أخص من الجزاء، وهو الثواب،أي ثواب ربهم. فعلى هذا القول، والقول الأول، يكون الظن على بابه من كونه يراد به الترجيح، وعلى تقدير الجزاء،أو كون الملاقاة يراد بها انقضاء الأجل، يكون الظن يراد به التيقن. وقد نازعت المعتزلة في كون لفظ اللقاء لايراد به الرؤية ولا يفيدها. ألا ترى إلى قوله تعالى:

{ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ }

والمنافق لايرى ربه

{ وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ }

؟ ويتناول الكافر والمؤمن؟ وفي الحديث: لقي الله وهو عليه غضبان إلى غير ذلك مماذكروه. وقد تكلم على ذلك أصحابنا. ومسألة الرؤية يتكلم عليها في أصول الدين. {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رٰجِعُونَ }: اختلف فيالضمير في إليه على من يعود، فظاهر الكلام والتركيب الفصيح أنه يعود إلى الرب، وأن المعنى: وأنهم إلى ربهم راجعون،وهو أقرب ملفوظ به. وقيل: يعود على اللقاء الذي يتضمنه ملاقو ربهم. وقيل: يعود على الموت. وقيل: على الإعادة، وكلاهمايدل عليه ملاقوا. وقد تقدم شرح الرجوع، فأغنى عن إعادته هنا. وقيل: بالقول الأول، وهو أن الضمير يعود على الرب،فلا يتحقق الرجوع، فيحتاج في تحققه إلى حذف مضاف، التقدير: إلى أمر ربهم راجعون. وقيل: المعنى بالرجوع: الموت. وقيل: راجعونبالإعادة في الآخرة، وهو قول أبي العالية. وقيل: راجعون إلى أن لا يملك أحدهم ضراً ولا نفعاً لغيره، كما كانوافي بدء الخلق. وقيل: راجعون، فيجزيهم بأعمالهم، وليس في قوله: وأنهم إليه راجعون دلالة للمجسمة والتناسخية على كون الأرواح قديمة،وإنما كانت موجودة في عالم الروحانيات. قالوا: لأن الرجوع إلى الشيء المسبوق بالكون عنده.

{ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ } * { وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ } * { وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ }عدل

{رٰجِعُونَ يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِى ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ وَٱتَّقُواْيَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ }. الفضل:الزيادة، واستعماله في الخير، وفعله فعل يفعل، وأصله أن يتعدى بحرف الجر، وهو على ثم بحذف على، على حد قولالشاعر، وقد جمع بين الوجهين:

وجدنا نهشلاً فضلت فقيما كفضل ابن المخاض على الفصيل

وأما في الفضلة من الشيء، وهي البقية، فيقال: فضل يفضل، كالذي قدمناه، وفضل يفضل، نحو: سمع يسمع، وفضل يفضل، بكسرهامن الماضي، وضمها من المضارع، وقد أولع قوم من النحويين بإجازة فتح ضاد فضلت في البيت وكسرها، والصواب الفتح. الجزاء:القضاء عن المفضل والمكافأة، قال الراجز:

يجزيه رب العرش عني إذ جزى جنات عدن في العلاليّ العلا

والإجزاء: الإغناء. قبول الشيء: التوجه إليه، والفعل قبل يقبل، والقبل: ما واجهك، قال القطامي:

فقلت للركب لما أن علا بهم من عن يمين الحبيا نظرة قبل

الشفاعة: ضم غيره إلى وسيلته، والشفعة: ضمالملك، الشفع: الزوج، والشفاعة منه، لأن الشفاعة والمشفوع له: شفع، وقال الأحوص:

كان من لامني لأصرمها كانوا لليلى بلومهم شفعوا

وناقة شفوع: خلفها ولد. وقيل: خلفها ولد، وفي بطنها ولد. الأخذ: ضد الترك، والأخذ:القبض والإمساك، ومنه قيل للأسير: أخيذ، وتحذف فاؤه في الأمر منه بغير لام، وقلّ الإتمام. العدل: الفداء، والعدل: ما يساويهقيمة وقدراً، وإن لم يكن من جنسه، وبكسر العين: المساوي في الجنس والجرم. ومن العرب من يكسر العين من معنىالفدية، وواحد الأعدال بالكسر لا غير، والعدل: المقبول القول من الناس، وحكي فيه أيضاً كسر العين. وقال ثعلب: العدل: الكفيلوالرشوة، قال الشاعر:

لا يقبـل الصـرف فيهـا نهـاب العـدلا

النصر: العون، أرض منصورة: ممدودة بالمطر، قال الشاعر:

أبوك الذي أجدى علي بنصره وأمسك عني بعده كل قاتل

وقال الآخر:

إذا ودّع الشهر الحرام فودعي بلاد تميم وانصري أرض عامر

والنصر: العطاء، والانتصار: الانتقام. النجاة: التنجية من الهلكة بعدالوقوع فيها، والأصل: الإلقاء بنجوة، قال الشاعر:

ألم تر للنعمان كان بنجوة من الشر لو أن امرأ كان ناجيا

الآل: قيل بمعنى الأهل، وزعم أن ألفه بدل عن هاء، وأن تصغيره أهيل، وبعضهم ذهب إلى أنألفه بدل من همزة ساكنة، وتلك الهمزة بدل من هاء، وقيل: ليس بمعنى الأهل لأن الأهل القرابة، والآل من يؤولمن قرابة أو ولي أو مذهب، فألفه بدل من واو. ولذلك قال يونس: في تصغيره أويل، ونقله الكسائي نصاً عنالعرب، وهذا اختيار أبي الحسن بن الباذش، ولم يذكر سيبويه في باب البدل أن الهاء تبدل همزة، كما ذكر أنالهمزة تبدل هاء في: هرقت، وهيا، وهرحت، وهياك. وقد خصوا آلاً بالإضافة إلى العلم ذي الخطر ممن يعلم غالباً، فلايقال: آل الإسكاف والحجام، قال الشاعر:

نحن آل اللَّه في بلدتنا لم نزل آلا على عهد ارم

قال الأخفش: لا يضاف آل إلا إلى الرئيس الأعظم، نحو: آل محمد ﷺ، وآلفرعون لأنه رئيسهم في الضلالة، قيل: وفيه نظر، لأنه قد سمع عن أهل اللغة في البلدان فقالوا: آل المدينة، وآلالبصرة. وقال الكسائي: لا يجوز أن يقال: فلان من آل البصرة، ولا من آل الكوفة، بل يقال: من أهل البصرة،ومن أهل الكوفة، انتهى قوله. وقد سمع إضافته إلى اسم الجنس وإلى الضمير، قال الشاعر:

وانصـر علـى آل الصليـــب وعابديـه اليـوم آلك

وقال هدبة:

أنا الفارس الحامي حقيقة والدي وآلي كما تحمي حقيقة آلكا

وقد اختلف في اقتباس جواز إضافته إلى المضمر، فمنع من ذلك الكسائي،وأبو جعفر النحاس، وأبو بكر الزبيدي، وأجاز ذلك غيرهم. وجمع بالواو والنون رفعاً وبالياء والنون جراً ونصباً، كما جمع أهلفقالوا: آلون. والآل: السراب، يجمع على أفعال، قالوا: أأوال، والآل: عمود الخيمة، والآل: الشخص، والآلة: الحالة الشديدة. فرعون: لا ينصرفللعلمية والعجمة، وسيأتي الكلام عليه. سامه: كلفه العمل الشاق، قال الشاعر:

إذا ما الملك سام الناس خسفا أبينا أن نقر الخسف فينا

وقيل معناه: يعلمونكم من السيماء، وهي العلامة، ومنه: تسويم الخيل. وقيل: يطالبونكم من مساومةالبيع. وقيل: يرسلون عليكم من إرسال الإبل للرّعي، وقال أبو عبيدة: يولونكم، يقال سامه خطة خسف: أي أولاه إياها. السوء:مصدر أساء، يقال: ساء يسوء، وهو متعد، وأساء الرجل: أي صار ذا سوء، قال الشاعر:

لئن ساءني أن نلتني بمساءة لقد سرّني أني خطرت ببالك

ومعنى ساءه: أحزنه، هذا أصله، ثم يستعمل في كلما يستقبح، ويقال: أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفعل: يراد قبحهما. الذبح: أصله الشق، قال الشاعر:

كأن بين فكها والفك فأرة مسك ذبحت في سك

وقال: {| class="wikitable" |كأنمـا الصـاب في عينيـك مـذبوح | | |} والذبحة: داءفي الحلق، يقال منه: ذبحه يذبحه ذبحاً، والذبح: المذبوح. الاستحياء: هنا الإبقاء حياً، واستفعل فيه بمعنى أفعل: استحياه وأحياه بمعنىواحد، نحو قولهم: أبل واستبل، أو طلب الحياء، وهو الفرج، فيكون استفعل هنا للطلب، نحو: استغفر، أي تطلب الغفران. وقدتقدم الكلام على استحيا من الحياء في قوله:

{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ * يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً }

النساء: اسم يقعللصغار والكبار، وهو جمع تكسير لنسوة، ونسوة على وزن فعلة، وهو جمع قلة، خلافاً لابن السرّاج، إذ زعم أن فعلةاسم جمع لا جمع تكسير، وعلى القولين لم يلفظ له بواحد من لفظه. والواحدة: امرأة. البلاء: الاختبار، بلاه يبلوه بلاء:اختبره، ثم صار يطلق على المكروه والشدة، يقال: أصاب فلاناً بلاء: أي شدة، وهو راجع لمعنى البلى، كأن المبتلى يؤولحاله إلى البلى، وهو الهلاك والفناء. ويقال: أبلاه بالنعمة، وبلاه بالشدة. وقد يدخل أحدهما على الآخر فيقال: بلاه بالخير، وأبلاهبالشر، قال الشاعر:

جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو

فاستعملهما بمعنىواحد، ويبنى منه افتعل فيقال: ابتلى. {خَـٰلِدُونَ يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ }: تقدم الكلام في شرحهذا، وأعيد نداؤهم ثانياً على طريق التوكيد، ولينبهوا لسماع ما يرد عليهم من تعداد النعم التي أنعم الله بها عليهم،وتفصيلها نعمة نعمة، فالنداء الأول للتنبيه على طاعة المنعم، والنداء الثاني للتنبيه على شكر النعم. {وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ }: ثم عطفالتفضيل على النعمة، وهو من عطف الخاص على العام لأن النعمة اندرج تحتها التفضيل المذكور، وهو ما انفردت به الواودون سائر حروف العطف، وكان أستاذنا العلامة أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي يذكر لنا هذا النحو منالعطف، وأنه يسمى بالتجريد، كأنه جرد من الجملة وأفرد بالذكر على سبيل التفضيل، وقال الشاعر:

أكر عليهم دعلجاً ولبانه إذا ما اشتكى وقع القناة تحمحما

دعلج: هنا اسم فرس، ولبانه: صدره، ولأبي الفتح بنجني كلام في ذلك يكشف من سر الصناعة له. {عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ }: أي عالمي زمانهم، قاله الحسن ومجاهد وقتادة وابنجريج وابن زيد وغيرهم، أو على كل العالمين، بما جعل فيهم من الأنبياء، وجعلهم ملوكاً وآتاهم ما لم يؤت أحداًمن العالمين، وذلك خاصة لهم دون غيرهم. فيكون عاماً والنعمة مخصوصة. قالوا: ويدفع هذا القول:

{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ }

، أوعلى الجم الغفير من الناس، يقال: رأيت عالماً من الناس، يراد به الكثرة. وعلى كل قول من هذه الأقوال الثلاثةلا يلزم منه التفضيل على هذه الأمة، لأن من قال بالعموم خص النعمة، ولا يلزم التفضيل على كل عالم بشيءخاص التفضيل من جميع الوجوه، ومن قال بالخصوص فوجه عدم التفضيل مطلقاً ظاهر. وقال القشيري: أشهد بني إسرائيل فضل أنفسهمفقال: {وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ }، وأشهد المسلمين فضل نفسه فقال:

{ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ }

، فشتان بينمن مشهوده فضل ربه، ومن مشهوده فضل نفسه. فالأول يقتضي الثناء، والثاني يقتضي الإعجاب، انتهى. وآخره ملخص من كلامه..{وَٱتَّقُواْ يَوْمًا } أمر بالاتقاء، وكأنهم لما أمروا بذكر النعم وتفضيلهم ناسب أن من أنعم عليه وفضل يكون محصلاً للتقوى.فأمروا بالإدامة على التقوى، أو بتحصيل التقوى، إن عرض لهم خلل وانتصاب يوماً، أما على الظرف والمتقى محذوف تقديره: اتقواالعذاب يوماً، وإما على المفعول به اتساعاً أو على حذف مضاف، أي عذاب يوم، أو هول يوم. وقيل معناه: جيئوامتقين، وكأنه على هذا التقدير لم يلحظ متعلق الاتقاء، فإذ ذاك ينتصب يوماً على الظرف. قال القشيري: العوام خوفهم بعذابه،فقال: {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا }،

{ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ }

. والخواص خوفهم بصفاته، فقال:

{ وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ }

، وما تكونفي شأن الآية. وخواص الخواص خوفهم بنفسه، فقال:

{ وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ }

. وقرأ ابن السماك العدوي لا تجزي من أجزأ،أي أغني، وقيل جزا، واجزا، بمعنى واحد، وهذه الجملة صفة لليوم، والرابط محذوف، فيجوز أن يكون التقدير: لا تجزي فيه،فحذف حرف الجر، فاتصل الضمير بالفعل، ثم حذف الضمير، فيكون الحذف بتدريج أو عداه إلى الضمير أولاً اتساعاً. وهذا اختيارأبي عليّ، وإياه نختار. قال المهدوي: والوجهان، يعني تقديره: لا تجزي فيه ولا تجزيه جائزان عند سيبويه والأخفش والزجاج. وقالالكسائي: لا يكون المحذوف إلا لها، قال: لا يجوز أن تقول: هذا رجل قصدت، ولا رأيت رجلاً أرغب، وأنت تريدقصدت إليه وأرغب فيه، انتهى. وحذف الضمير من الجملة الواقعة صفة جائز، ومنه قوله:

فما أدري أغيرهم تناء وطول العهد أم مال أصابوا

يريد: أصابوه، وما ذهبوا إليه من تعيين الربط أنه فيه، أوالضمير هو الظاهر، وقد يجوز على رأي الكوفيين أن يكون ثم رابط، ولا تكون الجملة صفة، بل مضاف إليها يوممحذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: واتقوا يوماً يوم لا تجزي، فحذف يوم لدلالة يوماً عليه، فيصير المحذوف في الإضافةنظير الملفوظ به في نحو قوله تعالى:

{ هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ }

، ونظير يوم لا تملك، لا تحتاج الجملة إلىضمير، ويكون إعراب ذلك المحذوف بدلاً، وهو بدل كل من كل، ومنه قول الشاعر:

رحم الله أعظما دفنوها بسجستان طلحة الطلحات

في رواية من خفض التقدير أعظم طلحة. وقد قالت العرب: يعجبني الإكرام عندكسعد، بنية: يعجبني الإكرام إكرام سعد. وحكى الكسائي عن العرب: أطعمونا لحماً سميناً شاة ذبحوها، أي لحم شاة. وحكى الفراءعن العرب: أما والله لو تعلمون العلم الكبيرة سنة، الدقيق عظمه، على تقديره: لو تعلمون علم الكبيرة سنة، فحذف الثانياعتماداً على الأول، ولم يجز البصريون ما أجازه الكوفيون من حذف المضاف وترك المضاف إليه على خفضه في: يعجبني القيامزيد، ولا يبعد ترجيح حذف يوم لدلالة ما قبله عليه بهذا المسموع الذي حكاه الكسائي والفراء عن العرب. ويحسن هذاالتخريج كون المضاف إليه جملة، فلا يظهر فيها إعراب، فيتنافر مع إعراب ما قبله، فإذا جاز ذلك في نثرهم معالتنافر، فلأن يجوز مع عدم التنافر أولى. ولم أر أحداً من المعربين والمفسرين خرجوا هذه الجملة هذا التخريج، بل هممجمعون على أن الجملة صفة ليوم، ويلزم من ذلك حذف الرابط أيضاً من الجمل المعطوفة على {لاَّ تَجْزِى }، أيولا يقبل منها شفاعة فيه، ولا يؤخذ منها عدل فيه، ولا هم ينصرون فيه، وعلى ذلك التخريج لا يحتاج إلىإضمار هذه الرّوابط. {نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } كلاهما نكرة في سياق النفي فتعم. ومعنى التنكير: أن نفساً منالأنفس لا تجزي عن نفس من الأنفس شيئاً من الأشياء، قال الزمخشري: وفيه إقناط كلي قاطع من المطامع، وهذا علىمذهبه في أن لا شفاعة. وقال بعضهم: التقدير عن نفس كافرة، فقيدها بالكفر، وفيه دلالة على أن النفس تجزي عننفس مؤمنة، وذلك بمفهوم الصفة. ويأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى عند الكلام على قوله: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَاشَفَـٰعَةٌ }. وقرأ أبو السرار الغنوي: لا تجزي نسمة عن نسمة، وانتصاب شيئاً على أنه مفعول به، أي لا يقضيشيئاً، أي حقاً من الحقوق، ويجوز أن يكون انتصابه على المصدر، أي: ولا تجزي شيئاً من الجزاء، قاله الأخفش، وفيهإشارة إلى القلة، كقولك: ضربت شيئاً من الضرب.. {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ }: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ولاتقبل بالتاء، وهو القياس والأكثر، ومن قرأ بالياء فهو أيضاً جاز فصيح لمجاز التأنيث، وحسنة أيضاً الفصل بين الفعل ومرفوعه.وقرأ سفيان: ولا يقبل بفتح الياء ونصب شفاعة على البناء للفاعل، وفي ذلك التفات وخروج من ضمير المتكلم إلى ضميرالغائب، لأن قبله: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ } و{إِنّى * فَضَّلْتُكُمْ }، وبناؤه للمفعول أبلغ لأنه في اللفظ أعم، وإن كان يعلمأن الذي لا يقبل هو الله تعالى. والضمير في منها عائد على نفس المتأخرة لأنها أقرب مذكور، أي لا يقبلمن النفس المستشفعة شفاعة شافع، ويجوز أن يعود الضمير على نفس الأولى، أي ولا يقبل من النفس التي لا تجزيعن نفس شيئاً شفاعة، هي بصدد أن لو شفعت لم يقبل منها، وقد يظهر ترجيح عودها إلى النفس الأولى، لأنهاهي المحدث عنها في قوله: {لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ }، والنفس الثانية هي مذكورة على سبيل الفضلة لا العمدة.وظاهر قوله: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ } نفي القبول ووجود الشفاعة، ويجوز أن يكون من باب:

علـى رحـب لا يهتـدى بمنــاره

نفي القبول، والمقصود نفي الشفاعة، كأنه قيل: لا شفاعة، فتقبل. وقد اختلف المفسرون في فهم هذا على ستة أقوال:الأول: أنه لفظ عام لمعنى خاص، والمراد: الذين قالوا من بني إسرائيل نحن أبناء الله، وأبناء أنبيائه، وأنهم يشفعون لناعند الله، فرد عليهم ذلك، وأويسوا منه لكفرهم، وعلى هذا تكون النفس الأولى مؤمنة، والثانية كافرة، والكافر لا تنفعه شفاعةلقوله تعالى:

{ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِينَ }

. الثاني: معناه لا يجدون شفيعاً تقبل شفاعته، لعجز المشفوع فيه عنه، وهو قولالحسن. الثالث: معناه لا يجيب الشافع المشفوع فيه إلى الشفاعة، وإن كان لو شفع لشفع. الرابع: معناه حيث لم يأذنالله في الشفاعة للكفار، ولا بد من إذن من الله بتقدم الشافع بالشفاعة لقوله:

{ وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ }

{ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } . الخامس: معناه ليس لها شفاعة، فيكون لها قبول، وقد تقدم هذاالقول. السادس: أنه نفي عام، أي لا يقبل في غيرها، لا مؤمنة ولا كافرة، في مؤمنة ولا كافرة، قاله الزمخشري.وأجمع أهل السنة أن شفاعة الأنبياء والصالحين تقبل في العصاة من المؤمنين، خلافاً للمعتزلة، قالوا: الكبيرة تخلد صاحبها فيالنار، وأنكروا الشفاعة، وهم على ضربين: طائفة أنكرت الشفاعة إنكاراً كلياً وقالوا: لا تقبل شفاعة أحد في أحد، واستدلوا بظواهرآيات، وخص تلك الظواهر أصحابنا بالكفار لثبوت الأحاديث الصحيحة في الشفاعة. وطائفة أنكرت الشفاعة في أهل الكبائر، قالوا: وإنما تقبلفي الصغائر. وقال في المنتخب: أجمعت الأمة على أن لمحمد ﷺ شفاعة في الآخرة، واختلفوا لمن تكون.فذهبت المعتزلة إلى أنها للمستحقين الثواب، وتأثيرها في أن تحصل زيادة من المنافع على قدر ما استحقوه. وقال أصحابنا: تأثيرهافي إسقاط العذاب عن المستحقين، إما بأن لا يدخلوا النار، وإما في أن يخرجوا منها بعد دخولها ويدخلون الجنة، واتفقواعلى أنها ليست للكفار، ثم ذكر نحواً من ست أوراق في الاستدلال للطائفتين، ورد بعضهم على بعض، يوقف عليها فيذلك الكتاب. {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } العدل: الفدية، قاله ابن عباس وأبو العالية، وسميت عدلاً لأن المفدي يعدلبها: أي يساويها، أو البدل: أي رجل مكان رجل. وروي عن ابن عباس: أو حسنة مع الشرك ثلاثة أقوال. {وَلاَهُمْ يُنصَرُونَ }: أتى بالضمير مجموعاً على معنى نفس، لأنها نكرة في سياق النفي فتعم، كقوله تعالى:

{ فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ }

، وأتى به مذكراً لأنه أريد بالنفوس الأشخاص كقولهم: ثلاثة أنفس، وجعل حرف النفي منسحباً على جملةاسمية ليكون الضمير مذكوراً مرتين، فيتأكد ذكر المنفي عنه النصر بذكره مرتين، وحسن الحمل على المعنى كون ذلك في آخرفاصلة، فيحصل بذلك التناسب في الفواصل، بخلاف أن لو جاء ولا تنصر، إذ كان يفوت التناسب. ويحتمل رفع هذا الضميروجهين من الإعراب. أحدهما: وهو المتبادر إلى أذهان المعربين أنه مبتدأ، والجملة بعده في موضع رفع على الخبر. والوجه الثاني:وهو أعمض الوجهين وأغربهما أنه مفعول لم يسم فاعله، يفسر فعله الفعل الذي بعده، وتكون المسألة من باب الاشتغال، وذلكأن لا هي من الأدوات التي هي أولى بالفعل، كهمزة الاستفهام. فكما يجوز في: أزيد قائم، وأزيد يضرب، الرفع علىالاشتغال، فكذلك هذا، ويقوي هذا الوجه أنه تقدم جملة فغلية. والحكم في باب الاشتغال أنه إذا تقدمت جملة فعليةوعطف عليها بشرط العطف المذكور في ذلك الباب، فالأفصح الحمل على الفعل، ويجوز الابتداء كما ذكرنا أولاً، ويقوي عود الضميرإلى نفس الثانية بناء الفعل للمفعول، إذا لو كان عائداً على نفس الأولى لكان مبنياً للفاعل، كقوله: لا تجزي. ومنالمفسرين من جعل الضمير في ولاهم عائداً على النفسين معاً، قال: لأن التثنية جمع قالوا، وفي معنى النصر للمفسرين هناثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه لا يمنعون من عذاب الله. الثاني: لا يجدون ناصراً ينصرهم ولا شافعاً يشفع لهم. الثالث:لا يعاونون على خلاصهم وفكاكهم من موبقات أعمالهم. وثلاثة الأقوال هذه متقاربة المعنى، وجاء النفي لهذه الجمل هنا بلا المستعملةلنفي المستقبل في الأكثر، وكذلك هذه الأشياء الأربعة هي مستقبلة، لأن هذا اليوم لم يقع بعد. وترتيب هذه الجمل فيغاية الفصاحة، وهي على حسب الواقع في الدنيا، لأن المأخوذ بحق، إما أن يؤدى عنه الحق فيخلص، أو لا يقضىعنه فيشفع فيه، أو لا يشفع فيه فيفدى، أو لا يفدى فيتعاون بالإخوان على تخليصه. فهذه مراتب يتلو بعضهابعضاً. فلهذا، والله أعلم، جاءت مترتبة في الذكر هكذا. ولما كان الأمر مختلفاً عند الناس في الشفاعة والفدية، فمن يغلبعليه حب الرياسة قدم الشفاعة على الفدية، ومن يغلب عليه حب المال قدم الفدية على الشفاعة، جاءت هذه الجمل هنامقدماً فيها الشفاعة، وجاءت الفدية مقدمة على الشفاعة في جملة أخرى، ليدل ذلك على اختلاف الأمرين. وبدىء هنا بالشفاعة، لأنذلك أليق بعلوّ النفس، وجاء هنا بلفظ القبول، وهناك بلفظ النفع، إشارة إلى انتفاء أصل الشيء، وانتفاء ما يترتب عليه.وبدىء هنا بالقبول، لأنه أصل للشيء المترتب عليه، فأعطى المتقدم ذكر المتقدم وجوداً، وأخر هناك النفع إعطاء للمتأخر ذكر المتأخروجوداً. {وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ }: تقدم الكلام على إذ في قوله: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ }

. ومن أجاز نصب إذ هناك مفعولاً به بإضمار اذكروا وادّعى زيادتها، فقياس قوله هناك إجازته هنا، إذ لم يتقدمشيء تعطفه عليه إلا إن ادّعى مدّع أن إذ معطوفة على معمول اذكروا، كأنه قال: اذكروا نعمتي وتفضيلي إياكم، ووقتتنجيتكم. ويكون قد فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة الاعتراض التي هي: {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا }. وقد قدمنا أنا لا نختارأن يكون مفعولاً به باذكر، لا ظاهرة ولا مقدرة، لأن ذلك تصرف فيها، وهي عندنا من الظروف التي لا يتصرففيها إلا بإضافة اسم زمان إليها على ما قرر في النحو. وإذا كان كذلك، فالذي نختاره أن ينتصب على الظرف،ويكون العامل فيه فعلاً محذوفاً يدل عليه ما قبله، تقديره: وأنعمنا عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون، وتقدير هذا الفعلأولى من كل ما قدمناه. وخرج بقوله: أنجيناكم إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه من ضمير المتكلم الذي لا يدل علىتعظيم في قوله: {نِعْمَتِى ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ }، لأن هذا الفعل الذي هو الإنجاء من عدوّهم، هو من أعظم، أو أعظمالنعم، فناسب الأعظم نسبته للمعظم نفسه. وقرىء: أنجيناكم، والهمزة للتعدية إلى المفعول، كالتضعيف في نجيناكم. ونسبة هذه القراءة للنخعي. وذكربعضهم أنه قرأ: أنجيتكم، فيكون الضمير موافقاً للضمير في نعمتي، والمعنى: خلصتكم من آل فرعون، وجعل التخليص منهم لأنهم همالذين كانوا يباشرونهم بهذه الأفعال السيئة، وإن كان أمرهم بذلك فرعون، وآل فرعون هنا أهل مصر، قاله مقاتل، أو أهلبيته خاصة، قاله أبو عبيد، أو أتباعه على ذنبه، قاله الزجاج، ومنه:

{ وأغرقنا آل فرعون }

، وهم أتباعه على ذنبه، إذلم يكن له أب، ولا بنت، ولا ابن، ولا عم، ولا أخ، ولا عصبة، وأدخلوا آل فرعون أشد العذاب. ورويأنه قيل لرسول الله ﷺ: من آلك؟ فقال: كل تقي . ويؤيد القول الثاني: لا تحل الصدقة لمحمدوآل محمد. والمراد بالآل هنا: آل عقيل، وآل عباس، وآل الحارث بن عبد المطلب ومواليهم. وورد أيضاً أن آله: أزواجهوذريته، فدل على أنه لرسول الله ﷺ آل عام وآل خاص. وفرعون: علم لمن ملك العمالقة،كما قيل: قيصر لمن ملك الروم، وكسرى لمن ملك الفرس، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وتبع لمن ملك اليمن. وقال السهيلي:هو اسم لكل من ملك القبط ومصر، وقد اشتق منه: تفرعن الرجل، إذا تجبر وعتا، واسمه الوليد بن مصعب، قالهابن إسحاق، وأكثر المفسرين، أو فنطوس، قاله مقاتل، أو مصعب بن الريان، حكاه ابن جرير، أو مغيث، ذكره بعض المفسرين،أو قابوس، وكنيته أبو مرة، وهو من بني عمليق بن لاوذ بن ارم بن سام بن نوح وروي أنه منأهل اصطخر، ورد إلى مصر فصار بها ملكاً، لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية، قاله المسعودي. وقال ابن وهب: فرعون موسىهو فرعون يوسف، قالوا: وهذا غير صحيح، لأن بين دخول يوسف مصر ودخول موسى أكثر من أربعمائة سنة. والصحيح أنهغيره. وقيل: كان اسم فرعون يوسف الريان بن الوليد.. {يَسُومُونَكُمْ }: يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وهي حكايةحال ماضية، ويحتمل أن تكون في موضع الحال: أي سائميكم، وهي حال من آل فرعون. {يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ }: أشقه وأصعبهوانتصابه، مبني على المراد بيسومونكم، وفيه للمفسرين أقوال: السوم: بمعنى التكليف أو الإبلاء، فيكون سوء العذاب على هذا القول مفعولاًثانياً لسام، أي يكلفونكم، أو يولونكم سوء العذاب، أو بمعنى: الإرسال، أو الإدامة، أو التصريف، أي: يرسلونكم، أو يديمونكم، أويصرفونكم في الأعمال الشاقة، أو بمعن الرفع، أي يرفعونكم إلى سوء العذاب، أو الوسم، أي: يعلمونكم من العلامة، ومعناه: أنالأعمال الشاقة لكثرة مزاولتها تصير عليهم علامة بتأثيرها في جلودهم وملابسهم، كالحدادة والنجارة، وغير ذلك يكون وسماً لهم، والتقدير: يعلمونكمبسوء العذاب. وضعف هذا القول من جهة الاشتقاق، لأنه لو كان كذلك لكان يسمونكم، وهذا التضعيف ضعيف لأنه لم يقلإنه مأخوذ من الوسم، وإنما معناه معنى الوسم، وهو من السيمياء، والسيماءو مسوّمين في أحد تفاسيره بمعنى العلامة، وأصول هذاسين وواو وميم، وهي أصول يسومونكم، ويكون فعل المجرد بمعنى فعل، وهو مع الوسم مما اتفق معناه واختلفت أصوله: كدمت،ودمثر، وسبط، وسبطر، أو بمعنى الطلب بالزيادة من السوم في البيع، أي: يطلبونكم بازدياد الأعمال الشاقة. وعلى هذه الأقوالغير القولين الأولين يكون {سُوء ٱلْعَذَابِ } مفعولاً على إسقاط حرف الجر. وقال بعض الناس: ينتصب سوء العذاب نصب المصدر،ثم قدره سوماً شديداً. وسوء العذاب: الأعمال القذرة، قاله السدي، أو الحرث والزراعة والبناء وغير ذلك، قاله بعضهم. قال: وكانقومه جنداً ملوكاً، أو الذبح، أو الاستحياء المشار إليهما، قاله الزجاج. ورد ذلك بثبوت الواو في إبراهيم فقال: ويذبحون، فدلعلى أنه عذبهم بالذبح وبغير الذبح. وحكي أن فرعون جعل بني إسرائيل خدماً في الأعمال من البناء والتخريب والزراعة والخدمة،ومن لا يعمل فالجزية، فذوو القوّة ينحتون السواري من الجبال حتى قرحت أعناقهم وأيديهم ودبرت ظهورهم من قطعها ونقلها، وطائفةينقلون له الحجارة والطين ويبنون له القصور، وطائفة يضربون اللبن ويطبخون الآجر، وطائفة نجارون وحدادون، والضعفة جعل عليهم الخراج ضريبةيؤدونها كل يوم. فمن غربت عليه الشمس قبل أن تؤديها غلت يده إلى عنقه شهراً. والنساء يغزلن الكتان وينسجن. وأصلنشأة بني إسرائيل بمصر نزول إسرائيل بها زمان ابنه يوسف بها على نبينا وعليهما السلام. {يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ }: قراءةالجمهور بالتشديد، وهو أولى لظهور تكرار الفعل باعتبار متعلقاته. وقرأ الزهري وابن محيصن: يذبحون خفيفاً من ذبح المجرد اكتفاء بمطلقالفعل، وللعلم بتكريره من متعلقاته. وقرأ عبد الله: يقتلون بالتشديد مكان يذبحون، والذبح قتل، ويذبحون بدل من يسومونكم، بدل الفعلمن الفعل، نحو: قوله تعالى:

{ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ }

، وقول الشاعر:

متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطباً جزلاً وناراً تأججا

ويحتمل أن تكون مما حذف منه حرف العطف لثبوتهفي إبراهيم. وقول من ذهب إلى أن الواو زائدة لحذفها هنا ضعيف. وقال الفراء: الموضع الذي حذفت فيه الواو تفسيرلصفات العذاب، والموضع الذي فيه الواو يبين أنه قد مسهم العذاب، غير الذبح، ويجوز أن يكون يذبحون: في موضع الحال،من ضمير الرفع في: يسومونكم، ويجوز أن يكون مستأنفاً. وفي سبب الذبح والاستحياء أقوال وحكايات مختلفة، الله أعلم بصحتها، ومعظمهايدل على خوف فرعون من ذهاب ملكه على يد مولود من بني إسرائيل. والأبناء: الأطفال الذكور، يقال: إنه قتل أربعينألف صبي. وقيل: أراد بالأبناء: الرّجال، وسموا أبناء باعتبار ما كانوا قبل، والأول أشهر. والنساء هنا: البنات، وسموا نساء باعتبارما يؤلن إليه، أو بالاسم الذي في وقته يستخدمن ويمتهن، وقيل: أراد: النساء الكبار، والأول أشهر. {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ }:وفسر الاستحياء بالوجهين اللذين ذكرناهما عند كلامنا على المفردات، وهو أن يكون المعنى: يتركون بناتكم أحياء للخدمة، أو يفتشون أرحامنسائكم. فعلى هذا القول ظاهره أن آل فرعون هم المباشرون لذلك، ذكر أنه وكل بكل عشر نساء رجلاً يحفظ منتحمل منهن. وقيل: وكل بذلك القوابل. وقد قيل: إن الاستحياء هنا من الحياء الذي هو ضد القحة، ومعناه أنهم يأتونالنساء من الأعمال بما يلحقهم منه الحياء، وقدم الذبح على الاستحياء لأنه أصعب الأمور وأشقها، وهو أن يذبح ولد الرجلوالمرأة اللذين كانا يرجوان النسل منه، والذبح أشق الآلام. واستحياء النساء على القول الأول ليس بعذاب، لكنه يقع العذاب بسببهمن جهة إبقائهن خدماً وإذاقتهن حسرة ذبح الأبناء، إن أريد بالنساء الكبار، أو ذبح الإخوة، إن أريد الأطفال، وتعلق العاربهن، إذ يبقين نساء بلا رجال فيصرن مفترشات لأعدائهن. وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الآمر بالقتل بغيرحق والمباشر له شريكان في القصاص، فإن الله تعالى أغرق فرعون، وهو الآمر، وآله وهم المباشرون. وهذه مسألة يبحث فيهافي علم الفقه، وفيها خلاف بين أهل العلم. {وَفِى ذٰلِكُمْ بَلاء }: هو إشارة إلى ذبح الأبناء واستحياء النساء،وهو المصدر الدال عليه الفعل نحو قوله تعالى:

{ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ } ، وهو أقرب مذكور، فيكون المراد بالبلاء:الشدة والمكروه. وقيل: يعود إلى معنى الجملة من قوله يسومونكم مع ما بعده، فيكون معنى البلاء كما تقدم. وقيل: يعودعلى التنيجة، وهو المصدر المفهوم من قوله: نجيناكم، فيكون البلاء هنا: النعمة ويكون ذلكم قد أشير به إلى أبعد مذكور،وهو أضعف من القول الذي قبله، والمتبادر إلى الذهن والأقرب في الذكر القول الأول. وفي قوله: {مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ} دليل على أن الخير والشرّ من الله تعالى، بمعنى أنه خالقهما. وفيه رد على النصارى ومن قال بقولهم: إنالخير من الله والشرّ من الشيطان ووصفه بعظيم ظاهر، لأنه إن كان ذلكم إشارة إلى التنجية من آل فرعون، فلايخفى ما في ذلك من عظم النعمة وكثرة المنة، وإن كان إشارة إلى ما بعد التنجي من السوم، أو الذبح،والاستحياء، فذلك ابتلاء عظيم شاق على النفوس، يقال إنه سخرهم فبنوا سبعة حوائط جائعة أكبادهم عارية أجسادهم، وذبح منهم أربعينألف صبي. فأي ابتلاء أعظم من هذا وكونه عظيماً هو بالنسبة للمخاطب والسامع، لا بالنسبة إلى الله تعالى، لأنه يستحيلعليه اتصافه بالاستعظام. قال القشيري: من صبر في الله على بلاء الله عوضه الله صحبة أوليائه. هؤلاء بنو إسرائيل صبرواعلى مقاساة الضرّ من فرعون وقومه، فجعل منهم أنبياء، وجعل منهم ملوكاً، وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين، انتهى.ولم تزل النعم تمحو آثار النقم، قال الشاعر:

نـأسوا بـأموالنــا آثــار أيــدينــا

ولما تقدم الأمر بذكر النعم مجملة فيما سبق،أمرهم بذكرها ثانية مفصلة، فبدأ منها بالتفضيل، ثم أمرهم باتقاء يوم لا خلاص فيه، لا بقاض حق، ولا شفيع، ولافدية، ولا نصر، لمن لم يذكر نعمه، ولم يمتثل أمره، ولم يجتنب نهيه، وكان الأمر بالاتقاء مهماً هنا، لأن منأخبر بأنه فضل على العالمين ربما استنام إلى هذا التفضيل، فأعلم أنه لا بد مع ذلك من تحصيل التقوى وعدمالاتكال على مجرد التفضيل، لأن من ابتدأك بسوابق نعمه، يجب عليك أن تتقي لواحق نقمة. ثم ثنى بذكر الإنجاء الذيبه كان سبب البقاء بعد شدة اللأواء. ثم بعد ذلك ذكر تفاصيل النعماء مما نص عليه إلى قوله: { ٱهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ } ، فكان تعداد الآلاء مما يوجب جميل الذكر وجليل الثناء. وسيأتي الكلام في ترتيب هذه النعم،نعمة نعمة، إن شاء الله تعالى.

{ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } * { وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ } * { ثُمَّ عَفَوْنَا ع