تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة الفيل


بسم الله الرحمن الرحيم

{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ } * { أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ } * { وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ } * { تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ } * { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ }

الفيل أكبر ما رأيناه من وحوش البر يجلب إلى ملك مصر، ولم تره بالأندلس بلادنا، ويجمع في القلة على أفيال، وفي الكثرة على فيول وفيلة. الأبابيل: الجماعات تجيء شيئاً بعد شيء. قال الشاعر:

كادت تهد من الأصوات راحلتي     إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل

وقال الأعشى:

طريق وخبار رواء أصوله     عليه أبابيل من الطير تنعب

قال أبو عبيدة والفراء: لا واحد لهمن لفظه، فيكون مثل عبابيد وبيادير. وقيل: واحده إبول مثل عجول، وقيل: ابيل مثل سكين، وقيل: وذكر الرقاشي، وكان ثقة،أنه سمع في واحده إبالة؛ وحكى الفراء: أبالة مخففاً. {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْكَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ }. هذهالسورة مكية. ولما ذكر فيما قبلها عذاب الكفار في الآخرة، أخبر هنا بعذاب ناس منهم في الدنيا. والظاهر أن الخطابللرسول ، يذكر نعمته عليه، إذ كان صرف ذلك العدوّ العظيم عام مولده السعيد عليه السلام، وإرهاصاًبنبوّته، إذ مجيء تلك الطيور على الوصف المنقول، من خوارق العادات والمعجزات المتقدمة بين أيدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ومعنى{أَلَمْ تَرَ }: ألم تعلم قدره على وجود علمه بذلك؟ إذ هو أمر منقول نقل التواتر، فكأنه قيل: قد علمتفعل الله ربك بهؤلاء الذين قصدوا حرمه، ضلل كيدهم وأهلكهم بأضعف جنوده، وهي الطير التي ليست من عادتها أنها تقتل.وقصة الفيل ذكرها أهل السير والتفسير مطولة ومختصرة، وتطالع في كتبهم. وأصحاب الفيل: أبرهة بن الصباح الحبشي ومن كانمعه من جنوده. والظاهر أنه فيل واحد، وهو قول الأكثرين. وقال الضحاك: ثمانية فيلة، وقيل: اثنا عشر فيلاً، وقيل: ألففيل، وهذه أقوال متكاذبة. وكان العسكر ستين ألفاً، لم يرجع أحد منهم إلا أميرهم في شرذمة قليلة، فلما أخبروا بمارأوا هلكوا. وكان الفيل يوجهونه نحو مكة لما كان قريباً منها فيبرك، ويوجهونه نحو اليمن والشام فيسرع. وقال الواقدي: أبرهةجد النجاشي الذي كان في زمن الرسول . وقرأ السلمي: ألم تر بسكون، وهو جزم بعد جزم.ونقل عن صاحب اللوامح ترأ بهمزة مفتوحة مع سكون الراء على الأصل، وهي لغة لتيم، وتر معلقة، والجملة التي فيهاالاستفهام في موضع نصب به؛ وكيف معمول لفعل. وفي خطابه تعالى لنبيه بقوله: {فَعَلَ رَبُّكَ }تشريف له وإشادة من ذكره، كأنه قال: ربك معبودك هو الذي فعل ذلك لا أصنام قريشأساف ونائلة وغيرهما. {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ }، يقال: ضلل كيدهم، إذا جعله ضالاً ضائعاً. وقيل لامرىء القيسالضليل، لأنه ضلل ملك أبيه، أي ضيعه. وتضييع كيدهم هو بأن أحرق الله تعالى البيت الذي بنوه قاصدين أن يرجعحج العرب إليه، وبأن أهلكهم لما قصدوا هدم بيت الله الكعبة بأن أرسل عليهم طيراً جاءت من جهة البحر، ليستنجدية ولا تهامية ولا حجازية سوداء. وقيل: خضراء على قدر الخطاف. وقرأ الجمهور: {أَبَابِيلَ تَرْمِيهِم } بالتاء، والطير اسم جمعبهذه القراءة، وقوله:

كالطير ينجو من الشؤبوب ذي البرد    

وتذكر كقراءة أبي حنيفة وابن يعمر وعيسى وطلحة في رواية عنه: يرميهم.وقيل: الضمير عائد على {رَبَّكَ }. {بِحِجَارَةٍ }؛ كان كل طائر في منقاره حجر، وفي رجليه حجران، كل حجر فوقحبة العدس ودون حبة الحمص، مكتوب في كل حجر اسم مرميه، ينزل على رأسه ويخرج من دبره. ومرض أبرهة، فتقطعأنملة أنملة، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانفلت أبو مكسوم وزيره، وطائره يتبعه حتى وصل إلى النجاشي وأخبرهبما جرى للقوم، فرماه الطائر بحجره فمات بين يدي الملك. وتقدم شرح سجيل في سورة هود، والعصف في سورة الرحمن.شبهوا بالعصف ورق الزرع الذي أكل، أي وقع فيه الأكال، وهو أن يأكله الدود والتبن الذي أكلته الدواب وراثته. وجاءعلى آداب القرآن نحو قوله:

{ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ } ، أو الذي أكل حبه فبقي فارغاً، فنسبه أنه أكل مجاز، إذالمأكول حبه لا هو. وقرأ الجمهور: {مَّأْكُولِ }: بسكون الهمزة وهو الأصل، لأن صيغة مفعول من فعل. وقرأ أبو الدرداء،فيما نقل ابن خالويه: بفتح الهمزة اتباعاً لحركة الميم وهو شاذ، وهذا كما اتبعوه في قولهم: محموم بفتح الحاء لحركةالميم. قال ابن إسحاق: لما رد الله الحبشة عن مكة، عظمت العرب قريشاً وقالوا: أهل الله قاتل عنهم وكفاهم مؤونةعدوّهم، فكان ذلك نعمة من الله تعالى عليهم. وقيل: هو إجابة لدعاء الخليل عليه الصلاة والسلام.