غابة الحق (1881)/قواد الشر


الفصل السادس

قواد الشر

أما أنا فرأيت المحل الذي أشغله لم يعد مناسبًا لحق المعاينة والاستماع لكون أنظاري لا يعود أن يمكنها الإحاطة بجميع الأشباح، وآذاني صارت تعجز عن إيفاءِ حق السمع لما استجد من الضوضاء؛ فتركت هذا المحل وأطلقت خطوات التجسس حتى بلغت الجمهور المحتفل وانخرطت في سلك الأشخاص اللاحقين من حيث لم يشعروا بقدومي. فرأيت الجوق الذي كان موثقًا بالأداهم قد صار صفًّا منتظمًا إزاء العرشين، والقائد والفيلسوف لم يزالا جالسَين حذاء الملكة يخاطبانها بحديث لم أسمعه، ووزير محبة السلام واقفًا بجانب العرش الملوكي وتلوح على وجهه سحنة التفكر العميق، والملك مرسِلًا نظراته لفحص الجمهور وعلى وجهه تتلاعب أطوار الغضب، وما لبث السكوت برهة أن التفتت إليه الملكة وقالت له بصوت احتفالي: قد استصوب الفيلسوف والقائد ما تناجينا به منذ هنيهة في أمر كيفية محاكمة هؤلاء الأسرى.

– فليذهب القائد إذن وليحضر الأشخاص الذين عيَّنَّاهم إلى المرسح. فما أتم الملك كلامه إلا ورأيت القائد قد وثب وثوب الجواد وطلب موقف الأجناد. وإذ أسدل السكوت ستاره ونشر الهدوُّ شراعه، أخذت أتأمل الصف المأسور وأنتقد كلًّا منه وأنا ملتطم بين موجتَي التعجب والارتياع وواقع في بحراني التكذيب والتصديق، فكان الشخص الذي هو مقدام الجوق رجلًا حليف الشيخوخة قد امتصت الأيام ماء وجهه المصفوع بكفَّي الزجر والانتقام، وحرثت السنون سهلة جبينه، وندف الزمان على لحيته قطن الشيب، ولا يقدر على نصب قامته من ثقل الحوادث المتراكمة على ظهره، وكان جميع حرارة أعضائه قد تجمعت في حدقتيه اللتين كانتا تنثران شررًا ودخانًا، أما رأسه فكان متوجًا بإكليل عتيق الزي قد نخره صداء القدميَّة، وعلى صدره لوح مكتوب فيه: هذا ملك العبودية.

أما الشخص الأول: بعد ذاك المقدام فكان رجلًا ضخم الجثة، غليظ العنق، مفرطح الرأس والجبهة، أفطس الأنف، ثخين الشعر، سميك الشفاه، وكانت أرواح التبسُّم البهيمي تتراقص على وجهه، وضباب الجمود الحيواني مخيِّمًا على عينيه، وعلى صدره لوح مكتوب فيه: هذا قائد الجهل.

أما الشخص الثاني: فلئن كان منظره جميلًا إلا أنه لا يخلو من جملة أطوار لا تلذ الناظر؛ فقد كانت سعة جبينه مضنوكة بغضون العبوسة، وبياضه مبلبلًا بظلمة الشكاسة. وكان أنفه الأقنى مرتفعًا ومحصورًا كذي اشمئزاز، وأنفه وحواجبه المقرونة مزرَّرة كذي غضب وسخط، وأعينه السود المبرقعة بنظر المحتقر والمستصغر، وفمه الأقاحي مفتَرًّا بابتسام العُجبِ والتيه، وعلى صدره لوح مكتوب فيه: هذا قائد الكبرياء.

يا قاتل الله الجمال فإنه ما زال يصحب باخلًا متكبرًا أما الشخص الثالث: فقد كان رجلًا تعجز عن تشخيص أمارات وجهه دقائق الفراسة؛ فأعينه الزرق قد كانت حادَّة الشخوص جدًّا حتى إنها إذا نظرت إلى شيء تكاد أن تجحظ من الحجاج وتطير إليه، وكان وجهه الأعبس يظهر كأنه مصاب بالاستسقاء لما فيه من انتفاخ الرياء، وكانت جوارح بلبال التفكر حائمة على جوانحه. وهيئة بكاء الطفل ما كانت تبارح شفتيه، هذا عدا أهبة الهجوم التي لم تكن مفارقة عموم هيئته الضخمة، وعلى صدره لوح مكتوب فيه: هذا قائد الحسد والطمع.

أما الشخص الرابع: فقد كان رجلًا كهلًا وعلى رأسه عمامة قد مزقتها مخالب الدهور وغيَّرت ألوانها صباغات الأقذار، وعلى بدنه ثوب أنكرت نسجه جميع الأقمشة لما أودعت فيه الأوساخ من الزركشة، فإنه شبعان من الدسم وريَّان من الوخم، ويعلو هذا الثوب وشاح قد توشَّح بالغثة ونهشت أقطاره أنياب العثة، فلا يحصى إلا مع الأحلاس ولا يعتبر إلا اعتبار الأدران والأدناس. أما وجه هذا الرجل فقد كان بيضيًّا، ومشهده دُرِّيًّا، ونظره لا يفتر واقفًا على ما يلائمه وقوف شحيح ضاع في التراب خاتمه. ويداه قد كانتا منقبضتين بانقباض يد النخيل على ذهب ولجين. وهما مموَّهتان بالأوزار ومطليتان بالأقذار، وعلى صدره لوح مكتوب فيه: هذا قائد البخل.

رأى الصيف مكتوبًا على باب داره
فحفه ضيفًا فقام إلى السيفِ
فقلنا له خيرًا فظن بأننا
نقول له خبزًا فمات من الخوفِ

أما الشخص الخامس: فقد كان رجلًا ذات طلعة صفراء، وحلة سوداء، وأسنان مكزوزة، وأصداغ مهموزة. وكانت جبهته تسبح في الكدر، وأعينه تنثر الشرر، وكأنه مشمول بِهَمٍّ عظيم، ومأخوذ بِغَمٍّ أليم، وعلى صدره لوح مكتوب فيه: هذا قائد الضغينة.

أما الشخص السادس: فقد كان إنسانًا صغير الرأس متطاوله، كبير الفم فاغره، ظاهر الشدق قصير القامة، وكان على صدره لوح مكتوب فيه: هذا قائد النميمة.

أما الشخص السابع: فقد كان رجلًا ذا أعين صغيرة التناسب، كروية الشكل، مضغوطة القزحية، متجاوزة حد البروز، وذا وجه متطاول مبطن ببشرة كثيفة مدلهمَّة، يعلوه أنف كالهرم المنبط ذو جناح منفرجة، وفمه كقطعة جلمود، على صدره لوح مكتوب فيه: هذا قائد الكذب والنفاق.

أما الرجل الثامن: فقد كان حامل بيرق الخيانة حسبما في لوحه مسطور.

وكلٌّ من هؤلاء الأشخاص كان مترديًا بزي خاص؛ فهذا سابح في ثياب عريضة، وذا محشور في ضيق الملبوس، وذاك عارج على الركبتين؛ فلم أشاهد شبهًا بين الواحد والآخر. ثم بعد هجعة من الوقت رأيت القائد مقبلًا وثمانية أشخاص يهرعون وراءه، ولم يزالوا حتى انتصبوا أمام العرشين وخروا ساجدين لدى العظمة الملوكية حيثما فصلوا بين المحفلين، وغب فترة ألقى الملك عينيه على القائد وقال له: أهؤلاء المعينون؟

– نعم (وحنا رأسه مع الجميع).

– دع كلًّا منهم ينتصب أمام ضده لأجل الشروع في المحاكمة.

فأوعز القائد إلى المعينين بما أمر الملك فذهب ووقف حيث الإشارة. وإذ أثبت نظري على هذا السرب الجديد رأيت كلًّا مكللًا بالغار واسمه مرسومًا على جبهته بأحرف نارية؛ فكان الأول يسمى العلم، والثاني الاتضاع، والثالث الرضا والقناعة، والرابع الكرم، والخامس الصفح، والسادس الكتمان، والسابع الصدق والحق، والثامن الأمنية. وجميعهم كانوا متردين بزي واحد.

فما لبث السكوت فترة أن صرخت الملكة بصوت عالٍ وقالت: تعالَ يا أيها الفيلسوف. فوثب المذكور على قدميه وامتثل أمام الملكة وقال: مري العبد * اصعد على قمة هذه الصخرة واشرع في الخطاب علنًا، وليرنَّ صوتك في جميع المرسح * أما أنت يا قائد جيش التمدن فتمنطق بسلاح العدل واذهب فقِفْ على رأس ملك العبودية وتقوَّ ولا تجزع.