مجلة البيان للبرقوقي/العدد 12/القطب الشمالي

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 12/القطب الشمالي

ملاحظات: بتاريخ: 5 - 5 - 1913



الرحالة بيرى يصف عودته من القطب الشمالي

بعد ربع قرن قضيته في كفاح وجهاد ومساغ ضائعة متتابعة أبى القدر إلا أن أنجح أخيراً فرفعت علم وطني، ذلك العلم الأمريكاني، في بقعة من ذلك القطب يحسدنا عليها العالم طرا.

لقد أقمت بالقطب ثلاثين ساعة عصيبة رأيت في خلالها مناظر ومشاهد كثيرة واستطعت فيها أن أجد وسيلة لكتابة رقعة إلى زوجتي استلمتها في سدني.

فلما كان اليوم السابع من شهر ابريل سنة 1909 في الساعة الرابعة من المساء بدأنا نعود أدراجنا من المخيم الذي ضربناه في ذلك القطب.

ولقد يخطئ من يحسب أن المتاعب قد انتهت بعودتنا وأن ما لاقيناه من الرهق في سفرنا لا نلقاه في رجوعنا. إذ العود أشق والرجوع أصعب أنكد. ومصاب الكبتن سكوت ونحس طالعه في عودته دليل محزن مروع. وبرهان ناصع مجيد.

أما أنا فلم يؤبه لعودتي لأني ما كدت أعود إلى أمريكا حتى أهملت ذكر ما حدث لي بعد ما رفعت العلم الموشى بالأنجم الزهر. فوق تلك الثلوج البكر. حتى وصلت إلى موطني.

وقد جئت اليوم أروي للقراء تفاصيل ذلك الرجوع. وهم سيجدون أن الرحلة إلى القطب تشابه بعض المشابهة مسألة الطيران في صعوبتها وأخطارها.

قبل الرحيل جمعت رجالي إلى حديث سريع ثم أفهمتهم ضرورة الوصول إلى الأرض قبل مد البحر القريب الحدوث. ووجوب استعمال جميع قوانا في تحقيق ذلك الغرض. وألقيت في روعهم أنه يجب أن نجد في المسير وننام النوم القليل وأن نسرع من غير توقف أو تمهيل.

فأحدثت خطتي هذه همة كبرى عند أولئك الرجال وجعلنا نطوي المراحل مضاعفة إذ كنا نقطع المرحلة الواحدة ثم نقف ريثما نتناول الشاي وطعام الإفطار وبعد ذلك نواصل المسير فنطوي مرحلة أخرى ثم ننام بضع ساعات فإذا انقضت عاودنا على أننا والحق يقال لم نستطع أن نلزم هذه الطريقة في رحيلنا بل جعلنا نقطع تسع مراحل من ذهابنا في ثلاث من عودتنا وكل يوم يروح عنا بعض ما يعتادنا إذ كنا نشفق أن تندرس آثارنا الأولى ويمحو تأثير الأرواح على الثلوج مواقع أقدامنا. وكان هناك بعد درجة 87 منطقة متسعة الأرجاء مترامية يبلغ محيطها سبعة وخمسين ميلاً وكنت مضطرب النفس أخشى أن لا نستطيع اجتيازها.

ومضت اثنا عشرة ساعة والريح تزف زفيفاً شديداً وتهب هبوباً عنيفاً من كل مكان مذيبة هناك بحراً يجتاز.

فتنهدت من أعماق نفسي تنهدة الخلاص بعد تلك الدرجة.

ووجدنا في كل مكان آثار المرابط التي كنا نقف بها ورأينا معالم المواقع التي كنا ننزل عندها لم تمح ولم تمس.

أما الزاد فكان لدينا وفراً يكفي رجالنا وكلابنا وكنا ننطلق كأنما كنا في حلبة السباق. ولا أنسى تأثير ما كان يخالج أرواحنا من نشاط وهدوء.

وجملة القول كان كل شيء في جانبنا وكنا نتسلل وراء بعضنا مسرعين مولين في خلال خمسة الأميال الأولى من سياحة عودتنا.

ووصلنا بعدها إلى صدع هناك ضيق امتلأ ثلجاً حديثاً ورأيناها فرصة سانحة نستطيع فيها أن نسبر غور تلك الثلوج ولم نكن فعلنا ذلك من قبل في القطب لكثافة الجليد المتراكم.

أما في ذلك المكان فقد سهل علينا أن نحفر حتى الماء.

وأرسلنا في ذلك الصدع حبالنا فغابت في الجليد نحواً من مترين وثلاثة أرباع متر دون أن نجد القاع.

فلما كان خدمنا وهم من (الاسكيمو) يشدون تلك الحبال انكسرت منهم فهوت إلى القاع بخيطها ورصاصها فتركناها ومضينا في سبيلنا فوصلنا المخيم الأول مبكرين.

وحل يوم الجمعة (9 ابريل) فكان يوماً عبوساً قمطريراً أذهبت من الشمال الشرقي ريح عصيبة استحالت عاصفة وإن كان ميزان الحرارة يتراوح بين درجتي 18 و 20.

ولحسن الحظ كنا نمشي قبل هبوب الريح إذ يستحيل علينا أن نسير ضد تلك العاصفة الهائجة.

ومهما كنا نفعل فإن العاصفة كانت تسوق كلابنا سوقاً وتدفعها إلى العدو دفعاً مستمراً.

ولاحظنا أن الثلوج تسير معنا إلى الجنوب وقد ساعدنا ذلك على زيادة سرعتنا. ولم نر ركام الثلج يتحرك ولا مناطقه تنحدر وإلا لو فعلت لكان لنا شأن محزن وفاجعة كبرى.

فلما ضرب الليل خيامه سكنت الريح هونا ما ثم لم تلبث أن مضت تاركة الجو كدراً معكراً ولم نستطع مع الضوء صبراً ولم تطق أعيننا رؤيته وكدنا لا نتبين مواقع آثارنا الأولى. ولم نقطع في ذلك اليوم إلا مرحلة واحدة وإن كانت درجة الحرارة لم تزد عن 10 ولم نحاول أن نجد في السير ونلج في الرحيل إذ رأينا الكلاب قد أنهكها العدو وشعرت بتأثير جريها المتواصل ولزمنا أن نرفه عنا بعض ذلك الجهد ونتهيأ للغد إذ كنت أتوقع في غد متاعب ومحازن - على أنها بحمد الله لم تقع_من ذلك الجليد الذي سنلقاه في طريقنا.

ورأينا لزاماً علينا أن نسرح بعضاً من كلابنا فاقتصرنا منها على خمسين كلباً. وكان الأحد (11 ابريل) يوماً صحواً جميلاً طلعت شمسه وبزغت غزالته من بين الغيوم والسحب بعد أن هدمنا خيمتنا وأنزلنا طنبها وكان الهواء رخياً هادئاً ولمشرق الشمس حرارة لذيذة ولبزوغها تألق متوهج ولو لم يكن لدينا مناظيرناالقاتمة اللون لسبب لنا وهج ضيائها مر ضافى أعيننا.

وآثر فينا حسن ذلك اليوم وجدد من همتنا ما أخلقه التعب فسرنا بأسرع من قبل حتى قطعنا مرحلتين.

فلما ضربنا خيامنا وألقينا بالليل عصانا كنا بمقربة من خط 87.

وإلى القراء ما كتبته عن تلك الليلة في مذكرتي فهو يغني عن وصفها مرة أخرى.

(نؤمل أن نصل غداً إلى النقطة التي خلفنا عندها مارفان. ولا يسعد خاطري وينعم بالي إلا أن أكون هناك فوق الثلج الكثيف. فإن هذه المنطقة تكون في شهر فبراير ماء غديراً ولا تزال كذلك أودية تسيل حتى أواخر مارس. أما تلك النقطة فمغطاة بثلج صغير يسهل السعي عليه ويحمد المسير فيه. على أنه ليس بالطريق الآمن ولا الوسيلة المثلى للرجوع. اللهم إلا قليلاً) وأقبل يوم الاثنين فقطعنا مرحلة مضاعفة طويلة الشقة انتهينا عندها إلى درجة 86، 38 وأفضينا منها إلى مخيم (أبريز) وإنما سميت كذلك تخليداً لذكرى أبعد نقطة شمالية وصل إليها دوق أبريز. وكانت مواقع الخطى في بعض الأماكن دارسة لا أثر لها. متقطعة لا ترى. على أننا لم نجد كثير عناء في تتبعها.

وكان اليوم التالي عصيباً سيئاً سرنا فيه مواجهين ريحاً باردة شمالية ترمينا في وجوهنا بقطع محددة من البرد كأنما وخزها وخز الإبر بل كانت تنفذ من بين فتحات أثوابنا. على أننا وجدنا في المسير فوق ذلك الجليد الصغير راحة وسروراً. وما همنا شأن ذلك البرد بل حسبناه معاكسة بسيطة ومزاحاً من القدر وخيمنا عند نقطة نانس. وما سميت هذه أيضاً بهذا الاسم إلا لإبقاء ذكرى نقطة شمالية سحيقة انتهى إليها الرحالة نانس فبعد نوم هنيء انطلقنا إلى مرحلة أخرى وهنا بدأنا نشعر بتأثير الرياح الشديدة الهوج وقد سمعنا ونحن نهدم خيامنا صوت الثلج المتكسر وانكسر عن كثب منا ركام من الجليد فانفتحت هناك فوهة كبرى فلم نجد مندوحة من اجتيازها في قوارب صغيرة كانت لدينا.

فلما ارتحلنا للمرحلة الثانية اكتشفنا آثاراً جديدة هي ولا ريب آثار الحيوان الذي أنقذناه في سفرنا إلى القطب ولاقينا في الطريق فوهة تبلغ نحواً من ميل.

وانحدرنا من جانب القطب نمشي الهوينا إلى مرحلة أخرى.

وقد وصلنا في السابع عشر من شهر ابريل المخيم الحادي عشر على مسافة مائة وواحد وعشرين ميلاً من رأس كولومبية ومررنا بأخاديد من الثلج كثيرة كنا نقضي ست عشرة ساعة متوالية في المسير إذا استحال علينا أن نتبين آثار أقدامنا الدارسة.

ولما طلع علينا يوم الأحد الثامن عشر من شهر ابريل سرنا ست عشرة ساعة أخرى وهبت في بدئها ريح رخاء لينة وانتهت ببرد يلفح وجوهنا شديد الأذى وابتلت أثوابي من العرق وامتد بنا المسير حتى ذر قرن الشمس فأشرقت في عين حمئة وهبت الريح من تلقاء الجنوب الغربي فتألمت من آثرهما ولفحت الشمس وجهي ولكنني تسليت عنا بالتفكير وجعلت أعلل نفسي عن الألم بأننا أصبحنا على مسافة لا تزيد عن مائة ميل من الأرض.

وحاولت نسيان ألم الحمى الموجع من تأثير الشمس والهواء بتسريح النظر في تلك الغيوم الأرضية التي كنا نتبينها ونحن في خيمتنا فلما كان الغدر رأينا الأرض رأي العين ومات ثلاثة من كلابنا وأما الأخرى فبدت عليها علائم الموت.

وأما المدة التي بين 18 ابريل والاثنين (19 ابريل) فقد استمر الهواء جميلاً واستطعنا أن تلمح الأرض البراح ووصلنا في سحر اليوم التاسع عشر الساعة الثالثة إلى المراكز التي وضعها الرحالتان مكملان وجود سل في عودتهما وقد قطعنا ثلاث مراحل في خمس عشرة ساعة ونصف وفي اليوم التالي طوينا مرحلة مضاعفة وانطلقنا لدى الأصيل فوصلنا لمخيم السادس عشر وهناك غلينا القدر وأعددنا طعاماً خفيفاً حتى إذا انتهينا اعتزمنا طريقنا حتى صباح اليوم العشرين من شهر ابريل نريد المخيم الخامس عشر.

وفي ذلك الوقت وصلنا إلى منطقة محفوفة بالأذى يعتورها الأخدود الكبير تسلمنا إلى المخيم الخامس عشر ومنه إلى رأس كولومبية.

وقضيت ليلة ما كان أمرها وأصعبها إذ أخذتني فيها عوارض كثيرة منصبة جعلتني استدل منها على أنني مصاب باحتقان في الحنجرة على أن مواصلة السير والإسراع فيه خففا ما انتابني من ألم.

وبعد يومين أو ثلاثة من مسيرنا لم يحدث فيها شيء غير مألوف وطئت أقدامنا أديم الأرض ورغماً من آلام حنجرتي وليلتي المسهدة فتنني ذلك الخاطر وسحرتني نعمته.

أما في باقي سياحتنا فقد اضطررنا إلى إتباع أثر (بارتلت) بدلاً من اقتفاء الأثر الكبير الذاهبة معالمه وليس هنا موضع الشكوى فقد وصلنا إلى نقطة تبعد عن الأرض بنحو خمسين ميلاً أما أنا فقد كانت هذه المرحلة أوجع لي وأشد ألماً أذبت ليلة نبا فيها النوم عن جفني في خيمة شديدة القر وكانت أثوابي مبتلة ندية بالعرق وكنت أشعر بحرقة مستمرة وألم شديد في رأسي وفكي ولكننا ما كدنا ننتهي من المرحلة حتى بدأت أحس بتأثير جرعة الكينا ثم أخذ ذلك الألم يخف رويد حتى زالت أخيراً عوارضه الموجعة.

ولم نحسب في ذلك اليوم حساباً لكلابنا إذ رأيناها كأنما فقدت همتها واسترخت لا تستطيع مسيراً.

وبدأنا المسير الأخير قبل انتهائنا إلى أديم الأرض في الساعة الخامسة من المساء في ذلك الجو المتألق الهادئ والوقت الساكن الصافي والتقينا بأخدود لم يجتز من قبل وبعد جهد كثير ومحاولة غير مجدية لم نر وسيلة غير إسقاط بعض متاعنا في الماء لنتخفف منها وانقفل الأخدود من جهة الشرق فأتبعنا أثرنا حتى اجتزنا ذلك الشق الكبير.

قال روبرت بيري بعد وصف بسيط.

لقد أنجزت بغيتي في الحياة وهمي. وأديت للعالم همامتي وشغلي. تلك الهمامة التي كنت أجزم بتحقيقها وأعتقد في انجازها وها أنا قد وفيت بعهدي الذي أبرمت.

وصلت إلى القطب بجهدي وحيلتي بعد أن قضيت ثلاثة وعشرين عاماً في سعي ومشقة وخيبة وحرقة وهم وأخطار.

ووضعت في ذمة الولايات المتحدة أكبر ثمن جغرافي ذلك هو القطب الشمالي.

ذلك العمل الذي صرفت الأمم المتحضرة له ثلاثة قرون وأضاعت لتحقيقه منهج أبنائها وأنفقت عليه غالي أموالها لم يتذلل إلا لأمر يكا وأنا بذلك قانع راض. . .