مجلة البيان للبرقوقي/العدد 47/مطالعات

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 47/مطالعات

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 3 - 1919



أبو الصلت أمية بن عبد العزيز

من بين شعراء الإسلام الذين ضربوا بسهم صائب في الأدب والشعر فضلاً أنهم ممن حذقوا صناعة الطب وفن الموسيقى والعلم الرياضي أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الداني الأندلسي. قال ابن أبي أصيبعة: بلغ في صناعة الطب مبلغاً لم يصل إليه غيره من الأطباء، وحصل من معرفة الأدب ما لم يدركه كثير من سائر الأدباء، وكان وحيداً في العلم الرياضي متقناً لعلم الموسيقى وعمله، جيد اللعب بالعود، وكان لطيف النادرة، فصيح اللسان، جيد المعاني، ولشعره رونق. قال: وأتى أبو الصلت من الأندلس إلى ديار مصر وأقام بالقاهرة مدة قم عادة بعد ذلك إلى الأندلس وكان دخوله إلى مصر في حدود سنة عشر وخمسمائة في خلافة الآمر بأحكام الله الفاطمي ووزارة الأفضل بن أمير الجيوش. قال: واتفق له وهو في الإسكندرية أن مركباً موقراً نحاساً وصل إليها فغرق قريباً منها ولم تكن لهم حيلة في تخليصه لطول المسافة في عمق البحر ففكر أبو الصلت في أمره وأجال النظر في هذا المعنى حتى تخلص له فيه رأي واجتمع بالأفضل بن أمير الجيوش وأفهمه أنه قادر إن تهيأ له جميع ما يحتاج من آلات أن يرفع المركب من قعر البحر ويجعله على وجه الماء مع ما فيه من الثقل فتعجب من قوله وفرح به وسأله أن يفعل ذلك ثم أعد له جميع ما يطلبه من الآلات وغرم عليها جملة من المال، ولما تهيأت وضعها في مركب عظيم على موازاة المركب الذي غرق وأرس إليه حبالاً مبرومة من الإبريسم وأمر قوماً لهم خبرة بالبحر أن يغوصوا ويوثقوا ربط الحبال بالمركب الغارق، وكان قد صنع آلات بأشكال هندسية لرفع الأثقال من المركب الذي هم فيه، وأمر الجماعة بما يفعلونه في تلك الآلات، ولم يزل شأنهم ذلك والحبال الإبريسم ترتفع إليهم أولاً فأولاً وتنطوي على دواليب بين أيديهم حتى بان لهم المركب الذي كان قد غرق وارتفع إلى قريب من سطح الماء وعند ذلك انقطعت الحبال الإبريسم، وهبط المركب راجعاً إلى قعر البحر. قال: ولقد تلطف أبو الصلت جداً فيما صنعه، وفي التحيل إلى رفع المركب إلا أن القدر لم يساعده، وحنق عليه الأفضل لما غرمه من الآلات وكونها مرت ضائعة وأمر بحبسه، وبقي في الاعتقال مدة إلى شفع فيه بعض الأعيان وأطلق.

قال: ومن تواليفه: 1 - كتاب الأدوية المفردة. 2 - رسالة في الموسيقى. 3 - كتاب في الهندسة. 4 - كتاب تقويم منطق الذهن. 5 - الرسالة المصرية. ذكر فيها ما رآه في مصر من هيئتها وآثارها ومن اجتمع بهم فيها من الأطباء والمنجمين والشعراء وغيرهم من أهل الأدب الخ. ومن شعره:

تقريب ذي الأمر لأهل النهى ... أفضل ما ساس به أمره

هذا به أولى وما ضره ... تقريب أهل اللهو في النَّدره

عطارد في جل أوقاته ... أدنى إلى الشمس من الزهره

وقال في موضع المعروف ببركة الحبش بمصر:

لله يومي ببركة الحبش ... والأفق بين الضياء والغبش

والنيل تحت الرياح مضطرب ... والسيف سلته كف مرتعش

ونحن في روضة مفوفة ... دبج بالنور عطفها ووشى

قد نسجتها يد الربيع لنا ... فنحن من نسجها على فرش

وأثقل الناس كلهم رجل ... دعاه داعي الصبا فلم يطش

فعاطني الراح إن تاركها ... من سورة الهم غير منتعش

وسقني بالكبار مترعة ... فتلك أروى لشدة العطش

وقال:

وراغب في العلوم مجتهد ... لكنه في القبول جلمود

فهوى كذى عنة به شبق ... أو مشتهي الأكل وهو ممعود

وقال في البراغيث:

وليلة دائمة الغسوق ... بعيدة الممسى من الشروق

كليلة المتيم المشوق ... أطال في ظلمائها تشريقي

أحب خلق لأذى مخلوق ... يرى دمي أشهى من الرحيق

يغب فيه غير مستفيق ... لا يترك الصبوح للغبوق

لو بت فوق قمة العيوق ... ما عاقه ذلك عن طروقي

كعاشق أسرى إلى معشوق ... أعلم من بقراط بالعروق من أكحل منهما وباسليق ... يفصدها بمبضع دقيق

من خطمه المذرب الذليق ... فصد الطبيب الحاذق الرقيق

وقال:

ساد صغار الناس في عصرنا ... لا دام من عصر ولا كانا

كالدست مهما هم أن ينقضي ... عاد به البيدق فرزانا

وقال يصف هرمي الجيزة

بعيشك هل أبصرت أعجب منظراً ... على طول ما أبصرت من هرمي مصر

أنافاً عناناً للسماء وأشرفا ... على الجو إشراف السماك أو النسر

وقد وفيا نشزاً من الأرض عالياً ... كأنهما نهدان قاما على صدر