مجلة البيان للبرقوقي/العدد 50/ملكة الورق

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 50/ملكة الورق

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 9 - 1919



للروائي الروسي الكبير اسكندر بوشكين

ترجمها للبيان الكاتب محمد السباعي

الفصل الأول

أقيمت حفلة قمار في منزل نارموف أحد ضباط فرسان الحرس، وكان ذلك في قلب الشتاء وقد تصرم الليل الطويل حتى إذا كانت الساعة الخامسة صباحاً جلس القوم على مائدة السحور فأقبل الفائزون على الطعام بشهية حادة، وجعل الخاسرون ينظرون إلى ألوان الخوان بعيون شاخصة ذاهلة، ثم جرت الكؤوس وفاضت المدام. فجرت معها جداول الأنس وفاضت ينابيع الكلام واشترك الكل في الحديث.

قال ربي البيت: كيف حالك يا سورين؟

هي على ما تعهد من الخسارة، إني سيء الحظ ولا محالة، / فإني أجيد اللعب وأكتم عواطفي وأربط جأشي ولا أجعل لشيء ما سبيلاً إلى إثارة خاطري وتهييج بالي وتراني بعد ذلك كله أخسر!.

قال أحد الجلوس وأشار إلى شاب مهندس: ما رأيك في هرمان؟ هذا الذي ما راهن ولا قامر قط ولا أمسك الورق بأصابعه. وتراه مع ذلك يسهر يرقب لعبنا إلى الفجر.

فأجاب هرمان: إني أجد في مراقبة اللاعبين لذة ولكني لا أستطيع تضحية الضروري أملاً في نيل الكمالي.

قال تومسكي: إن هرمان ألماني دأبه الاقتصاد ولكن إذا كان في الدنيا مخلوق لا أفهم حقيقته فذلك هو الكونتيس حنة فيدوروفنا - جدتي.

قال الضيوف: كيف ذلك؟

قال تومسكي: لا أفهم سبب امتناع جدتي عن المقامرة.

قال نارموف: لا عجب في ذلك وقد ناهزت جدتك الثمانين من عمرها.

لو كنت تعرف من أمرها ما أعرف لما قلت ذلك.

كلا لا أدري من أمرها شيئاً ي هذا الصدد فخبرنا.

إذن اسمعوا: إنه منذ ستين عاماً رحلت جدتي إلى باريز حيث أحدثت بفتنة جمالها رج وضجة. فكان الناس يجرون وراءها لاختلاس نظرة أو لمحة إلى الزهرة المسكوفية وكان ضمن عشاقها الوزير الأكبر الكاردينال ريشيليو فقد بلغ من حبه إياه أنه كان يجن بها شغفاً وأوشك من فرط جفائها وقسوتها أن يذبح نفسه. وكان النساء في ذلك الحين يقامرن. فخسرت جدتي في إحدى الليالي مبلغاً هائلاً للدوق دورليان، فلما عادت إلى دارها أخبرت جدي بخسارتها على مائدة الميسر وسألت دفع المبلغ. وكان المحوم جدي ينزل من زوجته الجبارة المتكبرة منزلة وكيل الدائرة من السيدة المطاعة الثرية. فكان يخشاها خشية السبع الضاري. والنار، والسيف البتار، ولكنه لما سمع بتلك الخسارة الفادحة خرج من سجيته وزايله عقله فأحصى خسائرها وأنبأها أنها قد بددت في ظرف ستة أشهر ما لا يقل عن نصف مليون فرنك وأن ضيعتيها العظيمتين - ضيعة موسلو وضيعة سارتوف ليسا كائنتين في باريز وأنه يرفض طلبها بتاتاً. فضربته جدتي على صماخ أذنه بجمع كفها ضربة قاسية ونامت بمعزل عنه تلك الليلة علامة على سخطها وغضبها. وفي الغداة استدعت زوجها وهي ترجو أن تكون تلك العقوبة المنزلية قد أثرت فيه وألانت من شكيمته ولكنها وجدته كأصعب ما كان جماحاً لا يبض حجره ولا تندى صفاته. فشرعت لأول مرة في حياته تناقشه الحساب وتجاذبه أهداب المجادلة والمحاجة وكان شأنها معه قبل ذلك أن تأمر فيطيع وتطلب فيجيب - فأخذت تباحثه وتحاجه وتقدم له العلل والأسباب والشروح والتفاسير أملاً في إقناعه بإفهامه أن الديون ليست كلها سواء ولا يصح أن ينظر إليها بنظر واحد ولا أن تنزل منزلة واحدة من الأهمية والخطورة، وأن هنالك فرقاً عظيماً بين الدائنين إذا كان أحدهما برنساً عظيماً وكان الثاني بقال الأسرة أو خياطها.

كل هذه المجهودات والمساعي ذهبت هدراً وضياعاً على صخرة عناده الصماء كما تتمزق أمواج الخضم على ساحله الحجري. ماذا تصنع جدتي لقد ضاق ذرعها واسود بياض النهار في بصرها. فأخذت تتأمل وتتدبر وتتلمس وجوه الرأي. والحاجة تفتق الحيلة فتذكرت رجلاً نبيلاً كانت عرفته آنفاً ولعلكم سمعتم برجل يدعى سان جرمان وكان يعرف بحدة الذكاء وقوة الشخصية والقدرة على إتيان الكثير من العجائب والخوارق. وكان يزعم أنه اليهودي التائه وأنه مستكشف أكسير الحياة وحجر الفيلسوف وهلم جرا. فكان بعضهم يراه دجالاً. وقال عن المؤرخ كازانوفا في مذكراته أنه كان جاسوساً ولكن مهما قيل عنه وبالرغم مما كان يكتنفه من هذه المزاعم المبهمة وما كان يلفه ويغشاه من ظلمة الخفاء والغموض فلقد كان رجلاً جذاب الحديث فتان المعاشرة محبوباً لدى أعلى الطبقات والدوائر. ولا تزال جدتي حتى الساعة تحمد عهده وتثني أحسن السناء على سالف عشرته وصحبته - وتثور على من يذكره بسوء وينتقص من قدره. وكانت جدتي تعلم أن سان جرمات لديه وفر عظيم ومال كثير - فعزمت على الالتجاء إليه وكتبت إليه تسأله الحضور إليها على عجل. فلم تك إلا هنيهة حتى مثل الشيخ المسن بين يديها فالفاها بأسوأ حال من الحزن والأسى.

فحدثته عن قسوة زوجها ووحشيته بأفظع عبارة وأشنعها وختمت كلامها بأنها قد توجهت إليك بكل آمالها وطرحت عليه ثقل حاجتها وأعباء همها شافعة غليه بما بينهما من صداقة ومودة.

فأطرق سان جرمان مالياً.

ثم رفع راسه فقال: إني لنادر أن أمدك بالمال الذي تطلبينه ولكني أعلم أنك لن تستريحي بعد ذلك أو ترديه إلي وما كنت لأوقعك في هم جديد. بيد إني أعرف وسيلة أخرى لإخراجك من هذه الورطة وهذه هي تمكيني إياك من استرداد خسارتك بواسطة اللعب!

قالت جدتي: ولكني لا أملك يا عزيزي الكونت من المال فتيلاً ولا قطميراً فكسيف أعاود اللعب؟.

فأجاب سنا جرمان: لا لزوم للمال. تفضلي علي بالإصغاء ببرهة.

ثم أفضى إليها بسر غريب يود كل منا لو يشتريه بجميع ما لديه من ثروة.

فبدت علامات الدهشة على وجوه الشبان الضباط الأربعة وأنعموا الإصغاء إلى الرجل بكل جوارحهم.

وهنا أشعل تومسكي متبغته وأخذ يرسل أنفاسها هنيهة ثم استأنف الحديث، قال: في عين هذا المساء ذهبت جدتي إلى فرساي للمقامرة. وافتتح الدوق دورليان اللعب فاعتذرت جدتي عن عدم دفع المبلغ ألطف اعتذار ثم شرعت تلعب ضده. فاختارت ثلاث أوراق فلعبتها واحدة أثر الأخرى فربحت الأوراق الثلاثة للتو واللحظة وبذلك استردت جدتي كل ما خسرته في الليلة السالفة.

قال أحد الضيوف: صدفة لا غير!

وقال هرمان: قصة ملفقة وحكاية مخترعة!

وقال ثالث: لعلها كانت أوراقاً معلمة!

قال تومسكي: بجد ووقار: ليس المر كما تزعمون.

قال ناروموف: عجباً لك! تقول ن لك جدة تعرف كيف تختار ثلاث أوراق فائزة على التوالي ولم تستطع للآن أن تستخرج هذا السر مها؟

قال تومسكي: هذا أصعب ما في الأمر وأشقه! لقد كان لها أربعة أولاد أحدهم والدي وكان كلهم مقامر متطرفاً ومع هذا فإنها لم تبح بالسر لأحد منهم على ما كان في ذلك من فائدة لهم ولي. ولكن عمي الكونت إيفان إليتش حدثني الحديث الآتي مؤكداً حالفاً بشرفه على صحته. وذلك أن المرحوم تشابلنسكي - ذلك الذي مات فقيراً بعد تبديه الملايين - خسر في صباه مرة ثلثمائة ألف روبل ربحها منه زوريتش على ما أذكر فطاش لبه حسرة ويأساً. فرثت له عمتي مع فرط قسوتها على المبذرين من الشبان فأعطته ثلاث أوراق وأمرته أن يلعبها على التوالي وأخذت عليه عهد الله وميثاقه أن لا يعاود لعب الورق بعد ذلك ما عاش. فمضى تشابلتسكي إلى خصمه الظافر واستأنفا اللعب فأخطر على الورقة الأولى خمسين ألف روبيل فربحها على الفور. ثم ضاعف المبلغ فربح م استمر على نفس الخطة فاسترد فوق ما كان خسر. .

ولكن قد آن لنا أن ننصرف فالساعة الآن ست ونصف.

الفصل الثاني

كانت الكونتيس العجوز - جالسة في غرفة التواليت أمام مرآتها يكتنفها ثلاث وصائف إحداهن تحمل علبة الأحمر والثانية علبة المداري (دبابيس الشعر) والثالثة تمسك قبعة مستطيلة ذات أهداب وأشرط حمراء زاهية. وكانت الكونتيس قد فقدت كل أثر للجمال وتخلت عن كل ادعاء للملاحة ولكن لم تتخل مع ذلك عن عادات الصبا فكانت تتبع في شأن اللباس الزي الذي كان مألوفاً منذ سبعين عاماً.

وتنفق في مهمة التزيين والتجمل من الوقت والمجهود مثلما كانت تنفق منذ ستين حجة. وكانت تجلس قرب النافذة سيدة صغيرة تشتغل على منسج تطريز.

ودخل الغرفة ضابط صغير فقال مسلماً: صباح الخير يا جدتي صباح سعيد أيتها الآنسة ليزا إن لي عندك حاجة يا جدتي.

وما هي يا بول؟

إني أستأذنك في تقديمي إليك أحد أصحابي وفي التصريح لي بإحضاره المرقص ليلة الجمعة.

أحضره المرقص مباشرة وقدمه إلي هنالك. هل كنت عند ب، أمس؟

نعم وقد جرى كل شيء على أحسن منهج من الأنس والصفاء ودام الرقص إلى الساعة الخامسة صباحاً. وما كان أجمل الفتاة إيليتسكايا وأملحها.

وماذا لها من الجمال يا عزيزي وأين منها الملاحة؟ أليست هيب كجدتها البرنسيس داريا بتروفنا حذوك النعل بالنعل؟ أظن البرنسيس وجاورت ربها منذ سبعة أعوام.

هنا رفعا السيدة الصغيرة رأسها وأشارت إلى الضابط إشارة خفية فتذكر إذ ذاك أن لا يجوز مطلقاً إخبار الكونتيس بوفاة أي واحدة من لداتها وأترابها فعض على إصبعه ندماً. بيد أن الكونتيس لم تبد أدنى اكثرات لهذا النبأ.

ماتت ولم أخبر بذلك، لقد عينا وصيفتين في بلاط القيصر في يوم واحد ولما عرضنا على القيصرة. . .

وهنا أخذت الكونتيس تقص للمرة التالية للألف على مسمع حفيديها إحدى نوادر صباها.

ولما أكملت القصة قالت: ادن مني يا بول خذ بيدي فأنهضني من مجلسي ليزانكا! إن علبة السعوط؟

ثم توارت الكونتيس هي ووصائفها الثلاث خلف ستار لإتمام شعائر التواليت وبقي تومسكي وحده مع الآنسة.

قالت ليزافيتا إيفانوفنا همساً: من هو ذاك الذي تريد أن تقدمه للكونتيس؟

ناروموف، أتعريفينه؟

كلا، هل هو جندي أو ملكي؟

جندي.

هل هو في فرقة المهندسين؟ كلا بل في فرقة الفرسان وما الذي حملك على الظن بأنه في فرقة المهندسين؟.

فابتسمت الآنسة ولكنها لم تحر جواباً.

وهنا صاحت الكونتيس من وراء الستار: بول ابعث لي برواية جديدة بشرط أن لا تكون من طراز الجيل الحاضر.

ماذا تعنين بذلك؟

أعني بذلك رواية لا يرتكب فيها البطل قتل أبيه أو أمه ولا يرى فيها غريق فإني لترتعد فرائصي من جثث الغرقى.

أمثال هذه الروايات لا تظهر في هذا العصر. أتريدين رواية روسية؟

أتوجد روايات روسية؟ إذا فابعث لي بواحدة يا عزيزي ابعث لي بواحدة.

وداعاً يا جدتي. إني على عجل وداعاً يا ليزافيتا إيفانوفنا وما الذي حملك على الظن بأن ناروموف من فرقة المهندسين؟

ثم انطلق تومسكي.

وبقيت ليزافيتا وحدها في الغرفة. فألقت نسيجها وشرعت تطل من النافذة فلم تك إلا بضع دقائق حتى ظهر أمام بيت في ركن الشارع على الجانب المقابل للنافذة فتى ضابط فاحمر وجه الفتاة خفراً فتناولت نسيجها ثانياً وأكبت على المنسج وفي هذه اللحظة عادت الكونتيس مستكملة اللباس حافلة بالزينة.

قالت الكونتيس: مري الخدم بإعداد المركبة يا ليزافيتا، سنخرج للنزهة.

فنهضت ليزافيتا عن المنسج وشرعت ترتب نسيجها.

ما خطبك يا بنيتي أبك صمم؟ مري بتجهزي المركبة في الحال.

فقالت الفتاة سأفعل فوراً ثم أسرعت إلى ردهة الغرفة.

وهنا دخل أحد الخدم وقدم للكونتيس بضعة كتب من البرنس بول أليكسدروفيتش.

قالت الكونتيس: بلغه عني مزيد الشكر والثناء، ليزافيتا! ليزافيتا! إلى أين تجرين؟

إني ذاهبة لألبس ثيابي.

إن لديك منفسحاً من الوقت يا بنيت، اجلسي ههنا افتحي المجلد الأول واقرأي لي.

فتناولت الفتاة الكتاب وقرأت بضعة أسطر.

قالت الكونتيس: ارفعي صوتك ما خطبك يا بنية؟ هل فقدت صوتك؟ رويدك قربي مني هذا المسند القدمي، أدنيه قليلاً، كفى، كفى.

ارمي الكتاب يا ليزافيتا، أي هذر وهذيان، رديه إلى البرنس مع الشكر الجزيل. . ولكن أين المركبة؟.

قالت الآنسة وأطلت في الشارع المركبة مستعدة، كيف بقيت بلا لبس حتى الآ،؟ هذا دأبك لا تزالين تجشميني مشقة انتظارك. هذا ما لا يطاق ولا يحتمل يا عزيزتي.

فأسرعت ليزا إلى غرفتها ولم يمض عليها هنالك دقيقتان حتى شرعت الكونتيس تدق الجرس بأقصى قواها فتبادر الوصائف الثلاث مسرعات إليها من باب وهجم الخادم من الباب الآخر.

فصاحت الكونتيس مغضبة: عجباً لكن! لا تجبن لي دعاء قط كلما ناديتكن خبرن ليزافيتا إيفانوفنا أني في انتظارها.

وهنا عادت ليزافيتا لابسة برنسها وقبعتها.

قالت الكونتيسة: لقد طالت غيبتك يا ليزافيتا ولكن لماذا كل هذا التأنق في اللبس وهذا التبرج؟ ومن يا ترى تريدين اقتناصه بحبائل زينتك وفتنتك؟ وماذا ترين حالة الجو الآن، إنه ليوم ريبح.

قال الخادم: كلا يا مولاتي الجو هادئ ساكن.

إنك لا تدري ما تقول، افتح النافذة، ألا تحس الريح والبرد؟ جرد الخيل من العدة واللجم. لا داعي للخروج يا ليزافيتا. ولم تكوني بحاجة إلى كل هذا التزين والتبرج.

فقالت ليزافيتا في نفسها: ما هذا العذاب الأليم! ويلي من هذه العيشة ثم ويلي.

والواقع أن ليزافيتا كانت في شقوة وبلاء لقد قال شاعر إيطاليا المخلد (دانتي): ما أمر خبز الأجنبي وما أوعر سلعه. ولكن أي مخلوق أعرف بمرارة الاحتياج من الفتاة الشقية المقضي عليها بمرافقة عجوز غنية! نحن لا نقول أن الكونتيس كانت فظة غليظة القلب ولكنها كانت سريعة التقلب والتلون جمة الحالات والأهواء شأن المرأة التي تبطرها النعمة ويفسدها تملق الأتباع وتزلف المتقربين. فضلاً عما جبلت عليه من الطمع والأنانية، فهي في ذلك كسائر العجائز اللائي قد مر بهن أطيب عيشهن وأرغد أيامهن، فنفوسهن تذهب حسرات في أثر شبابهن وأفكارهن لا تزال مع الماضي وليس لديهن أدنى عطف على الجيل الحاضر أو ميل إليه ومجاملة له. وكانت الكونتيس مع ذلك تنغمس في لجة الحياة الأرستوقراطية العالية وتركض في ميادين لذاتها وشهواتها وتمعن في أودية غرورها وباطلها - تشهد حفلات الغناء والموسيقى وتحضر المراقص وتشهد الملاعب والملاهي وتجلس إلى موائد المقامرة فتنتبذ في هذه المحافل ناحية من القوم بزاوية من المكان حيث تقعد مدهونة بألوانها وأصباغها مزملة في ثيابها مكللة بحليها العتيقة الطراز القديمة الزي كأنها حلية من حلي البيت وزخرف من زخارفه ولكنها حلية قديمة قبيحة وزخرف عتيق ممقوت عدمه خير من وجوده.

فكلما دخل ضيف تقدم إليها فحياها بانحنائة شديدة عملاً بآداب المجاملة وجرياً على الأصول المتبعة والتقاليد الموروثة، ثم لا تجد بعد ذلك أحد يعيرها أدنى التفاتة وكانت تقيم الحفلات في دارها فتستقبل أهل البلاد كافة وترعى في ملاقاتهم كل آداب الملاطفة والحفاوة وإن كانت قد أصبحت لا تعرف وجوه الزوار والضيوف ولا تذكر واحداً منها.

وكان لديها عدد كبير من الخدم يجلسون كسالى في ردهة غرفتها وفي غرفة الخدام يزجون الوقت بالثؤباء والمطواء ويصنعون ما يشاؤون ويزدادون على مر الأيام ضخامة وسمناً ويتبارون ويتنافسون في سرقة الكونتيس العجوز بكل جرأة وقحة.

أما ليزافيتا فكانت صحية البيت وشهيدة حوادثه ووقائعه فإذا صنعت الشاي اتهمت بالإكثار من السكر وليمت في ذلك. وإذا كلفت بقراءة الروايات للكونتيس أخذت بهفوات المؤلف وسقطاته. وإذا صحبت الكونتيس في غدوانها وروحاتها ألقيت عليها مسؤولية سوء الجو أو رداءة الطريق. وكان لوظيفتها في خدمة الكونتيس مرتب ولكن كانت تقبض مع تكليف الكونتيس إياه أن تلبس من الثياب ما يلبسه خاصة النساء أعني القلائل منهن.

أما في الحفلات والمجتمعات فكانت تمثل أحزن الأدوار وأشقاها فكان يعرفها كل إنسان ولا يكترق لها أي إنسان وفي المراقص كانت لا ترقص إلا إذا اشتدت الحاجة إلى شريك. وكانت النساء لا يمسكن بذراعها إلا إذا احتجنها لحراسة ثيابهن. وكانت ليزافيتا رقيقة الشعور فكانت تتوجع لسقوط منزلتها وتحس لذلك أشد المضض. كل هذا جعلها تتلهف على من ينقذها من هذه العيشة الأليمة وتتلدد حائرة تلتمس بعينها الحزينة مخلصاً لها من هذا الكرب والضيق. ولكن الشبان والفتيان كانوا يطمحون إلى المثريات من العذارى ويشرئبون إلى ربات الأنساب والأحساب فكانوا يزوون بوجوههم عن ليزافيتا إيفانوفنا مع أنها كانت أجمل ألف مرة ممن كانوا يتهافتون عليهن من الفتيات العاطلات الوجوه من المحاسن والقلوب من العواطف.

وكم من مرة انسلت ليزافيتا المسكينة من المرقص الحافل المزدحم لتخلو بنفسها ولتبكي شجوها في غرفتها الضيقة الحقيرة التي كان جل أثاثها صندوق ومرآة وسرير وشمعة صغيرة ضعيفة اللهب ضئيلة الشعاع.

في ذات صباح: كان ذلك بعد الحفلة الموصوفة في أول هذه القصة بيومين وقبل المنظر الذي فرغنا من وصفه آنفاً بأسبوع - كانت ليزافيتا إيفانوفنا جالسة إلى النافذة تطرز على منسجها فحانت منها التفاتة إلى الطريق فوقع بصرها على فتى من فرقة الضباط المهندسين واقفاً لا يبدي حراكاً يدمن النظر إلى نافذتها فنكست رأسها واستأنفت عملها.

وبعد خمس دقائق أطلت ثانياً من النافذة فإذا بالفتى الضابط لا يزال ثابتاً مكانه. ولما لم يكن من شأنها مغازلة الضباط المارين تحت نافذتها أقلعت عن الإطلال على الشارع واستمرت في عملها ساعتين كاملتين دون أن ترفع رأسها، ثم دق جرس الغداء، فقامت وأخذت تطوي نسيجها ثم حانت منها التفاتة إلى الطريق عفواً فإذا بالضابط لم يبرح مكانه فاشتد عجبها من ذلك. وبعد الغداء عادت إلى النافذة وبها شيء من القلق والاضطراب ولكنها لم تجد للضابط أثراً فصرفت شبحه من ذهنها وتناسته فنسيته.

فلما كانت بعد هذه الحادثة بيومين تهم بالجلوس في المركبة مع الكونتيس أبصرت ذلك الضابط ثانياً وكان واقفاً خلف باب المركبة ساتراً نصف وجهه بياقته الفروية ولكن عينيه البراقتين كانتا تتوقدان تحت حافة قبعته فأوجست خيفة ليزافيتا على أنها لم تدر على ذلك الخوف وأخذت مجلسها من المركبة والرعب يرجف أوصالها.

ولما عادت إلى البيت أسرعت إلى النافذة فإذا الضابط واقف في مكانه المعتاد يديم النظر إليها فارتدت منقبضة واستولت عليها الحيرة والدهشة وتملكها نوع غريب من الشعور لم تفقه له معنى.

ومن ثم فصاعداً لم يمض يوم إلا ظهر ذلك الضابط تحت النافذة في الساعة المعهودة فنشأ بينهما نوع من الصحبة الصامتة والمعرفة الخرساء. فكانت في أثناء جلوسها إلى منسجها تحس دنوه وتشعر باقترابه ثم ترفع رأسها فتنظر إليه وتزداد نظراتها طولاً على ممر الأيام، وكأنما الفتى كان يستأنس بذلك ويرتاح له وكأن عينيه كانتا تنمان عن شكره لها تلك النعمة الجليلة. فكانت ترى بعين الشباب السريعة اللمح الثاقبة النظر تلك الاحمرارة الفجائية التي كانت تصبغ خده الشاحب كلما تلاقت ألحاظهما، وبعد مضي أسبوع بدأت تبتسم إليه. .

لما استأذن تومسكي من جدته في تقديمه إليها أحد أصحابه أخذ قلب الفتاة يخفق بشدة فلما علمت أن ناروموف ليس من فرقة المهندسين تندمت على إفشائها جانباً من سرها إلى تومسكي النزق الخفيف بإلقائها عليه ذلك السؤال.

كان هرمان إبناً لرجل ألماني استوطن روسيا وتجنس بالجنسية الروسية. وكان قد ورث عن أبيه رأس مال صغير. ولصحة اعتقاده بوجوب المحافظة على استقلاله الشخصي واستغنائه عما في أيدي الغير أمسك كل الإمساك عن مساس إيراده الخاص واكتفى بإنفاق مرتبه منصرفاً عن كل أسباب النعيم والترف. وكان فوق ذلك كبير الهمة بعيد المطامح محتشماً وقوراً، وكان لكثرة صمته واحتجازه لا يترك لجلسائه ورفاقه مجالاً للتهكم على بخله وشحه. وكان حاد الشهوات ملتهب الخيال ولكن كان له من القوة والعزم والحزم أمنع وقاية من ارتكاب هفوات الشباب المعتادة فمع فرط ميله للمقامرة لم يمس ورق اللعب طول عمره لأنه كان يرى أن حالته المالية لا تسمح له (على قوله) بتضحيته الضروري أملاً في اكتساب الكمالي ومع ذلك فلقد كان يجلس الليالي الطوال المتولية على مائدة القمار بقلب خفاق يتتبع تقلبات حظوظ اللاعبين وتطورات اللعب.

وكانت قصة الورقات الثلاث قد أحدثت أثراً شديداً في نفسه وأشعلت خياله فجعل يسهر الليل الطويل لا يفكر في سوى ذلك. فقال في نفسه في الليلة التالية وهو يتمشى في شوارع بطرسبرغ: أما لو باحت لي الكونتيس العجوز بسرها العظيم! أما لو خبرتني أسماء الورقات الثلاث الرابحة! لأقدمت على اللعب وارتقبت طالع سعدي.

نعم لا بد لي من التعرف بها والازدلاف إليها لنيل حظوتها - ولو قضت علي الضرورة مغازلتها والتشبيب بمقابحها ومساويء خلقها. . ولكن ذلك يحتاج وقتاً طويلاً والمرأة قد أربت على الثمانين فلا يبعد أن تموت في ظرف أسبوع بل في ظرف ساعات. . كلا! إنما الورقات الثلاث الرابحة ليست سوى الاقتصاد والاعتدال والجد. هذه هي أوراقي الثلاث، فبها أضعاف رأس مالي وأزيد عليه سبعة أمثالي وأنال الخفض والرخاء والسعادة.

وكذلك استرسل هرمان في هذه الخواطر وهو يجوب طرقات المدينة حتى انتهى إلى أحد شوارعها الكبار وأبصر أمامه منزلاً عتيق الطراز واسع الأرجاء وكان الشارع غاصاً بالمركبات الفاخرة وكلها يتجه عند باب تلك الدار المزدان بوهاج المصابيح فتارة ينزل من تلك المركبات إلى أرض الطريق قدم لطيفة لكاعب حسناء وتارة حذاء ثقيل لضابط من الفرسان وأخرى جورب حريري وحذاء رقيق لأحد أعضاء العالم السياسي. وكذلك جعلت الفراء الناعمة والبرانس اللينة معاً تتوالى في نظام متصل مارة إلى ساحة الدار أمام بوابها الضخم الجسيم.

فوقف هرمان وسأل الخفير القائم في زاوية الطريق: من صاحب هذه الدار؟

فأجاب الخير: الكونتيس أـ

فشخص الفتى في الفضاء وتذكر مرة أخرى نبأ الورقات الثلاث المدهش العجيب. ثم أقبل يخطر جيئة وذهاباً أمام الدار يفكر في صاحبته وسرها الغريب.

ولما عاد إلى مثواه وأراد النوم انتابه الرق والسهاد مدة طويلة فلما هوم للنعاس تراءت له في المنام مائدة القمار وعليها أوراق اللعب وأكداس الذهب والفضة والبنكنوت وأُري أنه يعلب ورقة أثر أخرى كلها رابح وأنه يصيب العسجد واللجين والبنكنوت في جيوبه صباً حتى تطفح بهذه النفائس.

ولما استيقظ في الصباح أخذ يتنفس الصعداء على ما قد خسر من تلك الثروة الخيالية. ثم غادر مثواه وانطلق في شوارع المدينة حتى أبصر نفسه كرة أخرى أمام قصر الكونتيس وكأنما اجتذبته إلى هنالك قوة خفية مجهولة. فوقف ونظر إلى النوافذ فلمحت عينه في إحداها رأساً تزينه لمة جثلة سوداء وهو منكس يحنو فوق شيء لعله كتاب أو منسج تطريز.

ثم رفع الرأس فرأى هرمان وجهاً ذا نضرة ونعمة تتألق في صفحته المصقولة عينان سوداوان.

في هذه اللحظة جرى عليه القدر المحتوم ونفذ فيه حكم القضاء.

الفصل الثالث

لم تكد ليزافيتا ليفانوفنا تخلع ردائها حتى استدعتها الكونتيس ثانياً وأمرتها ثانياً أن تكلف الخدم بتجهيز المركبة. فوقفت المركبة حيال الباب وتهيأت الكونتيس ووصيفتها للركوب.

في هذه اللحظة بينما كانت السيدة العجوز تحاول الركوب ويعينها على ذلك خادمان سمينان أبصرت ليزافيتا ضابطها عند العجلة فقبض على يدها فأطاش الفزع عقلها وأطار لبها. ثم اختفى الفتى وقد ترك بين أصابعها رقعة صغيرة فأخفتها في قفازها. وبقيت مدة سير المركبة لا تبصر ولا تسمع وكان من دأب الكونتيس إذا ركبت أن لا تزال تضجر رفيقتها بأمثال هذه الأسئلة:

من ذا الذي مر بنا آنفاً؟

ما اسم هذا الكوبري؟

ما هذه الكتابة المنقوشة على تلك اللوحة؟

ففي هذه المرة جعلت الفتاة تجيب على هذه الأسئلة بأجوبة مبهمة سخيفة خارجة عن الموضوع مما أحرج صدر الكونتيسة وأثار غضبها.

فصاحت قائلة: ما خطبك يا فتاة وماذا دهاك؟

هل زايلك عقلك أو ماذا؟ ألا تسمعين ألا تعين ألا تفهمين ما أقول؟

الحمد لله لا يزال عقلي بخير وكلامي واضحاً بيناً!

ولكن ليزافينا إيفانوفنا لم تسمع توبيخها هذا. ولما عادت إلى القصر أسرعت إلى غرفتها وأخرجت الرقعة من قفازها ولم تكن مختومة فقرأتها وكان فيها تصريح بالحب وكانت مكتوبة بلهجة رقيقة مؤدبة محتشمة وكانت مكتوبة حرفاً بحرف من رواية ألمانية. ولكن ليزافيتا لم يكن لها أدنى إلمام بالأدب الألماني فلم يخالجها أدنى شك في أن الرسالة من فيض إحساس ذلك العاشق الجديد ومن بنات أفكاره فسرت بها كل السرور وطربت لحلاوة ألفاظها وسحر بيانها أيما طرب.

ومع كل هذا فقد كان ابتهاجها يشوبه مزاج من القلق والارتباك. وذلك أنها كانت لأول مرة في حياتها ترتبط مع شاب صغير بعلائق سريبة خصوصية وقد كان في شدة جرأة الفتى ما راعها وأرهبها. فعنفت نفسها على طيشها وتهورها ولم تدر ماذا تصنع أتمتنع عن الجلوس عند النافذة فتقف الفتى عند حده بهذا الصدود والانصراف؟

أترد عليه رسالته أم تجيبه عليها جواباً فاتراً أصلاً.؟ إلا أنها لتفتش حولها على مخلوق تبثه همها وتعرض عليه حالها من القلق والحيرة فلا تجد لها من صديق ولا رفيق ولا معين ولا نصير ولا مرشد ولا مشير فأصرت أخيراً على إجابته.

فجلست إلى مكتبها الصغير وتناولت قلماً وقرطاساً وشرعت تفكر، فبدأت الرسالة عدة مرات ثم مزقتها، إذ بدا لها أن أسلوب تعبيرها كان تارة يطمع ويستميل للينه ورقته وتارة يؤذي ويجرح لجفائه وقسوته. وأخيراً استطاعت أن تسطر بعض كلمات رضيتها وارتاحت لها وهي:

لا شك عندي أن غرضك نبيل وغايتك شريفة، وإنك لا تريد أن تسوءني بأدنى ما يحرج مركزي أو يضير سمعتي، ولكن لا أرضى أن تكون فاتحة تعارفنا بهذا الأسلوب الذي تسلك.

وأرجو أن لا أرى اليوم الذي أندم فيه على ما ألقاك به الساعة من هذا الإهمال والصدود الذي لم تستحقه مني.

ولما ظهر هرمان في اليوم التالي بموقفه المعهود قامت لزيافيتا عن منسجها فمضت إلى غرفة الاستقبال ففتحت نافذتها وألقت الرسالة في الطريق واثقة أن الفتى عنده من الفطنة وسرعة الإدراك ما يبعثه على التقاطها.

فأسرع هرمان إلى الرقعة فالتقطها ثم أوى إلى حانوت حلوى ففض الطرف فألفى فيه رسالته وجواب ليزافيتا وكان يتوقع ذلك فعاد على منزله وذهنه مشغول بما بدير من الدسيسة.

وبعد مشي ثلاثة أيام على ذلك جاءت صبية مشرقة العينين صانعة في حانوت ملابس إلى ليزافيتا برسالة. ففضتها ليزافيتا بيد مضطربة قلقه وهي تخشى أن تكون من صاحب دين يطالب ببقية حسابه ولكنها لم تلبث أن عرفت فيها خط هرمان.

فقالت للصبية: لقد أخطأت غرضك يا عزيزتي هذه الرقعة ليست لي.

فأجابت الفتاة مبتسمة ابتسامة معنوية: بل إنها لك يا سيدتي تفضلي بقراءتها.

فنظرت ليزافيتا في الرقعة فعلمت أن هرمان يلتمس لقاءها.

فصاحت وقد راعها قحة هذا المطلب وأسلوبه: أنا واثقة أن هذه الرسالة ليست لي.

ثم أنها مزقت الرقعة شذر مذر.

فقالت الصبية: إذا كانت ليست لك فلم مزقتها، لقد كان ينبغي لي أن أردها إلى صاحبها.

فارتبكت ليزافيتا لهذه الملاحظة وقالت: أرجوك يا عزيزتي أن لا تأتيني بأية رسالة أخرى بعد الساعة وخبري مرسلك أن هذا عار عليه.

ولكن هرمان لم يكن بالرجل الذي تصده مثل هذه الصدمة فكان لا يمر يوم إلا تأتيها منه رسالة وكان يتفنن ما شاء في رسالاته المتولية في أساليب الاستمالة والاستهواء وكان لا يترجم هذه الرسائل من القصص الألمانية كما صنع في الرسالة الأولى بل كان يكتبها تحت تأثير سورة الطمع الملتهب بلغة عواطفه ووجدانه فكانت تنم عن صرامة عزمه وصلابة إرادته وتشف عن اضطرابات خياله الجامح الشرود الذي لا ترده شكيمة ولا يثنيه عنان.

فضعفت إرادة الفتاة أمام هذه القوة الهائلة فأذعنت واستكانت ولم تعد تقوى على رد تلك الرسائل إلى صاحبها كما فعلت بالأولى. بل على عكس ذلك كانت تجد لكلمات الفتى حلاوة في قلبها وروحاً على كبدها ونشوة تميل لها وتترنح كالشارب الثمل من حميا الراح والغصن الرطيب في اليوم الراح. وبدأت تجيبه على كتبه ورسائله وكانت أجوبتها إليه تزداد على مر الأيام إسهاباً وإطناباً ورقة وغزلاً وأخيراً ألقي إلهي من النافذة الرسالة الآتية:

في هذه الليلة تقام حفلة رقص في دار السفارة تحضرها الكونتيس وسأبقى معها هنالك حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، فهذه فرصة لالتقائنا في خلوة. والمرجح أنه متى خرجت الكونتيس انطلق الخدم كل في شأنه فلا يبقى إلا البواب وهذا من دأبه النعاس متى ترك وشأنه.

فاطرق الدار الساعة الثانية عشرة فاصعد السلم فإذا عثر بك أحد في الردهة فسل عن الكونتيس هل هي بالدار فستخبر كلا وإذ ذاك ليس أمامك إلا الرجوع من حيث أتيت ولكن الأرجح أنك لن تصادف أحداً. وستكون الوصائف كلهن مجتمعات في غرفة واحدة فإذا غادرت الردهة فانعطف يسرة ثم سر قدماً حتى تبلغ مرقد الكونتيس ففيها تجد حاجزاً خلفه بابان. فالأيمن منهما يفضي إلى مقصورة لا تدخلها الكونتيس أبداً. والأيسر يفي إلى دهليز في أقصاه سلم متعرج - هذا السلم يؤدي إلى غرفتي.

فبقي هرمان ينتفض كالنمر أثناء انتظاره الموعد المضروب ولما جاءت الساعة العاشرة كان واقفاً حيال قصر الكونتيس وكان الجو فظيعاً إذ كانت الريح تعصف هوجاء مجنونة والجليد يتساقط صفائح عراضاً. وضوء المصابيح متضائل والشوارع قفرة خاوية ولكن هرمان كان ملتفاً في عباءة كثيفة لا يحس ريحاً ولا جليداً.

وأخيراً ظهرت مركبة الكونتيس وأبصر هرمان خادمين سميني يحملان شخص الكونتيس المحدودب المقوس ملفوفاً في الفرو الأسود وخلفها ليزافيتا في ملاءة دافئة د زينت رأسها بباقة نضرة من الزهر ثم أغلق باب المركبة وانحدرت على الثلج اللين وأغلق باب القصر وأظلمت النوافذ.

وجعلهرمان يقبل في الطريق ويدبر ويحوم حول القصر المهجور ثم وقف تحت مصباح ونظر في ساعته فألفاها اثنتي عشرة إلا عشر دقائق. فبقي ثابتاً مكانه تحت المصباح ينظر في الساعة بفارغ الصبر انقضاء الدقائق الباقية.

فلما كانت الساعة الثانية عشرة بالضبط صعد هرمان سدة الباب ودخل الساحة المشرقة بالمصابيح الوهاجة فلم يجد للبواب أثراً فأسرع هرمان مصعداً في السلم وفتح باب الردهة فألفى بها خادماً نائماً في كرسييه إلى جنب مصباح فاجتازه هرمان بقدم خفيفة ثابتة.

وكانت غرفة الجلوس في ظلام إلا شعاعاً ضئيلاً كان يتسرب إليهما من مصباح الردهة.

بلغ هرمان مرقد الكونتيسة فألفى في إحدى زواياه مزاراً مملوءاً بدمى وتماثيل للقديسين والقديسات وأرائك عليها الوسائد والحشايا اللدنة الناعمة وهي منضودة في نظام محكم قد نصلت أصباغها لطول القدم ولاحت عليها معاني الوحشة والكآبة وكانت الجدران مغشاة بأثواب من حرير الصين. وعلى أحد جانبي الحجرة كان يتدلى صورتان رسمتهما في باريز المصورة الشهيرة ليبران. إحداهما صورة رجل بادن ضخم أشقر اللون يناهز الأربعين في حلة عسكرية خضراء ناضرة على صدره نجمة.

الثانية صورة امرأة صغيرة ذات أنف أشم يزين جبينها طرة مصفوفة ويحلى شعرها وردة حمراء. وفي أركانالحجرة وزواياها تماثيل رعاة من الصيني وساعات موائد من عمل الصانع المشهور ليفتروي وصناديق حلي ومراوح غير ذلك من اصناف اللعب والطرف والزخارف مما كان يألفه النساء في أواخر القرن السالف يوم جن الناس ولوعاً ببلونات (مونتجولفيير) ومغناطيسية مسمر فوقف هرمان خلف الحاجز فألفى لدى ظهره سريراً منالحديد وعلى يمينه الباب المفضي إلى المقصورة. وعلى يساره الباب المؤدي إلى الدهليز ففتح الثاني فأبصر السلم المتعرج المنتهي إلى حجرة الوصيفة المسكينة. . ولكنه كر راجعاً فدخل المقصورة المظلمة.

مر الوقت بطيئاً وكان السكون سائداً ودقت الساعة واحدة فرن صداها في أرجاء الحجرة ثم عادا السكون ولبث واقفاً مرتكزاً على رف الموقد الخامد. وكان رابط الجأش يدق قلبه دقات منتظمة مطردة دأب الرجل الذي يكون قد عزم على أمر هائل خطر ولكنه محتوم لا مرد عنه ولا مناص منه. ثم دقت الساعة نصفاً بعد الواحدة ثم اثنتين بعد منتصف الليل. فبلغ أذنيه من أقصى مسافة دقدقة الحوافر وجلجلة العجلات من مركبة الكونتيس العائدة وهنا اعترته هزة شديدة ورجفة عنيفة. وتقدمت المركبة ثم وقف فسمع صوت سلم المركبة وهو يدلى، وإذا بالخدام والوصائف وسائر أهل القصر كلهم في هرج ومرج. فكان الخدام يتسارعون ويتسابقون في كل مكان. وقد امتلأ فراغ القصر جلبة ولجباً وأشعلت الغرف وتألقت أنوارها. ودخل مرقد الكونتيس ثلاثة وصائف عجائز وعلى أثرهن الكونتيس ذاتها وقد نهكها التعب وأعياها النصب فتهالكت على كرسي من طراز فولتير.

وقد أشرفت على الهلاك وكأن إحدى قدميها في القصر والأخرى في القبر فهي أحق أن تسمى ميتة من أن تعد مع الأحياء فنظر هرمان خلال شق في الحاجز وإذا بليزافيتا تمر به كثب وإذا به يسمع وقع قدميها السريعتين أثناء صعودها السلم الحلزوني.

فأحس لحظة من الوقت بما يشبه وخز المضير ولذعة الندم ولكنه كان إحساساً طياراً كلمحة البرق ثم عاد قلبه إلى سيرته الأولى من التحجر.

أخذت الكونتيس تخلع ثيابها أمام مرآتها فنضت قبعتها المكللة بالأزهار ثم نزعت قنزعتها المذرور عليها المسحوق عن شعرها الأشيب المجزور وتساقطت حولها المداري ودبابيس العشر كالأمطار الغزيرة وسقطت حلتها الحريرية المزركشة الصفراء على قدميها الوارمتين.

وكان هرمان يطلع على هذه الخفايا المنكرة والخبايا الممقوتة من أسرار (تواليت) الكونتيس.

وأخيراً بدت العجوز في (طرطور) النوم وجلبابه - فكانت في هذا الزي الذي هو أشبه بسنها وأليق بشخصها أقل قبحاً وأخف بشاعة منها في الحلة الفاخرة والحلي الباهرة.

كانت الكونتيس كسائر العجائز مصابة بالأرق. فلما نضت ثيابها جلست على النافذة على كرسي من طراز فولتير وصرفت الوصائف ثم أخرجت الشموع وتركت الحجرة وليس بها من وسائل الإضاءة إلا قنديل واحد كما كانت قبل فلبثت الكونتيس جالسة بمكانها مصفرة الوجه والبشرة كأنما غمست في كركم تحرك شفتيها المسترخيتين وتترجح يمنة ويسرة.

وكانت عيناها الثقيلتان الكليلتان البليدتان تنم عم عزوب العقل والتدله، ويخيل إلى الناظر أن حركة اهتزاز جثتها ليست حركة اختيارية منها ولكنها ناشئة عن فعل آلة كهربائية مخبوءة في جوفها.

ولكن وجهها الميت تنكر بغتة وتبدل هيئة مدهشة فوقفت حركة ارتعاش الشفتين وفاضت الحياة في العينين، ماذا جرى؟ إن أمام الكونتيس يقف رجل غريب مجهول.

وقال بصوت خفيض واضح: لا تخافي! سألتك بالله لا تخافي! ما كنت أنالك بأدنى مضرة ولا نويت لك قط شراً. إنما جئت لأسألك حاجة.

فنظرت العجوز في صمت كأنما لم تع ما قال. وظن هرمان أن بها صمماً فأدنى فاه من أذنها وأعاد ما قاله أولاً فاستمرت العجوز على سكوتها.

وقال هرمان: إن في يديك ترفيه عيشي وإسعاد حياتي ثم لا نفقة ولا مؤونة عليك في ذلك، وإني لأعرف أنك تستطيعين تسمية ثلاث ورقات من ورق اللعب. . .

وهنا سكت هرمان إذ بدا له أن الكونتيس بدأت تفهم كلامه، وكأنها تعالج نفسها على تهيئة جواب لكلامه.

فقالت بعد الجهد الطويل: لم يكن ذلك إلا أمزوحة ودعابة. وإني أؤكد لك أنها لم تكن سوى أمزوحة.

فأجا بهرمان مغضباً: لا مزاح في الأمر اذكري تشايلنسكي الذي فرجت كربته ونفست غمته وأعنته على استرداد خسائره.

فاشتد قلق الكونتيس وحيرتها وبدا في أسارير وجهها آيات الغم والكرب ثم تماسكت واستعادت ثباتها ورزانتها.

وقال هرمان: ألا تستطيعين تسمية هذه الورقات الثلاث؟

فاستمرت العجوز في سكوتها وقال هرمان:

لمن تدخرين هذا السر؟ لأحفادك؟

إنهم ليسو بحاجة إذ هم أغنياء من دونه ثم هم لا يعرفون للمال قيمة فورقاتك لا فائدة فيها ولا ثمرة للمبدد المبذر لأن الرجل الذي لا يستطيع صيانة تراث أبيه يعجز عن صون ما عداه من مال طريف ومتاع مستحدث ومثل هذا لا يموت إلا فقيراً ولو كان رهن إشارته وطوع بنانه جن سليمان يأتونه ما يشاء ويبغي ولكني لست من تلك الفئة وذلك القبيل إذ كنت أعرف قيمة المال فأوراقك الثلاث لن تذهب على سدى ولن تطيح معي جباراً فدعك من هذا الكتمان وبوحي لي بأسمائها.

ثم سكت ولبث ينتظر رجع جوابها مرتجف الأوصال من سدة انفعاله وتمادت الكونتيس في سكوتها فخر هرمان راكعاً تحت قدميها.

وقال: إذا كان شعاع الحب قد أشرق قط على ساحة قلبك.

وإذا كنت تذكرين حلاوة ذلك الشعور وطربه ولذته. .

إذا كنت جربت شعور الأم نحو طفلها الرضيع وأطرب أذنيك نغمة وليدك وهو يضحك ويغرد - إذا كان قلبك قد عرف قط أي شعور إنساني ودب إليه أدنى إحساس آدمي - فإني أستحلفك بعواطف الزوجة والوالدة والعاشقة - أعني بك ما هو مقدس في الحياة أن لا تردي دعائي ولا ترفضي طلبي بوحي لي بسرك أي فائدة لك فيه.

ومن المحتمل أن يكون هذا السر متصلاً بإثم عظيم أو جرم جسيم - بمحالفة الأبالسة ومعاملة الشياطين مما يستوجب الحرمان الأبدي من رحمة الرحمن ويستجلب لعنة الله إلى يوم الدين.

وأنت عجوز هرمة قد أكل عليك الدهر وشرب وأيامك في هذه الحياة معدودة ولعلك هامة اليوم أو غد فتدبري حالك وانظري في عاقبتك ومآلك واطرحي على كاهلي هذا السر وما يتصل به من إثم وجريمة - فإن حامله عنك ومريحك من شره وأذاه. أفشي إلي سرك واذكري أن في يدك سعادة إنسان وشقاءه ونعيمه وبلاءه.

وإني أنا وأولاد ي وأحفادي من بعد سنثني عليك ما حييت ونستمطر ضريحك سحائب الرحمة والرضوان بعد مماتك ونصلي لروحك كما يصلى لأرواح الأبرار والقديسين. كل ذلك والكونتيس صامتة لا تنبس بكلمة.

فثار هرمان لقدميه.

وصاح وهو يحرق نابه على العجوز غيظاً وحقداً: تباً لك وسحقاً أيتها العجوز الشوهاء سأرغمك على الكلام إرغاماً، ثم سحب مسدساً من جيبه.

فعند رؤية المسدس بدت علائم القلق والاضطراب على وجه الكونتيس للمرة الثانية، فهزت رأسها ورفعت يديها كأنما تحاول اتقاء الطلق. .

ثم استلقت على ظهرها وبقيت مسلوبة الحركة.

فصاح هرمان وقبض على يدها: أجيبي ودعك من هذه السخافة الصبيانية إني أسألك لآخر مرة فأجيبي: أتسمين لي الورقات الثلاث.

فلم تحر الكونتيس جواباً. فتأمل هرمان وجهها فإذا هي ميتة.

الفصل الرابع

كانت ليزافيتا إيفانوفنا جالسة في غرفتها لم تنزع بعد حلة المرقص منغمسة في لجة من الأفكار والخواطر. وكانت لدى وصولها القصر صرفت خادمتها التي تقدمت نحوها متثاقلة مكرهة لتعينها على نضو ثيابها فأخبرتها أنها ليست بحاجة إليها وأنها ستنضو ثيابها بنفسها.

ثم صعدت إلى حجرة خفاقة الأحشاء وهي تتوقع أن تجد هرمان هنالك وتود من أعماق قلبها أن لا تجده فلما ولجت باب الغرفة علمت لأول وهلة أنه غير موجود فأثنت على الأقدار وحمدت حسن حظها الذي حال بين هرمان وبين المجيء في الموعد المضروب.

ثم جلست دون أن تنزع ثيابها وأخذت تعيد كرة الفكر على تلك الحوادث التي ساقتها في ذلك الوقت القصير إلى هذه النقطة الخطيرة وكيف ولم يكن قد مر ثلاثة أسابيع منذ لمحت الفتى الضابط لأول مرة من النافذة وهي مع ذلك قد أصبحت تراسله وتمكن هو من حملها على أن تضرب له موعد لقاء في جوف الظلام! ولم تكن تعرف اسمه إلا من توقيعه على بعض رسائله. ولم تكن جاذبيته الحديث قط ولا سمعت صوته ولا سمعت به إلا تلك الليلة. ولكن من العجيب أن تومسكي تلك الليلة أمل به ما ساءه وكدره من عشيقته البرنسيس بولين ن في المرقص وأراد أن يقتص منها فعمد إلى ليزافيتا فاختارها شريكة له في الرقص فطوى هزيعاً من الليل يركض بها في حلبة الراقصين وسط الملعب.

وما زال طول المدة يهيجها ويستثيرها بالتلميح إلى ميلها للضباط المهندسين وأكد لها أنه أعرف منها بأخلاق هذه الفئة واتفق أن بعض الأمازيح والنكات الصادرة منه في هذا الصدد أصابت المرمى فأوجست الفتاة خيفة أن يكون سرها قد ظهر.

فسألته مبتسمة: من أنبأك بكل هذا؟

فأجاب تومسكي: من صديق امرئ تعرفينه حق المعرفة، من رجل عظيم الكفاءات والمواهب.

ومن هو هذا الرجل العظيم المواهب والكفاءات؟

اسمه هرمان.

فلم تجب ليزافيتا ولكن يديها وقدميها فقدت الإحساس والشعور.

واستمر تومسكي فقال:

إن هرمان هذا لذو شخصية نادرة غريبة لامتيازها بالولوع بركوب الأهوال والأخطار. وإن له سحنة كسحنة نابليون وروحاً كروح إبليس واعتقادي أن في عنقه ثلاث جرائم. . ما أشد اصفرار وجهك!.

أشعر بصداع. . ولكن خبرني ماذا قال لك هرمان هذا!.

قال لي هرمان أنه ساخط على خط صديقه وأنه لو كان في مكانه لسلك سلكاً آخر. . وإني لأحسب أن هرمان نفسه له فيك مآرب ومطامع أو على الأقل أراه يصغي أشد الإصغاء إلى كل ما يقوله عنك صديقه.

وأين أبصرني؟

لعله في الكنيسة أو في طابور. الله وحده يعلم. أو لعله في غرفتك وأنت نائمة. . إن هرمان هذا لا يبعد عليه. . .

وهنا أقبل عليه ثلاث سيدات إحداهن البرنسيس بولين ذاتها فقطع تومسكي حديثه. ثم جرى بين الحبيبين عتاب انتهى بالصلح والوئام. ثم أوصلها إلى مجلسها من الحفلة وعاد هو إلى مجلسه. وقد انمحى من ذاكرته ليزافيتا وهرمان وكل ما يتعلق بهما. وأرادت ليزافيتا أن تستأنف مع تومسكي الحديث المبتور ولكن الرقص انتهى وآذن عقد الحفلة بانتثار ونهضت الكونتيس للخروج.

كانت لكمات تومسكي ليست أقل ولا أكثر من تافه الحديث الذي يتخلل حركات الرقص ولكنها رسبت في أعماق نفس الفتاة العاشقة. وكانت الصورة التي صور فيها تومسكي خلق هرمان وخلقه تنطبق على ما كانت الفتاة قد صورته بريشة الوهم والخيال على صحيفة ذهنها وقد أعانها ما قرأته من روايات ذلك العصر على أن تعير وجه معشوقها من المزايا والصفات ما هو جدير أن يروعها ويسحر لبها.

ففي تلك اللحظة كانت الفتاة جالسة في حجرتها وذراعاها الحاسرتان مضمومتان على صدرها وراسها الذي لا يزال مزداناً بالأزهار منكس على صدرها العاري وترئبها المصقولة فإنها لكذلك إذ فتح الباب ودخل هرمان فعرتها هزة.

وسألته بصوت خاف: أين كنت؟

فأجاب هرمان: في مرقد الكونتيس لقد غادرتها اللحظة أن الكونتيس قد ماتت.

يا الله! ماذا تقول؟

قال هرمان: وأخشى أن أكون أنا السبب في موتها.

فنظرت إليه ليزافيتا وإذا بكلمات تومسكي قد ثار لها صدى في روح الفتاة: إن في عنقه ثلاث جرائم!

وجلس هرمان لدى النافذة على كثب منها فقص عليها ما جرى.

وأصغت له الفتاة وفرائضها من الفزع ترتعد. وكذلك ظهر لها أن جميع تلك الرسائل الغرامية والرغبة الشديدة والحرص والطلاب والمطاردة لم تكن منبعثة عن عاطفة الحب!

ولكن المال هو جل بغيته ومرغوبه وما تصبو إليه نفسه ويحن إليه قلبه! وإنها لم تكن سوى آلة عمياء في يد لص، في يد قاتل سيدتها وولية نعمتها!

فذرفت دموع الندم حارة مرة. وجعل هرمان ينظر إليها صامتاً وقلبه ايضاً نهب الوساوس الأليمة.

ولكن دموع الفتاة المسكينة وفتنة جمالها التي زادها الحزن روعة وسحراً لم تكن لترقق من غلظة كبده مثقال ذرة وكذلك لم يشعر بأدنى وخزة ضمير على ما جنى من قتل العجوز. وإنما ساءه وأحزنه شيء واحد، ضياع ذلك السر الذي كان يرجو من ورائه ثروة هائلة.

وقالت أخير: إنك لوحش ضار. .

فأجاب هرمان: ما اردت قتلها ودليل ذلك أن مسدسي كان خالياً من الرصاص.

بقي الاثنين صامتين.

وبدأ الفجر ينبثق فأطفأت ليزافيتا شمعتها وضاءت الحجرة بضوء الفجر الضئيل الأصفر فأرقأت عبرتها وغيضت دمعتها ورفعت بصرها نحو هرمان وكان جالساً قرب النافذة مضموم الذراعين على صدره وعلى جبينه أشنع عبسات الغيظ والحنق. فكان في هذه الهيئة أشبه الناس طراً بصورة نابليون الأول وأحست الفتاة لهذا الشبه الغريب نوعاً من الدهشة.

ثم قالت أحيراً: كيف السبيل إلى إخراجك من القصر؟ لقد فكرت في إنزالك من السلم السري ولكن ذلك يقتضي المرور خلال حجرة الكونتيس وإني لأخاف أن أدخلها.

فقال: خبريني كيف أهتدي إلى السلم السري أذهب بمفردي.

فقامت ليزافيتا وتناولت من درجها مفتاحاً فأعطته لهرمان ووصفت له طريق الخروج. فضغط هرمان على يدها الباردة المسلوبة القوى ثم قبل رأسها المنكس وخرج من الغرفة.

فانحدر في السلم المتعرج ودخل حجرة الكونتيس مرة أخرى فأبصر العجوز الميتة جالسة مكانها كما لو كانت متحجرة وقد ارتسم على وجهها آيات السكينة التامة والطمأنينة المطلقة.

فوقف هرمان أمامها وأدمن إليها النظر في جد واهتمام كأنما يحاول إقناع نفسه بحقيقة الحادث الجلل.

وأخيراً دخل المقصورة والتمس الباب ثم أخذ يهبط في السلم المظلم وقلبه مفعم بإحساس غريب لا عهد له بمثله.

ثم قال في نفسه: يالله يا لسخرية القضاء! أكبر ظني أن في هذا السلم بعينه ومن هذه الحجرة بعينها وفي هذه الساعة بعينها كان يرى منذ ستين عاماً شاباً عاشقاً ينساب انسياب الأرقم في خفية وتستر بعد انصرافه من الخلوة بحبيبته يضم إلى صدره قبعته المثلثة الزوايا وهو الآن أعظُم بالية في قبره لم يبرح نهب الفناء والبلى الأعوام الطويلة ولكن قلب معشوقته الهرمة لم تقف نبضاته إلا الآن.

ووجد هرمان في أسفل السلم باباً ففتحه بمفتاح ثم سلك دهليزاً أفضى به إلى الشارع.

الفصل الخامس

بعد مضي ثلاثة أيام من الليلة المنحوسة توجه هرمان الساعة التاسعة صباحاً إلى دير حيث احتفل بجنازة الكونتيس العجوز. فبالرغم من تحجر شعوره وموت عواطفه لم يتمالك أن أحسن شيئاً من وخزات المضير إذ ناجته نفسه أنت قاتل العجوز. . وبالرغم من قلة إيمانه وضعف عقيدته فقد كان شديد التأثر بالخرافات والخزعبلات فقام في عقيدته أن الكونتيس الميتة قد تنحس حظه وتشقي جده وتؤثر في حياته أسوأ الأثر. فعزم على أن يشهد جنازتها ليستميح عفوها وغفرانها.

كانت الكنيسة غاصة بالخلق فبعد جهد جهيد استطاع هرمان أن يشق طريقه وسط الزحام وكان النعش موضوعاً على دكة فاخرة تحت سرادق من القطيفة. وفي جوفه الكونتيسة ممتدة مضمومة اليدين إلى صدرها على رأسها قبعة من مهلهل النسيج وعليها ثوب من الحرير الأبيض وحول الدكة أهل القصر وأعضاء الأسربة فالخدام في القفاطين السوداء وعلى أكتافهم شعار نسب الأسرة وفي أيديهم الشموع والأقارب والأولاد والأحفاد وأولاد الأحفاد كلهم في ملابس الحداد.

لم تذرف على نعش العجوز عبرة ولم ترسل عل رفاتها زفرة فالكل مثلوج الصدر يبس المدامع بارد الأنفاس ولو سالت الدموع لعدت ضرباً من التصنع الكاذب والنفاق الممقوت.

فلقد كانت الكونتيس قد بلغت من الهرم ما أصبح الموت بعده أمراً متوقعاً وشيئاً مألوفاً لا يحدث روعة ولا هشة. وكان أهلها قد أخرجوها منذ حين طويل من عداد الأحياء وشطبوا اسمها من قائمة أهل الدنيا.

ثم صعد المنبر خطيب مصقع ذائع الصيت فألقى خطبة الجنازة فوصف في أبين عبارة وأرقها وأسهلها انتقال الأبرار من عالم الفناء إلى عالم البقاء. ونعت عيشة الكونتيس البارة الصالحة بمنتهى الورع والتبتل.

فقال: طوبى لك أيتها التقية النقية. لقد نزل بك ملك الموت فالفاك في هجود وسجود وخشوع وركوع. تنتطرين وفدة عروس الظلام ورسول الحمام.

لقد فجعت منك الليالي نفوسها ... بصوامة الآصال محيية العتم

تمت الخطبة وسط السكوت التام، ثم تقدم الأهل والأقارب ليحيوا الجثة تحية الوداع وجاء من بعدهم زمرة الزائرين ليؤدوا شعائر الولاء الأخيرة لمن قضت السنين العديدة تشاطرهم باطل اللذات والملاهي.

وتقدم بعد هؤلاء خدام القصر وفي أخرياتهم عجوز من سن الميتة يدعمها فتاتان صغيرتان ولم تكن تستطيع الانحناء إلى الأرض فسكبت دمعة على رفات مولاتها ولثمت يدها الباردة.

وعزم هرمان على التقدم إلى النعش فدنا منه ثم ركع على الحجارة القارة وبقي كذلك بضع دقائق ثم نهض واقفاً وبه من اصفرار الوجه وشحوبه مثل ما بالميتة. ثم ارتقى سلم الدكة وحنا فوق الجثة. وإذ ذاك خيل إليه أن الميتة رشقته بنظرة تهكم وسخرية وغمزت إليه بإحدى مقلتيها. فانقبض متراجعاً وزلت قدمه فهوى إلى الأرض فأسرع غليه أناس فأنهضوه.

وفي عين اللحظة حملت ليزافيتا إيفانوفنا مغشياً عليها إلى باب الكنيسة وقد كان من هذا الحادث ما شوش سكينة المشهد الجليل وزعزع وقاره بضع دقائق فتهامس الجمع ومال أحد أمناء القصر على رجل إنكليزي واقف إلى جانبه فقال له في أذنه:

إن هذا الضابط هو ولد غير شرعي للكونتيس فأجابه الإنكليزي بجمود وبرودة أوه!

أحس هرمان طول ذلك اليوم بانفعال نفساني شديد فأوى إلى مطعم في ناحية منعزلة من المدينة ليتغذى وهنالك أكثر من شرب الخمرة على خلاف عادته ليسكن نافر جأشه واضطراب وجدانه ولكن الخمرة ضاعفت هياج نفسه وثورة خاطره. فلما عاد إلى غرفته فانطرح على إحدى أرائكها دون أن ينزع ثيابه فاستغرق في النوم.

فلما انتبه من رقدته كان الليل قد جن وضوء القمر مستفيضاً في أرجاء غرفته فنظر في ساعته فإذا هي ثلاث ونصف فجلس في فراشه وأخذ يتذكر جنازة الكونتيس.

في هذه اللحظة أطل عليه من نافذته شخص ثم مضى في سبيله. فلم يكترث هرمان لهذا الحادث.

وبعد بضع دقائق سمع باب ردهته ينفتح فظن هرمان أن خادمه قد عاد سكران من بعض معاركه الليلية ولكن لم يلبث أن سمع خطوات غير مألوفة في أذنه. وكأن أحد يتمشى في خفين على أرض الردهة في لين وخفة.

ثم انفتح الباب ودخلت عليه امرأة في ثوب أبيض، فحسبها هرمان مربيته العجوز وتعجب ماذا أقدمها عليه في مثل هذه الساعة من الليل. ولكن المرأة ذات الثوب الأبيض دلفت نحوه بسرعة ثم مثلت أمامه - فإذا الكونتيس!

وقالت بصوت ثابت متين:

لقد جئتك على غير رغبة مني. ولكني أمرت أن أجيب سؤالك. ستربح إذا لعبت الثلاث الورقات الآتية على التوالي وهي ثلاثة سبعة فنط ولكن على الشرائط التالية:

أن لا نلعب أكثر من ورقة واحدة في طظف أربع وعشرين ياعة وأن لا تعيد الكرة ما حييت وإني أغفر لك جريمة قتلي بشرط أن تتزوج وصيفتي ليزافيتا إيفانوفنا.

ثم تولت عنه فهرولت نحو الباب وأملست. وسمع هرمان باب البيت يفتح ثم يغلق وأبصر للمرىة الثانية شخصاً يطل عليه من النافذة.

فبقي هرمان كالمغشي عليه ساعة من الزمن ما به سبيل إلى الإفاقة من تلك الغمرة وأخيراً قام فدخل الحجرة المجاورة فأبصر خادماً طريحاً على الأرض يغط في نومه فأيقظه بعد جهد. فألفاه نشواناً كدأبه فاستفسره عما جرى فلم يستطع أن يمده من المعلومات والبيانات بأدنى شيء وألفى هرمان باب البيت مغلقاً. فانكفأ هرمان إلى حجرته فأشعل شمعة ودون كل تفاصيل رؤياه.

الفصل السادس

لا يمكن اجتماع فكرتين في حيز واحد من العالم الذهني إلا إذا أمكن اجتماع جسمين في حيز واحد من العالم المادي وبناء على هذه النظرية أصبحت فكرة ثلاثة، سبعة، فنط تدور في رأس الفتى وتطفو في دماغه وترسب وتتردد على شفتيه وتتكرر.

فإذا أبصر فتاة قال في نفسه: ما أنحف قوام هذه الفتاة وما أشبهها بمنظر (الثلاثة القلبية) وإذا سأله أحد الناس كم الساعة؟ أجاب: سبعة إلا ثلاثة. وكلما أبصر رجلاً سميناً أذكره بالفنط. وكذلك أصبحت فكرة ثلاثة، سبعة، فنط شغله الشاغل في اليقظة وحلمه في الكرى.

وكان منظرها يتشكل لعين خياله الملتهب في شكل وصورة. فكانت الثلاثة تبدو كأنها الزهر الناضر الجميل وكانت السبعة تتراءى كأنها أبواب القصور القديمة الغوطية الطراز. والأفناط تلوح كأنها العناكب الجسيمة الهائلة.

وكانت نفسه متعلقة من الدنيا بأمنية واحدة، وهي اجتناؤه أعظم الثمرات من ذلك السر الخطير الذي اشتراه بأغلى الأثمان ففكر في الذهاب إلى باريز لالتماس الثراء في أحد مقامرها الجمة.

ولكن عرض له من محاسن الصدف ما أغناه عن تجشم ذلك السفر البعيد!

وقبل أن يهيء الجواب على ذلك تدبر الفتاة أكرة الباب فتفتحه ثم تخرج.

وكان في موسكو جمعية مؤلفة من أغنياء المقامرين يرأسها شيكالنسكي المشهور الذي قضى عمره على مائدة الميسر وجمع الملايين يأخذ أرباحه أوراقاً مالية ويدفع خسائره ذهباً منقوداً وكان لطول تجربته وفرط حنكته قد أحرز ثقة زملائه كما أن داره المفتوحة وطاهيه الحاذق وحسن آدابه ورقة شمائله أنالته إجلال الجمهور واحترامه.

هذا الرجل الشهير قدم إلى سانت بطرسبرج فتهافت عليه شباب المدينة وفتيتها واستبدلوا مائدة القمار بمحافل الرقص وآثروا لذاذات الميسر على حلاوات المغازلة والمداعبة. ففي ذات ليلة سار ناروموف بالفتى هرمان إلى دار شيكالنسكي.

فمرا خلال حلقة من الغرف الزاهية الزاهرة الغاصة بالخدم وكانت الدار مزدحمة فمن بين قواد ومستشارين يلعبون (الوست) وفتية وشبان يتكئون على الأرائك يرشفون المرطبان أو يلهو بالمتابغ.

وكان رب الدار جالساً على مائدة مستطيلة في غرفة الاستقبال حولها نحو عشرين من اللاعبين. وكان يناهز الستين نبيل الطلعة له سمت وأبهة وعليه جلال وهيبة وقد جلله الشيب بالوقار. وقد اشرب وجهه حمرة وأشرقت له نظرة تنطق عن دماثة الطبع ولين العريكة وكانت لا تزال تبرق بعينه ابتسامة البشر والطلاقة فقدم ناروموف إليه هرمان وعرف أحدهما بالآخر.

فصافح شيكالنسكي هرمان وسأله أن يرفع الكلفة فلا يبقى واقفاً ثم استمر في اللعب.

واستمر اللعب برهة وكان على المائدة نيف وثلاثون ورقة. وكان شيكالنسكي بعد كل رمية يعطي اللاعبين مهلة يرتبون فيها أوراقهم ويدون خسائرهم ثم يصغي إلى مطالبهم في أحسن أدب وأحسن من ذلك أدبه وتلطفه في معالجته إقامة المعوج ونشر المطوي من أطراف الأوراق التي كان بعض اللاعبين يطوي أطرافها من غير عمد ولا سوء نية. وأخير تم الدور وشرع شيكالنسكي يفنط الورق استعداداً لدور آخر.

قال هرمان: أتسمح لي أن آخذ ورقة؟ ومد يده من وراء رجل ضخم كان يشترك في اللعب.

فابتسم شيكالنسكي وانحنى في صمت دلالة على الرضا. فهنأ ناروموف هرمان على نقضه ذلك المبدأ الذي التزمه طول عمره أعني اجتناب اللعب وتمنى له الفوز والظفر.

قال هرمان: أريد الاشتراك، وكتب أرقاماً بالطباشير على ظهر ورقته.

فقال صاحب البنك (هوشيكالنسكي) وحدد بصره: على أي مبلغ يا سيدي؟ معذرة إن في بصري شيء من القصر.

فأجاب هرمان: على سبعة وأربعين ألف روبيل.

فعند سماع هذه الكلمات التفت كل من بالغرفة بغتة واتجهت الأبصار كافة نحو هرمان.

وقال ناروموف في نفسه: لقد خولط الفتى في عقله!.

وقال شيكالنسكي بابتسامته المعهودة: إن هذا مبلغ باهظ لم يحدث قط أن أحداً من لاعبي هذه المائدة جازف بأكثر من مائتين وخمسة وسبعين روبيل على دفعة واحدة.

فأجاب هرمان: لا بأس بما تقول. ولكن خبرني أتقبل ورقتي أم ترفض؟

فانحنى شيكالنسكي قبولاً.

وقال: كلا ما أقوله هو أني مع مزيد ثقتي بكلام أصدقائي لا أستطيع أن ألعب إلا على المال الحاضر المنقود. أما من جهتي فإني أعلم أن كلمتك كافية ولكني محافظة على نظام اللعب وتسهيلاً للحساب أطلب إليك أن تضع المبلغ فوق ورقتك.

فاستخرج هرمان من جيبه بنكنوتاً فأسلمها إلى شيكالنسكي فنظر فيها الرجل نظرة خفيفة عجلى ثم وضعها على ورقة هرمان.

ثم شرع يلقي الورق. فبدا على اليمين ورقة تسمى وعلى اليسار ورقة ثلاثة.

فقال هرمان وأبدى ورقته: لقد كسبت! فتهامس الحضور عجباً ودهشة وعبس شيكالنسكي ولكن الابتسامة الدائمة لم تلبث أن عادت إلى وجهه.

ثم قال لهرمان: أتريد أن أنقدك المبلغ الآن.

فأجاب هرمان: إذا شئت.

فاستخرج شيكالنسكي من جيبه عدداً من أوراق البنكنوت فدفعه إليه على الفور فتناولها هرمان وترك المائدة. فبقي ناروموف ذاهلاً دهشاً وشرب هرمان زجاجة من عصير الليمون وانطلق إلى منزله.

وفي مساء اليوم التالي سار هرمان إلى دار شيكالنسكي فوجده يوزع الورق فأفسح المقامرون لهرمان مجلساً بينهم وحياه رب الدار بانحنائة المستبشر بقدومه.

فاشترك هرمان في الدور التالي فتناول ورقة ووضع فوقها رأس ماله أعني السبعة والأربعين ألف الروبيل مشفوعاً بما ربحه الليلة السالفة.

وشرع شيكالنسكي يلقي الورق فبدا على اليمين ولد وعلى اليسار سبعة.

فأظهر هرمان سبعته.

فضج القوم أجمعون وعلا هتافاهم وبدا القلق على شيكالنسكي بلا شك ولكنه عد المبلغ وهو أربعة وتسعون ألف روبيل فناوله هرمان فوضعه هرمان في جيبه بأربط جأش وأوقر حال وغادر المكان في الحال.

وفي الليلة التالية عاد هرمان إلى مائدة الميسر وكن الكل في انتظاره وكان الجنرالات والمستشارون قد انصرفوا عن لعبتهم الوست ليشاهدوا هذا المقامر الهائل. وقام الفتيان الضباط عن متكآتهم وأرائكهم لعين هذا السبب حتى الخدام أنفسهم تزاحموا في المكان حتى غص بهم. وأحدق الكل بهرمان إحداق السوار بالمعصم يتدافعون حوله ويتهالكون وكف اللاعبون غيره عن اللعب ليروا ماذا تكون العاقبة والمآل.

ووقف هرمان على المائدة وتأهب للعب وحده ضد شيكالنسكي الذي كان على شدة اصفرار وجهه لا يزال يبتسم. وتناول هرمان ورقة غطاها بكومة من البنكنوت. فلا والله ما كان ذلك بلعب وإنما حرب وقتال. وجلاد ونضال.

غلط القوم لست تلعب بالأورا ... ق ولكن بأنفس اللعباء

وأرى أن رقعة الأدم الأح ... مر أرضا عللتها بدماء

وكأن الذي تدير على القو ... م حروباً دوائر الأرحاء

وأخذ شيكالنسكي يطرح الورق ويداه ترتجفان فبدت على اليمين (ملكة) وعلى اليسار (فنط)

فصاح هرمان: لقد فاز الفنط وأظهر ورقته

فأجابه شيكالنسكي بأدب واحترام: لقد خسرت ملكتك.

فانتفض هرمان مذعوراً ونظر في ورقته فإذا هي الملكة فلم يكد يصدق عينيه أو يفهم كيف غلط مثل هذه الغلطة.

وفي هذه اللحظة خيل إليه وهو ينظر في ورقته أن الصورة المنقوشة عليها أعني الملكة كانت ترمقه بابتسامة الهزء والسخرية والتهكم وإنها لتغمز ليه بعينها، ثم أدهشه عظم الشبه بينها وبين.؟. . .

فصاح وقد تملكه أشنع الرعب والفزع:

الكونتيس العجوز!

وطفق شيكالنسكي يجمع أرباحه. ولبث هرمان فاقد الحركة برهة من الزمن ولما غادر المكان علت فيه جلبة القوم ولجبهم.

وقال اللاعبون: إنها لأشنع خسارة.

واستأنف شيكالنسكي تفنيط الورق وجدد القوم المقامرة.

جن هرمان وهو الآن سجين مستشفى المجاذيب بغرفة رقم 17 وهو لا يعي قولاً ولا يحير جواباً ولكنه لا يبرح يوسوس باستمرار وبسرعة مدهشة: ثلاثة، سبعة، فنط، ثلاثة سبعة، ملكة، ثلاثة سبعة، فنط، ثلاثة، سبعة، ملكة. . . . . .

وتزوجت ليزافيتا إيفانوفنا بفتى جميل - ابن رجل م وكلاء الكونتيس المرحومة - حسن الحال ناعم العيش.

ورقي تومسكي إلى رتبة كابتن وزوج من البرنسيس بولين.

(تمت)