مجلة الرسالة/العدد 1003/القصص

مجلة الرسالة/العدد 1003/القصص

ملاحظات: بتاريخ: 22 - 09 - 1952 Le scarpe, Grazia Deledda



الحذاء المشئوم

للكاتبة الإيطالية جرازيا دليدا

ضاقت سبل الحياة بالفتى إيليا كراي فهو لا يجد عملاً، وهو لا يدري كيف يزجي هذا الفراغ العريض الذي وقع فيه على حين فجأة، ألا أن يقضي شطراً من نهاره في حجرة الانتظار بالمحكمة واضعاً كراسة على ركبته يثبت فيها ما توافيه به قريحته من أشعار يناجي بها زوجته الحبيبة، لقد كان الضجيج يعلو بازائه، والجموع تتقاطر من هنا ومن هناك: ففقيرات النساء يتخاصمن على دريهمات ضئيلة كأنما يتناز عن أقطار الأرض جميعاً، وشاهدو الزور يسيرون في هدوء وأناة يبتغون شيئاً، وصغار المحامين يندفعون هنا وهنا يفتشون عن صيد جديد؛ هذا وإيليا جالس في هدوئه في زاوية الحجرة، يكتب إلى زوجته بعض الشعر وكأنه لا يحس مما حوله شيئاً:

(أنا أستطيع أن أرى الحياة بعيني عقلي، فكل ما يدور في العالم مقدر قبل أن يكون. أنا شاعر فيلسوف، فليس شيء في الحياة يثير في الدهشة لأنني أعلم أن الأيام تعلو بالمرء مرة وتسفل به أخرى. لا تقنطي - يا عزيزتي - فل ربما تذكرنا عمى أغسطينو، أغسطينو الذي طرد زوجته، وحرمها ماله؛ لعله يذكرها يوماً فتذهب إلى شاطئ البحر معا، نشهد القوارب تضطرب بين الأمواج الهائجة، ونحن نسير ذراعاً في ذراع كأننا عروسان في شهر العسل؛ على أننا - الآن - سعيدان، فالحب والاطمئنان يغمران قلبنا وحياتنا، وأنت يا سيدار؛ أنت فينوس هرموزا؛ أنت ثرائي وأنت ملكتي)

وفي صباح يوم من أيام الشتاء، أحس إيليا وهو في مكانه من حجرة الانتظار، حيث يجلس دائماً؛ أحس أن يداً قوية تجذبه في عنف، وسمع صوتاً خشناً يناديه: (أسرع! لقد كنت في (تيرانوفا) وعمك هناك يعالج مرضاً مخطراً. . .

هذا صوت سائق ينبهه إلى أمر، ولكنه ما كان ليسلبه بعض هدوئه. لقد أرسل أنة خفيفة خافتة، ثم قال يحدث نفسه: (سأنشر هذا الخبر المحزن على عيني زوجتي)

لم تضطرب الزوجة لما سمعت، ولم تحزن، ولم تفزع من مكانها وهي جالسة أمام باب الدار تلتمس الدفء من أشعة الشمس، وقد ارتدت خير ملابسها، وانتعلت، ورتبت شعره في دقة وأناقة؛ غير أن ملابسها وحذاءاها وقد عبثت بها يد البلى، ووجهها وقد شحب وتغضن وذوى جماله، وعينيها وهما تضطربان وقد خبا ضوءهما وانطفأ بريقهما؛ كانت كلها ترسم سطوراً واضحة في تاريخ فاقتهما وعوزهما

ومن أقصى المكان ارتفعت ضجة تشبه ما يسمعه إيليا دائماً في المحكمة: فهؤلاء أصحاب الدار يتنازعون فيما بينهم أمراً؛ وهذا الندى - وهو جزء من الدار - قد ضم جماعة يلعبون الورق ويمزحون في ضجة وصخب؛ والزوجة لا يعنيها ما يدور حولها. أما هو - هو إيليا - الزوج العاشق فقد وقف بازاء زوجته يداعب شعرها في رفق وتحبب ويقول: (أف تعلمين ما أنا صانع؟ سأذهب. . .!) قالت الزوجة: (إلى أين. . .؟) قال: (إلى أين؟ لعلك لم تعي شيئاً مما قلت! إلى عمي أغسطينو طبعاً! ما أجمل ما أرى في هذا اليوم. . .!) قالها وقد كتم في نفسه أموراً استشعرتها الزوجة المسكينة فراحت تحدق في حذائه الممزق مزقاً أعيت على الإسكافي، ثم قالت: (وأين لك بالمال تستعين به على السفر؟) قال الزوج في ثبات: (إن معي ما يكفيني، لا يشغلك هذا. إن كل ما في الكون يلد الحياة والجمال لو أن في النفس الهدوء والدعة. إن ما يهم المرء حقاً هو أن يحب الناس ويحسن معاملتهم. لقد شغلني هذا كل ساعات الصباح. . . أفتر يدين أن تقرئي؟) ثم قطع قصاصة من دفتره وألقى بها في حجرها وهو يبتسم. . . ثم أنطلق وما خلف من شيء سوى هذه القصاصة

انطلق ماشياً لأنه لا يملك سوى ثلاث ليرات؛ وكانت فلسفته قد أوحت إليه ألا يتخبط بين هذا وهذا، يقترض، فيضيع وقته فيا لا غناء فيه. . . هذا نوع من الرياضة تعوده منذ زمان؛ وما كان لشيء ما أن ينزع عنه رزانته أو يحاول بينه وبين أن يصل إلى عمه أغسطينو، وهو رجل سيار. لقد سار في نشاط وخواطره معلقة بحذائه دون قدميه، فهو يشفق عليه ويشفق. . .

بلغ إيليا (أوروسى) - وهي قرية في طريقه - ولم يحدث ما يعكر صفوه؛ فالطريق ممهد لا حب، والطبيعة جميلة تحنو عليه لتنسيه بعض متاعبه. لقد كانت رحلة ممتعة، في ناحية من الأرض سحرية، فالشمس تتألق كأنها ماسة كبيرة، وترسل أشعتها الذهبية في رفق على صخور الجبل، والحشائش تضطرب تحت نسمات البحر الرقيقة. وحين اندفع هو في طريقه تراءت له الزهور الرفافة - زهور الربيع الجميلة - تنفث من عطرها الشذي في روحه النشاط، وتذكي في أعصابه القوة؛ ثم. . . ثم انحدرت الشمس إلى مغربها، فاستحالت حرارتها المنعشة إلى برد قاس تحمله نسمات الليل؛ وأحس الرجل أن قدميه تننديان، وأن حذاءه قد انفرج عنهما من هنا ومن هنا؛ فاضطرب وخانته رزانته الفلسفية حين بدا لعينيه أنهلا يستطيع أن يصلح حذاءه أو أن يجد غيره؛ وأنه لا يقوى على أن يحمل هم الطريق وهم الحذاء الممزق معاً. وتمثل له ما يلاقيه من مهانة واحتقار حين يبدو في دار عمه رث الملابس، زري الهيئة، ممزق الحذاء، وهو لا يريد أن يكون هو ألمن نفسه وعار زوجته حين يلج دار عمه في مثل حذائه. لابد أن يجد حذاء؛ ولكن كيف؟ أنه هو لا يدري. . . وبعد فترة كان يسير في شوارع القرية المهجورة المظلمة الندية وقد سيطرت عليه فكرة الحذاء الآخر. وفي ناحية من ساحة فندق هناك صغير يشع نوراً ذهبياً قوياً جذب إيليا إليه. . . جذبه لينام ليلته في حجرة قذرة، حيث نام عاملان فقيران؛ وقد كان غطيط أحدهما يستلب إيليا من أفكاره ومن نومه معاً. استقلي الرجل على فراشه وما في رأسه غير صورة نعل جديد تتراءى له أينما هفا خياله. في الشارع، في الحقل، في زاوية الحجرة، في صندوق في الزاوية الأخر، ثم هناك عند الباب وكانت تحور أحياناً إلى أخرى بالية تنم عن الفقر والفاقة

وظل إيليا تفزعه الريح العاصفة، والغطيط المدوي في أرجاء الحجرة؛ والساعات تمر، وتعلق بصره بنجم يتألق في السماء كأنه يسبح بين أمواج البحر المضطربة؛ وخياله عند زوجته وهو جالس إليها ينشر على عينيها بعش أشعاره الرقيقة الطلية، وعند الحياة الناعمة التي يحياها إلى جانبها لو ظفر بما يملك عمه

وانتفض الرجل من فراشه بعد لأي وهو يضطرب، وانحنى على حذاء العامل يريد أن يسلبه فوجده ثقيلاً واسعاً فتركه إلى حذاء الرجل الآخر، غير أنه لم يجد شيئاً، وطن في مسمعيه صوت أقدام تدب خارج الحجرة فاضطرب ووقف في مكانه وقد سيطر عليه الحزن والفزع؛ وبدت له خسته فخزن. . . حزن حزن القلب يستشعر الخطر المحدق؛ وحين انمحى الصوت دلف هو إلى الخارج ليرى. . . ليرى الردهة خالية إلا من بصيص من نور، وإلا من قطة تحك جسمها في الجدار، وإلا من حذاء بازاء القطة، بدا في عيني الرجل جميلاً، فأنطلق إليه يخبئه في ثنايا معطفه، ثم اندفع إلى الشارع في هدأة الليل وسكونه. ولقد غادر الفندق لم يشعر به أحد، ثم أسرع وتراءى له هو يسير على شاطئ البحر كأن كواكب السماء تتساقط رويدا رويدا لتغتمر في هذه اللجة، فقال: (يا عجباً! أكل شيء في الطبيعة والإنسان يريد أن ينهد؟) وظل يحدث نفسه هذا الحديث وهو يخب في الظلام بين الصخور المظلمة والبحر الداكن

ومضت نصف ساعة جلس بعدها ليلبس الحذاء المسروق، لقد بدا عليه السرور والفرح - بادئ الأمر - غير أنه ما لبث أن استشعر الحسرة تفجره وتكاد تعصف به، فراح يحدث نفسه (ماذا يكون لو أنهم تبعوني؟ سيقتلونني لاشك، ماذا تقول زوجتي إذن؟ ستقول: ماذا صنعت يا إيليا؟ أف تسرق حذاء؟ أي فرق بينك وبين من يسرق مليون ليرة، أيها السارق؟

واضطربت الفكرة في رأسه: (مليون ليرة! أين هي؟ أين أجدها لو وجدتها لا ختطفتها لا أني ولا أتباطأ!) ثم تمطى وهو يبسم لهذه الخاطرة، ومد رجليه وحرك أصابعه في الحذاء الجديد؛ يا عجبا! لقد رانت على نفسه سحابة سوداء من الكآبة مرة أخرى، وشعر بقدميه تتقدان، وبأصابعه تختلج كأنها تنفر من هذا الحذاء المسروق! لقد سار في طريقه متكاسلاً، ومتأبطاً حذاءه ليستطيع أن يلبسه إذا تبعه أحد؛ ثم اضطرب وتوزعته الأفكار السود؛ فهو يلتفت إلى وراء بين الفينة والفينة ليرى من عساه يتبعه

وانبثق الفجر كأنه شيطان مارد يحدجه بعينيه فيهما البغض والازدراء؛ يطل عليه وقد قنعته سحابة دكناء من الضباب لبيعث في نفسه الفزع والرعب، ولينذر بالفضيحة والويل؛ وهؤلاء الناس - عما قريب - ينسلون إلى القرية مارين به، وحين يسمعون قصة الحذاء المسروق يقول قائلهم: (نعم، لقد رأينا رجلاً هناك يسير مضطرباً، وقد تأبط حزمة بخبئها تحت معطفه. . .)

ورأى - وهو يسير - فلاحاً يسير الهويني، في طريقه إلى القرية، فخيل إليه أنه يحدق به، ويلتفت إليه بين الحين والحين وعلى شفتيه ابتسامة السخرية والتهكم

ثم. . . ثم انحسر الظلام عن نهار حزين كالح؛ وقد نشرت السحب ذوائب طويلة سوداء تصل بين الجبل الشاهق والبحر المضطرب؛ والغرباتن تمر به وهي تنعق نعيقها المشؤوم؛ وقد انطوى الجمال الذي أحسه بالأمس في هذه الناحية؛ وبدت له الحياة عابسة تبعث في النفس الألم والضيق، ودوت في أذنيه أصوات تفزعه من مكانه لأنه رأى فيها أصوات الذين من خلفه يقصون أثره ويسخرون منه؛ فاستبدل حذاءه القديم الممزق بالحذاء الذي سرقه، ألقى به في ناحية ثم انطلق

لقد ألقى بعض همه حين ألقى الحذاء المسروق، ولكنه مي زال في اضطرابه، وخياله ما يفتأ يصور له أشياء! فهذان العاملان اللذان قضى معهما ليلته، على أثره يطلبانه بعد أن وجدا الحذاء الملقى. . . سيلبيانه ثم يدفعان به إلى المحكمة، وهناك. . . وهناك. . .؛ وتراءى له جماعة يعذبونه ويعذبونه حتى يعترف. . .

ماذا تقول زوجته حيت يترامى الخبر؟ وتأججت الفكرة برأسه يؤوثها الإجهاد والبرد والجوع، فأنطرح تتنازعه الخواطر المظلمة كما تتناول الرياح الشديدة العاصفة سحابة في كبد السماء؛ ورجع إلى نفسه يلومها على أن طوحت به الأيام في هذه المتاهة، يضرب في الأرض، ويفقد الراحة والطمأنينة في وقت معاً؛ ثم هو لا يطلب إلا سراباً أو أملاً كالسراب، ومن يدري؟ لعله لا يستطيع أن يأتي بالحدة القاطعة يثبت بها أن أغسطينو هو عمه. . . وبرعم هذا فهو قد ألصق بنفسه عاراً لا يغسل

نكص الرجل على عقبيه ممتلخ العقل، مأخوذ اللب، يحدق في الحذاء الملقى في ذهول وبلاهة، أفيواريه التراب؟ أنه إن فعل فما غير من الحقيقة التي في رأسه! أن هذا الحذاء مسروق، وأنه هو السارق. . .

وتردد إيليا حيناً، ثم هوى إلى الحذاء يخفيه تحت طيات معطفه، وارتد إلى القرية لا يستطيع أن يهبطها إلا أن يسدل الليل أستاره، لقد غبر يوماً كاملاً لا يطعم شيئاً، فأحس بأعصابه تتراخى ومشى الهوينى يترنح كأنه عود ذاو تعصف به الريح الهوج، وولج الفندق ثانية وكأنه في حلم، وعلى شفتيه كلمة الاعتراف؛ غير أنه وحد المكان هادئاً كأن شيئاً ذا بال لم يكن، ومر فما تعلق به بصر، ولم تحم حوله شبهة؛ فتناول طعامه، ووضع الحذاء مكانه الأول، ثم ألقى بنفسه في لجة من النوم العميق الهادئ، فما استيقظ إلا عند ظهر اليوم التالي. وحين هم من مرقده اشترى رغيفاً بما بقي معه من مال ثم سار. .

وبد الجو في ناظري إيليا - مرة أخرى - جميلاً، والوادي كأنه يبسم في رقة وظرف، والنبات الأخضر تنبعث منه القوة والنشوة، وهو يندفع في سيره يفور نشاطاً وحيته على رغم هذا الحذاء الممزق الذي تموج فيه قدماه، وهو - هو هذا الحذاء - كان يوقظ الرحمة والشفقة في قلوب الذين يرونه فيمنحونه بعض الخبز واللبن يبلغ بهما

وبلغ دار عمه وقد أجهده المسير وأضناه التعب، ولكن الأمل كان يشرق في عينيه فيدفعه إلى الأمام. . . لقد مات عمه منذ ساعات قليلة، وراحت الخادم تنظر إليه في دهشة وهي تعجب: (أأنت ابن أخيه حقاً؟ لماذا لم تسرع إلى هنا؟) ولكنه وقف صامتاً، فاندفعت هي تقول: (لقد أرسل إليك منذ ثلاثة أيام وانتظر. . . انتظر طويلاً وهو يذكرك، ثم بدا له أنك نسيته ففقد الأمل. وحين أحس بالموت يكاد يقصم عوده أوصى بكل ما يملك إلى اليتامى من أبناء البحارة). . .

فارتد إيليا إلى داره يحمل إلى زوجته الحبيبة إلى نفسه خيبة الرجاء وضيعة الأمل وهو لا يستطيع أن يقول شيئاً. . .

ك. ح