مجلة الرسالة/العدد 1005/إلى الأستاذ نبيل النجار المحامي

مجلة الرسالة/العدد 1005/إلى الأستاذ نبيل النجار المحامي

مجلة الرسالة - العدد 1005
إلى الأستاذ نبيل النجار المحامي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 06 - 10 - 1952


حول مقال إلغاء الدين الرسمي

للأستاذ عبد الباسط محمد حسن

ليس في استطاعة أمة من الأمم أن تعيش في حاضرها منعزلة عن ماضيها. وليس في طبيعة الإنسانية أن تحيه دولة دون أن تتصل بغيرها (وإلا قدر لأبناء هذه الدولة أن يظلوا بعيدين عن ركب الحياة) متخلفين عن قافلة الإنسانية

والأمم الناهضة هي التي يستطيع أبناؤها أن يتأثروا بالاتجاهات الحديثة التي يمر بها العالم دون أن ينسوا ماضيهم (ويتجاوبوا مع التيارات الجديدة دون أن يسيروا على منهاج مبتكر منقول يخالف تراثهم الروحي والاجتماعي)

ولقد أخذت التيارات الغربية تغزو ميادين الحياة في الشرق، ولهذا لزمنا أن نصمد لها. . ونفيد منها بمقدار محدود. . حتى لا تتغير معالم الحياة في بلادنا. . ولا يجرفنا التيار إلى سبيل لا نعرف نهايته

ففي الغرب نرى تحاملاً متأصلاً في النفوس ضد الدين الإسلامي وعلة هذا التحامل جهل القوم بتعاليم دين لا يعتنقونه. . فليس غريبا إذن أن ينكروا على الدين كثيراً من حقائقه الثابتة، ويحاولوا أن يشوهوا الكثير من مبادئه وأهدافه

ولكن الغريب حقا أن يردد بعض المسلمين ما يقوله الغربيون، عن جهل وتعصل، دون أن ينظروا إلى هذه الآراء نظرة فاحصة مدققة، وقبل أن يزنوا الأمور بميزان دقيق، فيه شيء من الحكمة والعدل. . فبالأمس القريب: كتب الأستاذ محمد عبد الله عدنان مقالاً بمجلة الثقافة طالب فيه بتنحية الدين عن الحكم والحياة. . وقال إن مصر إذا كانت دولة إسلامية فليس معنى هذا أنها دولة دينية

وقد رد عليه الزميل الفاضل (محمد رجب البيومي) رداً كافياً لم يستطع معه الأستاذ عنان أن يعقب عليه بشيء

واليوم قرأت مقالاً جريئاً. . تمادى فيه قاتله إلى حد أن طالب

بإلغاء الإسلام كدين رسمي للدولة، وقد جاء هذا المق المنشور بجريدة الشباب الصادر بتاريخ 2781952 ما يلي:

(إن مصر هي الدولة الوحيدة فيما نعلم التي لها دين. . فالمفروض أن الدين لله يعتنقه الأفراد. . والمفروض أن الدولة تجمع عديداً من الأفراد ذوي العديد من الأديان. . فتخصص دين واحد، وربط الدولة به هو الأمر العجيب. . والواقع أن أسطورة الدين الرسمي للدولة هي بقية من عهود الطغيان والإقطاع. وهو فوق هذا سبة في جبين مصر. . فقد اندثر هذا النص من كل دول العالم إثر الثورة الفرنسية، لأنه نص مخجل ومعيب، ولن نتوقع لمصر ارتقاء ما دام باقيا ذلك النص بما يستتبعه من تهريج واضطهاد، ومن تفتيت لوحدة الأمة، فيجب فوراً على العهد الجديد الجريء أن يلغيه بجرة قلم، فإن التخلص من سوءات الماضي لا يحتاج إلى ذرة من التأني والتفكير)

وإن التأمل في هذا القول، يرى أنه ليس صادراً عن قلب يعمره الإيمان، أو نفس تشع فيها أضواء الفضيلة، وأنوار الهداية واليقين، كما أنه من ناصية أخرى لا يقوم على أساس ولا يستند إلى دليل

يقول الأستاذ النجار:

(إن مصر هي الدولة الوحيدة التي لها دين، والمفروض أن الدين لله) وليس الأمر كما يرى الأستاذ الفاضل، فمعظم البلاد الشرقية تنص دساتيرها على أن الإسلام دين الدولة الرسمي، فإن كانت دول الغرب لا تأخذ بهذا النظام ولا تنص عليه، فذلك لخلاف في جوهر الدين نفسه، فقد تركت المسيحية (ما لقيصر لقيصر. . وما لله لله) وانصرفت إلى التهذيب الروحي، والتطهر الوجداني، بينما تركت للقوانين الوضعية تنظيم المجتمع وتسيير الحياة. .

نشأت المسيحية في مجتمع منظم متكامل تسود فيه قوانين الرومان التي تعبر من أعظم القوانين التي ظهرت في العالم حتى عصرنا هذا، فلم تكن هناك حاجة لأن تتجه إلى وضع أساس الحكم، وتشييد بناء الدولة، وإنما كان عليها أن تهذب البناء وتصقله وتعدله دون أن تغيره. . أما الإسلام فقد نشأ في مجتمع غير متكامل، ضاعت فيه القيم الأخلاقية والروحية، وتلاشت منه مبادئ العدالة والحرية والمساواة، فكان عليه أن ينظم المجتمع، ويعيد بناء الدولة من جديد

قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)

بهذا نرى أن الإسلام يخالف المسيحية من ناحية الحكم، فإن كان للمسيحيين أن يعزلوا الدين عن الحياة، فليس لنا أن نقلدهم في ذلك، ونهمل كل تراثنا الروحي، وجميع مقوماتها الفكرية والاجتماعية

يرى الأستاذ النجار بعد ذلك أن ربط الدولة بدين واحد أمر عجيب لأن في الدولة عديدا من الأفراد ذوي العديد من الديانات

وأحب أن أرد على الأستاذ في ذلك بأن الدولة وإن كان بها العديد من الأفراد، إلا أن الغالية العظمى منهم يدينون بالإسلام، فإذا نص الدستور على أن الإسلام دين الدولة الرسمي، فذلك يعتبر تمشياً مع عقيدة الغالبية العظمى، وهو في الوقت ذاته يمنح جميع أفراده الحرية الشخصية وحرية العقيدة، ولا يجبر أحداً على أن يتخلى عن دينه، أو يترك عقيدته. .

وقد نزل القرآن الكريم داعياً للحب، مبشراً بالتسامح، منفراً من إكراه الناس على اعتناق الإسلام بقوله تعالى (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) وليس لأحد من رجال دينه على أحد سلطاناً (لكم دينكم ولي دين)

يرى الأستاذ النجار بعد ذلك أن الدين أسطورة من عهود الطغيان) والواقع التاريخي لجميع الأديان السماوية يناقض ذلك، فلقد قامت المسيحية - مثلاً - لتقاوم طغيان الأباطرة الرومان، ولذلك لاقى داعتها الكثير من ضروب القسوة والاضطهاد على أيدي نيرون، ودقلديانوس وتراجان وغيرهم

فقد أمر نيرون بإحراق روما ليستمتع بمرآها، ولبثت النار تضطرم في المدينة وتأتي على من فيها ستة أيام كاملة، ثم ألقى تبعة إحراقها على عاتق المسيحيين، فأشعلت فيهم النيران بعد أن طليت أجسامهم بالقار، وأقيمت حفلة ألعاب في بستان هذا الطاغية، وكان هؤلاء الضحايا هم المصابيح التي تضيء البستان!

وأراد الإمبراطور دقلديانوس أن يؤلهه المسيحيون في مصر فأبوا الإذعان لإرادته، والخضوع لمشيئته، فتولاهم بالسجن والإحراق، وأمعن في تعذيبهم والتنكيل بهم حتى سمي عصره (بعصر الشهداء) وكذلك قام الإسلام ليحقق العدالة الاجتماعية ويحارب طغيان القوى، ويحد من سطوته وبطشه، ويقضي على نزعة الجاهلية التي تمجد الظلم والتي وصفها الشاعر بقوله:

لنا الدنيا ومن أمسى عليها ... ونبطش حين نبطش قاردينا

بغاة ظالمين وما ظلمنا ... ولكنا سنبدأ ظالمينا

قد يقول قائل: إن هذه الأديان قد استغلت في بعض عصور التاريخ، لتسخير الجماهير، واستغلال أفراد الشعب، ولكن العيب في ذلك لا يقع إلى الدين، وإنما على القائمين بأمور الدين

فلقد دعت الأديان إلى المحافظة على الكرامة الإنسانية. ودعت إلى مقاومة الظلم. . والوقوف في وجه المعتدين، ولو أدى ذلك إلى الهجرة، قال تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا. .)

ولقد تمادى الأستاذ بعد ذلك في تهجمه على الدين، فنسب إليه التهريج والتأخر والاضطهاد، والإسلام برئ من هذه الصفات، منزه عن هذه العيوب، فالإيمان بدين لا يستلزم التعصب والاضطهاد إلا عند من صدئت قلوبهم، وأظلمت عقولهم وأكلت الأحقاد صدورهم، والإسلام. . كما ذكرت سابقاً. . يدعو إلى التسامح والمساواة. . وينهى عن التعصب والتزمت. . .

وبعد: فإن الدين الذي ينهض بالمجتمع العربي، ونقله من الضعف إلى القوة. . ومن الظلمات إلى النور. . لا يزال هو الدين لم يتغير منه شيء. . وإنما تغير معتنقوه، والقائمون على أمر

ونصيحتي للأستاذ النجار. . ألا يتحدث في شؤون الدين. وهو على ما يبدو من كتابته. . جاهل بأبسط قواعد الدين. وعليه أن يتعمق في فهم تعاليم الإسلام الخالدة، ومبادئه المثالية السامية. . قبل أن يصدر عليه أحكاما خاطئة. . منافية لأبسط قواعد العلم والمنطق

عبد الباسط محمد حسن