مجلة الرسالة/العدد 1005/مشاكل الجامعة

مجلة الرسالة/العدد 1005/مشاكل الجامعة

ملاحظات: بتاريخ: 06 - 10 - 1952



ترقيات المدرسين بالجامعة

للأستاذ محمد رجب البيومي

ينظر المهيمنون على شؤون التعليم نظرة إشفاق على المستوى الجامعي الذي أخذ ينحدر شيئاً فشيئاً - في مختلف كليات الجامعات - حتى أوشك أن يهبط إلى الحضيض، وتتضح هذه الحقيقة المؤلمة حين تجلس مع طالب في السنة الأولى بإحدى كليات الجامعة، وطالب آخر قد أتم سنواته الجامعية، فلن تجد فرقاً واضحاً بين التفكير العلمي لدى الطالبين، فكلاهما يشترك مع طلبة المدارس الثانوية في تلقين الدروس، وكتابة المذكرات وحشو الذهن بالمواد المتزاحمة، دون أن تتسع لديه البصيرة النافذة، والتمييز الدقيق، ودون أن تفيده الجامعة ما ينبغي أن يتمتع به من التفكير السليم، والاستنتاج العلمي المرتكز على قواعد من البحث والتعليل، ودون أن تخلع عليه الجامعة روح الابتكار والشمول المستوعب لدقائق الموضوع، مما يدفع بك إلى التساؤل عن سر هذه النكبات المتلاحقة التي أخذت ترصع الجامعيين، وتسد أمامهم الطريق

ونحن نلقي التبعة دائماً على السياسة الحزبية التي صرفت الطلاب عن واجبهم العلمي، وقذفت بهم إلى الجج من الفوضى والاستهتار، وهذا حق لا مريه فيه، ولكن الحق أيضاً أن نذكر نصيب الأساتذة في هذه التبعة الفادحة، فلا نجبن عن إعلان دروهم الرئيسي في تمثيل هذه المسرحية الحزينة، دون أن نقيم أي اعتبار لغير الصدق الذي لا يعدم النصير!

لقد كانت جامعة فؤاد الأول منذ أعوام حافلة بذخيرة ثمينة من الأساتذة الذين يتبوءون مناصبهم العلمية عن جدارة واستحقاق، وكانت مع ذلك تستقدم من أساتذة أوربا أعلام يدوي صيتهم العلمي في أنحاء العالم، فيقومون بتوجيه الطلاب أكمل توجيه، وينمو على أيديهم غرس زاهر يؤتي الثمر ويمد الظلال، ثم أنشئت جامعتا فاروق وإبراهيم - وسينشأ غيرها من الجامعات - فأخذ ولاة الأمور يبحثون عن أساتذة يملئون الفراغ بجدارة مشرفة، فلا يجدون غير أساتذة الجامعة الأولى فتخطفتهم الجامعات تخطفاً غير عادل، دون أن يكملوا النقص الشاسع المديد، واضطر المهيمنون على الجامعات أن ينشروا الإعلانات في الصحف باحثين عن مدرسين أو مساعدين يقضون حاجات المعامل والفصول والمدرجات، وكأنهم يبحثون عن مبنى (للبيع) أو شقة للإيجار، وهم معذورون في ذلك مهما ثلمت كرامة التدريس الجامعي، فالمضطر يركب الصعب في أتعس الأحوال! وحين لم يجدوا من تتوفر فيهم الكفايات المنشودة ملئوا الأماكن بالمعيدين وإضرابهم من ذوي الحداثة في السن والتوجيه، وهؤلاء كانوا منذ شهور يتلقون الدروس، فأصبحوا بمعجزة خارقة مدرسين يقومون بالشرح والتفهيم، ولن ننكر ما قد يكون لدى القليل من النضوج والاستعداد، ولكن الكثرة الغالبة في حاجة ملحة إلى التمرين بالمدارس الثانوية من جهة، وغلى البعثات العلمية من جهة أخرى، ليجدوا في عقولهم ما يقدمونه إلى الطلاب في مختلف المواد، بل إن الكثير من هؤلاء المعيدين يتملقون زملاءهم الطلاب - ستر للضعف العلمي بما يعود بالخيبة والإخفاق، وهذه جناية التقليد الضرير الذي يأخذ بالقشور دون اللباب! وليت الجامعات واصلت الاستعانة بأساتذة أوربا في الكليات العلمية - على وجه الخصوص - فهي فقيرة إلى الأكفاء من الأساتذة، بل وإن التسرع العاجل قد حال دون الانتفاع بذوي الكفاية والمواهب، دون أن نعرف سبباً منطقياً ينأي عن العواطف والنزوات، مع أن جامعات الغرب - فوق تقدمها الملموس - تستقدم من أساتذة الشرق من ترى في انتدابهم النفع والسداد، فلم لا نقلدهم مخلصين في ملء هذا الفراغ؟ أكبر الظن أننا نثق إلى حد مضحك في كفاءة المعيدين، قانعين بالإعلانات المتكررة في الصحف والمجلات

وأنت تنظر إلى مناصب الدولة عندنا فتجدها متخمة بأساتذة الجامعة السابقين من ذوي القدرات الممتازة، فتتساءل عن هذا الفرار السريع من ميدان التربية والتدريس، مع ما نعلمه من حرص الأساتذة في جامعات أوربا على التدريس بالجامعات رغم المغريات اللامعة، وقد يكون المغنم المادي جزيلا خارج الجامعة، أو يكون للمنصب الجديد بريق يؤذن بالنفوذ والأبهة والجاه، قد يكون هذا وذاك، ولكن يجب أن نذكر أن ازدحام الجامعة بمن لا يصلحون للتدريس قد زين الفرار لأساتذتهم من ميدانهم الأصيل، كيلا يجتمع الطيب والخبيث في منزلة واحدة أمام الأنظار

وإذا كان لابد من الترقية لهؤلاء المعيدين، ونظرائهم من المدرسين والمساعدين، فعلى أي منوال تكون الترقية القريبة من العدالة والإنصاف؟ لقد تطاحنت الآراء حول هذا الموضوع طاحنا وصل صداه إلى الصحف والأندية، وجاوز الحرم الجامعي بأميال، ففريق يؤمن بأن الأبحاث العلمية هي الميزان الدقيق للكفاءة الممتازة والترقية العادلة، وفريق يخالف ذلك مخالفة شديدة، ويجهر بأن الأبحاث العلمية لا تصلح ميزاناً عادلاً للترقية في درجات التدريس، ولهذا الفريق المتحمس أدلته التي لا تخرج عن نقاط ثلاث

أن التدريس ملكة مغايرة للبحث، إذ قد يكون من لا يجيد البحث والتأليف مدرساً لامعاً من أحسن طراز

أن الأبحاث العلمية ستكون طوفانا حافلا بالمكرر التافه من الآراء، إذ لا يتسنى لكل مدرس أن يبتكر الطريف النافع، فيلجأ إلى القول الزائفة، والتلفيق السخيف

أننا بتقديس الأبحاث نجحد الاكتشافات العلمية، التي تستنفد الوقت الطويل للوصول إلى مخترع حديث، أو علاج جديد، وبذلك لن يتقدم العلم خطوة واحدة، بل ربما رجع إلى الوراء

وقد تبدو هذه النقاط الثلاث مقبولة عند النظرة الأولى، ولكنا بعد التأمل الفاحص نجدها زائفة لا تستند إلى منطق صحيح، وربما كان الهروب من التبعة الفكرية والاستقرار العلمي باعثاً على اختلافها وتصيد الأسانيد الموهومة لتدعيمها، والجري وراء الأقدمية المطلقة، جرياً يبعث على الدهشة والاستغراب؛ فالنقطة الأولى التي تباعد ما بين البحث والتدريس صادقة بالنظر إلى تلاميذ المدارس الابتدائية والثانوية فقط، فهو لا يحتاجون إلى العلم الزاخر والمادة الغزيرة، بل يتطلبون المدرس الملم بالطرق الخاصة للتدريس، وإن كان قاصر المادة محدود الاطلاع، لتمكن من تبسيط المعلومات وتيسيرها من طريق مختصر، أما المدرس الجامعي فيجد أمامه طلاباً في مرحلة الشباب، وقد كمل نموها العقلي والجسمي والعاطفي، وألموا بطائفة من المواد تساعدهم على استيعاب النواحي الأبحاث الجامعية، وتهيئتهم للبحث المتسع الأفق، المتشعب النواحي، القائم على أسس وطيدة من حرية التفكير وسلامة المنطق، فهم في حاجة إلى مدرس عالم مارس البحث العلمي ليشبع الرغبات النهمة، ويفتح النوافذ الموصدة، وبقدر مكانة الأستاذ العلمية يكون نجاحه وتوفيقه في التدريس الجامعي مع علو أقدارهم في البحث والتأليف، فهم من القلة بحيث لا ينبغي أن نتخذ منهم قاعدة عامة تندرج على الجميع. وأرى بهذه المناسبة أن تحتم الجامعة على كل من يتأهب للتدريس بها ممن يجدون من أبنائها المتخرجين، أن يدرسوا مبادئ التربية والطرق الخاصة، وعلم النفس دراسة مستوعبة، لتنعدم الهواة الجاثمة بين البحث والتدريس لدى القلة الضئيلة من الجامعيين، وإني لأعجب كيف يكون المدرس في التعليم الثانوي والابتدائي متخرجاً من معهد التربية العالي للمعلمين، ولا يكون المدرس الجامعي مشاركاً به في الدراسة بهذا المعهد الممتاز، إذ أنه يواجه من مشاكل الشباب ومتاعبه وانحرافاته مثل ما يواجه المدرس الابتدائي من مشاكل الطفولة، والمدرس الثانوي من مشاكل المراهقة، وجميع هذه المشاكل تدرس بتوسع في معاهد التربية العالية، ولن تغني عنها الدكتوراه أو الماجستير في شيء، فلم لا نلتفت إلى هذا النقص الخطير؟

وتأتي النقطة الثانية فنعلن أن الخوف من التكرار والتفاهة في الأبحاث العلمية لا يجد مبرراً يستند إليه، فهذه البحوث تقدم إلى هيئة عالية محترمة، تعرف الجيد من الرديء، وتميز بيم من يسلك النهج المنطقي في العرض والاستقراء والاستنباط، ويعمد إلى المشكلات الغامضة فيزيل إخفائها ويكشف إبهامها، ويأتي بجديد يصحح فكرة خاطئة، أو يغير وضعاً فاسداً؛ أجل! هذه الهيئة المحترمة العالية تميز بين هذا الباحث الضليع، وبين من يخبط في بحوثه السقيمة خبط عشواء، فيجمع إلى التفاهة والتكرار فساد المنطق، وضعف التفكير ومتى كانت الموازنة عادلة صادقة، فلا خوف على الدرجات الجامعية أن ينالها غير الأكفاء الناهضين، ولن يغضب إنسان ما من كثرة الأبحاث وتنوع المؤلفات، لأن الزبد يذهب جفاء، بل ربما كان البحث المضطرب التافه سلما إلى البحث المعتدل الأصيل، ولا يزال السائر في الظلام يتخبط في المجاهل والدروب حتى يشرق عليه الصباح الباهر فيهتدي إلى الطريق

أما ما يدعونه من جحود الكشف العلمي الجديد، وعدم الالتفات إليه لدى الترقية من درجة إلى درجة، فهذا لا ينبغي أن يقنع به أحد، إذ أن الكشف العلمي - ومع توشقنا إليه - من الندرة والقلة بحيث لا يصلح أن يكون قاعدة جامعية عامة تطبق على الأساتذة والمدرسين لدى الترقيات، فإذا وفق الله عبقراً جامعياً، وخرج على الناس بكشف يزيد من سطور الحضارة، ويضع لبنة في صرح العلم، فالجامعة إذ ذلك تقدره حق قدره، وتجعله استثناء ممتازاً للقاعدة التي تسير عليها دون أن يعترض عليها إنسان، بل إن مكافأته الطيبة لن تقتصر على الجامعة وحدها، بل تنتقل إلى الأوساط العلمية التي تشيد بالكفاح الذهني وتحني رأسها للدأب والنبوغ

إن البحوث العلمية ميزان عادل للترقية في الجامعة، وهي التي تدفع المدرسين إلى العمل المثمر، وتقطع عليهم طريق التثاوب والخمول، وإذا وجد مدرس يتمتع بالبراعة في التدريس دون أن يجيد البحث العلمي، فمن الإنصاف لنفسه أن يظل مدرسا لا يرقى إلى الأستاذية بحال، إذ أن الأستاذ الجامعي في موضع جليل الخطر، عظيم المهابة، فيجب أن يمارس البحث الدائب، والعمل الناطق، وبغير هذه البحوث المتواصلة لن ترقى جامعة، أو يتقدم شعب يعتمد على التربية الصحيحة ليشق طريقه في ميدان الحياة

محمد رحب البيومي