مجلة الرسالة/العدد 1005/الكتب

مجلة الرسالة/العدد 1005/الكتب

مجلة الرسالة - العدد 1005
الكتب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 06 - 10 - 1952


مواكب الناس

تأليف الأستاذ نقولا يوسف

للأستاذ منصور جاب الله

الأستاذ نقولا يوسف كاتب مصور من الصفوة المختارة ومن الرعيل الأول الذي اقتحموا مجمعان القصة المصرية فمهدوا طريقها وسلكوا حزونها وألفوا ضروبها وطامنوا أشتاتها، وأنا لنجد هذا القاص الممتاز يضرب في هاتك المهامه البيد منذ حقبة تزيد على ثلاثين عاماً لا يربع على شيء ولا يتعثر ولا يتلبث

ونقرأ في صدر كتابه الجديد جريدة بمؤلفاته التي أصدرها منذ عام 1922، فنرى فيه المكافح المثابر الذي لا يبغي جزاء ولا شكوراً، فهو لا يلجأ إلى الناشرين أو الوراقين لطبع كتبه، وإنما ينشرها لحسابه الخاص ويوزعها هدايا على الصدقان والصحب وما بقي منها بعد ذلك لا يكاد يأتي بجزء ضئيل من تكاليف الإنتاج

ولكن عزاء الأستاذ نقولا يوسف أنه يؤلف حباً في التأليف وتنفيساً عن رغبة مكبوتة في ذات نفسه، ومن ثم فإنه لا يضر أن سبقه في منادح الشهرة والمجد القصصي تلاميذ له وحواريون درسوا عليه أواسط العلم أو أعاليه، فهو بهذا مغتبط أن تهيأ لها النفر من الشباب المتوثب طريق شقه لهم فساروا فيه

ولا على المؤلف الفاضل هذه النفقات الطائلة التي يخرج عنه لطبع مؤلفاته، فإنما هي ضريبة المجد والخلق الفاضل الذي طالما غرسه في نابتة هذا الجيل

وبعد هذه التوطئة التي لم يكن منها بد، يطالعنا الأستاذ نقولا يوسف بمؤلفه الجديد (مواكب الناس) وإذ نتصفحه ونمضي في قراءته إلى خاتمة المطاف يبدو لنا أن هذا الرجل ذا القلب الكبير يطوي بين جوانحه مأساة، فقد ضربه القدر في ابنته التي كانت ملء نفسه وريحانة عينيه فأظلمت الدنيا في وجهه وأخذ الرعد من كل مكان فإذا به يعمد إلى مسلاته الواحدة، وينشي (الصورة) تلو (الصورة) ثم يلزمها جميعاً في قرن، حتى إذا أقبل الصيف بهجره لم يرق له أن يستمتع بإجازته الطويلة كما استمتع سائر أنداده من المدرسين! وإنم عكف على تنفيذ هذه (الصور) وإزجائها إلى المطبعة فهو غاد ورائح بين آلة الطباعة وباعة الروق وتصحيح التجارب وهكذا، وما صرف صيفه الأطول على ذلك النمو إلا ليصرف عن نفسه أحزانها وأشجانها

ولقد كررنا كلمة (الصور) التي احتواها (مواكب الناس) عن عمد، ذلك لأن هذا المؤلف الأخير مختلف تمام الاختلاف عن مؤلفه السابق (دنيا الناس) الذي قدمناه لقراء (الرسالة) قبل عامين فذلك كان أقاصيص فيها (حبكة) القصة ولها (عقدتها) تنساح بين أرجائها (المؤامرات) ويرين عليها عنصر (المفاجئات) بيد أن الكتاب الذي بين أيدينا قد صدق فيه مؤلفه إذا أطلق عليه عنوانه، فهو (مواكب) للناس تتلاحق، وتتسابق، ثم تسير على وتيرة واحدة حتى تفترق بها الطرق وتفرق عن سبيله، وهو في هذا يقول: لما فرغت من هذه (الصور) التي تحتويها هذه المجموعة، استرضتها جملة فاتضح لي أن أصحابها شخصيات حقيقة، عاشت وعرضت لي في الحياة فعرفتها، ولهذا لم يكن لي كبير فضل في ابتكارها، وإنما الفضل لمن خلقها على هذا النحو، تارة على بساطة وبراءة وأخرى على شيء من الغرابة والتعقيد، فكان عملي - والحالة هذه - مقصوراً على نقلها من دنيا الواقع إلى دنيا الفن دون أن أبدي إعجاباً هنا أو زراية هناك

انتهى كلام المؤلف في كتابه الجديد في حين أنه يحاول الاحتراس في كتابه السابق بقوله (كل ما ورد في هذا الكتاب من أسماء الأماكن والأشخاص خيالي ولا يصف شخصية معينة بالذات؛ فنرجو المعذرة إذا وقع تشابه غير مقصود بين الأسماء أو الصفات أو الحوادث)

فالكاتب الفاضل إذن قد حدد النهج في كتابيه وفصل بينهما بحجاز، ومن هنا نتقبل (مواكب الناس) على أنه طائفة من الصور الأخلاقية الاجتماعية أعمل المؤلف ذوقه وفنه في اقتناصها وتجليتها على القارئين، فبدت كواسطة العقد تختال للناظرين

وإن قارئاً من القراء ما يستطيع إذ يستطلع (مواكب الناس) أن ستريب في أن صورة أو أكثر من صورها شكت بصره أو ضربت أذنه في زمن من الزمان أو مكان من المكان، ولكن ليس لكل إنسان تلك الطبيعة النقية المتساوقة التي جعلت الفن القصصي طيعاً ليناً بين أنامل السيد نقولا يوسف، فهو يصور الواقع بريشة الفنان الذي يرى ويسمع ويتذوق ثم ينقل إلى القرطاس صوراً لا يكاد يتلوها القارئ حتى يرى فيها نفسه لا تريم ولا تتحلحل! والطريف في المؤلف أنه نقل صوره نقلاً (مصرياً) إن صح التعبير، فعلى أنه يتقن أكثر من لغة أوربية، لم يشأ في كل هذه الصور - حتى التي وقعت له في أوربا - لم يشأ أن يصورها تصويرا أوربيا، وإنما صورها كما يفهمها (أولاد البلد)! وقد بلغ من هذا القمة في التصوير والنقل الأمين

وليس لدينا في الحق نقد على هذه الصور إلا أننا بصرنا في بعض الأحيان بالكاتب يتحامل قليلاً على بعض أبطاله، ولعل ذلك ناجم من أنه رجل مثالي رغم أنه خب في القصص الواقعي ووضع، وأنه لم ينس مثاليته وإن تضاربت مع الفن الذي سلكه من زمان!

وأنا لنرى الكاتب بعد ذلك يحلق - في بعض الصور - بأسلوب عال، ثم يهبط بعد ذلك - في صور أخرى - غلى أسلوب عادي، ولعل مرد هذا أن الكاتب الفاضل عصبي المزاج لا يلقي أهمية كبيرة للأسلوب القصصي كما أومأ في مقدمة كتابه الفريد

منصور جاب الله