مجلة الرسالة/العدد 1005/النيل في ضوء القرآن

مجلة الرسالة/العدد 1005/النيل في ضوء القرآن

مجلة الرسالة - العدد 1005
النيل في ضوء القرآن
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 06 - 10 - 1952


تأليف الأستاذ أحمد الشرباصي

للأستاذ سعد الدين موسى كله

وهذا كتاب جديد فريد يحتل مكانته اللائقة به في صفوف المكتبة العربية الخالدة! أجل هو جديد في نوعه - فريد في بحثه وعرضه! ولم لا وقد تعرض في صفحاته الرائعة الممتعة إلى قضية النيل ودراسة هذا النهر (المبارك الروحات، الميمون الغدوات) كما قال (عمرو) على ضوء القرآن الحكيم بعد أن قدم له بمقدمات تمهيدية، من جهة اللغة العربية والتاريخ، كما لم يفته أن ذكر لنا (النيل) عند الشعراء وفي مخيلتهم، وكيف أجادت تصويره قرائحهم فافتنوا في ذلك افتنانا عجيباً؟! وليس غرضي من هذه الكلمة العجلى التدقيق والتحقيق أو التفصيل والتحليل (فلذلك موعد آخر) إنما هو العرض السريع والسير الحثيث مع المؤلف أرجو أن أوفق فيه إلى جذب أنظار قراء الأدب ومحبي الحكمة وعاشقي الثقافة لمطالعته لنفاسته وللإفادة منه خاصة، وهو نفحة عاطرة من نفحات (القلم الشرباصي) الرشيق الرقيق الذي ما فتئ كل يوم يطلع علينا بلآلئه ويواقيته العذارى الأبكار، وغرره ووروده الزواهر المشرقات كفلق الصبح أو وضح النهار!

والكاتب اللبق، والأديب الحق في رأيي - هو من يغوص في أعماق الحقيقة فيبتكر لنا من أخيلته الشاعرة وذهنه الولود أفكاراً وآثاراً، واقتباساً وأنوارا، ناقضا بقدرته وعبقريته تلك النظرية القديمة البالية. (لا جديد تحت الشمس)! وكذلك فعل الشرباصي هنا فبدأ ببيان اشتقاق كلمة النيل في اللغة ومصدر النيل في زوايا التاريخ، منتقلاً بنا إلى ندوة شعرية جميلة، ناقلاً لنا مختارات مجيدة فذة - تدل على ذوقه البليغ - واختيار المرء قطعة من عقله! ويطوي الحديث سريعا ليخلص إلى السنة والكتاب، مستعرضا بعض الأحاديث والآيات في براعة ولباقة وتعقيب ودقة، ويبدع الشرباصي أيما إبداع حينما يتحدث عن مصر وفرعون في القرآن ثم عن بعض الرسل في مصر كيوسف وموسى عليهما السلام، مطعماً حديثه بآثار وروايات عن الصحابة والأئمة والمؤرخون في تمجيد (النيل) (ومصر) التي هي هبة (النيل) كما جاء عن (هيردوت) المؤرخ اليوناني القديم. . وهذا فصل من فصول الكتاب تحت عنوان - خيرات الوادي - يستعرض فيه غلات مصر وزهوره وحبوبها ونتاج أرضها المباركة الخصيبة بفضل هذا الشريان الطاهر المقدس الذي يجري في أوصالها وأعراقها منذ فجر التاريخ، وفصل آخر يعقده المؤلف عن ميزات النيل وواديه وهو مليء بالنوادر الفردة والآثار التاريخية والنصوص الأدبية والروائع الممتعة مما أنتجته عقول الأدباء والكتاب والرواة - وددت لو نقلته لك بأكمله - ولكن من الخير لك أن تنفرد به وحدك فتتذوقه بنفسك وتتملاه بذوقك (ومن ذاق عرف!)

وبعد فهذه صفحات أخرى تسير بك في إبداع وإمتاع، وفيها إهابه ببني مصر أن يهبوا، فقد طال بهم الرقاد! - إن النيل يفي لنا في كل عام، لا ستخلف عن الجريان مرة! - أفلا نكون معه أوفياء! و (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان!) قد يسمك النيل فيضه قليلاً أو رويداً، ولعله يراد بذلك أن تتنبهوا وتعتبروا، وتقدروا النعمة حق قدرها؛ وقد يزداد فيضه ليحذركم وينذركم، ويخوفكم من انقلاب النعمة نقمة! فأين الاعتبار يا أولي الأبصار؟!

أي ما أبلغ هذا الكلام وأجمله! أما واجبنا نحو النيل فيجليه لنا يراع الكاتب الموفق جلاء واضحاً في بنود عدة بلغت (الثانية عشرة)! وأخيراً. . نجد أمامنا (ملحقات): النسل في القرآن، أساس الوحدة هو الإسلام (وجعلنا من الماء كل شيء حي) وهي ثلاث خطب منبرية عصرية، جمعت فأوعت من الحديث الواعي الحصيف، والاطلاع الوفير، والأدب المستنير الغزير!

ألا حيا الله أستاذنا الشرباصي، ووفقه دائما لخدمة الإسلام والقومية والعروبة، وجزاه عن دينه ووطنه وأمته ولغته خيراً!

سعد الدين موسى كله