مجلة الرسالة/العدد 1005/رسالة الشعر

مجلة الرسالة/العدد 1005/رسالة الشعر

مجلة الرسالة - العدد 1005
رسالة الشعر
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 06 - 10 - 1952


وحي البردة

للأستاذ ميشيا الله ويردي

أنوار هادي الورى في دارة العلم ... رفت على ذكر جيران بذي سلم

وأرسلت نغم التوحيد عن ملك ... كالروح منطلق، كالزهر مبتسم

فمزج روحك بالروح التي ازدهرت ... يغنيك عن مزج دمع سأجم بدم

وشمك العطر فواحاً بروضتها ... أأألذ من عشق ريم القاع والاكم

ومن يهم بعظيم يتحد معه ... بالرأي والفكر قبل الوسم والأرام

والحب صنوان حب الروح خيرهما ... فلا تكن للهوى الفاني بملتزم

يا ليت أحلام عمري لم تضع بددا ... بحب قصر من الأوهام منهدم

وليتني لم أهم إلا بمن عرفوا ... برقة القلب لا بالظلم والعقم

فكم حبيب إذا خالفت فكرته ... جازاك بالصد قبل البحث في التهم

ومن يساق حبيباً صد خمرته ... وسحر ألحانه يندم وينفطم

فاربأ بنفسك أن تنهار من ألم ... واربأ بحسنك أن يكمد من سأم

وأجعل هواك رسول الله تلق به ... يوم الحساب سفيعاً فائق الكرم

هذا رسول الهدى فارشف على ظمأ ... من ورده العذب عطفاً شاق كل ظمي

كأنما قلبه ينبوع مرحمة ... مستبشر بالرؤى جذلان بالنسم

يا أيها المصطفى الميمون طالعه ... قد أطلع الله منك النور للظلم

وحدت ربك لم تشرك به أحداً ... ولست تسجد بالإغراء للصنم

وكيف تشرك بالرحمن آلهة ... لا يستطيعون رد الروح للرمم

عاديت أهلك في تحطيم بدعتهم ... من ينصر الله بالأصنام يصطدم

كأن ربك لم يخلق لدولته ... سواك من مرسل بالحق معتصم

أدى الرسالة حتى ضج من سأم ... أجناد إبليس واشتد الأسى بهم

وأفلست بعد إقبال جهنمهم ... ولم تجد حطبا في الأشهر الحرم

كأن أحمد بالأصفاد كبلهم ... فارتد جيشهم المقهور بالسدم شرع على أقوم الأركان أسسه ... للعالمين مبي طاهر الشيم

غذي عقول الورى حتى أتاح لهم ... عيش النعيم ونقاهم من الآثم

وعلم العرب حتى ساد نسلهم ... هام الممالك وارتاحت لعدلهم

كأنما الشرع جزء من نفوسهم ... فإن هم وعدوا استغنوا عن القسم

قوم إذا استخصموا كانوا فراعنة ... فإن هم قسموا أرضوك بالقسم

وخلدوا ملكهم ريان مؤتلقاً ... وكل ما شادت الأطماع لم يدم

إن الممالك إن شيدت على جشع ... تفرس، ولا خير في الحيتان للبلم

وقد يمل الفتى بالشيب من أرب ... ولا يمل عبيد المال من بشم

أتون نار زفور جد محتدم ... والمال يهوى بخلق جد مزدحم

لو أدرك المرء أن المال تاركه ... لمل صحبة خوان الوداد عمى

ولو درى العاشق الموتور كيف سلا ... أحبابه لم بيت يوماً بقربهم

كفاك هما فأهواء الدني غصص ... نودى بصفوك مثل السم في الدسم

والزهد راحة فكر من متاعبه ... فإن دعانا وأهملناه ينتقم

همنا بفان فأغرانا وأذهلنا ... وأي قلب بحب الأرض لم يهم؟

يا أزهد الناس في الدنيا وفي يده ... خزائن الملك والأنصار كالخدم

عجبت كيف تعاني الجوع مرتضيا ... حظ الفقير ولم تلتذ بالتخم

ولم تبال بتجيان مرصعة ... ولم تكن للآلي خلوا بمرتسم

تقول ربي أجرهم من عميتهم ... وتصرف النفس نحو المورد الشبم

فاستضحك القوم هراء واستبدلهم ... وهم فصيرهم لحماً على وضم

كأن أفكارهم من طول ما شقيت ... ألقت بأرواحهم في وهدا الحطم

والنار حرقة نفس من ندامتها ... يا بؤس من لم يحد عن شر مغتنم

فاسلم بنفسهم أن الروح يعوزها ... رضا الذي علم الإنسان بالقلم

فلا طعام من البأساء ينقذنا ... ولا لباس يقينا شدة الضرم

وهل تفيدك أبراج مشيدة ... والموت في القصر مثل الموت في الخيم

والمرء يفنى إذا لم يبق مأثرة ... تحيا إذا باتت الأجساد في الرجم والعمر إن طال يوم لا رجوع له ... فهيئ الزاد قبل الشيب والهرم

أسلمت لله أمري فهو يكلؤني ... كالزهر في الحقل والأطيار في العلم

ألست يا أيها الإنسان أفضلها ... وبارئ الكون قد حلاك بالحكم

فإن يغب عنك أن العيش مرحمة ... فكيف تدرك أن الفوز بالألم؟

وكيف تسمو بروح بالثرى علقت ... وكيف تعلو على الأسياد في الأجم؟

أقول للمصطفى أعظم بما ابتدعت ... آيات برك من خير من نعم

لو يتبع الخلق ما خلدت من سنن ... لم يفتك الجهل والأعوز بالأمم

ولم ير الناس أحكاماً وفلسفة ... في الاجتماع ستلقاهم إلى العدم

مذاهب أحدثت في الأرض بلبلة ... وأورثتنا بلايا الحرب والإزم

أين الزكاة وأين العشر يحمله ... أهل الغنى للآلي ماتوا من السقم

هل كنت تبصر ما أودي بعالمنا ... من قبل أن فاض بالويلات والنقم

أم هل تنبأت عما تم في زمن ... سادت به فكرة الإلحاد والنهم

نبوة حارب الجار منكرها ... وروع الناس بالتعذيب والحمم

فيا نبي الهدى حييت من علم ... بالطهر متسم بالعدل مدعم

أحببت دينك لما قلت أكرمكم ... أتقاكم، وتركت الحكم للحكم

وقلت إني هدى للعالمين ولم ... تلجأ إلى العنف بل أقنعت بالكلم

في دينك السمح لا جنس ولا وطن ... فكل فرد أخ يشدو على عم:

الله أكبر والأكوان فآتيه ... ومن يلذ بجلال الله لا يضم

سبحان من بيديه الملك أجمعه ... ويرجعون إليه يوم بعثهم

يا عبقري الورى الأمي هل سمعت ... من قبلك العرب وحياً جد منسجم

آياتك الغر إعجاز تنزه عن ... ند، وليس دعي الحب كالدم

كأنما الناس آلات مبعثرة ... أخرجت منها جميل اللحن والنغم

من علم الجاهلي الغر مكرمة ... وأد البنات أم البالي من الظلم

محمد رد من ضلوا وعلمهم ... حق النساء اللواتي كان كالرمم

يا فخر أمتنا في الأرض قاطبة ... وسيد المصلحين العرب والعجم عززت كل فتاة حين صحت بنا ... ما أولد العز غير السادة الحشم

فأنت أول من نادى بمأثرة ... يظنها الغرب من آلاء بعضهم

خاطبت كل ذكي حسب قدرته ... ولم تكن بغبي القوم بالبرم

وكنت أرأف بالمسكين من دول ... رأت بأمثاله سرباً من الغم

إن كان ينجع طب الناس في جسد ... فأنت تفعل بالأرواح كالحسم

ترعى اليتيم وترعى كل أرملة ... رعى الأب المشفق الباكي من اليم

فارع النفوس التي ذلت ويتمها ... فقد الكريمين: حب الخير والشم

وهب لنا مبدأ حيا وتضحية ... بها أفردت بين الناس من قدم

ليت الإخاء الذي في يثرب انتشرت ... راياته ظل فينا غير منفصم

إن القلوب إذا ألفتها ائتلفت ... والود حبل فإن تصرمه بنصرم

ماذا يطهر قومي من تنابزهم ... والصد يعلق بالأرواح كالرشم

أجفوه ورعاة غرهم طمع ... كأنهم عن نداء الحق في صمم

أسمعتنا فنسينا واستقل بنا ... هوى، فأمسى عزيز القوم كالخصم

فانفخ بنا نخوة تجمع أواصرها ... وابعث بنا همة يا باعث الهم

أبناء بابل أفنتهم مآتمها ... وآل فرعون ما شادوا سوى الهرم

وتدمر ومغانيها غدت خرباً ... والذكر بالخير غير الذكر بالآرام

يا ليت من شيدوها للفناء رأوا ... عقبى المباني فأغنتهم عن الندم

زالوا وزالت مع الآثار عزتهم ... فإن تجادل سل التاريخ واحتكم

والمصطفة خالد في الناس ما بزغت ... أم النجوم وممدوح بكل فم

يا أيها العرب المأثور مجدهم ... ما فاز بالمجد شعب شبه مختم

أيصبح الخير شرا من تخاذلنا ... ونغتدي نهبة الغربان والرخم

إن الكرامة تأبى أن نذل ولم ... نهضم حقوق الورى كالهائج الضرم

فاستجمعوا أمركم فالله وحدكم ... والمكر فرقكم في حومة الجسم

وشرع أحمد بالقرآن هذبتم ... وجد في أمركن بالحب والسنم

يا أيها المسلمون الفخر فخركم ... ونحن إخوانكم بالنطق والعم فأيدوا بالفعال الغر دينكم ... فقيمة الحب عندي أعظم القيم

والدين إلا هوى في نفس عاشقة ... ومن يبح بالهوى يوم النوى يم

سيان يا قوم من يقضي بلا أمل ... ومن ينال المنى في عالم العدم

صوفية أدركتها المفس فانصرفت ... عن الدنايا ومن يهو العلي يصم

فاستهد بالروح في الأفلاك أهوكما ... تهوى الملائكة وجه الله واستقم

وقل لمن أدمت الأهواء مهجته ... أما اكتفيت من الدنيا بحبهم؟

رمت فؤادي بسهم الحسن فاتنة ... فاعجب لصب جريح ثابت القدم

ندت أناشيده نيران لوعته ... ففجرت عن عليل بالجمال رمى

إن لم يخلد فؤادي الحب فالتمسي ... يا نفس كهفا ببطن الأرض واعتصمي

عل المنية تنساني كما نسيت ... عرائس البحر صيد النسر في القمم

يا نفحة من جنان الخلد سارية ... كالورد يلثم في الأسحار من أمم

إني محب ومحبوب ولو زعموا ... أن المحبة بالأنساب والرحم

فالناس من آدم بالمصطفى اجتمعوا ... وشرعة الحب أم الناس فأتمم

يا أجمل الخلق سيماء وأظرفهم ... طبعاً وأوفاهم بالعهد والذمم

عشقت منك صفات جل مبدعها ... كالغيد تفتن لب الشاعر الفهم

يرنو فيمنحنه وحياً يخلده ... ورب حب مثير جاء بالعظم

ورب نجم منير يستضئ لكم ... (فأنتم الشمس لم تدرك ولم ترم)

وحسن شعري لكم من شمسكم قبس ... والنبع ما سال لولا صيب الدم

فإن أجدت بهذا الطل مدحكم ... فكل معنى بكم كالهاطل العرم

حياك ربي بآيات مفصلة ... والناس أعجز عن إدراك ربهم

لكنها صورة بالشعر أرسمها ... لأستجير بها إن بت كالحلم

يا هادي الفكر أهداه الإله إلى ... عباده منة من فضله العمم

إن يمدحوك بأبيات منقمة ... فأنت تفرق قلبي عن قلوبهم

تبارك الله لو شاءت مراحمه ... لشع نورك بين الناس كلهم

إن لم تكن بوكيل فاشفعن لنا ... بحق ترديدنا التوحيد في الحرم صلى الإله على محياك في مهج ... تحيا بها كحياة النور في الدم

صلى الإله على مثواك ما صدحت ... ورقاء أو هينمت عطرية النسم

صلى الإله على ذكراك ممتدحاً ... حتى تؤم صلاة البعث بالأمم

ميشيل الله ويردي