مجلة الرسالة/العدد 1006/في بلاد الأحرار

مجلة الرسالة/العدد 1006/في بلاد الأحرار

مجلة الرسالة - العدد 1006
في بلاد الأحرار
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 13 - 10 - 1952

3 - في بلاد الأحرار

للكاتب التركي الأستاذ أغا أغلو أحمد

للأستاذ أحمد مصطفى الخطيب

الحرية وردة

عاد إلى الأستاذ بعد يومين وسألني أحدهم فقال:

- هل قرأت الدستور؟ أحفظته استظهارا؟

- قرأته وحفظته. . غير أنني أرجو منكم شرح بعض مواده لتعسر علهما عليّ. . هل لكم أن توضحوا لي قبل كل شيء الحكمة العامة لهذا الدستور؟ لماذا وضع؟ ولأية غاية أحدث؟

- بكل سرور. . يجب أن تعلم أن الحرية مسألة ثقافة وتهذيب ليس إلا

- لم أفهم أيها الأستاذ، ألا تتفضلون بشرح أوفى؟

- حسناً. . هل سبق لك أن اشتغلت في أعمال الحدائق؟

- نعم!

- إذن سهل الإيضاح. . لابد من أنك قد لاحظت في خلال تعهدك الحديقة أن شجرة، أو وردة، أو زهرة، أيا كانت لا يمكن أن تنبت وتنمو وتترعرع إلا إذا توفرت لها الشروط التي تتطلبها طبيعة الشجر أو الورد أو الزهر. . وعليك أن تعلم الآن أن الحرية كالوردة أو الزهرة. . سواء بسواء. . فنموها وازدهارها يستلزمان توفر شروط تلائم طبيعتها وخصائصها الذاتية. .

- وما هذه الشروط؟

- هل استظهرت نشيد البلاد؟

- نعم!

- لقد جاء في ذلك النشيد. . (أن الحرية جوهر الشعور، وأن الشعور هو الإنسان) فلذا يجب الاعتناء الكافي بالإنسان عند (تطعيم) هذا الجوهر لكيما يؤتي ثماره المبتغاة. .

أما البيئات التي سرت عليها الأحقاب الطويلة وهي ترسف في قيود الذل والاستعباد، وضاعت عنها معالم الكيان الحر فليس تطعيمها بإكسير الحرية من الأمور السهلة الميسورة، يتراءى لأول وهلة. . وذلك أن الاستبداد لا يتخذ لنفسه موطناً من الإنسان إلا الروح والقلب فحسب. . فهناك يبذر بذوره ويتأصل، وهنالك يؤسس عرشه ويضع على رأسه تاجه المروع.

وقد يخيل إليكم في بعض الأوقات أن الاستبداد قد تهدم صرحه، وتقوضت دعائم بنيانه، وقضى على آثاره ومعالمه ويساعدكم على اصطناع هذا الظن زوال ظواهره وعلاماته، يرى الحقيقة، لو تأملتم مليا، أنه ما يزال حيا في كل جانب، مضطرب هواه في كل فرد.

وعلى سبيل المثال أقول: إنكم تجدون أناسا يطالبون بالحرية بأعلى أصواتهم ويتحمسون لها غاية الحماسة، ولكنهم في الوقت نفسه لا يحترمون حرية الجار مثلا. . فعند أول اصطدامهم بهذه الحرية تجدهم يرغون ويزبدون، ويودون لو أتيح لهم سحق الشخص الذي أمامهم سحقا تاما، والقضاء عليه بأي وسيلة.

وذلك لأن عرش الطغيان لهم يهدم، وروح الاستبداد لم تقتل ولم تنبذ بعد من الأرواح والقلوب.

وهذا هو السبب أيضاً في أن الحرية في مثل هذه الأحوال قد تنقلب إلى فوضى ماحقة، لا تبقي ولا تذر، ذلك أن الاستبداد المتجمع سابقا في الفرد الواحد، يأخذ في هذه المرة طريقه إلى الظهور عند كل فرد على حدة، بعلائمه البارزة المستديمة، فيتعاظم أثره في النفوس على التدريج، ويشرع البعض في استمراء التحكم والعبث بحقوق البعض الآخر باسم الحرية ذاتها. . غبر أنه قبل أن يمكن استمرار هذا الحال طويلا تظهر الحاجة ثانية إلى كتمان أنفاس الكل، وإلى قبوع كل واحد في جلد باسم الحرية ذاتها من جديد. .

وهكذا تضطر البيئات التي لم تستأصل بعد جذور الاستبداد المعنوية من دواخلها، ولم تقض على لآثارها في نفوس ظهرانيها إلى التقلب على الدوام بين عهدين من الفوضى وفقدان الحرية، الأمر الذي يعد بلادة مجهولة العواقب لهذا المجتمع بطبيعة الحال.

لهذا فإن دستور بلاد الأحرار قد وضع لإرشاد مجتمع كهذا إلى الطرق المثلى التي يصون بها نفسه عن الوقوع في مهاوي مردية كهذه، حيث فيها القضاء الأخير على البقية الباقية من حياته وكيانه أمر محتوم أكيد.

أما ما يهدف إليه هذا الدستور فهو القضاء على روح الاستبداد في النفوس، وهدم عرشه وتاجه في القلوب، وإقامة عرش وتاج الحرية عوضا منهما.

- لقد فهمت أيها الأستاذ. واطلعت على قيمة الدستور الحقيقية، فهل تسمحون بأن ننتقل إلى نصوص المواد ذاتها الآن.

تنص فاتحة مواد الدستور على تهجين الكذب وتحريمه. . فهل يعني ذلك أن لهذه الجريمة أهمية خاصة بها؟

- نعم!

- لماذا؟ وهل يستطيع إنسان أن لا يكذب إطلاقاً؟

- الرجل الحر لا يكذب أبداً. والكذب شعار الضعاف الأذلاء الجبناء. . . في حين أن تتطلب أن يمون الإنسان قوياً، شجاعا، ذا عزيمة ماضية. . ثم إن الكذب وسيلة لإخفاء الحقيقة وسترها، وحيث تختفي الحقيقة، تكون السيادة للباطل وحده. . ولا خير في موضع يسوده الباطل ويحكمه. . إن المجتمع الذي يعرف قدر نفسه لن يسمح بذلك بحال من الأحوال، وهذا هو السبب في أن بلاد الأحرار تهتم اهتماماً خاصا بهذه الجريمة.

- لقد فهمت أيها الأستاذ! واستنارت في نظري الآن جوانب كثيرة من الماضي الغابر. . ولكن كيف يمكن القضاء على شائبة الكذب في أرجاء مجتمع كبير؟

- هذه مسألة تربية وتهذيب ليس إلا. . تبدأ في الأسرة والمدرسة وتنتهي في المجتمع. . ذلك أن الأسرة والمدرسة هما وحدهما اللتان تضعان الأساس الروحي الأول للأطفال. . وأن الطفل ليس إلا مخلوقا يقوم بتأثر أمه وأبيه ومعلميه ومحاكاتهم فحسب. . ثم لا تنس أيضاً أن الطفل الذي ينشئه أب وأم ومعلم كاذبون لا يسعه إلا أن يكون كاذباً. . لهذا وجب على كل من الأب والأم والمعلم أن يبذلوا أقصى ما عندهم من جهد للحيلولة بين الطفل والكذب على الدوام وليس ثمة وسيلة أبعد أثراً واضمن لتحقيق النتائج المرجوة من اجتناب هؤلاء أنفسهم الكذب قبل كل شيء.

أجل! على هؤلاء أن لا يسمحوا للأطفال بأن يلجئوا إلى الكذب أبداً، كما عليهم أن لا يقروا أي نوع من أنواعه مهما بدا في مظهره تافهاً بريئاً.

وموجز القول يجب أن يكون الطفل عند مغادرته الأسرة والمدرسة وانتقال إلى المجتمع مقتنعاً في أعماق نفسه اقتناعا تاماً بأن الكذب إن هو إلا داء قذر مرذول يجب تحاشيه والابتعاد عنه بأي ثمن.

أما المجتمع ذاته فهو أيضاً، لو أعد من جانبه الوسائل اللازمة لتأييد هذه الجهود الأولية، وعبئت قواته النشيطة لدعمها بغير تراخ (كان تطرد الكذابين مثلا من حظيرته كما هي الحال في بلاد الأحرار) لاختفى الكذب بلا مراء من أوساطه، ولذهب أثر بدداً من نفوس ظهرانيه إلى غير رجعة.

ولكن المجتمع الذي ينتهج عير هذه الخطة، فيعتبر البراعة في الكذب عبقرية ونبوغا، وينظر إلى النجاح الذي عماده التدليس نظره الإعجاب والإكبار، ويحترم الرجال الذين تحقق لديه كذبهم ونفاقهم، أجب! إن مجتمعاً كهذا ليضطر اضطراراً إلى الإذعان لكل ما يورثه إياه داء الكذب من الذل والهوان، ويجلبه له من الكوارث والنكبات.

ففي مجتمع كهذا لا يثق إنسان ولا يعول البعض على الآخر كما لا يبغي أي مجال للمشاركة في أي عمل يقوم على أساس سليم، أو تنفيذ أية خطة بطريقة اشتراكية ناجحة. . وهكذا ينعدم الأمل في ضمان أي نوع من الرقي والازدهار، فيتردى المجتمع شيئا فشيئا، ويأخذ طريقه إلى الهاوية والاضمحلال.

- آه أيها الأستاذ! إنني كنت أيضاً أشاهد هذه الحالات منذ مدة بعيدة. . ولكني لهم افهم عللها ودواعيها إلا في هذه اللحظة. . والآن هل لكم أن تتفضلوا بشرح حكمة المادة الثالثة؟

- حبا وكرامة!

- تقضي هذه المادة بفرض عقوبة قاسية كالرجم بالأحجار على مرتكبي جريمة الرياء والتملق. . وفي الحق أنني لم أفهم الباعث على استعمال مثل هذه القسوة الشديدة وهذا العنف الزائد، ألا يسوغ امتداح ذوي المراكز العالية، والقابضين على صولجان الحكم، والإشادة بمآثرهم؟

أليس لكل هذه القصائد الرنانة التي تملأ رحاب الأدب أي قيمة؟

ثم هناك مسألة أخرى، وهي أن جميع منابع السعادة، ومصادر النعيم موضوعة تحت تصرف، ذوي القوة والسلطان! بل وكثيراً ما يتوقف المصير وميزان الحظ على نظرة واحدة يرسلها أحد هؤلاء عفوا ومن دون قصد.

ألا يجوز في مثل هذه الحالة أن يتملقهم المرء ويأتي بما ترتاح إليه عنجهيتهم وعجرفتهم؟ - يلوح لي أن نظم هذه البلاد تبدو غريبة لمن كانوا على شاكلتك ممن ألفوا الخنوع، وترعرع في أحضان الاستبداد ولكن قل لي بربك هل وطنت النفس حقيقة على أن تكون حرا طليقا؟

- نعم!

- إذن عليك أن تقوم بتغيير ما بنفسك تمام التغيير. . لأن كل ما ذكرته الآن إنما يعود عهده إلى الزمن الذي كنت تقاسي فيه مرارة العبودية، وتعاني أوصاب الأسر. . وما دمت قد حطمت سلاسلك وقيودك وعزمت على أن تكون حرا كريما فلا مفر من أن تعلم أن المداهنة إنما هي عمل العبيد والأسرى، كما هي دليل أيضاً على ضعة الروح وهو أن النفس، وإن الرجل المتملق يكون دائما فاقداً لشرفه وكرامته.

إن رجلا كهذا يفسد حتى أخلاق من يتحدث إليه وتملقه ويتمرغ في تراب حذائه إذ يوقظ في نفسه شهوات سيئة كالغرور والعجرفة وعدم تحمل الحق والحقيقة.

ومن الأمراض والوبيلة التي ابتليت بها الجماعات الشرقية، حتى لتكاد تجهز الآن على البقية الباقية من حياتها، داء المداهنة والتملق بصفة خاصة. . وليس ثمة ما يداني هذا الداء في نتائجه المروعة وإمعانه في التهديم.

فهو ينفذ من الإنسان في خلايا الدماغ وشغاف القلب وتسرب كسموم الثعابين القاتلة بعينها فيوهن الجسم ويبليه ويشله شللا تاما.

إن الشعراء الشرقيين الذين دبجوا القصائد الطوال في المديح والثناء كانوا - بغير علم ولا هدى - من أكبر الجانين على أمتهم ووطنهم. . وبنسبة روعة القصيدة كان الدمار المعنوي مروعا مخيفاً فضلا عن التخريب الذي أحدثه المقلدون والناسجون على منوال الأوائل.

ووجه الغرابة في الأمر أن هناك كثيرا من المجتمعات التي تنشد الحرية وتتوق إلى تحقيقها لنفسها تفرض أمثال هذه القصائد نماذج أدبية على مدارسها ومعاهدها.

ليت شعري. . أيقدر هؤلاء عظم الجرم الذي يجنونه، وضخامة الجناية التي يقترفونها؟ أم ترى أنهم لا يعرفون مدى التأثير الذي يحدثه الشعر والموسيقى في القلوب الغضة والأدمغة الناشئة؟

ولكن مهما يكن من شيء فإن عمل الأمة الطامحة إلى الحرية لا يقل شأناً في هذا الخصوص عن عمل الفلاح الذي يبذر في حقله البذور ثم يذر فوقه الكبريت.

لقد حرم القانون الإنكليزي منذ القرن الخامس عشر مدح الملك، كما حرم ذمه أيضاً.

وهكذا تكون خطة الأمة الراغبة في الحرية.

للكلام بقية

أحمد مصطفى الخطيب