مجلة الرسالة/العدد 1016/إحياء المقومات الدينية

مجلة الرسالة/العدد 1016/إحياء المقومات الدينية

مجلة الرسالة - العدد 1016
إحياء المقومات الدينية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 12 - 1952


للأستاذ عبد العزيز محمد التركي

لقد اشتهر الشرق منذ القدم بأنه منبت كل دين، ومنبع كل عقيدة. منه انبعثت التعاليم الدينية، وانتشرت في مختلف أرجاء العالم، ومنه انبثقت العقائد الروحية، واستقرت في قلوب شتى الشعوب. وإن تاريخ الحضارات يشهد بأن الذي بعث الطاقة الحيوية في نفوس الشرقيين للخلق والابتكار في جميع ميادين الحياة من علم وفن ومدنية، هي البواعث الدينية التي تضع قوانين حياتهم الاجتماعية، وتنظم وسائلهم الاقتصادية، وتسن نظمهم الدنيوية. ولم تخالف مصر الفرعونية الشرق في روحيته، ولم يتخلف قدماء المصريين عن الإيمان العميق بالدين، ولم تهمل الحضارة الفرعونية في اتخاذ الحوافز الدينية محركا فعالا لنهضتها الخالقة.

لقد قال هيرودوت عن المصريين إنهم شعب تقي ورع، يخاف الله. ولم يبعد هيرودوت عن الحقيقة حينما تلتمس في قدماء المصريين تلك النزعات الدينية السامية، إذ أن تاريخهم الطويل وتراثهم الحضاري الضخم يعطينا من الأدلة ما يغنينا عن شهادته. لقد لعبت عقيدة البعث الدور الأول في بناء حضارة الفراعنة، إذ أن إيمان المصريين بحياة أخرى بعد الموت، حصر همهم في الاستعداد لهذه الحياة. وتحت تأثير هذه العقيدة الدينية نشأت العلوم والفنون، وتحت رعاية رجال الدين تقدمت حتى بلغت حدا من الكمال لا يدانيه إلا ما تمتاز به الحضارة المعاصرة من رقي وتقدم.

آمن قدماء المصريين بعودة الإنسان إلى الحياة مرة أخرى، ولكن عقيدتهم تشترط لإمكان تمتع الإنسان بهذه الحياة الثانية: أن يبقى الجسد سليما لا يعتريه التلف، لأن الروح لا ترجع إلى جسد فاسد؛ وإن نال البلى من الجسد فإن الروح مصيرها الهلاك والفناء. فحرص قدماء المصريين على المحافظة على جثث الموتى حرصا على الخلود. ولقد كان هذا الحرص من أقوى البواعث الدينية التي ساعدت على وضع أسس حضارة تبرز ذكراها جميع الحضارات القديمة، فلا نعجب إذا نشأت الحضارة الفرعونية مع بناء المقابر، وتطورت مع تطورها. وكانت أولى المحاولات التي استعان بها قدماء المصريين على المحافظة على الموتى، هي دفن الميت في حفرة بسيطة تردم بالتراب والرمال، ولك هذه الطريقة لم تصن الجسد. فلما قويت عقيدة البعث في النفوس وازداد تأثيرها في العقول، أظهروا احتراما أعظم للموتى، فوضعوا فروع الأشجار على هيئة صندوق خشبي داخل القبر، كما دفنوا مع الميت بعض أنواع الطعام التي كانوا يظنون أن الروح تطعم منها، ولكن سريعا ما كان يتآكل الخشب، ويعتري الجثث الانحلال، مما دفع قدماء المصريين في صيانة جثث الموتى ما عرفوا صناعة الطوب اللبن، أو لتأخرت صناعته بعض الأجيال، ولا شاع بناء مختلف المباني من منازل وغيرها من هذا الطوب. ولكن الطوب اللبن ليس من المتانة بحيث يقوى للصمود حتى يوم البعث، فأستبدل به الأحجار الجيرية التي استخدمت في بناء المصاطب. وأحدث بناء المصاطب من الأحجار الجيرية ثورة خطيرة في فن البناء، ساعدت على ظهور بعض العلوم الرياضية من حساب وهندسة، وضح أثرها في إقامة الأهرام التي يحتاج تشييدها إلى مهارة معمارية تستعين بالفن الهندسي، وتستند إلى عمليات حسابية دقيقة. وهكذا كان الحافز الديني لحفظ الموتى من التلف من أهم البواعث التي عملت على تقدم فن المعمار، ووجهت اهتمام المصريين إلى وضع أسس علمي الحساب والهندسة.

ولم تقف عناية الفراعنة بالموتى عند حد بناء مقابر متينة تحميها، وإنما امتدت هذه العناية كذلك إلى الجثث نفسها، واجتهدوا في سبيل الوصول إلى عقاقير تحفظها من الفساد، فاكتشفوا التحنيط معجزة العلم الفرعوني. ولقد أتاحت عمليات التحنيط من نزع المخ وفتح الجنب وإخراج الأحشاء وغسل البطن بعقاقير خاصة ثم خياطة الفتح، فرض دراسة جسد الإنسان، ومعرفة كثير من أجزائه ووظائفها، والإقدام على إجراء كثير من العمليات الجراحية المتنوعة، كما هيأت الظروف لفحص خواص بعض النباتات العلاجية لإعداد العقاقير وتركيب الأدوية التي تدفع عن الإنسان المرض. وعلى هذا النحو حثت عقيدة خلود الروح على اكتشاف فن التحنيط الذي مهد إلى تقدم الطب وفن الجراحة في عهد الفراعنة تقدما فاق تقدم جميع الشعوب التي عاشت في العصور القديمة.

وبالرغم من كل هذه الاحتياطات لم يطمئن قدماء المصريين كل الاطمئنان إلى متانة المقابر، أو يثقوا كل الثقة في مهارتهم في التحنيط، واعتقدوا أن جثث الموتى ما زالت عرضة للتلف، فاستعانوا بآلهتهم، وطلبوا منها العون والمساعدة لتحفظ أجسادهم من البلى الذي يهدد أرواحهم بالفناء، فكانت تتلى بعض الأدعية التي تدفع عن الميت الأشرار. ولما أخذت هذه الأدعية في الازدياد والتكاثر بمرور الزمن خاف الكهنة عليها من النسيان، فدعت الحاجة إلى تدوينها؛ فاخترعت الكتابة الهيروغليفية وهي كتابة رمزية تستخدم الصور في التعبير، وسرعان ما استعان بها المصريون في حماية الموتى، فدونت على جدران المقابر والأهرام أدعية وطلاسم ظن أنها تحفظ الموتى، وتحول المآكل والمشارب المرسومة إلى حقائق، كما وضع في توابيت الموتى لفائف من ورق البردي تحوي تعاويذ تحفظ الروح من الأخطار، وتقيها أشرار القبر.

فالرغبة الأكيدة في بقاء الجسد سليما دعت إلى اختراع الكتابة التي سرعان ما عم استخدامها في الوثائق العامة والتجارية، ثم نشأت كتابات أخرى أكثر منها اختزالا، خرجت من مصر، وانتشرت في بقاع العالم المتمدن في ذلك الوقت. ولما احتاجت الكتابة إلى ورق اخترعت صناعة الورق وتقدمت على أيدي المصريين حتى أصبحت سلعة مربحة وهامة، تباع في الأسواق الخارجية. أما الكتابة على جدران المقابر فتتطلب مهارة في الرسم والنقش والتصوير، لأن الكتابة الهيروغليفية المقدسة، تعتمد على صور شتى الحيوانات والنباتات ومختلف الأشياء، فكان الحافز الديني دافعا ملهما عمل على تقدم فن الرسم والنقش والتصوير، وبرع المصريون فيه براعة يسرت رسم الخطوط وعودت المخيلة على تصور الكائنات الحية، ودربت القدرات على التعبير الصادق لحياة هذه الكائنات وحركاتها، ومرنتها على الاستعانة بالألوان الزيتية التي تظهر الصور على أنها حقائق حية، حتى خيل لقدماء المصريين أن يستغنوا عن وضع المآكل والمشارب والحاجات التي ظن أنها تلزم الميت، واكتفوا برسم صور حية لهذه الحاجات، اعتقادا بأن قراءة الروح للعبارات السحرية المدونة على الجدران، تحول هذه الصور إلى حقائق، فأنتج المصريين الشيء الكثير من روائع الفن.

وزيادة في الحرص وإمعانا في الاحتياط عمد قدماء المصريين إلى وضع تماثيل كثيرة للموتى في المقابر، حتى إذا ما لحق الجثة أي عطب، حلت الروح في التمثال فيبعث الإنسان من جديد إلى الحياة الثانية. ولكن التمثال عرضة للكسر، ولذلك وضعت تماثيل عديدة لنفس الميت، حتى إذا ما انكسر تمثال حلت الروح في آخر. وإلى هذا الاعتقاد يرجع الفضل في وجود ذلك العدد الضخم من التماثيل المصرية القديمة التي بلغ بعضها حد الإتقان الفني، مما جعلها تعتبر أجمل أمثلة النحت في العالم، لأنها تتوخى بساطة وإنسانية عبر عنها في يسر ورشاقة. وفن النحت يحتاج إلى أحجار ومعادن، فجد الفراعنة في سبيل استخراج هذه الأحجار والمعادن من المحاجر والمناجم التي نظم استقلالها، وأصبحت تشغل كثيرا من الأيدي العاملة، وتدر على خزانة الدولة مالا وفيرا.

لقد كانت عقيدة البعث الباعث الأول على وضع أسس كثير من العلوم والفنون والآداب. ولقد كانت الديانة الفرعونية تقدم الحوافز والأفكار التي هيأت وضع أصول العلوم الرياضية، ومهدت السبيل لتقدم الطب وفن الجراحة، وساعدت على رقي فن البناء وفن الرسم والنقش والتصوير، وفن النحت، وأدت إلى اختراع الكتابة وظهور الآداب الدينية، ودفعت إلى اكتشاف صناعة الورق وتنظيم استقلال المحاجر والمناجم. فكان لهذا الباعث الديني الفضل الأول في قيام الحضارة الفرعونية، بل كان السبب الوحيد في اطراد نموها وتطورها، وظلت هذه الحضارة محافظة على كيانها آخذة في الرقي والتقدم، ما دامت تستوحي عقيدة البعث، وتستلهم الإيمان بخلود الروح، ولكنها اضمحلت حين بدأت تخبو العقائد الدينية في النفوس، وأصبح لا سلطان لها على القلوب.

ويؤمن المصريون بدين جمع شمل العرب، ووحد قبائلهم، وكون منهم دولة، حفزها للخروج من شبه الجزيرة العربية في سبيل إعلاء كلمة الله، فاستطاع العرب على قلة عددهم وعددهم من أن يدركوا أمما عريقة في المدينة، وأن يهزموا شعوبا ظلت قرونا تسيطر على العالم، وذلك لأن الدوافع الدينية ملكت قلوبهم، وغرس الإسلام في نفوسهم روح الاستشهاد، فبذلوها رخيصة حبا في نصرة دين خاتم الأنبياء، وبغية الفوز بالجنة يوم نبعث أجمعين.

وظلت أفئدة المسلمين تطوف بالقرآن الكريم سابحة في ملكوت آياته البينات، تحرص عليها حرصها على أعز ما تملك. فلم يتوانوا في تدوين القرآن، ولم يفرطوا في العناية بلغته، فكانت اللغة العربية اللغة الرسمية في جميع أرجاء الإمبراطورية الإسلامية، وسارعوا بوضع قواعد النمو العربي بضبط قراءة القرآن وفهم معانيه. ولما انشغل علماء اللغة بإظهار ما في القرآن من إعجاز بلاغي ألفت الكتب في البلاغة العربية، ولما شغفت العقول بالتعمق فيما أورده القرآن من تعاليم وأفكار وأسرار انكبت على تفسيره، ولما صادف المفسرون قصصا وأخبارا وردت في القرآن رغبوا في تحديد زمن وقوعها ومعرفة ظروفها وأسبابها، مما دعا إلى ظهور كتب تتناول هذه القصص والأخبار، فمهدت لقيام علم التاريخ، وأخذت موضوعات التاريخ تتسع عندما اهتم المسلمون بتتبع السيرة النبوية وسلوك الخلفاء الراشدين. فكان الحرص على القرآن من أولى البواعث الدينية التي حضت على خلق جو ثقافي أوجد كثيرا من العلوم مثل النحو والبلاغة والتفسير والتاريخ.

ولم يكن الإسلام مجرد عقيدة دينية تلزم من يعتنقها أداء ما تفرضه عليه من عبادات، بل كان محور الحياة الاجتماعية، فاستمدت منه التشريعات التي تنظم العلاقات بين الأفراد والجماعات، وسن المسلمون القوانين التي أسست علم الفقه وأصوله، وبذلك بعث قرآن الإسلام نهضة فكرية دربت الأذهان على استغلال العلم واستنباط القوانين، حتى إذا ما أخذت الحركات المناهضة للإسلام تشتد في هجومها، وتتذرع بالمنطق، وتطعن تعاليمه بالفلسفة، وتناقش معجزاته مناقشة عقلية، قام بالرد على هذه الحملات طائفة من العلماء ساهموا بما أتوا به من حجج لدحض ما ألصق بالإسلام من افتراء بوضع أصول علم الكلام الذي ما وجد إلا ليدافع عن معتقدات الإسلام، وتسلح في دفاعه بسلاح أعدائه؛ أي الفلسفة والمنطق، فانتشرت الدراسات الفلسفية بين المسلمين ونبغ فيهم فلاسفة حملوا شعلة العلم والثقافة إلى أن استلمها منهم الغربيون. .

ولم يقف أثر الإسلام في الحياة الثقافية عند النواحي الأدبية والاجتماعية، بل تعداه إلى العلوم الرياضية خصوصا الحساب. ذلك العلم الذي يحتاج إليه خبراء التوريث في مهام عملهم، لأن كل من يشتغل بعلم الفرائض الذي يحدد نسبة ميراث كل فرد حسب الشريعة الإسلامية يجب أن يجيد مختلف عمليات الحساب، ولذلك وجب على الجميع تعلمه فتوفر المسلمون على دراسته، فعرفوا الأرقام العربية البسيطة السهلة المتداولة بيننا الآن، وأخذها الغرب عنهم، وترك أرقامه الرومانية المعقدة الصعبة، ففتحت الأرقام العربية آفاقا جديدة لعلم الحساب. ولقد أدى تعلق المسلمين ببحث العمليات الحسابية إلى الاهتداء إلى (الصفر) الذي كان له أهمية كبرى في مستقبل العلوم الرياضية. وكذلك قاد اهتمام المسلمين بالحساب إلى اكتشاف علم الجبر وبذلك مهدوا السبل لتقدم العلوم الرياضية فيما بعد حين بدأت نهضة الغرب الحديثة.

إن الإسلام كان على الدوام يعاون العلوم التي تخدمه، ولم يوجه المسلمون أية عناية جدية لعلم من العلوم إلا إذا كان يدعم أحكام الإسلام. وكذلك لم يعاون الإسلام فنا من الفنون إلا إذا هدف إلى نشر تعاليمه. وما اهتم المسلمون ببعض الفنون إلا لأنها تحقق فرائض دينهم، وتهيئ السبل لأداء عباداته. وإن لم يكن للعرب قبل الإسلام فن يذكر، إلا أنه لم يكد يحس المسلمون بحاجتهم إلى أماكن لإقامة فريضة الصلاة حتى بدأ يبزغ الفن الإسلامي في الوجود، وأخذ يترعرع في رحاب المساجد بيوت الله، فبعد أن كانت المساجد الأولى مجرد أبنية بسيطة أعدت للصلاة والوعظ؛ سرعان ما تطور الفن المعماري الإسلامي، وأصبح من بين المسلمين فنانون مهرة، أقاموا كثيرا من المساجد والأبنية الدينية كالمدارس والتكايا ذات المصلى! معبرين فيها عن أفكار هندسية تنم عن بصيرة فنية حاذقة. لقد شيدت معظم المساجد على نظام تقليدي أوحاه الإسلام، فأصبح كل مسجد يشتمل على منبر ومحراب وصحن وإيوان وقباب ومئذنة، وكلها تقريبا من إبداع القريحة الإسلامية الفنية.

ولما توخى المسلمون في بناء المساجد أن تكون فخمة رائعة مهيبة، لتدل على ما في الإسلام من عظمة وقوة، زينت جدران المساجد بنقوش وزخارف، فبرع المسلمون في الحفر. على الأحجار وفي رسم الزخارف خصوصا الزخارف الهندسية، وفي نقش الآيات القرآنية بخطوط جميلة خلابة تظهر فن الخط العربي.

وهكذا أخذت ترتقي شتى العلوم والفنون التي كان لها علاقة وثيقة بالإسلام والقرآن، عندما كانت العقيدة الدينية قوية في النفوس، بينما خبا نور الإيمان، فضعف الوازع الديني وهزل الحماس للإسلام، وتدهورت جميع العلوم والفنون التي بعثها واحتضنها حتى بلغت مرتبة ممتازة من الكمال، مما أدى في النهاية إلى انحطاط الحياة الثقافية، واضطراب أحوال المسلمين، لأن سر قوة المسلمين تكمن دائما في العمل على قوة الإسلام.

نحن المصريين أحفاد الفراعنة الذين أنبتت عقيدة البعث مشاعرهم الدينية، وأمدت عقولهم بطاقات خارقة لم تتوان في ابتكار مجد حضاري يجد العلماء لذة فائقة في التنقيب عنه. ونحن المصريين نؤمن بدين الإسلام باعث حضارة العرب وخالقها، وحملت الشعوب الإسلامية مصر لواء الإسلام وارتضت زعامتها الدينية والثقافية. فنحن المصريين إذا ورثة الفراعنة وحماة الإسلام، انصهرت في نفوسنا ديانات روحية تثير الوجدان، وتنشط العقل؛ فلقد حفزت عقيدة الخلود على تأسيس حضارة برعت في العلوم والفنون، وحض الإسلام على تكوين إمبراطورية فسيحة الأرجاء تدين بتعاليمه، ودعا إلى قيام حضارة جدت في خلق كثير من العلوم والفنون. فالمشاعر الدينية والعواطف الروحية تلعب على الدوام دورا هاما في تطور حياتنا الثقافية. ولقد سبق أن أخبرنا التاريخ بأنه ما من فترة ضعف فيها الوازع الديني في نفوس قدماء المصريين، وخبا نور الإسلام في قلوب المسلمين، إلا اضمحل الفكر؛ وتأخرت الحضارة، وتفككت أوصال البلاد، وتدهورت أحوالها، وتعرضت للغزو الأجنبي.

ألا يوحي كل ذلك بأننا لا نملك أن نقيم حضارة تخرجنا مما نحن فيه من تخلف فكري ما لم نفزع إلى دوافعنا الدينية نستنهض بها هممنا، ونحث عقولنا على الخلق والابتكار، وما لم نسع من أجل إحياء مقوماتنا الروحية إحياء يحرك أذهاننا الخاملة، ويلهم نفوسنا، ويساعدنا على إظهار ما نملك من نبوغ قد يسوقنا إلى اكتساب مهارات ترفع من شأننا في خضم الحضارة الحديثة، لأن حيوية الجو الديني الذي يجب أن تعيش فيه عقولنا يدعها تحس بأنها تعيش في بيئة ترتاح إليها، وتشعر بأنها تسكن في بيت تألفه ويألفها، فتنساب وتنطق، لا يعوقها عائق، وتأخذ في الإبداع دون تعثر. ولكن إذا مات الجو الديني الذي يجب أن تتربى فيه عقولنا، وخرب البيت الذي تعودت أن تنشأ نفوسنا بين جنباته مات الباعث الذي يوحي إلى عقولنا بما تخلق، وخربت نفوسنا فتفقد انطلاقها وانسيابها، وتظل حبيسة الجمود والركود، فتشل المواهب وتعطل القدرات. وإذا ما طال أمد الركود، فقد يؤدي في النهاية إلى ضرب من الجدب العقلي، يشعرنا على الدوام بنقص يغرس فينا ميلا للأخذ من الغير. وبدل أن نعتمد على استعداداتنا ومهارتنا نركن إلى طلب عون ممن صقلت استعداداته، وبرعت مهارته، وبدلا من أم نستوحي مقوماتنا النفسية نتكالب على ثقافة من نظن أنهم بلغوا الكمال في كل ما تناولوه من علوم وفنون، وفي هذا انتحار فكري ما بعده انتحار، لأن الفكر المستضعف قد يتولاه الخمول، ويقعده الكسل عن أي إنتاج. وقد يعجزه الشعور بالنقص في آخر الأمر عن النهوض، ويربطه بعجلة ذلك الفكر الغريب عنه بتهافته النهم على ما يتساقط من موائده الشهية من فتات لا تغني ولا تشبع، لأنه ارتضي العبودية الفكرية، ولم يحاول أن يبحث عن الطرق والوسائل التي تحرر روحه من أغلالها، وتحطم القيود التي تحول دون انبثاق مواهبه وشحذ استعداداته.

عبد العزيز محمد التركي