مجلة الرسالة/العدد 1016/من سير الخالدين

مجلة الرسالة/العدد 1016/من سير الخالدين

مجلة الرسالة - العدد 1016
من سير الخالدين
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 12 - 1952


حياة المازني

للأستاذ محمد محمود حمدان

(قل بين الصبيان من اتفق له ما اتفق لي من التجارب)

(المازني)

- 4 -

في التدريس

نال المازني إجازة التدريس من مدرسة المعلمين العليا (1909) وهو إذ ذاك شاب في التاسعة عشرة لم يطر شاربه، فكان يستعجل مظاهر الرجولة في نفسه. . (فأحلق وجهي ثلاث مرة في اليوم لعل ذلك يعجل بإنبات الشعر، فقد اشتهيت أن يكون لي شارب مفتول وخدان كأنما سقيا عصير البرسيم!).

وكان من أوائل المتخرجين فعينته الوزارة مدرسا للترجمة بالمدرسة السعيدية، ومنها نقل إلى المدرسة الخديوية. وكلفته الوزارة في ذلك الحين تدريس مبادئ اللغة العربية للأساتذة الإنجليز بمدارسها فترجم لهم فصولا من كتاب (كليلة ودمنة) غير معتمد في ذلك على الترجمة الإنجليزية كما يقول الأستاذ العقاد.

ولم يلبث أن وقعت بينه وبين وكيل المعارف جفوة نقل على أثرها إلى مدرسة دار العلوم. وكان هذا النقل في ظاهره (ترقية) وإن لم يكن كذلك في حقيقته، لأن مهمته فيها كانت تدريس مبادئ الإنجليزية لطلبة دار العلوم. ولم يسترح المازني إلى هذا التكليف فكان من الأسباب التي حملته على ترك وزارة المعارف بعد ذلك بقليل.

ولا شك أن تلك الجفوة تدلنا على ما كان يعتصم به المازني من الإباء والضن بالكرامة في وسط شارع فيه التزلف والرياء. وقد كان المستشار الإنجليزي (دنلوب) في ذلك الحين رب الوزارة والحاكم بأمره فيها، فلم يكن كبير أو صغير إلا ويرهب صولته ويتقي غضبه. ولكن المازني لم ير فيه ما يرهب أو يخيف حين دعي يوما لمقابلته ليسأله المستشار رأيه في بعض المدرسين الإنجليز. وتفصيل ذلك ما نرويه عنه:

(اتفق يوما - في آخر عهدي بالتعليم في الوزارة المعارف - أن قصدت إلى مدرسة دار العلوم، وكنت معلما بها، فألفيت ناظرها - وهو مصري - على بابها، فاستقبلني بالاحتجاج على تأخيري، فاستغربت وبينت له أنه لا يزال على موعد دروسي نصف ساعة. فصاح (من قال إننا نريد منك اليوم دروسا؟ إن جناب المستشار يطلبك! وقد بعث إليك رسولا فكيف لم تعلم؟) فطمأنته وطيبت خاطره وقلت (إني سأذهب إلى الوزارة بعد الفراغ من دروسي). فكأنما ألقيت على النار حطبا، فقد جعل يصيح على الباب وأمام المارة - (يا خبر أسود! وجناب المستشار حتى تفرغ! هل تريد أن تخرب بيوتنا؟ رح غليه حالا! الآن!). فركبني عفريت الشباب المتمرد، وكنت أكره هذا الناظر ولا أحترمه فأبيت أن أذهب إلا إذا أعطاني أمرا كتابيا بإعفائي من التدريس في ذلك اليوم. وقصدت إلى الوزارة فإذا على رأس السلم طائفة من كبار الموظفين المصريين فجعلوا يشيرون إلي كالمجانين ويأمرونني أن أجري. وكيف بالله كان يستطيع أن يجري من كسرت ساقه ولم يبرح بيته إلا منذ أسبوع؟. . وقابلت المستشار ومعه كبار الإنجليز وسألني عما أراد فجاوبته، وانصرفت وأنا أستغرب وأتساءل عن ذلك الغول الذي يرعب كل هؤلاء الرجال أين هو؟ ولاحظت وأنا منصرف أن رؤوسا أو وجوها تطل من الأبواب المواربة، ولا شك أنه أذهلهم أن يروا مدرسا صغيرا يدعى لمقابلة المستشار).

ولم يكن هذا الشعور من المازني تكلفا للعظمة أو تظاهرا بالاستخفاف، ولكنها طبيعته التي تملك عليه أمره في كل كبيرة وصغيرة. وكاد يستقيل من الوزارة حين بدا لهم أنها تنظر إلى المعلم نظرتها إلى طوائف (الموظفين) وأنها لا تقدر رسالته تقديرها الصحيح. ويروي أنه مرض يوما (. . فطلبت إجازة، وأبطأ الطبيب وشفيت قبل أن يحضر، فطالبتني الوزارة بتقديم شهادة طبية تثبت أني كنت مريضا، فكتبت إليها أنه لم يعالجني طبيب فعادة تطالبني بالشهادة الطبية، فكتبت أنبهها إلى أنها، في الواقع، تكلفني أن أحمل طبيبا على التزوير. وكثرت المكاتبات العقيمة فسئمت؛ فكتبت إليها أني معلم، وقد كان المسيح عليه السلام يدعي المعلم، وكان أرسطو يسمي المعلم الأول، وأني مؤتمن على عقول مائتي تلميذ وزيادة فيجب على الأقل أن أعد صادقا وإلا فإنني أوثر أن أستقيل من وزارة تنظر إلى معلم هذه النظرة).

وقد كان المازني كما ذكرنا مدرس ترجمة. فحدث عند نقله إلى المدرسة الخديوية أن اختارت الوزارة لتدريسه مادة الحساب. وبين المازني والحساب، والرياضيات عامة، عداء قديم ونفور طبيعي لا يخفيه، أو كما يقول هو (لا أكتم القارئ أني أخيب خلق الله في الحساب). . فلا بد إذا من تفادي هذه الورطة! ولكن كيف السبيل؟

يقول المزني وهو يروي هذه القصة في كتابه الساخر (رحلة الحجاز):

(. . اعترضت واحتججت، فما أجدى عني اعتراضي شيئا، فقصدت إلى ناظر المدرسة - وكان إنجليزيا - وقلت له: إن وزارة معارفنا تعتقد أن كل امرئ يصلح لكل شيء؛ ولكني أعرف من نفسي أني لا أصلح لتعليم الرياضة عامة والحساب خاصة، وأصارحك أني لا أصدق أن واحدا في واحد يساوي واحدا، هذا، كما يقول شاعر عربي، كلام له خبئ معناه لبست لنا عقول. وقد تكون أولا تكون لنا عقول؛ هذه مسألة خلافية ندعها الآن، ولكن المحقق عندي أن العلوم الرياضية وفي جملتها هذا الحساب لا تدخل في دائرة عقلي، فهل لك في عوني على ما أريده؟ فضحك وقال: وما تبغي؟

قلت: تعفيني من التدريس للفرق العليا؛ وتقنع بأن تكل إلى تلاميذ الفرقة الأولى، أعني الحاصلين على الشهادة الابتدائية في هذا العام ليتسنى لي أن أحفظ الدرس أولا فأولا، ثم ألقيه عليهم، فنتعلم معا، وفي خلال ذلك تبذل وساطتك لتردني مدرس ترجمة كما كنت.

فسرته صراحتي ووعدني خيرا. وشرعت في العمل، وكنت احفظ الدرس جيدا وأراجع زملائي ثم أدخل على التلاميذ وألقنهم ما حفظت، وقد وفقني الله في الهندسة والجبر، أما الحساب فأعوذ بالله منه!! كنت أخطئ في كل مسألة أطرحها على التلاميذ، ولم أكن أكتمهم أني أجهل منهم وأن الذنب للوزارة وليس لي، وأن الوزارة هي المسئولة عن خلطي وتخبطي، وأنصف التلاميذ فأقول إنهم قبلوا عذري واغتفروا لي ضعفي وجفوني بعطفهم ولم يبخلوا علي بإيضاح ما يشكل علي وبهدايتي إلى الصواب حين أضل، وكنا أحيانا - إذا استعصى عليهم إفهامي طريقة الحل - تقضي بضع دقائق في ندب سوء حظي وحظهم، وربما قال الواحد منهم وقد فاضت نفسه بالعطف علي والمرثية لي: كيف ترتكب الوزارة مثل هذا الخطأ الشنيع فتعهد إلي تدريس العلم إلى جاهل به؟ ولم ينقذني إلا مفتش إنجليزي جاء على عادته ليشرف على سير الدراسة، فعلمت أنه مع الناظر في غرفته، وكانت مجاورة للغرفة التي أنا فيها، فأوصيت الخادم أو الفراش كما يسمونه - بأن يدعوه إلي، حين يخرج، وفتحت الباب على مصراعيه فلما دخل علي رحبت به واحتفيت بمقدمه وسرت به إلى مقعدي ومكتبي؛ وهناك سلمته كراسة التحضير وكراسة الأسماء، وإصبع الطباشير وممسحة السبورة، وقلت له: التلاميذ أمامك، ومعك كراساتي وأدواتي، فسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وخرجت، فجرى روائي وأدركني أمام غرفة الناظر وقال: إن هذا جنون. فعد إلى فرقتك. فقلت: جنون؟ وهل كنت تنتظر أن أظل عاقلا؟ لقد صارحتكم مائة مرة بأني حمار؛ فماذا تريدون؟ إن لي ذمة، وذمتي لا تقبل أن أضيع على التلاميذ المساكين سنة من أعمارهم. قال: ولكني أكدت لك أننا لا نجد مدرسا للرياضة فيحل محلك. فأنتظر حتى نجد واحدا ثم نعيدك إلى الترجمة. فقلت: كلا! تتولى أنت التدريس حتى تجدوا المدرس، وأنا مستعد أن أقوم عنك بمهمة التفتيش. فضحك، وضحك الناظر وكان قد خرج على صوتنا، ولا أطيل: أقنعاني بالعودة إلى فرقتي على ألا يطول عذابي إلا أياما معدودات، وقد كان).

واتفق عام 1915 أن أصدر المازني كتابا في نقد (شعر حافظ) وكان يمثل في رأيه المذهب القديم. وهو مجموعة مقالات كتبها قبل ذلك بعامين ونشر بعضها في مجلة (عكاظ) ثم جمع متفرقها وطبعها. وظهر الكتاب وكان له دويه. فلم يكن أحد في ذلك الحين ليجرؤ على نقد حافظ وهو آمن، فساءه النقد، واضطهد المازني - وهو مدرس - وأوصى به الرؤساء شرا. وغضب المازني لكرامته فاستقال.

ويحدثنا المازني أنه راجع نفسه وندم يومه على الاستقالة، وساورته المخاوف وأدركه الجزع من أن تضيق الدنيا به، وكانت الحرب على أشدها والغلاء ضارب إطنابه. وأرق ليلته، فوجد أمه بجانبه لتقول له (لا عليك يا بني. لقد تعلمت كل ما يمكن أن تتعلمه هنا. فما خير ذلك إذا عجزت عن الانتفاع به في الحياة؟ ولماذا لا تستطيع أن تعمل إلا في الحكومة؟ لقد كنت أنا مستعدة أن أعمل بيدي في سبيل تربيتك، فكن أنت مستعدا أن تعمل حتى بيدك إذا احتاج الأمر؛ وثق أنك لن تخيب فإني داعية لك راضية عنك. قم فنم وتوكل على الله!) ثم كان أن دعاه الشيخ عبد العزيز جاويش للعمل بمدرسته (الإعدادية الثانوية) واختار له مادة التاريخ. ومن زملائه في هذه المدرسة الأساتذة العقاد والزيات وأحمد زكي.

وقد كان المازني مدرسا ناجحا، وكان ما بينه وبين تلاميذه عامرا قائما على التوفير والتقدير، إذ كانوا شبانا وكان هو كذلك لا يكبرهم إلا قليلا. والتقارب في السن أدعى إلى التجاوب وحسن الأخذ والتلقي. وكان نمطا جديدا في الأساتذة لا عهد للتلاميذ بمثله. ولم يكن اعتماده في تحضير الدروس وإعدادها على الكتب المقررة أو الموضوعة، بل كان يعتمد على موهبته الشخصية ومحصوله الخاص. وكان الأثر الذي خلفه في نفوس تلاميذه قويا موحيا، فدلتهم طريقته الفريدة في ذلك الحين على حقيقة مدرسهم وأي أستاذ عظيم هو وفي الحادثة التالية التي يرويها الأستاذ عبد الرحمن صدقي - وهو من تلامذة المازني في المدرسة الخديوية لذلك العهد ما يقوم دليل على ما كان للأستاذ الشاب من مكانة في نفوس تلاميذه لم يكونوا يعرفونها لأساتذة الطراز القديم.

يقول الأستاذ صدقي: (في ذات يوم دخل علينا - على غير علم منا - في درس ترجمة أستاذ غير أستاذنا. ومما زاد في غرابة أمره أنه كان على نقيضه، فهو شاب من أهل جيلنا لا يكبرنا إلا قليل. وهو قصير القامة نحيل غير جسيم. ثم إنه لا تركب أنفه نظارة غليظة العوينات كصاحبنا. وهو لا يتهادى في مشيته إلى المنصة، بل قد مشى إليها مشية غير متكلفة، بخطى متزنة لا سريعة ولا متئدة. وهاهو ذا يستقبلنا بوجه مخروط ترين على وسامته صفرة نعرفها في أنفسنا قبيل الامتحان من معاناة الدراسة وطول السهر. وهاهو ذا يطالع جمعنا من غير تخصيص ولا تحديق، بناظرين نفاذين وقاذين، فيهما عمق وحزن من غير وحشة وانقباض.

وقامت في الصفوف المتأخرة كمألوف العادة هينمة ولغط، وهب تلاميذ الصف الأول للتحية واقفين، ونهض الذين من بعدهم بعضهم النهوض متئاقلين، وظل الآخرون قعودا متجاهلين ولكن الأستاذ لم يفارقه سكونه المترفع الحزين، وكان فوق منصته العالية كأنما يستوي في نظرته العابرة ونفسه الكبيرة الشاملة، أهل الطاعة وأهل المعصية، ثم أجمل التحية في غير استكراه ولا زلفى.

ودق الأستاذ الشاب في لطف على المنضدة. وبادرنا دون أن يرفع صوته: أخرجوا كتاب أدبيات اللغة العربية. فاستولت علينا دهشة وتملكنا العجب، فللترجمة كان الدرس لا للأدب! وقبل أن ينقضي عجبنا ونفيق من غاشية ذهولنا، أومأ الأستاذ إلى أحدنا، وطلب إليه في غير احتفال أن يفتح الكتاب على أية صفحة وأن يجهر بتلاوتها علينا. ثم توجه إلينا بالدعوة إلى مراجعتها والشروع على الفور في ترجمتها. ولا تسل عما دخل على نفوسنا من هذا الارتجال. إنها - على طول الفترة - أول مرة يجري فيها درس الترجمة على خلاف الخطة. وليت الأمر وقف عند هذا القدر. بل بلغت الجرأة بأستاذ الترجمة المحدث أنه لم يأخذ لدرسها أدنى أهبة، ثم كان من ذهابه إلى غاية المدى أنه لم يكن له شأن حتى في اختيار القطعة.

في هذه اللحظة، لو أن متسمعا تسمع لقلوبنا الصغيرة لألفاها جميعا تنبض بلحن واحد: يا للعظمة! يا للعظمة!

واسترقنا النظر إلى الأستاذ الشاب القصير النحيل، فإذا هو غيره قبل تلك اللحظة. إنه ملء عيوننا روعة، وملء صدورنا هيبة!

ولم يحدث خلال السنوات العشر التي أنفقها المازني في التدريس، أن احتاج إلى أن يعاقب تلميذا أو يوبخه أو يقول له كلمة نابية. وكان لقرب عهده بالتلمذة وسابق تجربته وخبرته بشقاوة التلاميذ، أعرف بما يقابل به الرغبة الطبيعية في هذه لشقاوة، ومما يدل على تلك المقدرة عنده هذه الحادثة التي يرويها.

(اتفق يوما أن دخلت الفصل فإذا رائحة كريهة لا تطاق، وكان الوقت صيفا والجو حار جدا، فضاعف الحر شعوري بالتنغيص من هذه الرائحة الثقيلة. وأدركت أنها هي المادة التي كنا ونحن تلاميذ نضعها في الدواة مع الحبر فتكون لها هذه الرائحة المزعجة. فقلت لنفسي إنهم ثلاثون أو أربعون وأنا واحد، وإذا كانت الرائحة القبيحة تغثي نفسي فإنها تغثى نفوسهم معي أيضا. فحالهم ليس خيرا من حالي، والإحساس المتعب الذي أعانيه ليس قاصرا علي ولا أنا منفرد، وإنهم لأغبياء إذ أشركوا أنفسهم معي وقد أرادوا أن يفردوني بهذه المحنة. والفوز في هذه الحالة خليق أن يكون لمن هو أقدر على الصبر والاحتمال. فتجاهلت الأمر وصرت أغلق النوافذ واحدة بعد الأخرى لأزيد شعورهم بالضيق والكرب فلا يعودوا إلى مثلها بعد ذلك، وقد كان. فصبرت وتشددت ودعوت الله في سري أن يقويني على الاحتمال، ومضيت في الدرس بنشاط وهمة لأشغل نفسي عما أعاني من كرب هذه الرائحة الملعونة. وكنت أرى في وجوههم أمارات الجهد الذي يكابدونه من التجلد مثلي فأسر وأغتبط وأزداد نشاطا في الدرس وإغضاء عمن يرفعون أصابعهم ليستأذنوا في الكلام، فقد كنت أعرف أنهم إنما يريدون أن يستأذنوا في فتح النوافذ عسى أن تخف الرائحة ويلطف وقعها. وضللنا على هذه الحال نصف ساعة كادة أرواحنا فيها تزهق ورأيت أن الطاقة الإنسانية لا يسعها أكثر من ذلك، وأن التلاميذ خليقون أن يتمردوا إذا أصررت على عنادي المكتوم واغتنمت فرصة إصبع مرفوعة وسألت صاحبها عما يريد، فقال إنه يريد أن يفتح النافذة لأن الحر شديد. قلت افتحها. وفتحت النوافذ كلها. وتشهدنا جميعا واستأنفنا الدرس ولكن بفتور لشدة ما قاسينا من رياضة النفس على احتمال ما لا يطاق. وانتهى الدرس وخرجت فخرج ورائي ثلاثة أو أربعة من التلاميذ ولحقوا بي. وقال لي واحد منهم إنهم يأسفون لما حصل وأن الأمر كان مقصود به غيري، وأنهم يطلبون الصفح، فسررت ولكن تجاهلت وسألتهم عما يعنون. قالوا: الرائحة الكريهة التي كانت في الفصل. قلت: رائحة. . أي رائحة؟ إنني مزكوم ولهذا لم أشم شيئا فلا محل لاعتذاركم. ومضيت عنهم)

ويروي الأستاذ العقاد عن تلاميذ المدرسة الإعدادية أنهم كانوا يسمون المازني فيما بينهم باسم (تيمورلنك)، ويقول الأستاذ الكبير إن السر البراعة في هذه التسمية، هي أنه كان يدرس التاريخ، وأنه كسميه صغير الجسم مصاب بإحدى قدميه، وأنه مسيطر على التلاميذ قلما يحتاج إلى معاقبة أحد منهم لخروجه على نظام الحصة، لأنه كان مهيبا بينهم قديرا على أخذهم بمهابتهم إياه قبل خوفهم من عقابه، فجمعوا كل ذلك في اسم تيمورلنك أحسن جمع مستطاع.

وفي عام 1918 تولى المازني أمر مدرسة ثانوية، فاستغنى في إدارتها عن كثير من الأوامر والنواهي، وعن دق (الجرس) في مواعيده، ورفض أن يستعمل في مدرسته (الدفاتر) الوزارية العديدة التي تستعملها المدارس، كذلك ألغى العقوبات بكافة أنواعها، فقد كان رأيه أن المدرس الذي يحتاج إلى معاقبة تلميذه لا يصلح لمهنة التدريس، وكانت المدرسة تحت إشراف وزارة المعارف، فحدث خلافا بينه وبينها بسبب هذه (الإداريات)؛ هو يراها تافهة لا غناء فيها ولا نفع وراءها، وترها الوزارة من اللازم اللازب لحفظ النظام.

ولعل هذا الخلاف لم ينته بغير ترك المازني للمدرسة أو إغلاقها في أخريات ذلك العام، وانتقاله إلى ميدان غير ميدان التعليم.

لماذا هجر المازني التدريس؟

لعل ذلك كان زهدا فيه ورغبة عنه بعد عشر من السنين الولاء هي خلاصة العمر وصفوة الشباب. على أن المحقق انه رآه أبعد عن طبيعته وأدعى إلى تعطيل مواهبه، وأنه لا يلتقي بالأدب في ملتقى واحد، وكان يرى - كما يقول - أن الوقت الذي ينفقه في التعليم كان الأدب أولى به، أو هو مقتطع من حق الأدب، وأن التعليم لا يصله بالحياة الصلة اللازمة لفهمها. وكان يرى كذلك أن أدبه في تلك الفترة نظري بحت أو هو الأدب الذي يعتمد على الكتب ولا يستمد من الحياة إلا قليلا، فخرج في الأغلب دراسات قوامها القراءة دون التجربة.

وسبب آخر من أسباب ترك التعليم. فقد أخذت نذر الثورة المصرية (1919) تتجمع في الأفق، وتأججت في المصريين روح الوطنية وجمعت كلمتهم على القيام بها وتأريث شعلتها في وجه الاحتلال. وهي روح خبرها المازني عن كثب في هيئة مدرسته من مدرسين وتلاميذ، وممن كان يلقاهم في الطريق - بين البيت والمدرسة - من أبناء الشعب وخاصة في الأحياء الوطنية. فأعدته هذه الروح وتجاوب نداؤها الخفي بين جنبيه، وعرف أن قد آن له النزول إلى المعمعة وخوض الغمار، وأن الفرصة قد سنحت لتحقيق نيته القديمة على ترك التعليم، فأغلق المدرسة واتجه صوب الصحافة ليخدم الثورة بقلمه.

ولعله إلى جانب ذلك، قد دار بنفسه خاطر التأسي بالذين سبقوه من زملائه إلى التفرغ لرسالة الأدب مضحين في سبيلها وظائفهم الحكومية، وكانت على ذلك العهد غاية مطمح الشبان؛ وكان المذهب الجديد التمهيد له مما يحتاجون معه إلى توحيد الخطة وتجنيد الجهود. فلم يكد يحين الوقت للبدء في إعلانه والدعوة إلية، حتى شمر المازني عن ساعديه، وحمل - كما يقول - فأسه ومعوله ومجرفته ولحق بأصحابه.

يتبع محمد محمود حمدان