مجلة الرسالة/العدد 1020/تعقيبات

مجلة الرسالة/العدد 1020/تعقيبات

ملاحظات: بتاريخ: 19 - 01 - 1953



للأستاذ أنور المعداوي

بودلير في رأي سارتر

في العدد الأسبق من الرسالة باب (من هنا ومن هناك) كلمة عن (تحديد التراث الأوربي في دراسة أعلامه) للكاتب الأمريكي ويليام باريت. . قال الكاتب الأمريكي في سياق هذه الكلمة وهو يشير إلى الشاعر الفرنسي شارل بودلير: (أما بودلير فالرأي بين النقاد السكسونيين وفي طليعتهم الشاعر العظيم ت. س إليوت أن بودلير في قرارته شاعر مسيحي برغم ما يشتم في كتاباته من إلحاد. وجدير بالذكر أن جان بول سارتر الفرنسي يخالف النقاد السكسونيين في (مسيحية) بودلير. وسارتر في دراسته الأخيرة يجرد بودلير من معظم المزايا الأدبية والروحية التي وفرت له مكانته المرموقة في الأدب الغربي الحديث!).

هذه الفقرة التي نقلتها الرسالة عن الكاتب الأمريكي وهو في معرض الحديث عن رأي سارتر في بودلير، كانت مسرفة في الإيجاز بحيث لا يخرج منها القارئ بتلك المقدمات التي بنى عليها الكاتب الفرنسي رأيه في مواطنه الشاعر. . لماذا خالف سارتر النقاد ي (مسيحية) بودلير ولماذا جرده من معظم المزايا الأدبية والروحية؟ هذا هو السؤال الذي يحتاج الجواب عنه شيء من الإفاضة أو شيء من افسهاب! أما نحن فقد تناولنا هذا الموضوع يوما بالتحليل والعرض وكان ذلك منذ سنوات ثلاث، حيث قمنا إلى القراء تلخيصاً أمنياً لتلك الدراسة النفسية المحلقة التي تضمنها كتاب سارتر عن بودلير. . ولا مناص من أن نعود اليوم إلى بعض ما قلناه بالأمس، لأن هناك فريقا من القراء لم يطع على هذا الكتاب أو هذه الدراسة، ولأن هناك فريقاً آخر قد فاته أن ينظر فيما قدمناه من عرض لها وتحليل. . وكلا الفريقين يستطيع في ضوء هذه العودة التي تطوي بها الأعوام أن يفتح باب المعرفة من جديد؛ معرفة رأي الكاتب الفرنسي في مواطنه الشاعر وهو الرأي الذي يخالف به كل ما ذهب إليه النقاد!.

من هو بودلير في رأي سارتر؟ أنه الرجل الذي كان يفتش عن الآلام في كل مكان، ويسعى إليها سعيا متواصلاً يثور عليها آخر الأمر تلك الثورة السلبية العاجزة التي لا تدف شراً ولا تدرأ خطيئة. . كان مثالياً بينه وبين نفسه، ولكنها المثالية القاصرة على عالم الذهن وحده لا تكاد تتعداه. وهو في (وجوده الذهني) إنسان مترفع عن كل ما يخدش الكرامة ويشين الخلق ويهبط بالسمعة إلى حمأة الموبقات، وهو في (وجوده الواقعي) إنسان غارق في لجج الإثم ضال في متاهات الغي متخبط في ظلام الوزر والمعصية! يدعو إلى الشيء ولا ينفذه، ويرسم الطريق ولا يسير فيه، ويضع لحياته خط سير هو أول المنحرفين عنه والخارجين عليه. . يحب الوحدة ويتوهم أن في ظلالها راحة نفسه ونعيم دنياه، ولكي يظفر بها فلا بأس من أن ينفر منه الناس وأن يبغضهم فيه، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن يرمي شخصه بأقبح التهم وينعت خلقه بأشنع النعوت، ولا ضير من أن يشيع عن نفسه أنه قتل أباه وانحدر من الشذوذ الجنسي إلى أدنأ بؤرة وأحط مهاويه. . كل هذا ليحقق لنفسه تلك الوحدة المنشودة التي يخلو فيها إلى هواجسه بعيداً عن الناس!.

ومع ذلك فما أكثر ما يضيق بهذه الوحدة ويفزع من أشباحها الرهيبة ويفر من ظلالها الخانقة! وهو، ذلك المخلوق الذي يسمو (بأفكاره) إلى مدارج العلاقة الجنسية النظيفة، تراه يهبط (بأفعاله) إلى أقذار ما يمكن أن تلحقه تلك العلاقة بإنسان. . تراه يتصل بإحدى العاهرات ذلك الاتصال الشائن الذي يخرج منه أخبث الأمراض وأفدح العلل ثم لا يحاول أن يقصد إلى طبيب ليلتمس لجسمه المنهك، أي وسيلة من وسائل البرء والشفاء! وهو، ذلك الرجل العاجز عن تصريف أموره، المشلول الإرادة في معركة الحياة، يسعى عن طيب خاطر إلى من يشرف عليه ويرعاه؛ حتى إذا وجد (مجلس العائلة) أو مجلس الوصاية ليشرف على هذا الرجل الذي يفر من المسئوليات الضخام وغير الضخام، تراه يثور على هؤلاء (الجلادين) الذين يذيقونه الذل ويسومونه سوء العذاب! هو، ذلك الفنان الذي كان يتطلع إلى أن يظفر بمكانه بين الأعلام من أعضاء الأكاديمية الفرنسية، تراه يعبر كل درب يمكن أن يباعد بينه وبين المكان المرموق. وأعجب العجب أنه كان ينشد من كل قلبه مثل هذا الإخفاق! وهو، ذلك الشاعر الذي يخرج للناس يوما ديوانا من الشعر يطلق عليه (أزهار الشر) ليقف بسببه في ساحة القضاء. ترى أكان يهدف من وراء هذا الشعر إلى مؤازرة الذين ينادون بمذهب (الفن للفن) أم كان يهدف إلى شيء آخر تتردد أصداؤه بين جنبيه وترسب في قرار سحيق؟ أغلب الظن أنه كان يحب أن يكون منبوذا من الناس تلاحقه اللعنة في كل عمل من أعماله الأدبية والإنسانية. . وإلا لما تعمد أن يطالع الناس بهذا الشعر الذي عرضه للإدانة من جانب القضاء الفرنسي؛ وهي إدانة مادية ومعنوية!.

هو إذن في رأي سارتر رجل عاجز مضيع يحرك يديه في شتى الاتجاهات ليثير من حوله الزوابع والأعاصير، حتى إذا هبت عليه من ناحية وعصفت بكيانه وزلزلت وجوده وقف حيالها مكتوف اليدين. . رجل عاش ولكن لم يستطع أن يفسر لنا تلك الحياة التي عاشها ولا أن يكيف لنا هذا الوجود الذي خلق فيه! رجل كون مزاجه بنفسه واختار مصيره يرضاه، ثم خانته القدرة على أن يخرج من أخطائه وآثامه بمذهب يحدد ذاتيته في زحمة الوجود أو يبرر مكانه في غمار الحياة! هذه الشخصية العجيبة الغريبة المتقلبة تحتاج إلى مفتاح يعالج أبوابها المغلقة على فنون من الطلاسم والأسرار وليس هناك من كاتب غير سارتر يقدم إلينا هذا المفتاح.

بودلير الذي كان يفتش عن الآلام كان يريد أن يتعذب والدليل على ذلك يمكن أن يستخلص من أخباره وآثاره؛ أخباره الخاصة وآثاره الفنية، ولا عجب في ذلك من رجل كان يقول عن نفسه ويردد ما يقول: (أنا الجرح وأنا السكين)!. . كان يسعى إلى صهر روحه في بوتقة الألم والعذاب، وكان يحلو له أن يتأوه كلما أحس في نفسه حاجة إلى الثورة. كان يبغي أن (يضطهد) نفسه ليكون اضطهاده لنفسه عقاباً لها؛ عقابا على عجزه وضياعه وما اقترف في حقها من أخطاء وآثام! أكان ذلك من جانبه لونا من العقاب الذاتي الناتج عن تغلغل النزعة الدينية المسيحية بين جوانحه كما ذهب إلى ذلك معظم النقاد؟ إن سارتر ينبذ هذا التفسير المتهافت الذي لا يستطيع أن يقف على قدميه؛ لأن هناك أدباء أشربت نفوسهم تلك النزعة الدينية منذ المولد وخلال النشأة والتربية ثم ساروا ردحا من الزمن في نفس الطريق الشاذ الذي سار فيه، ومع ذلك فما أبعد الشقة بينهم وبين بودلير في لقاء الحياة بمثل ما لقيها به من عقبات للنفس واضطهاد للذات!.

إن المشكلة إذن ليست مشكلة تلك النزعة الدينية من قريب ولا بعيد، ولكنها المشكلة التي تتعلق بمركب النقص ومركب التعويض. . رجل كان يشعر في أعماقه أنه لا وجود له أو أن وجوده كان أشبه بالعدم؛ ومن هنا راح يلتمس شتى السبل ليقنع نفسه أو ليخدعها بأنه موجود. وهذه الخطوط المتنافرة التي كانت تحدد اتجاهات مصيره في الحياة تعود آخر الأمر لتلتقي في نقطة ارتكاز (وجودية) عمادها الكبرياء. . كبرياء الذات المهزومة!.

ما أشبه جوانب الشخصية البودليرية بعدد من (الغرف النفسية) التي تفتحا كلها بمفتاح واحد: غرفة للألم، وتسلمك هذه إلى غرفة أخرى للعذاب، وتسلمك هذه إلى غرفة ثالثة للعقاب، وتسلمك هذه إلى غرفة رابعة للسخط والثورة، وتسلمك هذه إلى غرفة خامسة للكهرباء. . نعني أنه رجل يريد أن (يجد) نفسه لأنه تائه مضطرب، وهذا هو الطريق الذي سلكه ليصل إلى ما يريد: بحث عن ألوان الشذوذ حتى اكتظت بها حياته، وحين تحقق له ما يبتغيه بدأ يتعذب، ثم طاب له أن يتخذ من هذه المرحلة معبرا إلى العقاب الذاتي الذي يتيح له أن يتبرم ويثور، وفي هذا تحقيق لكبريائه، وجوهر تلك الكبرياء الموهوم آهة حانقة على المجتمع ساقطة على الوجود. . لتشعره بينه وبين نفسه بأنه موجود!.

هذه هي خلاصة رأي سارتر في شارل بودلير؛ خلاصة تلك الدراسة النفسية التي ترفع السجف المدلاة على نوافذ هذه الشخصية المغلقة، ليندفع الضوء إلى شتى الجوانب والأركان. . وارجع بعد ذلك إلى كلمة الكاتب الأمريكي التي تفوح منها رائحة الاتهام؛ اتهام سارتر بأنه قد تجنى على مواطنه الشاعر. ارجع إليها لتدرك الفارق البعيد بين نظرتين في الحكم على بودلير: نظرة عابرة عند إليوت تؤثر الوقوف على السطح دون أن تتغلغل إلى الأعماق، ونظرة متأنية عند سارتر تميل بطبيعتها إلى رفع الحجب لتنفذ إلى ما وراء المجهول!.

حول الكاتب الفرنسي بلزاك

في العدد الماضي من الرسالة مقال عن القصاص الفرنسي بلزاك، وهو تلخيص بقلم الأستاذ علي كامل لكتاب ألفه الكاتب النمسوي ستيفان زفايج. . أنه تلخيص موفق على الرغم من أننا نود أن نضيف إليه أشياء وأن نعترض فيه على أشياء! أننا نعترض مثلاً على قول الأستاذ بأن (بلزاك كان يتأنق في فنه ويعيد تصحيح ما كتب بعد إرساله إلى المطبعة عدة مرات، حتى ضج منه الناشرون إلى درجة أن قاضاه بعضهم من أجل ما يتحملون من نفقات، نتيجة تصحيحاته وتغييراته التي لا تنتهي). . صحيح أن بلزاك كان كثير التصحيح والتغيير لما يكتب، كما بعث إليه الناشرون با (لبروفات) بقصد الاطلاع والمراجعة ولكن هذا لا يفسر بأن بلزاك كان يميل إلى التأنق شأن كتاب الصنعة البيانية. . لقد كان أبعد الناس عن التنميق والتزويق لسببين: أولهما أنه كان كتباً مكثرا إلى حد لم يعرفه تاريخ الأدب الفرنسي في يوم من الأيام، ومثل هذا اللون من الإكثار لا يتيح لصاحبه أن يحتشد للتعبير أو يتأنق في الصياغة. أما السبب الآخر فهو أن بلزاك كان رائد (الواقعية) الأول في عصره وهو العصر الذهبي للرومانسية، ومن طبيعة الكتاب الواقعيين أنهم يضيقون بتلك الأساليب الرقيقة الحالمة التي لا تناسب غير أجواء الخيال. . كان بلزاك يمثل الأسلوب الواقعي في الكتابة مبتعدا عن تلك (الحدلفة) اللفظية التي كان يزهي بها كاتب مثل تيوفيل جوتييه، ذلك الرومانسي الحالم الذي كان يضم بلزاك إلى قائمة الكتاب الصحفيين! لم تكن كثرة التصحيح والتغيير إذن عند الكاتب الفرنسي نتيجة الميل إلى التأنق وإنما كانت نتيجة السرعة التي يفرضها الإكثار. . كان يكتب ويكتب ويكتب وهو غارق في أفكاره تائه بين أوراقه، لا يكاد يشعر بأي شيء حوله غير إبريق القهوة الذي كان بالنسبة إليه قبسا من أقباس الوحي والإلهام! وحين ينتهي من الكتابة ويلقي نظرة إلى أكداس الورق التي سطرها منذ حين فلا يجدها بجواره، يدرك بمألوف عادته أن عامل المطبعة قد حضر وجمع الورق وانصرف خلال تلك الغيموبة العبقرية. . وحين تعاد إليه (البروفات) لا يجد بدا من أن يتناولها بالتعديل والتبديل لأن السرعة الفائقة تكون قد أخرجت هذه العبارة عن خط اتجاهها الفكري، أو انحرفت بتلك عن طريقها النفسي الذي يريد لها أن نسير فيه، عند رسم نموذج من نماذج البشرية أو نقل مشهد واقعي من مشاهد الحياة!.

هذا شيء وهناك شيء آخر، وهو قول الأستاذ في موضع آخر من تلخيصه لكتاب زفايج: (وما كانت صداقته بعد مدام دي بيرني كصداقته لدوقة ابرانتيز ومدام ريكامييه ومدام رولما كارو ودوقة كاستري ثم أخيراً مدام دي هانكا إلا تطبيقا لتلك العقيدة التي كونها على ضوء حبه لمدام دي تيرني، وهو أن تكون المرأة له أما وشقيقة وصديقة وعشيقة في وقت واحد). . إن الذي نعلمه ونؤكده أن علاقة مدام ريكامييه ببلزاكلم تكن علاقة حب وإنما كانت علاقة إعجاب، وأن مدام ريكامييه لم تعرف الحب الجسدي ولا العلاقة الجنسية في يوم من الأيام! وحسبها أنها قد عاشت عذراء وماتت عذراء! صحيح أنها قد أحبت في أواخر حياتها الكاتب الفرنسي شارتوبريان، ولكنه الحب الروحي البريء الذي يقتصر على أن يربط بين قلبين بروابط الود والصداقة. . ولكم حاول نابليون أن يظفر بها زوجة فما استطاع، وكل هذا يؤكده تاريخ حياتها الذي سجلناه في كتابنا (نماذج فنية)! إن كل ما كانت تحمله مدام ريكاميية لبلراك هو الشعور بالإعجاب، ولقد كانت بداية هذا الشعور يوم أن قدم إليها قصته الرائعة (المرأة ذات الثلاثين). . كان بلراك يومئذ يصعد أول درجة في سلم المجد الأدبي فاستطاع أن يصعد الدرجة الثانية، حين قدمته مدام ريكامييه هو رقصته إلى صاحب (عبقرية المسيحية) تقديما يحفل بالتقدير ويزخر بالثناء، ولم يخب ظنها فيه وهي تقول عنه لشاتوبريان إنه عبقري وموهوب!.

وبقي شيء ثالث وهو قول الأستاذ بأن قصة (لويس لامبير) هي أقوى وأعمق ما كتب بلراك. . إن الذي نعلمه ونؤكده أيضاً على ضوء قراءتنا المتواضعة وعلى ضوء تقدير النقاد، أن قصة (الأب حوريو) هي التي يمكن أن توضع في المكان الأول ثم تليها بعد ذلك قصة (أوجيني جراندية)، وإن كان دستويفسكي قد خص هذه القصة الأخيرة بالحب والإعجاب وقام بترجمتها إلى اللغة الروسية وتتلمذ عليها في بدء حياته الفنية. . وبمناسبة الحديث عن هذه القصة نود أن نقول للأستاذ علي متولي صلاح إن (أوجيني جرانديه) لم تكن (بخيل) بلزاك كما ورد في مقالة بالعدد الأسبق من الرسالة! إن (أوجيني جرانديه) لم تكن رجلاً وإنما كانت امرأة، ولم تكن بخيلة وإنما كانت فتاة على شيء غير قليل من كرم النفس وسخاء اليد، وكم لقيت في سبيل ذلك من أبيها (البخيل) ألوانا من الظلم والقهر والاضطهاد. . إن البخيل في قصة بلزاك هو مسيو جرانديه، أما أوجيني جرانديه فهي ابنه البخيل كما تشير إلى ذلك قصة الكاتب الفرنسي!.

أنور المعداوي