مجلة الرسالة/العدد 113/بين ثقافتين

مجلة الرسالة/العدد 113/بين ثقافتين

ملاحظات: بتاريخ: 02 - 09 - 1935



يتَّجه الناقد الأدبي بنظره إلى مختلف النوازع الفكرية والمتَّجهات الأدبية في هذا البلد، فلا يلبث أن يرتدّ إليه الطرف حيران؛ فما نستطيع أن ندّعي عن يقين أن لهذا العصر اتجاهاً أدبياً يُنسب إليه ويعرف به ويتسم بطابعه. ولكنها تيارات مختلفة يتنازعها الضعف والوهن، وتتوزَّعها الأهواءُ والشِّيع؛ وبين دُعاة الجديد وأنصار القديم حرب مشبوبة ومعركة هدّامة، لا نراها سيُؤذن لها أن تهدأ فتستقر إلا أن نعرف مدى هذا الجديد، وماهية ذلك القديم

ولن يتأتى لنا أن نعرف ذلك أيضاً، مادامت مناهج الدراسة الأدبية في مصر لا تعرف لها مُتجهاً ومذهباً، وعندنا عديدٌ من معاهد الأدب، يذهب كل منها مذهباً في تخريج طُلابه، ويُمثل في منهاجه الدراسي صورة مصغرة للصراع الأدبي المختلف النزعة والاتجاه بين أدبائنا الكبار!

فعندنا الأزهر، قديمٌ موغلٌ في القدم، لا يرى العلم والأدب والثقافة إلا كما كان يراها القُدامى الأولون من علمائه؛ وهو مذهبٌ في الإعداد الأدبي له قيمته وأثره، ولكن له إلى جانب ذلك عيوبه وخطره - وما نعني الأزهر الجديد الذي يخطو اليوم إلى التجديد خُطاه الأولى، بحنكة شيوخه وهمة شبابه، فانه ما يزال على الطريق، ولا نعرف أين تستقر به الغاية من الهدف الذي يرمي إليه

ولو أنا تركنا الأزهر وولينا النظر شطر الجهة الأخرى، لرأينا منهجاً جديداً في كلية الآداب، بينه وبين منهج الأزهر ما بين طرفيْ خيطٍ طويل يصل أول التاريخ بما بعد التاريخ؛ فهناك القديم الغارق في القدم، كأنما يحاول أن يقف خطْو الزمان، وهنا الجديد الغالي في الجدَّة، كأنما يحاول أن ينسلخ من ماضي التاريخ. وهناك في الأزهر يُدرس القديم ويُعنى بالقديم، بعيداً من روح العصر وسنة التطور؛ وهنا في كلية الآداب يُحاول الجديد من غير أن يستند إلى أساس من العلم القديم، وهو بذلك كذلك، بعيدٌ من روح العصر وسنة التطور؛ ومن ثم ترى في أكثر ما ينتج أدباؤنا لهذا العهد نوعين من الأدب، لو وضعت أولهما في الذروة من بلاغة الوضع وحسن الأداء، لوضعت ثانيهما في المنحدر؛ على أنك لو نظرت إليهما من ناحية الموضوع والفكرة لجعلت أعلاهما أسفل وصعدت بالثاني. . . ولكنك لن تجد في واحد منهما - على الأكثر - ما يبعثك على الإعجاب بالفكرة والأسلوب معاً، ومن هذا لا ترضى عن أحدهما في ناحية إلا أغضبك في الأخرى، ومنه جاءت الدَّعويان اللتان تسمعهما دائماً عند ما يستحرُّ الجدل بين دعاة الجديد وأنصار القديم: (هذا أدب فارغ أكثر عنايته بأسلوب الأداء دون المعنى) أو (هذا أدبٌ ساقط يتحيفُ اللغة ويُهمل الجمال الفني في اللفظ)

وكلتا هاتين الدعويين صادقة من وجه؛ لأن الأدب فكرةٌ وبيان، لا يتم تمامه إلا بهما معاً؛ وأنت قلما تجد بين الكاتبين والشعراء من أدبائنا من بجمع إلى جمالِ الفكرة جمال الأسلوب

ولو قد تركنا الأدب في ناحية وأردنا أن نعرف اتجاه الثقافة في مصر بوجهٍ عام، وأثر ذلك في أخلاق أبنائها وفي المثُل العليا التي ينشدونها - لوجدنا مثل هذا الاضطراب وتلك الفوضى، ففي الأزهر ثقافة دينية، ولكنها جامدة لا تتطور، واقفة لا تتحرك، مغلقة من دونها الأبواب فلا تؤثر تأثيرها إلا في أبناء الأزهر وحدهم، أو في المحيط الضيق الذي يضطربون فيه من قسُراهم

على أن في جمود الأزهر مدى طويلاً، قطعاً بين الأزهريين وبين عصرهم، ومن ثم أخذت الثقافة الدينية تتقلص رويداً رويداً، حتى غدت مقصورة على طائفة قليلة من أبناء الريف، وبدأ تأثير الأخلاق ينحسر تبعاً لذلك حتى نوشك بعد قليل ألا نرى أثراً له في نفوس الكهولة والشباب منا

إلى جانب ذلك أخذت الثقافة المدنية في مدارس التعليم العام تفتن أبناءنا بالمناصب والوظائف والسلطان المرموق، فاتجهوا إليها بعقولهم وأفرغوا لها أنفسهم، حتى ما يكاد أبٌ يفكر في تعليم بنيه وبناته إلا ذهب إلى هذه المدارس المدنية

ومنهاج التعليم في هذه المدارس هو ما نعرف، وهو ما يشكو منه واضعوه والقائمون عليه، ولعل شر عيوبه انه لا يرمي إلى غرض عام من أغراض التربية الصالحة، وأنهُ يُعنى أكثر ما يُعنى بتلقين المعلومات وتحفيظ النظريات، فلا الدين، ولا القومية، ولا الأخلاق، ولا المثُل العُليا؛ ومن ثم كانت القومية مريضة، والدين الزائغ، والأخلاق المنحلة، والأمثلة الدُّنيا

هذان نوعان من التربية وأساليب التعليم في مصر، يكاد الشعب بهما أن يكون طائفتين مختلفتي الخلق والثقافة والتفكير كأنما تعيشان في عصرين مختلفين، وهاتان الطائفتان من متعلمينا وهذان المذهبان في التربية المصرية، هما اللذان يكشفان عن سر الاضطراب في الثقافة المصرية، كما يكشفان عن مقدار الفوضى في اتجاهنا الأدبي

وإننا بسبيل هذا البحث لنُحاول أن نتعرف أي هذين المذهبين ستكون له الغلبة، وأي هاتين الثقافتين أجدر بالبقاء؟

إن تيار العصر يجرفنا في مسراه فما يدع لنا الفرصة أن نتلبث قليلاً لنعرف موقفنا، على أن كلتا التربيتين لا تجديان علينا الجدوى التي تقربنا إلى المثل الأعلى الذي ننشده؛ ولسنا بمستطيعين أن نظل أبداً نحلم بالماضي والحياةُ تتقدم، ولسنا بقادرين على أن ننسلخ من هذا الماضي ونخلع قوميتنا لنعدو في غبار الأوربيين، فلا غنى لنا عن المزاوجة بين هاتين الثقافتين والمزج بينهما، لنخرج من ذلك بمنهج تعليمي صالح، يحفظ علينا قوميتنا، ويصل بين ماضينا والعصر الذي نعيش فيه

على أن فوضى الأدب ودعوى الجديد والقديم، يجب أن ينتهيا إلى غاية؛ فما في اللغة والأدب جديد ولا قديم، وما حسن أن نتنكر لتراث أدباء العربية الماضين بدعوى التجديد، ولا أن ننكر حكم العصر وسنة التطور بالدعوة إلى القديم؛ فما ينهض هذا إلا بذاك، وما يستطيع بانٍ أن يبني على غير أساس، ولابد لمن يتهيأ لحمل رسالة الأدب لينشئ فيه الجديد الذي تُنصت له الدنيا ويفاخرُ به العصر، أن يأخذ لهُ عدته ويتزود بزاده: فيتوفر على دراسة الأدب القديم، ويستمع إلى أئمته، ويروى عيونه، ويستظهر من روائعه، ثم يأخذ بسببٍ من كل علمٍ وفن مما يعرفه عصرُه، فإذا اجتمعت له الأسبابُ واستكمل الأهبة، عاد إلى دنياه التي يعيش فيها، وإلى عصر الذي يتصل به، وإلى الأحداث التي تنفعل بها نفسهُ، وإلى عواطفه التي انطبعت فيها صورة دنياه؛ ثم ليُنشئ ما ينشئ، فسيأتي بالجديد في الديباجة الصافية، وبالمعنى البكر في العبارة المستقيمة، وبالشعر الرائق في اللفظ الجزل، وبالفكر العميق في البيان الساحر

ولكن أين نجد هذا مما يدرس هنا وهناك، وما نجد هنا وهناك إلا فكراً بلا بيان، أو بياناً بلا فكر؟ وما نرى هناك وهنا إلا رطانة مستعربة، أو عربية فارغة، نسميها الجديد والقديم!

على أن في مصر مدرسة نحمد أثرها، ونذكر يدها على الأدب والثقافة العربية، هي مدرسة دار العلوم، فهي الصلة بين الثقافتين، والملتقى بين الغريبين؛ جمع منهجها بين الثقافة العربية والإسلامية التي تدرس في الأزهر، والثقافة المدنية التي تدرس في المدارس العامة؛ فإلى جانب دراسة الدين، ونصوص اللغة، وتراث السلف من أدباء هذه الأمة وعلمائها - يدرس التاريخ، والفلسفة، وأشتات من الرياضة والعلوم والفنون والآداب؛ فمن أجل ذلك كان لدار العلوم هذا الأثر القوي في النهضة الأدبية الحاضرة، وكان لأبنائها السبق في كثير من ميادين الإنتاج؛ وأنت ترى فيما يبدعه الكتاب والشعراء من أبناء دار العلوم، طابعا خاصا قلما تراه فيما ينتجه غيرهم من الكتاب والشعراء؛ ذلك لأنهم درسوا القديم دراسة روية وفهم، وعاشوا في عصرهم كما يعيش أهله؛ فلم ينسلخوا عن ماضي أمتهم، ولم يتخلفوا عن عصرهم، فكانوا بذلك صلة التاريخ بين ماضيه وحاضره

تلك شهادة الحق لهذه الدار التي أنشأها إسماعيل منذ ستين عاماً ونيف، فنهضت بتبعاتها على أكمل وجه، وأدت أمانة العلم أحسن أداء، نذكرها لها منصفين في الوقت الذي تحاول فيه أحداث الزمان أن تنال منها وتنكر جدواها

على أن فضل هذه الدراسة ليس مقصوراً على أثرها في اللغة والدين؛ فلعلها المدرسة الوحِدة التي تخرج المدرس القومي، والمدرسُ في بلدنا - كمناهج التعليم في مدارسنا - لا يراد منه أن يمثل الروح القومي أكثر مما يراد منه أن يكون مدرس مادة بعينها، ولكن خريج دار العلوم بحكم ثقافته وتربيته، هو وحده يمثل الروح القومي أصدق تمثيل، بعربيته، ودينه، وخلقه، ومكانه من زمانه؛ فليت وزارة المعارف عرفت له ذلك فلا تدعه في هذه الدائرة الضيقة من برنامج عمله المحدود، فان مصر في حاجة إلى هذا الروح القوي ليبعث في التلاميذ من أبنائها معنى القومية وينشئهم التنشئة القويمة التي تؤهلهم لحمل تبعات الجهاد في المستقبل القريب

ونحن مستيقنون أن دار العلوم يوم ينفسح لها الميدان لتؤدي رسالتها ويمكن لها لتنهض بما استعدت له، ويزاد في مناهجها ما يؤهلها لأن تنظر في كل جديد فتتبع أحسنه - نكون قد عرفنا الاتجاه الأدبي الذي نسير إليه، ورسمنا لنا في الثقافة منهاجاً صالحا، لا يمكن للأجانب أن يغزونا في آدابناً وعقولنا، بعد أن نالوا منالهم من أرضنا وأموالنا.