مجلة الرسالة/العدد 122/معركة عدوى

مجلة الرسالة/العدد 122/معركة عدوى

مجلة الرسالة - العدد 122
معركة عدوى
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 04 - 11 - 1935

2 - معركة عدوى

للأستاذ الفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان حرب الجيش العراق

وفيما يلي وصف الأرض العام في بلاد الحبشة: في الساحل أرض سهلة رملية، والرطوبة فيها تبلغ درجة عالية في موسم الأمطار، وحرها لا يطاق ألبتة؛ وكلما تقدمنا من الساحل إلى الداخل ارتفعت الأرض واختلفت تربتها وتنوع شكلها، فتكون ترابية وحصوية فصخرية فكلسية وهلم جرا، وتأخذ في التموج، وهذا التموج يجعل الأرض في بعض المحلات جبلية ذات غابات وأدغال، وكلما زاد الارتفاع كثرت الوديان الضيقة المكسوة بالغابات والأحراج الكثيفة. والانحدار في حافات الجبال شديد يحول دون تسلقها؛ والطرق فيها مسالك ضيقة تسلكها الدواب بصعوبة. وإذا ما دخلنا الهضاب اشتدت الوعورة، وازدادت المناعة. فالجبال تعلو في انحدار شديد، ويسيطر بعضها على البعض الآخر، وتكثر فيها المكامن والمضايق والفجوات والوهاد.

وقد شق الطليان طريقاً في مستعمرتهم اريترة يربط الميناء (مصوع) بالعاصمة (أسمرة)؛ وقد أنفقوا على شقه مبالغ طائلة من جراء انحدار الأرض وكثرة الوديان فيها؛ وكذلك السكة الحديدية التي تربط (مصوع) (بأسمرة) فإنها تعتبر من أرقى ما بلغه الفن الهندسي في مد السكك الحديدية، لأن السكة تتسلق الجبال ملتفة حولها عابرة على عدة جسور وملتوية الالتواء كله.

وتستطيع القوات القادمة من الساحل بفضل وسائط التجهيز والتموين السير في الأرض السهلة والأرض المتموجة، وإذا ما وصلت إلى السفوح الغربية بتوقف السير لمناعة الأرض وصعوبة سير العجلات والدواب فيها. ومع ذلك نجد أن فقدان المياه في الأرض السهلة والمتموجة مما يحول دون تسيير قوات كبيرة فيها.

الأمطار والبحيرات

والحقيقة أن بلاد الحبشة مدينة لغزارة الأمطار التي تنزل فيها، فهذه الأمطار تسقي بلاد الحبشة فتدر بركاتها على البلاد المجاورة لها، وتنزل الأمطار في بلاد الحبشة مرتين في السنة، صيفاً وشتاء؛ والصيف موسم الأمطار الطويل، فتبدأ الأمطار في هذا الموسم في أوائل آيار إلى نهاية أيلول، وتقع غالباً بعد الظهر، وتنزل بغزارة، وتقلب الأرض السهل والمتموجة إلى بحيرات وسيول في مدة قصيرة، وتجري هذه المياه بسرعة الوديان الجافة إلى البحر، وبعض الماء تبتلعه الأرض.

وأما موسم الأمطار في الشتاء فهو شهرا كانون الثاني وشباط، والمطر فيه قليل. وأجل الأنهار شأناً في بلاد الحبشة هي تلك التي تنبع من السفوح الغربية في المنطقة الجبلية الداخلية وتصب في نهر النيل.

فنهر (صوباط) مثلاً يتكون من فرعين، ويجري في الجهة الجنوبية الغربية؛ ونهر (أباي) ينبع من بحيرة (تانا) وهو يؤلف القسم الأعلى من نهر النيل الأزرق.

وفي الشمال نهر (عطبرة) وهو يتألف من نابعين: نابع (مارب) في الشمال، ونابع (نكازة) في الجنوب، وبعد أن يسقي مقاطعة (تيجري) يجري شمالاً ويصب في نهر النيل في عطبرة شمالي الخرطوم.

ولنهري أباي وعطبرة تأثير شديد في اقتصاديات السودان؛ فالأمطار الصيفية تملأ أحواض هذين النهرين، فيفضيان بها ويسقيان مزارع السودان ويتركان الرسوب الغرينية في المزارع.

وبحيرة (تانا) التي تمثل دوراً خطيراً في تاريخ الحبشة من حيث تأثيرها في مياه النيل تعلو عن البحر 1700متر، وتبلغ مساحتها زهاء 3000كيلو متر، وتحيط بها الجبال من كل جانب ,

وفي الجنوب وديان كثيرة تأتي من حافات الجبال، وأهمها نهر وادي (جبة) وهو الذي ينبع من الحافات الجنوبية للمنطقة الجبلية الداخلية ويجري في الأرض المتموجة والسهلة.

وتبدأ الوديان من حافات الجبال الشرقية، وتمتد إلى السهول، وإذا ما نزلت الأمطار جرت فيها المياه.

ومن المياه ما تتكون منه البحيرات الجنوبية في أرض الحبشة؛ وهذه البحيرات واقعة على طول الخط الممتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، وتنتهي في شمالي بحيرة (فيكتورية) وأخطر هذه البحيرات بحيرة (رودولف) في الجنوب وبحيرة (استفاني) في الشمال.

تقسيم الأحباش البلاد والأحباش أنفسهم يقسمون بلاد الحبشة إلى ثلاثة أقسام من حيث أوصافها، وإليك بيانها:

القسم الأول: وهو القسم المنخفض، ويتفاوت الارتفاع فيه من (1000 إلى 1800) متر، وهذا القسم حار وتتفاوت درجة الحرارة فيه من 20 إلى 40 درجة سنتغراد؛ وفي هذا القسم المقاطعات (هرر) و (كانا) و (يديتو) و (سيدامو) و (شافكالة)؛ والحرارة في المحلات المنخفضة، وفي الوديان لا تطاق؛ والزرع فيه هو الذرة. وفي المحلات المرتفعة من هذا القسم يزرع قصب السكر والقطن والزعفران والموز والتمر الهندي والبن والنخيل وغير ذلك.

القسم الثاني: وهو القسم المتوسط من حيث ارتفاع الأرض إذ يتفاوت العلو فيه من (1800 إلى 2400) متر. وتختلف درجة الحرارة فيه من 14 إلى 19 سنتغراد، والهواء فيه جيد، والربيع دائم، وتكثر فيه المياه والغابات.

القسم الثالث: وهو القسم المرتفع ويتفاوت الإرتفاع فيه من (2400 إلى 3400) متر، ومناخه يشبه مناخ جبال الألب، والشتاء فيه شديد وبرده قارص. وتختلف درجة الحرارة فيه من 10 إلى 12 سنتغراد ويجمد الماء في الليل. وبينما نجد القسم الأول جهنم الحبشة نرى القسمين الثاني والثالث جنتها.

التقسيمات الإدارية

تنقسم بلاد الحبشة إلى عدة مقاطعات، ويحكم كل مقاطعة رأس، وهو بمنزلة ملك تلك المقاطعة وله سلطة مطلقة عليها نالها إرثاً بحقوق الإقطاع. وكثيراً ما أطلق عاهل الحبشة على نفسه ملك الملوك بعد إخضاعه الرءوس في المقاطعات وتوحيده المملكة.

وفيما يلي المقاطعات الخطيرة: -

(أ) مقاطعة (تيجري) وهي واقعة في الشمال ومتاخمة لأريترة الصومالية والسودان، وفيها العاصمة المقدسة (أكسوم).

(ب) مقاطعة (أمحره)، وهي واقعة إلى جنوبي مقاطعة تيجري ومتاخمة للسودان.

(ج) مقاطعة (غوجام)، واقعة إلى جنوبي مقاطعة أمحرة.

(د) مقاطعة (شوعا)، وهي من أخطر المقاطعات وفيها عاصمة الدولة (أديس أبابا).

(هـ) مقاطعة (كاتا)، وهي واقعة إلى الجنوب ومتاخمة للسودان ولمستعمرة أوغاندة البريطانية وفيها يزرع البن.

(و) مقاطعة (أوجادن)، وهي واقعة إلى الجنوب الشرقي ومتاخمة للصومال الطلياني.

نبذة من التاريخ

يزعم العلماء الضليعون في معرفة الأجناس والشعوب إن الأحباش هاجروا من جزيرة العرب إلى إفريقية عن طريق اليمن، ويعللون انتماء اللغة الحبشية إلى اللغات السامية بتلك الهجرة.

والمحقق أن الأحباش احتكوا بالمصريين في قديم الزمان واقتبسوا منهم بعض مظاهر الحضارة؛ ولما امتدت فتوح المصريين إلى بلاد النوبة والسودان إشتدت هذه العلاقة. ويؤيد التاريخ إستيلاء الأحباش على مصر العليا وتأسيسهم أسرة حاكمة هناك. ويزعم الأحباش أن الملك منليك الأول هو ابن سليمان من بلقيس ملكة سبأ. وشاعت النصرانية في الحبشة في أوائل القرن الرابع بعد الميلاد ورسخت فيها بعد ذلك. والمعلوم أن أبرهة قائد القوات الحبشية الذي استولى على بلاد اليمن وتقدم نحو الحجاز كان نصرانياً. والشائع أن الداعي إلى هجوم الأحباش على اليمن هو الانتصار لبني دينهم أهل نجران.

وكان الأحباش يدينون بالنصرانية لما هاجر المسلمون إلى الحبشة فراراً من الاضطهاد. وشاعت اليهودية في الحبشة في عهد هذا الملك. وتخليداً لهذه الذكرى أحدث ملك الحبشة في سنة 1874 وساماً سماه (وسام خاتم سليمان).

وفي القرن السادس تبع الأحباش الكنيسة المصرية التي اعتقدت أن ليسوع (عيسى) طبيعة واحدة، وانضوى الأحباش من ذلك التاريخ لبطريرك الإسكندرية.

وفي القرن السابع استفاد اليهود القاطنون في الحبشة من الإنشقاق في العقيدة المسيحية، واتفقوا مع المعارضين والوثنيين وتغلبوا على الأحباش فأخرجوهم من مقاطعة أكسوم وحكموا البلاد زهاء مائتي سنة. وفي نهاية القرن الثامن قضى (لاليبا) على حكم اليهود ورجع الأحباش يحكمون بلادهم معتنقين المذهب اليعقوبي.

المسلمون والأحباش ولم يتوجه العرب في عهد فتوحهم نحو بلاد الحبشة بل اكتفوا بالاستيلاء على بلاد مصر والسودان فقط، وذلك على ما نعتقد لسببين: أولهما بُعد بلاد الحبشة عن طريق الاستيلاء ومناعتها، وثانيهما ذكرهم للأحباش بخير لأنهم آووا المسلمين الأولين وآمن نجاشيهم برسالة الرسول.

وفي القرن الثامن عشر ثارت الحروب بين الأحباش والمسلمين الذين أحاطوا ببلاد الحبشة من كل جانب. وقبل منتصف القرن الخامس عشر احتك البرتغاليون بالأحباش من أجل الحصول على موانئ صالحة في مغامراتهم في بحر المحيط الهندي، وسعوا لتأسيس علاقات ودية بينهم وبين الأحباش، وعقدوا أول معاهدة في سنة 1515؛ وكان من نتائج هذه المعاهدة أن المسلمين أخذوا يتوغلون في بلاد الحبشة لمحاربة الأحباش حلفاء البرتغاليين، وكلما انتصر المسلمون على البرتغاليين في البحر الأحمر وفي خليج عدن انتقموا من الأحباش الذين ناصروا البرتغاليين في حروبهم.

وفي سنة 1517 تحرك جيش كبير من المسلمين من (زيلع) وهجم على بلاد الحبشة واستولى على (أكسوم) العاصمة المقدسة، و (جوندار) عاصمة المملكة. وبعد أن مد البرتغاليون الأحباش بالمدافع وتولى (كريستوفوس دغاما) قيادة الجيش الحبشي انكسر المسلمون وانسحبوا.

ولما استولى العثمانيون على مصر اشتدت علاقة الترك بالأحباش، وأخذ سلاطين آل عثمان يساعدون المسلمين في البحر الأحمر على محاربة البرتغاليين والأحباش، وكان من نتائج ذلك أن استولى العثمانيون على مصوع وبربرة وهما من موانئ الحبشة، وتوغلوا في الداخل، وأخذ المسلمون القاطنون في السهول يشددون العزائم للهجوم على بلاد الحبشة ويسعون لنشر الدين الإسلامي فيها.

(يتبع) طه الهاشمي