مجلة الرسالة/العدد 13/رأي في أوراق الورد

مجلة الرسالة/العدد 13/رأي في أوراق الورد

ملاحظات: بتاريخ: 15 - 07 - 1933



للآنسة عفيفة سيد

قلنا في العدد الحادي عشر في معرض الرد على الآنسة الفاضلة عفيفة (إن في الأدب العربي الحديث طرفة من هذا النوع الذي تريدين (الرسائل الغرامية) هي آية من آيات الفن في دقة الصنعة، ولعلها لا تقل جمالا عن تماثيل (فدياس) وصور (رفائيل) ولكنها كهذه التماثيل وتلك الصور ينقصها شيء واحد هو كل شيء: ذلك هو الروح)

أردنا بتلك الطرفة أوراق الورد (وقد كتبناها سهوا رسائل الورد) للأستاذ الرافعي. ثم رجونا من الآنسة عفيفة أن تقرأها وتبدي رأيها فيها، فقرأتها ثم بعثت إلينا بهذه الرسالة.

سيدي الأستاذ:

ما كان الأمر يحتاج إلى رجاء (فرسائل الورد) أو (أوراق الورد) أسم مشوق يستميل القلب ويستهوي النفس. ومن ذا الذي لا يسرع إلى أوراق الورد لتبهج قلبه، وتزيل كربه، وتهذب إحساسه، وتغذي خياله؟

غير أني لم أكد أطالع رسالتين من رسائل الورد حتى عرفت سبب الرجاء، وقلت لعل الأمر كان يحتاج إلى ألف رجاء. إذ وجدت إن من العسير علي بل من المتعذر أن امضي في مطالعتها، وكدت أن ابعث إليك برأيي فيها مكتفية بما طالعت، غير أني وجدت من الإسراف أن احكم على الكتاب بقراءة رسالة أو رسالتين، فمضيت في المطالعة والله يعلم كم مرة انقبضت نفسي، وكم مرة اعتراني الملل، حتى زهدني في أن أدلي برأيي فيها.

ولعلك يا سيدي الأستاذ لو كنت دفعت بي إلى الوراء سبعمائة عام مضت لوجدت في (البهاء زهير) صورة صادقة لنفسي، ومرآة جلية لعواطفي وشعوري، بل لذكرني لفظه الرقيق ومعناه الدقيق رقة طبيعة مصر وعذوبتها، بل لوجدت في مقطوعاتها الحية ما يجعلني أن أتخيل إن كاتبها معاصرا لنا اكثر من كثير من معاصرينا الموجودين.

حاولت أن أقف على الفكرة التي تدور حولها (أوراق الورد) فلم أوفق، فهي رسائل مفككة لا يتصل بعضها ببعض، لا تترجم عن عواطف صحيحة ولاعن شعور صادق. يعرض علينا الكاتب عواطف مبهمة فيها تكلف وفيها صنعة، دون أن يبعث فيها شيئا من شخصيته وميوله وعواطفه. لا أثر فيها لروح الجماعة أو البيئة التي خضع لها الكاتب. هو متك متصنع، وإلا لأطلق لشعوره العنان وترك نفسه على سجيتها، فلا يتسامى عن وصف الحياة الاجتماعية، ولاعن الحوادث اليومية، مما يسميه هو حشواً، لأن المترجم الصادق هو من يعني بالصغيرة قبل الكبيرة فلا يتقيد بقيود لفظية ولا معنوية ولا يضع بيننا وبينه حجابا كثيفاً.

يسير الكاتب إلى غرضه في المعنى القليل إلى كثير من التعقيد اللفظي، ليخلق منه فلسفة، فإذا أراد أن يقول ما قاله شوقي:

لا أمس من عمر الزمان ولا غد ... جمع الزمان فكان يوم لقاك

يقول في صفحة 245:

(قد عرفنا أن لنا أعماراً محدودة، أفلا يجوز أن ساعات الهناء والسعادة إنما كانت محدودة لأنها أعمار لأعمارنا؟ فبضعة أشهر من الجفاء أو البعد يكون عمرها هو ساعة اللقاء التي تنفق بعدها، وسنة كاملة من عمل يكون عمرها يوم سرور إن كان هذا صحيحا فما أقصر عمرك يا عمري!. . .)

فها هو ذا شعر شوقي لرقة لفظه وسهولة معناه، يكاد أن يكون نثراً، أما نثر (أوراق الورد) فمحتاج إلى طول أناة لتعرف قصده وتقف على مرماه.

أنا يا سيدي الأستاذ لم أعرف السر في توجيهك نظري إلى (أوراق الورد) فإذا كان قصدك أن تدفع بالبرهان قولك: إن الفن وحده لا يوجد الشعور فهذا الكلام لا يحتاج إلى برهان، وأنا مؤمنة به كل الإيمان. وأما إذا كنت تعني جادا أن تطلعني بقراءتها على جمال في الأدب العربي الحديث، لعله لا يقل جمالا عن تماثيل (فدياس) وصور (رفائيل)، فأرجو ان يسمح لي سيدي الأستاذ ألا أشاركه هنا الرأي، فأوراق الورد لا جمال فيها إذ لا معنى لها، والمعنى مصدر الروح، وهو إن حلَّ في الشيء المادي كونه وناسب بين أجزائه، وجعلها وحدة لا تنفصم.

إذن لا جمال حيث لا روح ولا وحدة ولا تعبير والمعنى مصدرها جميعا.

أرجو أن يتفضل سيدي الأستاذ فيدلني على موضع الجمال فيما سأنقله إليه نموذجاً لما اشتمل عليه الكتاب (من رسالة في العتاب صفحة 207)

(. . . ما هذا يا سيدتي وليس خيط عمري في إبرتك. . . ولا ما يتمزق من أيامي تصلحه (ماكينة الخياطة) بقدرتك، وان كنت أنا أقل من (أنا)، فلست أنت بأكثر من (أنت)

(. . . فان كان قلبك يا سيدتي شيئا غير القلوب فما نحن شيئا غير الناس، وان كنت هندسة وحدها في بناء الحب، فما خلقت أعمارنا في هندستك للقياس، وهبي قلبك خلق (مربعاً) أفلا يسعنا (ضلع) من أضلاعه؟ أو مدوراً أفلا يمسكنا محيطه في نقطة من انخفاضه أو ارتفاعه؟ وهبيه (مثلثاً) فاجعلينا منه بقية في (الزاوية) أو (مستطيلاً) فدعينا نمتد معه ولو إلى ناحية. . . ما بال كتابنا يمضي سؤالاً من القلب فيبقى عندك بلا (جواب) ونبنيه نحن على حركة قلوبنا فتجعلينه أنت مبنياً على (السكون) ثم لا محل له من (الإعراب). . . الخ).

أما الصور والتماثيل التي تفوز منا بإعجاب الجمال، فيكاد أن يكون لها روح، أو لها روح بالفعل من معانيها التي حدت بعبقرية المثال أو المصور إلى تصوير الأفكار الجيّاشة بمخيلته، فهي معبرة عن الرجاء، أو الحب، أو الحكمة، أو الخوف، أو الوداعة، أو الطهارة.

وسقراط كان يقول عن خبرة انه يجب على المثال أن يصور حالة الذهن في تمثاله، وكانت تماثيل الإغريق لها أثر كبير في تقرير مزاج الأمة. هذا رأيي في (أوراق الورد) وكم أحب أن اقرأ كلمة الأستاذ الفاصلة. . .

والرسالة تترك الكلمة للأستاذ السيد مصطفى صادق الرافعي

إلى الصديق الراحل